|
كابوس الظهيرة
|
|
|
حسين عبد الخضر
كانت تتأرجح بخدرها مشوشة الذهن ، غير مستيقظة لكنها لم تكن نائمة ، فما زالت الأصوات تتسلق سمعها إلا أنها لا تلج وعيها بوضوح ، لا تعرف إذا كانت تأتي من الخارج وليس من حافة الحلم . يكاد ذلك يتكرر كل ظهيرة من موسم الحر تكرارا لذيذا ، انه أشبه بالسكر أو بداية النشوة التي لا يبدو أنها ستنقضي مع إنها تتبخر كل مرة على حدود النوم عندما تصبح الأحلام عالما ثانيا . صغارها يلعبون في الحديقة ، هذا ما يجب أن يحدث الآن . يستترون بالظلال ويراوغون أشعة الشمس الحادة في سباق لا يدرك كنهه سواهم . لا تميز بين صرخاتهم المتداخلة أو جري أقدامهم المتواصل ، فهم يركضون باستمرار علهم يدركون الباب الذي يلجونه إلى السنين القادمة . يتقاذفون أيامهم كرات وطائرات ورقية وحين ينهك التعب أجسادهم الطرية أو يطل الليل بهمس أشباحه وجنياته يأوون إلى الأسرة ويلوذون بعالم النوم ، تتفجر الأنوار أمام أنظارهم وتأخذهم معها إلى حدائق أخرى لأزهارها قوام الطيف وعطر الأيام القادمة . في كل ليلة تتفقدهم وتلاحق التغيرات التي تنبت على سحنهم ، وفي كل ليلة تجد أنهم قد تغيروا . شعيرات طرية تتلألأ على ذقن أكبرهم ترسم ملامح شاب جميل سوف يقف أمامها بعد سنوات . يثير ذلك في نفسها شعورا ناعما كما لو أنها تتمدد على سرير غير مبالية بشيء ولا تطمع بغير الإبقاء على لذة التأرجح بين عالمين . سمعت أو هكذا بدا لها صوت رعد بعيد ورنين حاد لمطرقة كبيرة تهوي على سندان بلا ملل . تكاثرت المطارق والسنادين وأصبح العزف جنونيا ، غير منسجما تتخلله أصوات حادة لحناجر معصورة . أظافر حادة لساحر شرير تمزق وجه الكون فينزف جثثا متعفنة . الرعد يعلو ويبتعد في إيقاع غير متزن كما لو انه زئير وحش متردد لا يجيد اختيار لحظة الانقضاض . أصبح كل شيء يهتز ويدور على ذلك النغم المجنون ، يهرب إلى الأعماق . تخيلت إنها تفتح عينيها على حلم مريع ، أرادت الهروب إلى حافة الحلم ، لكن الاهتزازات صارت أكثر قوة ولم تتوقف المطارق عن جلد السنادين ولا الحناجر المعصورة عن إرسال إشارات الفزع . ربما تكون قد سمعت أصوات أطفالها تعلوا وتتوحد مع المعزوفة وتخبط جريهم فأصبح نكوصا عن الأبواب . الاهتزاز يشتد وكأن يدا جبارة ، حاقدة تريد اقتلاع البيت . الرعد يقترب وكأن السماء جمعت غيومها تحت السقف . رأت المطرقة تهوي وجسدها يرتفع عن السرير فيلتصق بالجدار ويهوي إلى الأرض كورقة عبثت بها رياح الخريف . استقرت في غياب لا يؤدي إلى النوم عبر نفق اللذة . لا احد يعرف ذلك فعلا أو يستطيع التأكيد على أن هذا هو ما حصل بالضبط ، لكنه ربما يكون قد حصل فلا شيء اقرب إلى الواقع منه كما يؤكد الناجون من كابوس تلك الظهيرة . فتحت عينيها في عالم غريب . كتلة ملوثة بالدم تزحف بين جدران مهشمة وقطع أثاث مبعثر يبعث بالدخان ، كأنه أثاثها . زحفت حتى الحديقة فشاهدت أعضاء بشرية مبعثرة بعناية في زوايا المشهد ، أقدام توقف فيها الجري ، اكف غادرتها خيوط الطائرات الورقية وقطعة من الجلد تشوهت عليها شعيرا طرية . ارتدت صرخاتها إلى الأعماق كأعمدة من الجليد . جمعت كل ما تبقى لديها من قوة أوراق الخريف وراحت بحث عن باب يقودها إلى اليقظة حيث أطفالها يتسابقون في الحديقة .
|