سواقي القلوب رواية اولى

للعراقية إنعام كجه جي

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 28 -- شباط  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف

 

الأفتتاحية

من أجل تحرر النص المكتوب في الداخل: سلام إبراهييم

 

مقالات ودراسات

أسماعيل الشيخلي في ذكراه الرابعة: خالص عزمي
أديب كمال الدين: د. عدنان الظاهر
الأسلام السياسي والعلمانية: محمد الحنفي
مديح السلطة والتضخم الأيدلوجي: نزار آغاي
العراق عند مفترق طرق: شاكر الأنباري
أطوار بغداد:  شاكر الأنباري
عودة إلى "مالك بن الريب": محمد شمس الدين

 

شعر


نصوص شعرية: حسين الهاشمي
معرة الاكراد .. حلبجه: عبداللطيف الحرز
من بقايا الوجع الممتد: آزاد أسكندر
خمس زهرات من جنائن شتى:  د. حسن البياتي
قصيدتان: مجيد الأسدي

العذابات المجهولة لزينة الغريبة: محمد الكاظم

قصيدتان:  وفاء عبد الرزاق
العودة إلى جهنم:  باسم عواد
مع ذاتي بالذات:  سامي العامري
العلية أزرا باوند: ترجمة آزاد أسكندر

بيني وبينك زهر أيلول: إبراهيم القهوايجي

قصائد عن النمساوية  هيبيك: ترجمة بدل ! رفو المزوري
قصائد عن السويدية بوكار ربلان: ترجمة محسن عواد
قصائد عن الكردية دلشا يوسف: ترجمة صلاح برواري

قصص

حب ورعب: كليزار أنور
كابوس الظهيرة: حسين عبد الخضر
لا شيء: فاطمة المزروعي
مساء الأحتراقات: زيد الشهيد
أستغاثة: صبيحة شبر
أعتذر لفقدك: أحمد مطير عباس
من أوراق يزيد بن مفرغ الحميري: د. ماجد الحيدر
قصص قصيرة جدا: نواف خلف السنجاري
أنا والسيد وقرية تَبيغة: رافع  الصفار

إجترار: خالد صبيح
أزقة الروح: سلام إبراهيم
الكاتب والمومس: سلام كاظم فرج آلياسر  
قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين: اعتقال الطائي

رواية


تاريخ العائلة ـ رواية كاملة:  حسين عبد خضر
مهرة بلا فارس ـ القسم الثاني:  وفاء نصر شهاب الدين
فصل من رواية ـ سواقي القلوب:  إنعام كجه جي
فصل من رواية ـ كتابة على التراب: عبد الجبار ناصر

متابعات

سواقي القلوب: هدى إبراهيم

حوارات

حوار مع جواد الأسدي عبثية الحالة العراقية: أنور بدر
حوار مع سلام إبراهيم: علي الشباني
حوار مع أتوري سكولا:  ترجمة بسام حجّار

يوميات

يوم من حياة الطاهر بن جلون

 

مدن وجوه أرياف

 

الزبير فردوس نجد والبصره المفقود: رزاق عبود


مسرح

 رواد تجريب في الكتابة المسرحية : د. محمد المديوني
جواد الأسدي يقدم قراءته لمأساة العراق: مناضل داوود
نص موجز للحرب ـ مسرحية : هادي المهدي

سينما

الطبول: فلم جديد للمخرج الكردي هونر سليم  خليفة
فيلم  يثير الرعب ويهدد بفتنه طائفية: وائل عبد الفتاح

فن تشكيلي

معرض في العاصمة الفرنسية: أسعد عرابي

مقالات قصيرة

ثلاث مقالات:  لكاظم الحجاج

كتاب الشهر

رؤيا اليقين: راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

 

 

www.iraqiwriter.com

عودة الى موقع الكاتب العراقي

الرجاء زيارة موقعنا الثاني

موقع الفنان العراقي والمتخصص بفنون التشكيل

www.iraqiartist.com

 

 

هدى ابراهيم

في روايتها الاولى "سواقي القلوب" التي صدرت قبل أيام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت/ عمّان، تشيّد العراقية انعام كجه جي عراقا صغيرا في المنفى، في محاولة تستعين بالذاكرة المتعددة لبلد يحاول ان ينهض من خراب التاريخ والنفوس اللاحق بالماضي والحاضر.
ومن خلال مجموعة من الشخصيات التي التقت خارج موطنها الاصلي ترصد الكاتبة والاعلامية العراقية المقيمة في باريس عناصر اجتماعية وسياسية شكلت ماضي العراق وتكويناته فباتت تسكن نفوس الشخصيات وتحدد مسلكها وشرطها.
تبدأ الرواية على الطريق بين عمان وبغداد، في نقطة طريبيل على الحدود العراقية، لتنتقل سريعا الى باريس. لكن كان كل ما بين الفصلين الاول والاخير اللذين تدور احداثهما على الطريق نحو بغداد في العراق، هوعبارة عن فاصلة معلقة في مكان ما، بين الحياة والغياب.
"لم تكن باريس منفى بل فاصلة جميلة شطرت عمري"، يقول الراوي الهارب من وطنه، قبل ان يضيف بأسى موجها كلامه لصديقه زمزم : " للأمانة لم تكن باريس مكانا يناسب حسرة الهاربين من الاوطان ".
وبجانب الراوي الهارب من الملاحقة السياسية ومن حب فاشل، الى باريس، والذي تهاتفه بين حين و حين من بغداد، حبيبته القديمة نجوى، عدد من الشخصيات التي تنمو ضمن ما يشبه الشرنقة العراقية في حلقة مقفلة تعمها الموسيقى العراقية الاصيلة.
هناك، وفي نفس العمارة، العجوز كاشانية الناجية من مذبحة الارمن والتي تزوجت من كونت فرنسي كان يعمل في حقول آثار نينوى، لتظل بعد موته تهجس بزيارة ارمينيا، حتى فعلتها وندمت.
وهناك زمزم الطالب الذي خذله انتماؤه السياسي الى حزب البعث فهرب الى الخمر وانضم الى مجموعة الاصحاب وراح يصوّر بكاميرا الفيديو كاشانية وهي تروي ذكرياتها، خدمة لاطروحته الجامعية . "حديثك لي عمل وطني" يقول لكاشانية كي يقنعها بان تبوح له بكل التفاصيل التي لا يريد لها ان تندثر، ذات يوم.
هناك سراب، المرأة الشيوعية التي سجنت واغتصبت والتي يقع الراوي في حبها منذ أن عرّفه عليها جبرا ابراهيم جبرا. "بدأت علاقتنا الحميمة من دون خطط هجومية من جانبي او تمنع زائف من جانبها".
الى عالم هؤلاء يحضر من عراق صدام حسين، عراق بداية الحرب مع ايران، الجندي ساري بهدف اجراء عملية تحويل جنسي، فيصبح سارة بدعم مالي من الدولة .
الشخصيات في الرواية تتنوع انتماءاتها لكنها في عناصر منها واقعية، ولا يمكن للقارئ تبين الخيط الذي يتوقف عنده الواقع وينطلق الخيال في نص الرواية: " لقد عرفت فعلا، في باريس، سيدة عراقية تزوجت من كونت فرنسي وباتت كونتيسة "، تقول كجه جي لفرانس برس.
كل واحد من الشخصيات له جذر حقيقي في الواقع، " هناك، فعلا، شاب ذهب لمقابلة صدام و أرسلته الدولة على نفقتها الى فرنسا لاجراء عملية تحويل جنسي، لكن مصيره في الواقع يبتعد عن المصير القاتم الذي تخيلته للشخصية " توضح الكاتبة.
عادة ما كان هؤلاء يتحلقون حول مائدة كاشانية برفقة النبيذ والهموم والموسيقى، بعيدا عن الملاحقة المزدوجة: ملاحقة الوشاة للبعض منهم، وملاحقة الماضي الذي يستمر في راهن الشخصيات القلقة المصابة بالخسارات والفقدان رغم تطلعاتها.
غير ان هذه الشخصيات، وإن هاجرت الى مصير آخر، فهي لم تخرج برحيلها من دائرة الخسارة التي تطال الجميع، فالهارب مثل من بقي يعاني الحروب والحصارات والتعسف ويعيشها في لحمه ودمه.
هل تعيش هذه الشخصيات فعلا في باريس؟ تقول الكاتبة ان " الهجرة، أساسا، لم تكن موجودة في الطبع العراقي . ومن هاجر من العراقيين هاجر مرغماً، ولابد أنه دفع الثمن".
"في كل الشخصيات شيء ما يشبهني" تقول كجه جي حول روايتها التي وإن صورت عالما منغلقا على ذاته مثل قوقعة في"سواقي القلوب" فهي تدخل في وقائعها احداثا من الماضي العراقي و الراهن الباريسي، حيث تتكلم كاشانية عن لقائها بالصائغ عباس عمارة، والد الشاعرة لميعة، وعن الأب جان فييه، عالم السريانيات الفرنسي الذي جرى ترحيله من العراق، و تدور أحاديث ووقائع مع الكاتب الفلسطيني الذي عاش في بغداد جبرا ابراهيم جبرا، و صديقه الصحفي المغربي الباهي محمد.
واذا كان هاجس تملك الذاكرة مهيمنا على الكاتبة فهي تشير الى ان هذا الهم قديم لديها "التاريخ الاجتماعي للناس العاديين هو هاجسي منذ سنوات. كنت اتابع اناساً في بلدي ممن كانت لهم مواقعهم الادبية والسياسية وأحزن لكونهم يشيخون و يرحلون قبل ان يأخذ لهم احد تسجيلاً بالفيديو أو حتى صورة . وانطلاقاً من هذا الهاجس كتبت مذكرات الفنانة البريطانية لورنا هيلزعن حياتها المشتركة مع الفنان العراقي جواد سليم، كما صورت فيلماً وثائقياً عن الدكتورة نزيهة الدليمي، أول وزيرة عربية، وسجّلت ساعات بالفيديو لأول مذيعة عراقية هي المحامية فكتوريا نعمان، قبل رحيلها عن دنيانا ".
تضيف إنعام كجه جي : " الجيل الجديد لا يعرف أحداً من هؤلاء الذين شكلوا، مع آلاف غيرهم، عوالم العراق الثقافية السابقة. و ما عملي سوى جهد بسيط جدا ازاء ما حدث من تشتيت، بل تدمير للذاكرة ".
مصائر هذه الشخصيات التي تتقاطع راهناً يرتبط بالماضي الذي عاشوه في العراق، حيث يبرز السؤال جلياً : ما قيمة النجاح الفردي والخسارة الشخصية إزاء خسارة الوطن؟
"كثير من العراقيين المهاجرين يأمل، اليوم، بالعودة الى العراق، مثل بعض شخصيات الرواية، و بينهم من سارع الى حزم حقائبه، لكنني حزنت حين سمعت تصريحا لوزيرة شؤون المغتربين تناشدهم فيه البقاء في المنافي لأن الامور في الوطن غير مهيأة لاستقبالهم " تبوح كجه جي.
أما بخصوص ولادة فكرة عملها الروائي الاول فتقول : " كانت الفكرة تدور في رأسي منذ فترة، وجاءت الكتابة سريعة خوفا من ضياع الوقت . لقد اضعت عقوداً من حياتي في العمل الصحفي الذي هو أشبه بالكتابة والرمي في البحر". وتضيف " لعّل ما شجعني هو الاستقبال الطيب الذي لقيه كتاب نشرته قبل سنتين عن ادب المرأة العراقية، وتعلمت خلال كتابته كيف أسرق من الوقت وقتاً لخيانة الصحافة" .
وعن رؤيتها لمستقبل العراق تقول كجه جي: "احاول ان أتفاءل، إذ هل بقي في العمر متسع للتشاؤم؟ و هل هناك أسوأ مما حصل
؟ لا حق لنا بالتشاؤم بعد كل العذابات التي عاشها العراق.
" أتشبث بفكرة على نوع من السذاجة، ربما، فكرة العراق الواحد الحر المستقل القوي،العراق الطبيعي الذي يعيش أهله حياة طبيعية، مثل بقية شعوب العالم " تقول الكاتبة التي تواصل اهتمامها بحفظ الذاكرة الاجتماعية العراقية من خلال مشروع كتاب عن يوميات طبيبتين عراقيتين، ام وابنتها، الأولى كانت طبيبة في الارياف في جنوب العراق، في فترة الخمسينات و الستينات من القرن الماضي، و الابنة هاجرت الى كندا وتشاء الصدف ان تعمل في الارياف مع سكان البلاد الأصليين وفي مناطق نائية لا يصلها طبيب إلا بمشقة. (عن وكالة الصحافة الفرنسية – فرانس بريس).

 2


فصل من الرواية
"سواقي القلوب" تتلاقي وتصب في مجرى واحد

 

الروائية العراقية (انعام كجه جي)
inaam.kachachi@wanadoo.fr


تملَّكني حب سراب حتى حوَّلني الى انسان سعيد و مجدٍّ . و عكفتُ على ترجمة مسرحية لمارغريت دوراس فانتهيت منها في وقت قياسي، و أرسلتها لتنشر على حلقات في صحيفة كويتية . و لن يستطيع أحد أن يسبر عمق رضاي عن نفسي بعد ذلك الإنجاز إلاّ من مرَّ بسنوات من التعطِّل و الفراغ، و بلغ به الأمر حدَّ الشك في فحوى مجيئه الى الدنيا . بل إنَّني، في فورة من فورات حماستي التي أعقبت الترجمة، شرعت في كتابة روايـة و جعلـت من الخاتون بطلة لها . و كنت أذهب في الصباحات الباردة الى مقهى " كلوني " في بولفار السان ميشيل، و أصعد الى الطابق العلوي، مأوى المتأدبيـن و " أصحاب اللوثات الفكرية " كما يسمِّيهم زمزم، و أجلس بالساعات متمخِّضاً كي ألدَ صفحتين أو ثلاثاً، أقرأها على مسمع سراب عند العشيَّة .
لم أكن أعرف عن سراب سوى أنَّها من الكرَّادة الشرقيَّة، الحي البغدادي الذي كنت قد ولدت فيه أيضاً . و كنا انتقلنا الى مدينة الضباط في حيِّ اليرموك، بعد وفاة والدي، للإقامة في بيت عمَّتي التي كانت متزوِّجة من ضابط في الجيش . كان بيتاً واسعاً ذا حديقة تعلوها شرفة صغيرة تطلُّ على الشارع، من تلك البيوت الجديدة التي بناها عبدالكريم قاسم للضباط . لكنِّي بقيت أحنُّ الى حيِّنا القديم و الى رفاقي فيه و الى السدَّة الترابيَّة التي كنا نجتازها، في خفية عن أعين الأُمهات، لكي نسبح في دجلة .
و إذاً ، فقد كانت سراب ابنة شارع العطَّار، أبهى شوارع الكرَّادة و أقربها الى مدرسة الحكمة التي تعلَّمتُ فيها القراءة و الحساب على يد الست فكتوريا . و كان طولي لا يزيد على الشبرين حين حاولت أن أقود التلاميذ في مظاهرة نسـيت مناسـبتها و لم أعد أذكر منها سوى ذلك الهتاف الذي ألهب حنجرتي و أنا طفل: " سـبع بسـامـير بتوثيتـي و العايف دمَّه يتقدَّم ! " . و قـد تقـدم نحـوي فرَّاش المدرسـة و أعادني الى الصَّف بركلة موجعة من قدمه. شقَّت مؤخرتي .
هل كانت تلك الجيرة القديمة، بيني و بين سراب، كافية لأن تقيم بيننا القواسم المشتركة التي كشفتها لنا ثرثراتنا الطويلة ؟
إكتشفنا إنَّنا كنا نعرف، معاً، بيت المغنيَّة منيرة الهوزوز الذي أقامت فيه خليلة لشاعر معروف. كما كنا نتردد، في الفترة ذاتها، على مخزن رضا علوان لشراء الدفاتر و الأقلام، ونطارد الممثِّل فوزي محسن الأمين لكي يصرخ فينا صرخة مسرحيَّة من أحد أدوار يوسف وهبي فنهرب، مذعورين، الى بيوتنا .
وفي حين أنِّي غادرت الحيَّ في سنٍّ مبكرة، فقد ظلَّت سراب فيه و دخلت الثانوية الشرقية للبنات، وأحبَّت درس التاريخ بفضل الست نظيمة، و تعلَّمت كيف تسير مستقيمة الظهر، لا تتمايل يمنة ويسرة، وفقاً لأوامر لميعة الأورفلي، أشهر مديرات المدارس في بغداد، آنذاك، و أكثرهنَّ حزماً. و فهمت من سراب انها درست، بعد الثانوية، في معهد خاص للُّغات ثم سافرت الى بيروت لتلتحق بالجامعة الأميركية، لكن الحرب الأهليَّة أعادتها الى بغداد قبل أن تنهي الدراسة .
عادت غاوية للسياسة، ميّالة الى اليسار الثوري، لاعبة بالنار التي ستكوي أصابعها بلا رحمة، حسبما روت لي في لحظة من لحظات بوحها النادر .
كيف اكتوت ؟ وبأيِّ نار ؟
حاولت أن أعرف فلم تتجاوب أو تفصح عن المزيد، كما تهرَّبت من الحديث عن حياتها الأجتماعية بعد عودتها من بيروت، ولخصَّت الأُمور بانَّها هربت الى الخارج بعد فترة، عن طريق الشمال، و استقرَّت في باريس لاجئة منزوعة عن ناسها، محكومة بالكآبة، الى أن وجدت عملاً كمترجمة، بالساعة، في مكتب لتصديق الوثائق الرسميَّة يديره لبنانيٌّ.
كيف يكون دربي قد حاذى درب سراب، في أكثر من منعطف، دون أن يتلاقيا ؟ و ما علاقتها بجبرا و الباهي، و هي من ضفَّة و هما من أُخرى ؟
دخلـنا معاً، ذات مساء صيفيٍّ رائق، لمشاهدة فيلم سوفياتيٍّ لكليـموف في سـينما "كوزمـوز" . و لم أتوقع أن أراها تتأثر الى ذلك الحد بحيـث تبكي و تحمرُّ عيناها . وكانت القصّة عن مجموعة من العجائز اللواتي رفضن الإنصياع لأوامر الحكومة بإخلاء بيوتهن و الجلاء عن جزيرة مهدَّدة بالغرق. قبل أن تبتلعهن مياه البحر . و في حين يهرع الأطفال و الشباب الى البواخر التي أرسلتها الحكومة لتسفيرهم، و يلحق بهم الرجال، فإنَّ النساء المتقدمات في السن رفضن أن يُصدِّقن أنَّ وراء البحر أرضاً تصلح لبناء بيت جديد .


هل بقي في العمر متَّسع لترف مثل هذا ؟
أخيراً، تتمكَّن بعثة الحكومة من إقناع إحدى العجائز بالرحيل، فتوافق شرط أن يُسمح لها بوداع البيت الذي تزوَّجت فيه و أنجبت أبناءها السبعة . و تدوم مهلة الوداع نهاراً بكامله، تمضيه المرأة التي احدودب ظهرها في كنس أرضيـة البيت، و تنظيف الحجرات، و تلميـع الخشب، و نفض السـتائر، و وضع المفارش الخاصَّة بالأعياد، و سقي الحديقة، و نثر الحبوب للطيور . و لمَّا تنتـهي من عملها، تضيء كل أنوار البيت، و تقفل وراءها الباب، و تضع المفتاح في المخبأ الذي يعرفه كلُّ أفراد العائلة، و تمضي بعد ذلك الى السفينة التي تغادر بآخر الراحلين .
ثم يُخيِّم ضباب كثيف على المكان، و تحلُّ العتمة، و يطلع الفجر ، بعد ذلك، على أمواج تتلاطم. و لا جزيرة .
خرجنا من السينما و سرنا و كأننا في جنازة . لم نتبادل كلمة . و لمَّا بلغنا زقاقـاً هادئاً، مدَّت سـراب يدها و تشبثت بيدي كأنها تخاف الرحيل وحيدة وسط اللجج الغريبة، حيث لا بيت مضاء ينتظرها في أيِّ مكان .
بدأت علاقتنا الحميمة بدون خطط هجوميَّة من جانبي أو تمنُّع زائف من جانبها . كنا خارجين من عند الخاتون، بعد سهرة استماع لتسجيلات سليمة باشا، وهي واحدة من تلك الجلسات التي اتفقنا على تسميتها "حمَّامات الحنين". و بدل أن أصحبها الى الطابق الأرضيِّ و أسير معها، كالعادة، حتى موقف سيارتها، توقفنا على الدرج، عند باب شقَّتي، ودخلنا دون اتفاق مسبق وكأنَّ جرساً داخلياً دق لدى كل منَّا و أذِنَ لنا بالامتزاج وأشهد أنهّا امتزجت معي، منذ المرَّة الأُولى، في طقس خلاَّب ما زلت عاجزاً عن فكِّ شفرته، حتى و أنا منكَّب الآن على هذه الأوراق، أروي الحكاية بعد سـنوات من غيابها .
وبفضل سراب عرفت كيف تغدو الحواسُّ كمنجات، و حاذيت السرَّ الذي يُحيل ممارسة الحبِّ تمريناً على فعل الخلق . و معها بلغت ضفاف بحيرات لم أتيقَّن يوماً أنَّها كامنة في خبايا جسدي . جسدي الغشيم الذي توهَّمت، من قبل، أنَّني استكشفتـه كهفاً كهفاً و خبرت مجاهـله و شلالاته و مياهه الجوفية .

كانت تستلقي مطوِّحة بذراعيها على امتدادهما الى الخلف، مُتجاوزة حدود الوسادة و السرير، فارشة لي جنَّات لم أُوعد بها . و بخلاف صمتها الذي يغلب عليها في المجالس، فإنَّها كانت تتدفَّق كلاماً كالبلابل أثناء الحب، و تستذكر معلقات جاهلية و خطباً تروتسكية و شُتيمات لطيفة و مقامات عصمليَّـة و مزاميـر توراتيـة و أُغنيات من الزمن البائد . و أحياناً، كان يصـدر منها خليط من ولـولات غير مفهومة، مثل حداء الندَّابات أو وَهوَهات الدراويش ، أُحاول أن أستذكر شيئاً من كلماتها، فيما بعد، لكنها تهرب من طرف لساني مثل الأحلام التي تتبخَّر من الرؤوس عند الإستيقاظ . و من شدَّة استغراقها في تقطير رحيق لذَّتها، كانت تراودني خشية غامضة من احتمال ارتحالها الى منطقة حسيَّة قصيَّة، بعيدة عنِّي، فلا أدري كيف أُجاريها . لكنَّها، في وهلة ما من وهلات الحضور و الغياب، كانت تشُّق تسبيلة جفنيها شقاً ناعساً يكفي لأن ألمح الدعوة في نظرتها، فألتحق بها الى رَبوَتـها و أنا مطمئن الى سُكنـاي اليـها و سُكناها إليَّ .
هل هو الغرام الذي يأخذ بيد الشهوة و يقودها، خطوة خطوة، الى تخوم تلك الكفاية التي ما بعدها كفاية ؟ أم هي الأُلفة بيني و بين عراقيَّة من بنات جلدتي، كرَّادية أفهم إشاراتها و تفهم إشاراتي، توصلني الى تلك اللََّّذة المطمئنة المصفَّاة و المصطفاة للممسوسين من البشر فحسب، أحباب النخيل و الزعفران ؟
أسألها و نحن ممدَّدان و أعيننا الأربع مشرعة على سقف الغرفة :
ـ من دلَّكِ على غابتي يا بنت الناس ؟
و أسمع صوت البلبل يغنِّي في شبه العتمة الذي يلـفُّنا بردائه :
ـ أنا قلبي دلي .. لي لي .. ليـــلي...

كيف يمكنني، بعد كلَّ ذاك الجموح، أن أستقبل غراب البين الذي نقر، ذات نهار أجرب ، على شبَّاك سعادتي ؟
ما زلت، حتى الساعة، قاصراً عن إدراك ما جرى لسراب من اعتلال بعد أشهر قصار من امتزاجنا. إنَّ الجسد العبقريَّ في بذل الحب لا يمكن إلاَّ و أن يكون محصَّناً ضـد الداء، محروساً بالشموس وماء الفرات و تمائم العافية. هكـذا كنـت أفهم الأشـياء وأروز المحن والمسرَّات وأفرز زفرة الهمِّ عن نَفَس الصعداء كما تُفرز حبَّات الرز العنبر عن الزؤان .
كيف اختلطت الأُمور بهذه السرعة ؟ أم هو الغرام المُدوِّخ فتك بها و امتصَّ رحيق عسلها، مثلي، حتى الثمالة ؟
قلت لها، مفتوناً بتوارد الخواطر، وهي داخلة عليَّ ، ذات ضحى، و بيدها باقة من نرجس الربيع، إنني جئت لها بباقة من الزهر ذاته. فتأملت باقتها الملفوفة بورق بنفسجيٍّ ثم باقتي الموضوعة في المزهريَّة وردَّت على ملاحظتي مستعيرة المثل الشعبي الذي يفكفك براغي الحبَّابين و الحبَّابات :
ـ ألا تعرف كيفَ تغدو القلوب سواقي ... تتناءى ثم تتلاقى و تصبُّ في مجرى واحد؟

                          

 

من أيِّ طينة عجيبة خلقنا الله ، نحن العراقيين ؟

 

 

إنَّ كل واحد فينا قصَّة في حد ذاتـه . و أنا أُقلِّب الصفحات و أقرأ  قصَّة سارة ، و قصَّة زمزم ، و قصَّة سراب ، و قصَّتي . و كلُّنا في كفَّة و قصَّة  كاشانيّة خاتون وحدها في كفَّة . و إلاّ فهل يعقل أن تطلع عليَّ جارتي العجوز بهذه المفاجأة التي لا في البال و لا في الخاطر ؟ و أي أرانب و مناديل أُخرى تخبئها لي في قبعتها ؟

كان ساعي البريد قد طرق بابـي و هو يحمـل رسالة مسـجّلة باسـم الكونتيسة دو سافينيي . و قلت له إنه قد أخطأ في الشقَّة ، بل في العمارة كلِّها ، إذ لا توجد فيها  كونتيسات و لا يحزنون . لكنَّه أصرَّ على أنَّ العنوان صحيح ، و أراني المغلف الفخم فقرأت عليه رقم عمارتنا ، و " بولفـار بلانكي " في الدئرة الثالثة عشرة ، و اسم السيدة الكونتيسة كاشانية دو سافينيي ، مكتوباً بخط أنيق  كأنه بريشة خطاط .

 

        آنا أخوك  !

خرجت مني صرخة الدهشة تلقائياً فتراجع ساعي البريد فزعاً و كاد يسقط في بئر الدرج ، لكنني سحبته من كمِّ سترته الزرقاء و أشرت له بإبهامي الى الشقة التي تقع فوق ، و أنا لا أجد ما يمكن أن أنطق به سوى لغة الإشارة .

     كونتيسة كاشانية خاتون ؟ و الله حلو !

 لو جيء لي بمصباح علاء الدين ، في ذلك الصباح الغائم ، المصباح الأصلي لا المصنوع في تايوان ، و قيل لي إن الخاتون فرَكَته و طلع لها المارد و قال لها : شبيك لبيك ، و أسبغ عليها اللقب النبيل ، في غمضة عين ، لأطلقت من بين شفتيَّ  عفطة كراديَّة  تصل  الى الرصيف المقابل . لكن حكايات الجن شيء و هذا المظروف الذي شاهدته بأُم عيني ... لا ... ما معقولة .

 صعدت اليها قبل حلول المساء و بيدي قنينتي . و لما فتحت لي الباب انحنيت انحناءة مسرحية  على طريقة نبلاء القرن السابع عشر ،  و بقيت منحنياً لا أعدِّل هامتي حتى جلجلت ضحكتها فوق رأسي و منحتني البركة .

       ـ بونسوار مدام لا كونتيس .

       تلقَّت تحيَّّتي و فكَّت لغزها ، في الحال ، بحسِّها اللمَّاح ، قائلة :

       ـ بونسوار مسيو ، إذا كنت قد جئت لزيارة الكونتيسة فإنها غير موجودة . أمّا إذا أردت السلام على الخاتون فأهلاً و ميَّة مرحبا ...

 سهرت معها رأسـاً لرأس ،  " تيت آتيـت "  كما يقـول الفرنسيون ، و شربنـا و تحدَّثنا كما لم نتحدث طوال سنوات ، أي منذ أن جمعتنا الجيرة العمودية ، هي في الشـقة الفوقانية و أنا في التحتانية ، أسمع الدبيب ، على سقفي ، إذ يئزُّ خشب الأرضية تحت خطواتها فأعرف أنَّ لي رفيقاً في هذه المدينـة المؤلَّفة من زنازين و أقفاص متجاورة مقفلة على ساكنيها  .

 تحدَّثنا مثل روحين شقيقتين لا تقف بينهما واهيـات الفوارق في السنِّ أو الدين أو المنبت ، و رحنا نعدِّل تلك الأحرف المقلوبة أو المبتلعة  التي لم نلـق لها بالاً  في أحاديثنـا الماضية ، و نضع النقاط عليها حيث يجب ، و كأنَّنا كنا نتكاشف بعد أن حثَّنا وازع مجهول على أن نرفع الجيرة المجرَّدة بيننا الى مرتبة القرابة و الحميميَّة .

هل أقول إنَّ  كل الذي سمعته من الخاتون  من قبل ، أو الذي عرفته عنها ، أو الذي رَوَته أمام كاميرا زمزم ، كان قطرة في بحر تلك الأُمسية التي لا وصف لعذوبتها ؟

 لم يكن كلُّ ما رَوَته كاشانيَّة بنت ميساك سمَّاقيان جديداً عليَّ . كنت أعرف بعضاً منه ، و غابت عني أشياء كثيرة ، سهوتُ أو تحرَّجتُ فلم أستفهم عنها أو أستزد منها . كنت أعرف أن زوجها عمل في حقل الآثار في العراق و تعلَّم العربية ، و كان يوشك على دخول الدير في الموصل ، مترهِّباً منصرفاً عن متع الدنيا ، قبل أن يراها فتطير الملائكة من رأسه الى غيرما رجعة و تحطُّ ، محلَّها ، عصافير الحب . لكنَّها لم تقل لي إن اسمه الكامل هو الكونت فيليب كريستوف دو سافينيي ، و لا أنا سألتها عنه ، كما لم أسألها عن ذرِّيتها منه ، و افترضت أنها لم تنجب أبناءً ، طالما أنها لم تأتِ على ذكرهم .

و ها هي تقول لي ، في مساء إماطة اللثام هذا ، إنّ لها ابنة في تورنتو  متزوجة من بروفيسور كنديٍّ من علماء الرياضيِّات و لهما أولاد ثلاثة . ثم سكتت برهة قبل أن تُضيف بأنَّ السماء كانت قد أعطتها ، عدا البنت ، إبناً بكراً  يدعى  جان ميساك ، على اسم أبيها الذي حصدته المذبحة ، لكنَّها  فَقَدَته عندما كان طبيباً متطوعاً في جيبوتي . مات متأثراً بعدوى حمَّى غامضة ، قبل بلوغه  الثـالثـة و الثلاثين بيوم واحد .

سكتُّ سكتة أهل الكهف و أنا لا أدري بم أُجاري نبع الحزن الذي فجَّرته الذكرى في صدر جارتي  . ثم تمتمتُ ، بعد أن عثرتُ على بعض  لساني :

      ـ لقد أعلمني قلبي ، يا كاشانيَّة خاتون ، بأنَّ وراء حنانك الفائض لوعة ما ...

      ـ أنت أيضاً خوش ولد و ابن حلال ، و عندك ، مثلي ، لوعة دفينة .

      ـ لنقل إنَّ اللوعة تقارب ما بين القلوب المفطومة من أحبَّائها ...

     ـ ألم تسمع بأنَّ القلوب سواقٍ ؟

 قالتها بتلقائية ، كما تبزغ الحكمة في اللحظة المناسبة ، دونما تكلُّف ، من أفواه نسائنا المبتسمات أو المبتئسات ، الواثقات من صدق هذه النبوءة الشعبيَّة ... تماماً مثلما فاض المَثَل ذاته من شفتيّ سراب ، ذات ليلة مباركة ، فذكَّرَتني بعمَّتي التي أخذتني تحت جناحـها ، و بأُمِّي التـي ماتت و لم أشـبع منها ، و بجاراتنـا في الكرَّادة و الزويَّـة و اليرموك ، وبكل إمرأة مفتِّحة باللَبَن ، تفوح رائحة صابون الرَّقي من ثنايا عباءتها .

تأكدتُ أنَّ جارتي الأرمنيَّة ، كما قال زمزم ، كنز حزين مطمور يدعوني لاكتشـافه .  و رفعت كأسي لأشرب نخب سواقي القلوب التي لا بدَّ أنَّها تتكفَّل بإطفاء نار الوحشة ، و قلت لها مشاكساً و مواسياً :

      ـ و إذن فأنت لا كاشانية ، و لا خاتون ، و لا كونتيسة ... أنت أُم ميساك .

     ـ ليش تدوِّخ رأسك بهكذا ألقاب ؟ أنا هي العجوز التي تقاسمك الآن قنينة النبيذ الطيِّبة هذه ، و كل ما عداها  ترهات .

     ـ و ما اسم ابنتك التي في كندا ؟

     ـ لا إسم لها . نسيتها لأنَّها ابنة عاقَّة .

     جاءت عبارتها باترة تقطع الطريق على أي استفسار آخر . ثم قامت و جرجرت قدميها الى الجارور الموجود تحت التلفزيون و فتحته و راحت تعبث بما فيه من مفاتيح قديمة و قطع نقدية و كأنها تريد أن تحدث أي جلبة تصرف ذهنها عما يدور فيه . و فجأة استدارت نحوي و قالت :

     ـ في هذا الكون أقوام و شعوب كثيرة خلقها الله . عرب و فرس و أفارقة و إنكليز و برتكيش و صرب و غجر و شعب ياجوج و ماجوج ... فلماذا لم يقع اختيار التي لا اسم لها إلاّ على رجل من أحفاد باشوات العصمليين ؟

عادت و جلست و طردت السحابة الداكنة عن وجهها و مضت تحدِّثني عن ولدها الذي رُزقت به على كِبَر ، بعد أن قطعت الأمل في الخلفة و الأُمومة . ثمَّ نصحتها امرأة كلدانيَّة من أهالي ألقوش بأن ترتقي ، حافيـة ، الجبل الصاعد الى دير مار متَّى ، مثل النسـاء العواقر من قرى الموصل ، و أن تُصلِّـي هنـاك و تنذر نذراً موصوفاً ، و عندها ستنفخ العذراء في بطنها فتحبل بجاه القديسة مريم .

 نفذَّت الخاتون النصيحة . و بعد سنة من ارتقائها الجبل كان الجنين يلبط في أحشائها ، و أنجبت ولداً بهيَّ الطلعة ، ورث اللقب النبيل عن أبيه دون أن يفقه له معنى . و كبر الولد في بغداد ، لكنَّه عاد الى الموصل مع افتتـاح كليـة للطـبِّ فيها ، مُفضِّلاً أن يدرس في مسـقط رأسـه ، و كان يلعـب التنـس مع نســاء الأساتـذة الأجانب  و يدعوهنَّ الى رحلات للغطس في ينابيع " حمَّام العليل " و هو يقسم لهنَّ أنَّ مـاء تلك العـين يمنـع الشيخوخة و يغسل تجاعيد  الزمان . و كنَّ يصدِّقنه لأنَّهن كن مجعدات الوجوه ، و لأنَّه كان بارعاً في الكلام ، وسيماً مثل آلهة إغريقية ، و خلطة نادرة  لا تشبع الخاتون من  التغنِّي بها :

      ـ كان " موَّصى توصاه "  ، أخذ شهادة الطب و جاء الى أعمامه في فرنسا لكي يتخصص في أمراض البلدان الحارة ، و هنا اكتشف معنى أن يكن كونتـاً و ابن كونت ، و رأى نوادي النخبة تفتح له أبوابها و بنات الأرستقراطيَّة يتودَّدن إليه . لكنَّه خلَّف وراءه كلَّ مباهج باريس و ذهب  ليعمل متطوِّعـاً في الصومال و أثيوبيـا مع زملاء له من الأطباء الذين آمنوا أنَّهم رُسُل على هذه الأرض ، لا قصابين . و من هناك كتب لي    ليقول إنَّه  غارق في عشق امرأة أفريقيَّة .

     ـ ألم تمنحك هذه الدنيـا العجيبة ، يا خاتون ، حفيداً زنجيّاً ؟

     ـ لا ، لم تصبر الحياة على ولدي و لم يصبر عليها . و كانت عرَّافة تتكلم السواحيلية قد تنبأت له بأنَّه سيموت في السن التي مات فيها المسيح . و رفض المترجم أن ينقل له نبوءتها ، خشية إقلاقه و بلبلة أفكاره ، لكنَّه اصرًّ على أن يعرف ، فلما عرف نزل الكلام من كتاب الغيـب الى أرض البشـر ، و صار صدقاً .

 

 طالت أقاصيص البوح في تلك الليلة البيضاء ، و جفَّ اللسانان ثم ابتلا بالنبيذ  ، مرَّة بعد مرَّة ، حتى سكرا و تثاقلا . و حدَّثتنـي الخاتون ، و هي في أُرجوحـة تذهب و تأتي بها بين الأزمان و القارات ، عن زوجها الذي أحبَّ العراق حباً يوازي  حبَّـه لبلده . و أرتني صورة له تحت أقدام ثور مجنَّح في نمرود ، ثم جرجرت خطاها الى خزانة زجاجية و سحبت مجلداً ضخماً بالفرنسية ، مسحته بكفِّها و قدَّمته لي . و كان كتاباً مصوَّراً عن الآثار العباسية بقلم و كاميرا الكونت دو سافينيي .

 

       قالت :

       ـ  بقينا في بغداد سنوات عديدة بعد أن تقاعد زوجي و داهمته أثقال الشيخوخة ، لكنَّهم رفضوا طلبه الحصول على الجنسية . و كان قد قارب الثمانين و يريد أن يموت عراقياً ، فلم تتحقق له تلك الأُمنية . ثم جاءت قضية طرد  صديقه الراهب جان فيِّيه ، عالم السريانيَّـات الذي أمضى ثلاثين سنة من حياته في الموصل ، يقرأ كنوز مكتبة دير الآباء الدومينيكان و يقوم بالأَبحاث و يؤلِّف الكتب . ألا تذكر إنِّي كنت قد حدّثتك عنه ؟

       ـ  لقد سمعت عنه و رأيت أحد مؤلفاته في المكتبة الوطنية ...

       ـ  استدعوه ، ذات يوم ، الى دائرة الأمن و أبلغوه بأنَّ عليـه أن يغادر العراق خلال أربع و عشرين ساعة . و لم تنفع كل وساطات أصدقائه و تلاميذه المتنفذين في استبقائه . و في نهاية المطاف نصحوه بالسفر لأن بقاءه قد يهدِّد  حياته و يضعه في مواجهة أُناس لا مكان للمروءة  في قلوبهم .

      ـ لماذا طردوا رجلاً عالماً مثله ؟

      ـ قالوا أنّه نشر دراسة في مجلَّة فرنسية تُشكِّك في الصلة بين الآشوريين الحاليين الموزعين ما بين ايران و العراق و دول أُخرى  و بين الآشوريين القدماء الذين أقاموا حضارتهم بين النهرين . و لم يعجب هذا الكلام بعض المنتفعين من ميراث  مزعوم   فاشتكوه عند الرئيس أحمد حسن البكر ... و كان ما كان .

       تأتي الخاتون بقنينة نبيذ ثانية و تفضُّ سدَّادتها بمهارة صيَّاد يسحب شصاً عنيداً ، ثم  تواصل حكايتها مثل شهرزاد أرمنية دفنت شهريار بيديها و عمَّرت من بعده طويلاً :

       ـ لم يحتمل زوجي تسفير الأب جان فيِّيـه من بغداد في ليلة سوداء ، فلملمنا أغراضنا و جئنا الى هنا . و بعد سبعة و عشرين يوماً  أسلم فيليـب الروح  في بيتنـا الريفي في " آلبي " ، و دُفن فرنسياً على غير ما كان يشتهي . أما جان فيِّيـه فقد ذهـب الى ديـر في الجزائر ، و أحسب أنَّه أخذ الموصل معه ، في الجيب الملاصق للقلب ، بشطِّها و مخطوطاتها و خضرة ربيعيها و منارتها الحدباء .... مثل هامتي بعد كل هذه السنين .

 

 نفثت عبارتها مثلما تُنفث الحسرة من القلب المكلوم ، و مالت بجذعها جانباً كما تميل ، منذ عصور ، المنارة الموصليَّة التي لم أكن قد رأيتها إلا في الصور... تميل و لا  تتهاوى.