إجترار

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 28 -- شباط  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف

 

الأفتتاحية

من أجل تحرر النص المكتوب في الداخل: سلام إبراهييم

 

مقالات ودراسات

أسماعيل الشيخلي في ذكراه الرابعة: خالص عزمي
أديب كمال الدين: د. عدنان الظاهر
الأسلام السياسي والعلمانية: محمد الحنفي
مديح السلطة والتضخم الأيدلوجي: نزار آغاي
العراق عند مفترق طرق: شاكر الأنباري
أطوار بغداد:  شاكر الأنباري
عودة إلى "مالك بن الريب": محمد شمس الدين

 

شعر


نصوص شعرية: حسين الهاشمي
معرة الاكراد .. حلبجه: عبداللطيف الحرز
من بقايا الوجع الممتد: آزاد أسكندر
خمس زهرات من جنائن شتى:  د. حسن البياتي
قصيدتان: مجيد الأسدي

العذابات المجهولة لزينة الغريبة: محمد الكاظم

قصيدتان:  وفاء عبد الرزاق
العودة إلى جهنم:  باسم عواد
مع ذاتي بالذات:  سامي العامري
العلية أزرا باوند: ترجمة آزاد أسكندر

بيني وبينك زهر أيلول: إبراهيم القهوايجي

قصائد عن النمساوية  هيبيك: ترجمة بدل ! رفو المزوري
قصائد عن السويدية بوكار ربلان: ترجمة محسن عواد
قصائد عن الكردية دلشا يوسف: ترجمة صلاح برواري

قصص

حب ورعب: كليزار أنور
كابوس الظهيرة: حسين عبد الخضر
لا شيء: فاطمة المزروعي
مساء الأحتراقات: زيد الشهيد
أستغاثة: صبيحة شبر
أعتذر لفقدك: أحمد مطير عباس
من أوراق يزيد بن مفرغ الحميري: د. ماجد الحيدر
قصص قصيرة جدا: نواف خلف السنجاري
أنا والسيد وقرية تَبيغة: رافع  الصفار

إجترار: خالد صبيح
أزقة الروح: سلام إبراهيم
الكاتب والمومس: سلام كاظم فرج آلياسر  
قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين: اعتقال الطائي

رواية


تاريخ العائلة ـ رواية كاملة:  حسين عبد خضر
مهرة بلا فارس ـ القسم الثاني:  وفاء نصر شهاب الدين
فصل من رواية ـ سواقي القلوب:  إنعام كجه جي
فصل من رواية ـ كتابة على التراب: عبد الجبار ناصر

متابعات

سواقي القلوب: هدى إبراهيم

حوارات

حوار مع جواد الأسدي عبثية الحالة العراقية: أنور بدر
حوار مع سلام إبراهيم: علي الشباني
حوار مع أتوري سكولا:  ترجمة بسام حجّار

يوميات

يوم من حياة الطاهر بن جلون

 

مدن وجوه أرياف

 

الزبير فردوس نجد والبصره المفقود: رزاق عبود


مسرح

 رواد تجريب في الكتابة المسرحية : د. محمد المديوني
جواد الأسدي يقدم قراءته لمأساة العراق: مناضل داوود
نص موجز للحرب ـ مسرحية : هادي المهدي

سينما

الطبول: فلم جديد للمخرج الكردي هونر سليم  خليفة
فيلم  يثير الرعب ويهدد بفتنه طائفية: وائل عبد الفتاح

فن تشكيلي

معرض في العاصمة الفرنسية: أسعد عرابي

مقالات قصيرة

ثلاث مقالات:  لكاظم الحجاج

كتاب الشهر

رؤيا اليقين: راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

 

 

www.iraqiwriter.com

عودة الى موقع الكاتب العراقي

الرجاء زيارة موقعنا الثاني

موقع الفنان العراقي والمتخصص بفنون التشكيل

www.iraqiartist.com

 

 

خالد صبيح

 

أيقظتني ظلال الشمس عبر الستارة  فأدركت من انعكاس أشعتها الجذاب أنها علامات صباح دافئ. كانت شمسا   متوهجة بشقرة الخريف تبث عبر نورها نسمات رقيقة تشيع إحساسا منعشا بطزاجة النهار. لكن هذا الانطباع فسد بأول فكرة خطرت في ذهني وأنا انظر في سقف الغرفة الباهت مع شعور بالإعياء مبتدءا أولى أفكاري العرجاء:

 

<إن طزاجة الصباح تشعرني أكثر من أي وقت آخر بخيبة أملي بنفسي. وشعوري  بالخيبة هذا لايني يتكرر مع كل صباح ليؤذن بيوم عكر، يوم ابدي يأخذ ذات الهيئة من علامات الندب للحظ العاثر في كل مرة يطلع فيها النهار.>

 

تحرك الصغير متململا في فراشه.

نظرت إليه بشرود. فكرت:

كلما يكبر يكبر معه الخطأ.

كانت هي تتحرك ببطء كعادتها في المطبخ. قالت بصوتها البعيد:

ـ  أيقظ الطفل كي نفطر!

- دعيه ينام، لو كان قد شبع نوما لصحا بنفسه.

- بلا تنظير..  أيقظه!

 

المناكدة مرة أخرى. نفتتح يومنا بالسخرية . لاباس.

 

ذهبت إلى سرير الطفل وداعبته، تململ، ضربته ضربات خفيفة على مؤخرته، رفض النهوض ضاحكا، رفعته وسحبت إناء البول من تحت السرير، وأنزلت سرواله.

 

- هيا بول!

 

أجاب بصوت ناعس وهو يضحك:

 

- ما عدني بولة.

 

    - بول!

 

صحت بحدة مازحا، قهقه وتقطعت كلماته بالضحك:

 

- ما عدني بولة.

 

<من أين لهذا الصغير أن يدرك ماسببه وجوده من آلام وما سوف يعانيه هو من ذلك.>

 

صاحت من المطبخ:

- اترك الطفل! مو من الصبح.

 

تأففت بانزعاج وصحت:

 

- اعتقد انك نسيت انه ابني أيضا ولي الحق أن افعل مااحب معه.

 

- تعال لتأخذ الطعام إذن!

- لم انته منه بعد.

 

ـ كان لازم تصحيه من الصبح ونخلص.

 

لم اجب. أخذت إناء البول إلى المرحاض ثم لحق بي الصغير ضاحكا منتعلا حذائي فبدت رجلاه أكثر نحافة.

 

 رفض أن اغسل وجهه بالصابون. ألححت عليه. صاحت هي من المطبخ:

 

- دعه فبعد الفطور سيتحمم.

 

ـ أمرك خاتون.

 

أحسست وكأن غمامة من التأكسد تلفني، رغبت لحظتها في أن اغمر جسدي بتيار ماء، ببحر، بأي سيل يجرفني ويزيل عني طبقات الخنوع التي صنعها الزواج.

 

كان الطعام بيضا مقليا وقطع خبز يرافقهما إبريق الشاي العتيد. قلت مشاكسا بعد أن أجلست الصغير على كرسيه:

 

- هو هذا الأكل صار ساعة تحضرين.

 

- لا يوجد غيره.

 

- والذي في الثلاجة.. لمن؟.

 

- حضره أنت. ساعدني قليلا أم أن مقامك العالي لا يسمح بذلك.

 

- أنا كنت مشغولا مع الطفل وهو فطور بسيط فبماذا أساعدك.

 

حزم الشمس الذهبية ملئت الغرفة وغمرت السرير المبعثر. نشر بريق الشمس الخريفية إحساسا بالدفء في المكان هناك حيث نتجاور ببرود مغمورين برطوبة الضجر. هناك حيث يتحول ليلي إلى زمن فائض، إلى وقت يسقط من حافة الزمن، ويصير عمري كله أوراق ذابلة في تقاويم ورقية.

 

بدأت هي بإطعام الصغير ممازحة له لتحثه على الأكل وهو يمضغ ببطء ويتشاغل. شربت قدحا من الشاي. عدت إلى السرير وأخذت أقرا كيفما اتفق في كتاب ملقى على الطاولة قرب السرير. كان صوتهما يقاطعني. خرجت إلى الشرفة لأدخن واقلب في راسي، وأنا أعب الهواء الدافئ، فكرة الخروج من البيت بغير ما تنغيص أو شجار. حين عدت إلى الداخل أصر الصغير على تشغيل التلفاز.

 

ـ ليس الآن بابا!  بعد أن تستحم.

 

ضرب الأرض بقدمه وقال بصوت باكي:

 

- أريد ألان.

 

قالت هي:

 

ـ بعد الحمام ماما.  قل لأبيك أن يأخذك إلى الحمام.

 

- أنا ساحممه أيضا؟!

 

- أنا سأنظف الغرفة أثناء وجودكما في الحمام.

 

كنت في عجلة. فحممت الصغير بسرعة متجاهلا محاولاته اللعب في الماء.

ضغط زر التلفاز في الغرفة بعد الحمام بينما كنت اسرح له شعره الرطب.

 

 ارتديت ملابسي. في الممر نظرت في المرآة. فكرت في حلاقة ذقني النامية لكني عدلت عن ذلك لأنه سيعطيها مبررا للعراك والصراخ. مرت هي من خلفي في طريقها إلى الغرفة:

 

ـ على خير؟!.

 

قلت محاولا أن اجعل صوتي طبيعيا.

 

- أمر على الجماعة شويه.

 

زفرت بسخرية:

 

- هم الجماعة ؟!.

 

- ثم أردفت بتهكم.

 

- بس عاد أكيد عند الجماعة؟.

 

- تعالي ورائي لتتأكدي.

 

- ولماذا وراؤك، لماذا لا اذهب معك؟.

 

- لان ذلك غير مريح لا لنا ولا لك فهي جلسة أصدقاء ونريد الحديث بحرية.

 

-  طيب إذا كان عند الجماعة لاباس، بس لا عند قحبتك!

 

زفرت بضيق.

 

- لا داعي لهذا الكلام، قلت لك سأذهب عندهم.

 

ـ ولماذا لاياتون هم.

 

رددت بانزعاج:

 

- لأنهم لايرتاحون هنا. ثم أنا واحد وهم اثنان ونحن متفقون على أن اذهب أنا أليهم... ألمرة القادمة سيأتون هم هنا... أعدك.

 

بدأت نبرات الضيق تتسلل إلى صوتها بعد كلماتي الأخيرة.

 

ـ ومنذ متى يجب أن يذهب الواحد إلى الاثنين؟.

 

أدركت نبرات الاستهزاء والتحدي في كلماتها.

 

ـ من زماااااان.

 

قالت بحدة وغيض.

 

ـ طبعا أكيد راح ترجع بالليل وشرب وسكر وو..

 

ـ يجوز.. كل شئ ممكن في هذه الدنيا.

 

قالت وهي تمسح الطاولة بعصبية ظاهرة:

 

ـ والله أنا برأيي لو تترك الجماعة والسفاهات وتنتبه إلى عائلتك، كافي مو الشيب ملأ راسك.

 

آلمني كلامها فرددت بغيض مكتوم.

 

ـ إذا كانت عائلتي ابني فانا مهتم بها تماما... أما إذا غيره فليس من الضروري الاهتمام.

 

أطلقت ضحكة متوترة وهي تضع شالا على رأسها وتعقده من الخلف:

 

ـ ها.. والله حلو.. دلوع صغير.

 

وأردفت:

 

ـ اجلس واكتب شعرا... أنت مو شاعر؟.

 

مطت الكلمة الأخيرة مستهزئة.

 

ـ ليش هو ظل شعر، ظل إحساس، بهذي الحياة الجميلة معك.

 

قالت ببرود ولامبالاة:

 

ـ أدرك الزمن إذن.. لا تبور بعدين.

 

ابتسمت وأنا اصفف شعري بيدي أمام المرآة.

 

ـ أنا وسيم وكثيرات يرغبن بي ولن أبور.

 

أجابت ساخرة.

 

- إيه.. أتمنى لك التوفيق.. لكن قبل أن تفارقنا يا وسيم اذهب وتسوق لنا بعض الحاجيات.. الثلاجة فارغة. بيت عزاب نحن!!

 

أدركت أنها محاولة لإزعاجي وإحراجي... لكن لاباس لدي بعض الوقت فقلت بحدة ظاهرة.

 

- أفتي بسرعة.. ماذا تريدين؟.

 

- لا ادري كيف أبو بيت وما يعرف حاجات البيت...

 

وأردفت:

 

- واليوم عطلة وأنا معولة على أن ننهي شغل البيت سوية.. لكن ماذا نفعل والأفندي مواعيده في أيام العطل..

 

أجبت بضجر:

 

- طول الأسبوع وأنا اركض، أريد ارتاح ليوم واحد ولو...

 

ـ هيا أسرع لاتتاخر على الجم...اااعة.

 

عند خروجي من الباب أطلقت تنهيدة حارة كأني أردت أن أتخلص بها من كل أعباء وأثقال حياتي الجافة.

 

 

*   *   *

 

ـ ادخل!.

 

هتف من الداخل بعد أن طرقت الباب. دخلت إلى ممر الغرفة الصغير فاطل برأس مبلل من باب الحمام وابتسم مرحا وقال:

ـ اهلاااا.. ادخل سأنتهي حالا.

 

كانت هناك بضع أوراق وكتب مرمية على الطاولة قرب السرير وملابس مكورة فوق بعضها على الكرسي. خلعت سترتي وجلست اقلب في صفحات رواية بغلاف احمر لفولكنر، وقعت عيناي على بضع اسطر خطت تحتها خطوط متموجة بقلم رصاص. كانت الغرفة نظيفة رغم الفوضى. خرج كامل بعد لحظات من الحمام .

 

فبادرته مع ابتسامة:

 

ـ نعيما

 

أجاب مرحا كعادته:

 

ـ شكرا.

 

 بعد أن جلس أمامي قال:

 

ـ ماذا تحب أن تشرب؟.

 

ـ ماذا لديك؟

 

ـ كل شيء.

 

ـ مثلا؟.

 

ـ شاي، قهوة.

 

ـ غيرها.

 

ـ أيضا شاي و قهوة.

 

ـ لااريد.

 

ـ طيب يعني أنت شخصيا شنو يعجبك.

 

ـ أي شيء يُشرب وطيب.

 

ـ يعني مثلا..  كونياك أو فودكا ؟.

 

ـ يعني شيء من هذا القبيل.

 

ـ من الصبح؟

 

ـ ألان صار الوقت ظهرا.

 

ـ طيب الم تسال نفسك إن كان هذا بيت طلبة لو بار؟ أنا اسأل فقط؟

 

ـ بيت طلبة بس خلصني وهات مانشربه.

 

وواصل ضاحكا:

 

ـ زين أنت جئت لزيارتي أم للشرب ؟

 

ـ للشرب طبعا.

 

ـ ها يعني أنا ضرطة مو صديق.

 

ـ الاثنان، صديقي وضرطة بس خلصني.

 

ـ هناك في البراد.

 

جئت بقدحين  مع قنينة كونياك خضراء..  لم يرغب بمشاركتي لأنه ينتظر أن تأتي صديقته.

 

ـ يعني علي أن اخرج لوحدي اليوم؟.

 

ـ لكن لدينا وقت لاباس به لنجلس معا هنا.

 

اخذ يعيد ترتيب السرير والأشياء المتناثرة في الغرفة. كان نحيفا وصغير البنية لكن حركاته الرشيقة كانت تشي بحيوية جسدية واضحة. قال وهو يجفف شعره.

 

ـ تدري أنا حزين ومكتئب اليوم.

 

ـ لماذا؟

 

ـ خبر سيء للغاية.

 

شعرت بوخزة القلق في داخلي لكني لم أثق بكلامه فلا احد  يمكنه أن  يعرف متى يمزح كامل ومتى يكون جادا. ولأني اعرف إن محاولة الطلب المباشر منه ليقول ما عنده ستدفعه أكثر لإثارة الالتباس حول أي موضوع. فقطعت عليه الطريق.

 

ـ خبر يخص احد أصدقاءنا.

 

ـ لا.

 

ـ إذن؟

 

ـ يخص البشرية كلها.

 

أحسست بالارتياح قليلا وصرت أخمن انه مزاح ما.

 

ـ يا ساتر. ماهو هذا الخبر الذي أحزنك.

 

ـ يااخي البارحة في الأخبار سمعت خبرا مخيفا.

 

وسكت لإثارة فضولي. أخذت رشفة صغيرة من قدحي.

 

ـ  ماذا وعن من ؟

 

ـ عن كوكب منفلت من مساره ومن المرجح أن يصطدم بالأرض وعندها تنتهي الحياة على الكرة الأرضية.

 

ـ متى سيحدث هذا إنشاء الله؟

 

ـ يرجح العلماء انه سيصل إلى الأرض بعد مليون سنة.

 

ـ ولماذا أنت قلق منذ ألان.

 

ـ كيف لا اقلق يااخي، مليون سنة شنو، غمض عين فتح عين تخلص.

 

ضحكنا معا. سألته إن كان سلام قد سهر معه البارحة.

 

ـ طبعا.. ذهب قبل قليل وسيعود في المساء.

 

ـ كنتم <تكصون*> بالعالم طبعا.

 

ـ أكيد وماذا علينا أن نفعل غير هذا.  فالإنسان حينما لايستطيع تغيير العالم فعليه بشتمه

< وكَصه >.

 

ـ هل لازال ينوي الهجرة إلى السويد؟

 

طبعا، بل هو مصمم على ذلك ولم يعد أي شيء يقلقه فقد حسم موقفه... أنت تعرف أن ظروفه لاتعينه على الاحتفاظ بقناعات وهمية تتعارض مع قدراته.

 

ـ نحن أيضا ظروفنا ليست جيدة ونعاني لكننا لانفكر بالمساومة ولا التنازل.

 

ـ هو لم يعد لديه شيء يجعله يفكر باتجاه آخر غير ذاته. ليس لديه لازوجة ولااهل ولا دراسة ولاحتى قضية فما الذي يمنعه من أن يفكر بمستقبل خارج  الدائرة التي لم يعد يشعر بأنه ينتمي إليها.

 

ـ الم يعد ينتمي للوطن؟.

 

ـ بلى! لكن قضية الوطن، حسب قناعاته، حلولها مؤجلة ومودعة بيد القدر. قل بربك، وبصراحة، هل تشعر أنت أن هناك أفق آخر في حياتنا غير الحلول الفردية والخلاص الشخصي؟.

 

أردت أن أقول باني الآخر لااشعر بأي انتماء لأي شيء وان كل شيء أصبح خلفي وما عادت خرافات البطولة والنضال تلهمني ولاحتى تطمئنني. لكن شيئا ما أوقفني ومنعني من قول مااشعر به، شيء ما يخيفني من أفكاري،  رقيب ما يقبع في داخلي لايريد لي أن أقول الأشياء مضاءة بنور النهار، أدركت بومضة خاطفة  بداخلي باني أتوغل بدهليز فيه الآراء والقناعات معلبة وجاهزة اعتدنا أن نجترعها بل نزدردها من غير أن نهضمها. صرت أدرك اللحظة باني بحاجة للبوح بكل شيء أكثر من أي وقت مضى. لكن  شيء ما أوقفني. ربما هو الخوف من سماع أفكاري بصوت مسموع. الخوف من أن تكون مصاغة بكلمات. فهناك خوف قابع بداخلي من وضوح أفكاري. لااريدها ان تصاغ بكلمات  حتى لااصير مؤمنا ومقتنعا بها لكنها حين تكون غارقة بضباب مراوغ  تكون اقل خطورة ولا تخيفني.

 

حاولت أن أجيب مهمهما لكنه واصل حديثه متجاوزا همهمتي:

 

ـ يااخي نحن غالبا أسرى  بناءات عقلية تتعارض مع قناعاتنا الداخلية لكننا نصر على تخطي ذواتنا من اجل أوهام نسميها مرة مبادئ وأخرى قضية أو وطن.. لم يعد شيء يجدي في هذه الظروف غير إخلاصنا، إن شئنا طبعا، لذواتنا. قل لي مالفرق أن كنا هنا أو في السويد؟ أنت هنا بعيد ومهمش ومعزول وهناك ستكون كذلك.

 

شعرت وكان كامل في تلك اللحظة يقرأ أفكاري. ورغم اقتناعي بكلامه وجدتني أقول:

 

ـ  لكننا هنا ياعزيزي منفيون وهناك سنكون لاجئين وأنت أكيد تدرك الفرق بين الحالتين. وجودنا هناك سيعني بالضبط تخل عن القضية التي نحن بسببها منفيون ونعاني.

 

ابتسم وقال:

 

ـ هل حقا أننا نعاني. كلا ياعزيزي لاينبغي أن نخدع أنفسنا فأنت وانأ ندرك إننا هنا نعيش حياة جميلة فيها الكثير من اللذات والمتع بل هي احلي من حياتنا في الوطن، فلماذا المكابرة والادعاء. لنكن صرحاء مع أنفسنا على الأقل.

 

فكرت أننا فعلا نقول أشياء لانؤمن بها ولا نعيشها في الواقع.

 

ـ  إن أردت الحق فكلامك صحيح ولكني، حاليا على الأقل، لااجد لهذه الأفكار صدى ارتياح في داخلي.  قد أكون واهما ولكني اشعر بالتوازن والراحة مع هذا الوهم فلماذا علي أن أبدده.

 

ـ ستغير قناعاتك عندما تتغير ظروفك. أنت تدرك إن شخصية مثل سلام لاتختلف عنك في أي شيء وهو قد ضحى حين اقتضى الأمر كما فعلت أنت ولم يغير هو قناعاته بمجانية. أليس كذلك؟.

 

ـ صحيح .. وأنا اشعر بان هناك اختلال توازن كبير قادم ألينا لكن لندع هذا النقاش للأيام تحله فهذا أفضل.

 

ـ  نعم. بالضبط. هذا أيضا مااقوله أنا. البرسترويكا ياعزيزي كانت هي الخطوة الكبرى نحو انعدام التوازن و بذرة الشك التي نهشت الجميع. لقد كانت سعيا مازوخيا لتدمير الذات قذفها غورباتشوف على السوفيت وتصدعت رؤوسنا نحن بها. انه سقوط الحلم ونهاية الفردوس الأرضي. رغم إننا كنا ندرك، بالتجربة طبعا، وان ليس بالوضوح الكافي، بؤس هذا الفردوس. أليس كذلك؟ الم نكن نعرف إن مجتمع العدل هذا كان كذبة كبيرة.

 

ـ لكنه كان حلما جميلا بنينا عليه شخصياتنا. وأنت تدرك مدى الجاذبية والقوة التي منحها هذا الحلم لشخصياتنا. الم يجعل لحياتنا معنى؟.

 

ـ صحيح. لكن انطفاء حماستنا، منذ زمن بعيد، هو علامة واضحة كان ينبغي أن تجعلنا نفكر وننظر حولنا بعيون مختلفة. لكننا كنا نكابر وأصررنا على الحلم.

 

ـ لم يكن بمقدورنا غير الحلم.

 

ـ والمأساة هي أن هناك من لازال يتوهم ويحلم ولازال يكابر.

 

ـ هم سيخسرون وليس احد غيرهم...فالوهم لايقتل في البدء سوى صاحبه...الآتي أعظم كما يقول المثل.. ننتظر ونرى.

 

ثم لفنا صمت تخللته نغمات موسيقى صاخبة انتشرت في الغرفة من خلال الشباك. في سكن الطلبة العام ستجد دائما من يفرض عليك ذوقه في الموسيقى.

 

بعد أن أخذت رشفة من كاسي قلت بعفوية:

 

ـ حقا! ماهي آخر تطورات الوضع في العراق؟

 

ـ خرط. لاشيء جديد.

 

ـ وسوف لن يأتي الجديد أبدا.

 

ـ قل إذا يبقى الوضع هكذا فهذا أفضل لان الخشية أن يتفاقم أكثر وبعدين يصير أصعب واخطر.

 

ـ يعني <اكو**> بعد إمكانية لأصعب واخطر من الحرب والحصار والاستبداد.

 

ـ طبعا.

 

كنا ندرك معا إن هذه النقاشات ترهق أعصابنا.  فقال محولا الموضوع.

 

ـ  كيف استطعت الخروج اليوم؟ وكيف سمحت لك إلهة الثول أن تخرج من البيت؟.

 

تبسمت.

 

ـ تماحكنا قليلا. أنت تعرف هي لا تثق بي ولكنها لا تستطيع أن تمنعني.

 

ـ كانت غلطتك منذ البداية. قلت لك مرارا هي لا يمكنها أن تعرف أي شيء ولاتشك في أي شيء لكنك أنت الأفندي ذهبت لتقول لها الحقيقة.

 

ـ ما كان بوسعي البقاء بهذا التوتر لان <سفيتلا> صارت تهددني بالذهاب إليها والاعتراف  لها بعلاقتنا.

 

ـ هذا كان مجرد تهديد. ثم إذا اعترفت لها وهذا ما استبعده فحينها فقط ستكون أمام الأمر الواقع وتتصرف، أما أن تذهب بنفسك لزوجتك لتعترف لها بأنك على علاقة مع امرأة أخرى فهذا بحاجة إلى عقل جبار مثل عقلك لكي يجترحه.

 

قلت نافثا ابتسامة.

 

ـ هذا ما حدث.

 

 

 

*   *   *

 

البحر الأسود يتلون بألوان السماء البعيدة، بحر قصديري يقذف رذاذا من زبد أمواجه.

كان الجو باردا رغم لمعان الشمس الرخيمة.

 

سار كما الأمواج بروية وبلا هدف وبلا أي رغبة في أي شيء. تسير به أقدامه وتهرب معه خطواته المتأنية قرب الشاطئ.

فكر:

 

< قدح كونياك يهدئ النفس وينعش الخيال.>

 

سيجلس كالعادة ويجتر خيبته التي تتوالد وتتناسل بلا توقف. مرارات الأسئلة الخاطئة. حيرة مؤذية أن لا يعثر الإنسان رغم السنين والتجارب على أسئلته بعد. أليس لكل إنسان عاقل وحساس أسئلته الخاصة ؟.. الغربة والأشواق للأرض البعيدة يجعلان أيامه تسيل وتتسرب بذهول من بين أصابع الزمن بخفة مريبة تثير الغيض فلا يعرف لنفسه اتجاها. لم يفكر أبدا في ماذا عليه إن يفعل وكيف يتصرف؟ هل هو عاجز فعلا عن معرفة طريقه ؟.

 

انحدرت أوزات كبيرة إلى الشاطئ والتف حولها بعض الصغار يطعمونها. فكر ساخرا. أتعرف تلك الأوزات طريقها. وتعرف ماذا تريد؟. لماذا تأتي إلى الشواطئ في الخريف؟ التأكل الخبز ؟ التبحث عن طعامها فقط أم لتعمق إحساسنا بالتبعثر وتضفي على الجو بهجة حزينة ؟.

 

تبسم لسخف أفكاره.وأدرك انه يهذي مثرثرا بفعل عذوبة نسمات الخريف الكثيفة.

 

طلب قدحا من الكونياك.  نظر عبر الزجاج حيث الخريف المفكك للعوالم في الخارج. الناس يسيرون متناثرين بمسافات تفصل بينهم. لا احد يسير بمحاذاة الآخر كأنما كل واحد منهم يكتشف عند فسحة البحر تنابذه مع الأشياء والآخرين فيأخذ بالنأي عن الآخرين.. كل شيء، الغيوم، الأمواج، الطيور، النوارس، كلها تنأى بنفسها عن بعضها.

وهو عمن ينأى بنفسه؟.

 

هاهو ينفر من البيت الذي لا لون للمواسم فيه. كل شيء هناك اصطبغ بلون العتمة وبعطن الرطوبة. لاشيء في حياته غير الصمت والفراغ والانتظار وكأن ألأشياء لاتريد أن تنتهي. انه اجترار لعذابات مكررة مزمنة تمتد وتستطيل مع الأيام، لا تنمو فتنفجر ولا تعود إلى الوراء إلى لحظة الطزاجة المفتقد.

 

فكر وهو يأخذ جرعات صغيرة من كأسه بان ماساته تكمن في أن  حياته ما كان عليها أن تبدأ هكذا بداية. ما كان ينبغي عليه أن يرمي نفسه في تيار تجربة اكبر من أن يستطيع وقف انحداره معها .حتى شغفه بالمغامرة وحبه للخوض في المجهول لايبرر له هذا التهور. أكان مقتنع حقا  بزواجه؟. الم تكن المنافسة والتغالب هما من دفعه لهذا الحب المتعجل ولهذا الزواج المرتبك؟

 

بدا عليه شيء من الوجوم واخذ يطيل النظر عبر زجاج المقهى إلى المارة وصار بمزاجه الداكن العبثي يقترح عليهم أفكارهم وتصوراتهم.

 

 وجوه الناس على الشاطئ  عتقتها الهموم، وجوه لائبة تبحث بلا جدوى عن وهم السعادة. السعادة، ذلك الشيء الجميل الذي ابتكرته مخيلة الإنسان ليواجه به خوف العدم المطبق بأصابع خفية على كيانه، ليحمي بها ذاته من رهبة ذلك الابتكار الإلهي المعيب:

 

الموت!..

 

اجل الموت!

ذلك الشيء الغامض الذي تنحدر أمامه تلك الوجوه، عابسة تتلظى ببؤسها خافية قلقها ألعدمي وراء الابتسامات والثرثرات لتخفي لهفة ضياع الأسئلة ولا جدواها. وتستولد شجاعة، كما يفعل هو ألان، تصنعها الخمرة على أنقاض الخوف.

 

بلهفة وبجرعات كبيرة متتالية تناول قدحه الأول. وأشار رافعا الكأس للنادلة، الواقفة عند دكة المشرب، بان تأتيه بآخر.

 

لم يشعر أبدا بلذة تعادل لذة الرشفة الأولى للخمر. الخمر، جسره الذي ينقله إلى عالم أخر، عالم يشعر به بوجوده الحقيقي.

 

هل هناك فعلا عوالم حقيقية ؟

 

تساءل بسخرية.. العالم الذي يعرفه يراه عالما مزيفا لاغير، تنحدر فيه الأشياء إلى أقصى حضيض يمكنها الوصول إليه.

 

لم يفارقه إحساسه بالجو من حوله. الخريف العاصر للنفس. هو يعرف أن الفصول تكون خلفيات متنوعة لبؤس واحد، بؤس وجود الإنسان المرمي لفوضى هذا العالم وعبثية الحياة الفردية. هاهو تقربه الأيام بهلاميتها المعهودة من عتمة يومه المبتسر، المختصرة في لحظة واحدة وإحساس واحد مشحون بالضيق والقلق والحرقة، لحظة تمتد وتستطيل ولاتهرب منه فيجدها أمامه أينما ولى.

 

 زفر متثاقلا وهو يساءل نفسه بتلقائية، غائبا عن إحساسه بالآخرين الذين يهمهمون بأصوات باهتة في زوايا الحانة: هل هو قدره أن يعيش مسيرة حياة خاطئة؟ هل يعيش الجميع نفس المأساة لكن بتفاصيل أخرى مختلفة؟ هل ستريحه فكرة إن الجميع لا يجدون أنفسهم ويبحثون عنها في الأماكن الخطأ كما يفعل هو. أبدا لم تواسه هذه الفكرة. ربما لم يعرف هو شخصا سعيدا أو راضيا لكن أكيد أن هناك من هم اقل تعاسة فالحياة كما يراها في تلك اللحظة، وهو أمام قدحه الثاني، هي بشكل واحد وحيد تعاسة متصلة متفاوتة بالدرجة والقوة..و.. وما هذا... ماذا يقول.. هل يريد أن يبرر هزيمته أمام نفسه، ليعترف بأنه اخطأ وبأنه هزم...

 

تنبه عبر زجاج المقهى البحري إلى رجل يسير بشرود منفردا ولامباليا بمحاذاة الشاطئ. أحس أن الشواطئ المهجورة هي المكان الوحيد المناسب لهذا الرجل.. تخيل للحظة أن يكون هو ذاك الرجل وانه يتفرج مراقبا نفسه من وراء الزجاج. فكر في أن تلك الشواطئ المهملة المليئة بالحصى والأصداف المتسخة هي بقعته الملونة المفضلة التي يرى فيها وجهه المنقوع بالضجر.

 

بدأ شحوب الغروب يهطل على المقهى الساحلي. المارة تناقصوا، رحلوا إلى جحورهم الغامضة، الكل يعود إلى البيوت المضاءة. فسطوع الأضواء يبدد العتمة ويزيح جانبا الشعور بعقدة وحشة القبر المعتم التي تنهش في وجدان البشر.

 

 

* * *

 

 

لم ينقذه تسكعه وهاهو يعود إلى البيت برغبة أم باضطرار أم بأي شيء آخر لافرق. انه مزيج مقرف من الأحاسيس. كان كمن يسعى بلهفة للعودة إلى البيت إلى مكان لا يحبه ليتخلص من عبء الإحساس بالترقب وانتظار اللحظات المقلقة التي ستتوج يومه مثلما تبدأه بالنكد. حتما ستقفز إلى شفتيها أسئلة غريبة تفاجئه بها وتستفزه رغم انه يعرفها ويتوقعها. لكنه قرر مع نفسه أن لاينجر إلى أي شجار معها فلم يعد يحتمل أن تكون حياته معها كلها تحد وعراك. في النهاية  البيت مكان للراحة والهدوء وليس جبهة حرب.

 

كل شيء سوف يفعله سيثير ريبتها فيه، صمته، كلامه، مرحه، لاشيء ينقذه سوى القراءة. ولكنها، حتى لو اختبأ وراء كتاب فستلاحقه وتحاصره بالأسئلة وبالطلبات، ستفعل أي شيء لينتهي الموقف إلى مشاجرة، وهي تعرف حدته وضيق صدره وتستغلهما أفضل استغلال.

 

فتح الباب بالمفتاح ودخل إلى شقتهم الصغيرة. صادفها مارة من المطبخ إلى الغرفة، ابتسمت له. فوجئ لكنه تقصد أن لا يبدي أي ردة فعل. ذهب مباشرة إلى المطبخ ووضع قنينة الكونياك في البراد. جاءه الصغير حافي القدمين يتخفى ويتربص وهاجمه صارخا ومكركرا فحمله وقبله وعاد به إلى الغرفة.

 

ـ لماذا أنت حاف.. ألا تبرد.

 

في الغرفة وقع نظره على صحن كبير مليء بخضروات مقطعة ومخلوطة فتمتم.

 

ـ غريب!!

 

ابتسمت له بلا مبالاة وفاجئه هدوؤها. بادرته بعد أن غير ملابسه وعاد من الحمام.

 

ـ أطعم الصغير أريد أن أراجع بعض المحاضرات.

 

ـ أنا افعل هذا كل يوم فلا داعي لان تطلبيه مني.

 

لم ترد. ابتسمت مرة أخرى، وارتاب هو ثانية.

 

عاد من المطبخ بصحن فيه طعام ومعه قدح كونياك. بدا بمساعدة الصغير على تناول الطعام.

الصغير يطالبه أن يقص عليه حكاية كشرط لتناوله الطعام.

 

الحكاية بحاجة إلى رشفات صغيرة من الكونياك.

 

يرتشف. حرقة ودوار لذيذ وتنفتح مخيلته على عوالم الحكايات. عالم هرقل حين يرتحل بين المدن ليخلص الناس من المشاكل المخيفة بقوته وإنسانيته، ولقاؤه المقصود، في حبكة خاصة، بعنترة العبسي، وحينها ينغمر الطفل مستغرقا في هذا العالم الواسع فيمضغ الطعام بشرود وبطء مندهشا بفرح لذلك اللقاء الجميل بين القويين العادلين، عنترة وهرقل، ليصنعا للعالم خيره. تساءل الصغير في منتصف الحكاية عن الحداد الذي اعتاد هرقل الاستعانة به لمواجهة الأشرار والتنانين التي تجوب المدن لتخربها.

 

ـ حينما يلتقي هرقل بعنترة لا حاجة لهما بالحداد.

 

لم يقتنع الصغير بهذا البناء الجديد للحكاية. ألح محاولا فرض الحدّاد على الحبكة. فلم يستجب هو له.

 ففي تلك البقعة الدافئة والمشمسة من الصحراء. هناك في تلافيف الزمن بعيدا منه وهو ملفع بشحوب الخريف الشمالي، لا يحتاج هرقل وعنترة  للحدّاد القوي الشجاع والطيب.

 

كانت رياح الصحراء اللاهبة تهب عليه من متن حكايته. شمس ورمل. وهو جالس نصف ثمل يقص لابنه حكاية في هذا الليل الرمادي البارد الممعن في التيه والنأي.

 

ألا ياعبلُ قد زادَ التصابيْ ْ            ولجَّ اليومَ قومُكِ في عذابي 

وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ               كما ينْمو مشيبي في شَبابي

 

< آه ماالذ نشوة الخمرة والشعر, يالسحر الكلمة >

 

ـ حينما يلتقي هرقل بعنترة لا حاجة لهما بالحداد.

 

 

كيف يستقيم الأمر؟. غياب الحداد سيبهت الحكاية في نظر الصغير.

 

ـ بابا مو حلوة القصة بغير الحداد.

 

ـ وهل تريد أن استبدله بعنترة؟

 

صمت الصغير مفكرا. بدا الخيار صعبا عليه فبدا مترددا.

 

 أسره عالم حكايته المضاء برمل الصحراء، فتحمس بانحياز لها ورفض إقحام املاءات من خارج حبكته الخاصة عليها، فحين يجتمع كل هذا الجمال والخير والشجاعة والقوة في بقعة صحراء تصهر التاريخ وحكايا الناس الجميلة لا يجوز لنا أبدا أن نبدد الجاذبية والرنين العذب ذاك بإقحام حداد طيب سيكون كالماء على خمرة صرف.

  

دَعوني في القتال أمُت عزيزاً          فَموْتُ العِزِّ خَيرٌ من حَياتي

 لعمري ما الفخارُ بكسْب مالٍ          ولا يُدْعى الغَنيُّ منَ السُّرَاة

 

< إيه أين أنا  في هذه الحياة الباهتة من هذا العنفوان والشموخ الجميل. لكن كم أنت مكابر ياعنترة. الم تبهذلك  أنت الآخر،  كأي اثول، امرأة. >

 

ـ لا بابا.. أنا أريد عنترة والحداد معا.

 

ـ لايمكن ذلك.

 

وافق الصغير على مضض. عز عليه ذلك فدفع بالحكاية إلى ذروة يشتاقان إليها معا. عندما توجه عنترة إلى جهة اليسار ليواجه ويطوق الأشرار الذين يقلقون القرية الجميلة المنزوية عند الواحة التي يظللها النخيل وتلونها الشموس.

 

قفز الصغير وهتف.

 

ـ لازم اكو حداد، هرقل وحده لايستطيع أن...

 

ـ كلا.. كلا.  عنترة من اليسار وهرقل من اليمين وسيلتقيان ويطوقان الأشرار ويقضيان عليهم.

 

ـ بغير الحداد.

 

ـ نعم بغير الحداد.

 

ـ لكن الحداد حلو في القصة.. آت به ياابي.

 

من لفح الصحراء ووجه عنترة المغبر، من وهج الشمس والرمال، من لحظة يصنع فيها التاريخ الحلم سحبته هي بنبرة نزقة.

 

ـ ضع للولد حدادا وخلصنا.

 

فكر هو ممتعضا إن الحداد الذي يريده الصغير ممتع وجميل ويمكن أن يجد له مكانا في حكايته، لكن حدادها هي، القادم من بؤر النزق الرطبة سوف لن يجد له مكانا حتى وان فسدت الحكاية ومعها ليلته.

 

ـ لا ضرورة لذلك.

 

أجاب بلهجة قاطعة. وأردف:

 

ـ حين تصنعين أنت حكاية ضعي فيها ما تشائين من أبطال.

 

زمت شفتيها وعادت إلى أوراقها من غير أن ترد.

 

لم يرد هو أن يفسد متعة الصغير ولهفته فقال له.

 

ـ غدا حينما يتوجه عنترة وهرقل معا إلى مدينة صغيرة أخرى فيها تنين مؤذ يضايق الناس، هناك سيحتاجان للحداد ليصحبهما في الطريق فسيكونان بحاجة عندها إلى أدوات يصنعها لهما.

 

وافق الصغير فرحا وكان قد أنهى طعامه.

 

*  *   *

 

الصغير في سريره غافيا والليل يوغل شيئا فشيئا بالصمت. تتناهى من بعيد أصداء لأغنية جماعية رقيقة تذوب وتتلاشى مع وقع المطر وهفيف الهواء العذب المتسلل من فتحات الشباك الموارب. انتظمت أنفاس زوجته قربه، نظر إليها نظرة حزينة حائرة. سحب الغطاء على جسده واخذ ينظر من الشباك المجاور لسريره إلى أمواج الغيوم المشعة فيما الموسيقى تتهادى من البعد  مع الهواء ونثار المطر واهتزازات الستارة.

 

ــــــــــــــــــــــــ

 

هامش

 

*ـ مفردة بالعامية العراقية تلفظ كافها جيما مصرية وتعني

الاغتياب. غالبا تستخدم كتعبير مرح.

 

**ـ مفردة بالعامية العراقية تشكل علامة فارقة للهجة العراقية، وربما للشخصية العراقية، وتعني يوجد.