|
مهرة بلا فارس -2-
|
|
|
وفاء نصر شهاب الدين
لو لم تكن تلك الموهبة لدي لم أكن لأمتلك ذلك الطموح القاتل الذي يسبب لي التعاسة. لو لم تكن تلك الموهبة تعصف بي لم أكن لأغير ملامحي ولا أنفق معظم ميراثي على عمليات التجميل وشراء الميك آب والملابس الباهظة الثمن . لو لم توجد بداخلي تلك الموهبة لم شعرت بهذا القدر من الألم . إنني ألتف بملاءة نسجت من الذل والألم. إن روايتي جيدة، لا تتحدث عن العلاقات الجسدية الفجة المحرمة أو الشذوذ، إنها تحكي عن مطرب شهير يحب سيدة فاقدة الذاكرة مجرد علاقة بريئة سامية . فعندما أكتب عن إنسان لا أتعمق في مهنته ولكن أتغلغل داخل مشاعره.إنني أكتب الجانب الإنساني وليس المهني ولكن كيف أجد من يفهمني . إنني أقف أمام سلم شاهق العلو وفشلت في أن أضع قدمي على أول درجة منه ،إن هذه الدرجة هي ما ستمكنني من الوصول ولكنني لا أستطيع أن أضع قدمي عليها كأنني مقيدة و من خلفي زبانية الجحيم يضربونني بمقامع من حديد .
ظللت حزينة لفترة طويلة أكتم شجني ولوعتي, وتركت الرواية التي كنت أكتبها فانا محبطة كفاية لأستطيع الكتابة . وحاولت كثيرا أن أخرج من هذه الحالة ولكنني لم أستطيع كان يغلب علي الحزن واليأس . لقد طعنت في موهبتي في كياني طعنة نجلاء وضعت نهاية مأساوية لكل أحلامي وطموحاتي . وقررت ترك الكتابة والتخلي عنها والتفرغ لمراعاة أرضي والإشراف عليها، فأنا فلاحة ريفية لا يجدر بي دخول مجال أكبر مني لا يجدر بي العيش في وسط أجهل كيفيه الحياة به. مرت سنة كاملة لم أمسك فيه القلم سوى لمراجعة حساب ما أو كتابة رقم هاتف ،على الرغم من غضب أصدقائي العارم مني واتهامهم لي بالضعف والخنوع والاستسلام ولكنني عنيدة ورأسي صلد كالصخر لم تجد محاولاتهم معي لا أستطيع أن أوهم نفسي أكثر من ذلك فلأعش في الواقع وأكف عن الأوهام .
مساء أحد الأيام دخلت على الإنترنت على إحدى الغرف العامة فوجدت مجموعة من الشباب يتصارعون فيما بينهم ويتشاتمون بأبشع الشتائم وكعادتي دخلت لأهدأ هم وأخبرهم أننا جميعا أبناء وطن واحد وإن اختلفت جنسياتنا فنحن في النهاية عربا وإن لم نكن عربا فمسلمون وإن لم نكن مسلمون فنحن إخوة وجيران ونسيج واحد يجب ألا يتفتت . ووجدت من وقف بجواري في هذه المعركة المتكررة و تحدث عن الابتعاد عن العصبية القبلية وذكر آيات قرآنية تنهى عن التعصب العرقي وتحض الشباب على التماسك والوقوف وقفة رجل واحد أمام كل مسببات التفرق . وبعد أن هدأ الشباب دخل ليكلمني ويشكرني على ما فعلت مع الشباب وعرفني بنفسه ولم يكن سوى أحد النقاد الكبار تفاجأت وعلى الفور كشفت له عن شخصيتي الحقيقية وأخبرته بأنني كنت كاتبة واعتزلت لعدم اعتراف دار النشر بموهبتي فطلب مني قراءة الرواية ليقيمها وينتقدها من وجهة نظره فأرسلتها له على بريده الإلكتروني وطلب مني مهلة أسبوع لكي يستطيع قراءتها وتقييمها ومر الأسبوع وخشيت أن أقترب من جهاز الكمبيوتر وجمعت كل شجاعتي وفتحت الجهاز لأجد أكثر من عشرين( أوف لاين مسج) من الناقد عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية وصراحة شعرت بدقات قلبي تتوقف تماما ثم تتسارع كأن هناك من يركض خلفي . قال بالحرف الواحد وبكل أمانة " اللغة رائعة حقيقة أصيلة تقنيات التوصيل إلى القاريء تنم عن حذق كبير وقدرة على المناورة وتشير إلى مستقبل واعد واثق ،فمعالجة لحظات السقوط لم تتورط في تفاصيل الوحل واتبعت بتلميح ولكن ببعض الإثارة للأسف( الأسلوب القرآني السامي) اللغة نادرة بحق وتفاصيل التقنيات تحتاج إلى إفراد حيز كبير من التناول هنا ....... الشخصيات مرسومة ومجسدة بفنية ففيها الخير والشر وهي شخصيات عادية يمكن أن نجدها حولنا، الموضوع حقيقة ثري واقعي يحتاج إلى معالجة فنية أدبية ولكنني أشفقت على الأستاذة مهرة من التصدي له رغم التميز في عرضه بروح وطنية قومية جديدة لم نرها كثيرا في أديباتنا وأدبائنا، لكن الشكل الأدبي ليس روائيا من خلال الفصل الأول لأنه سيرة ذاتية لشخص واحد من خلاله يتم عرض الأحداث العريضة في الرواية كما سيطرت الخطابية على اللغة بسبب هذا( سيرة ذاتية) المنولوج الداخلي جميل جدا ولكنه لم يؤت الثمار التي نتوخاها منه فنيا لأنه كله لشخص واحد وهو البطل وفي النهاية لعرض الفصل الأول بشكل سريع أقول مبروك يا أستاذه مهرة الأسلوب الرائع النادر ومبروك الأصالة النادرة والرغبة الواعية في علاج قضايانا ،التي ولاشك ستأخذ طريقها إلى الترقي دائما إن شاء الله ومبروك لمصر أن يكون فيها سيدة مثلك 27 سنة وعلى هذا المستوى المشرف في التجريب في الكتابة الأدبية الغد واعد والمستقبل ابهى والضريبة باهظة التكاليف سهر وقراءة وتجويد ومزيد من الصقل................ وأنت أهل لكل هذا حاذقة بارعة متقنة جادة_ تتسلحين بحس أدبي مرهف "
حقيقة كلماته أعادت لي الثقة بنفسي ثقة وصلت لدرجة الغرور الذي لا أعرفه . إنني أحترم ذلك الرجل وأثق به ولا أدري لم أشعر ناحيته كأنه والدي على الرغم من انه لم يتجاوز الأربعين من عمره ولكنه يشعرني بعاطفة الأبوة التي فقدتها منذ وقت طويل ،ووعدني بتبني موهبتي ومساعدتي إلا أنني كنت مازلت أخشى الدخول في مهنة الكتابة كمحترفة وحكيت له عما حدث وعن الرجل الذي ساومني لأقيم علاقة معه وشعرت بأنه ثار وغضب لألمي وأخبرني أنه لابد أن أثق بنفسي وموهبتي وأثق أن الطريق المستقيم هو أقوي وأنظف وأقصر الطرق للوصول إلى الهدف وأن هذا الشخص ما هو إلا استثناء فاسد لا يمثل كل من يعمل في الوسط الفني أو الثقافي عموما .
إنني أدين له بفضل كبير فقد جعلني أكمل الرواية التي تخليت عنها منذ سنة كاملة وطلب مني أن أرسلها هي الأخرى ليقيمها وبدأت في الكتابة مرة ثانية ولكنني قررت ألا أنشر في دور نشر عادية سأحاول نشر روايتي على أحد المواقع التي تنشر الكتب الكترونيا أون لاين ووعدني نيكولا بتذليل هذه المشكلة و استطاع أن يجد شركة كبرى تنشر الكتب بهذه الطريقة وأخذ مني النص ليعالجه ويحوله من ملفات (word) ويحولها إلى ملفات ( PDF) حتى لا يستطيع أحد طباعته أو نسخه وأرسلت لي الشركة العقد على بريدي الالكتروني فطبعته ووقعته وأرسلته لهم إنه عقد إلى حد ما أكثر إنصافاً من عقود دور النشر الورقي . ولكنني مازلت متشوقة لنشر الرواية ككتاب مازلت أعشق الكتاب الذي أضعه على ركبتي . أعشق الطباعة ورائحة الورق ولكن ماذا أفعل ليس أمامي سوى هذا الطريق وحمدت الله كثيرا على وجود تلك الفرصة .
وفي اليوم التالي مباشرة لإرسال النص بطريقة( PDF) فتحت الموقع لأرى الكتب المعروضة بالصدفة فوجدت اسم روايتي في الكتب المعروضة حديثا ووجدت نفسي أصيح كأنني جننت وأنادي خالتي وأنادي احمد الذي صعق وزغردت خالتي فرحة وجاء الجيران ليستفسروا عن سبب الزغاريد وأخبرتهم خالتي بأنني أصبحت كاتبة تنشر لي مواقع الإنترنت رواياتي .
وانتشر الخبر في القرية ووجدت من يتصل بي بعد ذلك ويسألني عن مبلغ ربع مليون جنيه حصلت عليه جراء نشر الرواية ولم أكذب الخبر ولم أنكره . وانتشر خبر الربع مليون جنية في القرية كالنار في الهشيم وبدأ الناس يعاملوني معاملة أخرى بعد أنا كانوا يستهزأ ون بي عندما كنت قبيحة ويحتقرونني بعد أن أصبحت جميلة لأنهم يحتقرون عمليات التجميل حتى أن إحدى السيدات أخبرتني ذات مرة قائلة " يا خايبة ضيعت فلوس عمك على العمليات وبكرة ها يرجع شكلك زي ما كان هاتجيبي فلوس منين تعملي عملية زي دي كل ست أشهر "! ابتسمت من تفكير السيدة البسيطة فعندما غيرت ملامحي وفقدت أموالي تحولت نظرتهم لي إلى نظرة احتقار أما الآن فقد أصبحت مهمة فبعد أن كان الجيران يتجاهلونني أصبحوا يسألون عمي وانهالت التليفونات علي لتبارك صعودي وأسمع من عبارات الود مالم أسمع من قبل وأنا أبتسم في سري ساخرة وأتذكر المسلسل الشهير " ترويض الشرسة " وأتذكر بطلته ظريفة عندما هبطت عليها الثروة وطريقة تغير معاملة الناس لها . ههههه إنها مضحكة فعلا إذا كان لدي مال أو لم يكن ماذا سيستفيد الناس وما الفارق الذي سيشكله بالنسبة إليهم لماذا يعامل الناس باحترام والفقير بازدراء هل هي موروثات اجتماعية أم قيم غريبة على مجتمعاتنا أم ماذا ولكنني كنت سعيدة بتأثير هذه الشائعة التي لا أعلم من أطلقها . وبدأت استقر شيئاً فشيئاً وأواصل حياتي في هدوء وأنفذ الروتين اليومي على أكمل وجه إلى أن ثارت نجوى وقررت إعلان العصيان على زوجها وقررت الطلاق وجاءت إلى منزل خالتي غاضبة إنها مسكينة لا تستطيع التأقلم مع طباع زوجها إنه حيوان معدوم الإحساس والأخلاق لا يعطيها أبسط حقوقها لديه حتى الأمان لا تشعر به معه اذكر أحد المرات أن أحمد شقيقها أحمد قال لها مداعبا " تعرفي يا نجوى انتي مفتقدة الأمان زي الشعب الفلسطيني والشعب العراقي هما خايفين بسبب الحروب والعربيات المفخخة وانتي يا عيني خايفة من النكد والخناقات " فقالت نجوى " والله العربيات المفخخة والقناصين أحسن ألف مرة .......حتى اللي بيموت بكرامته مش قليل الكرامة زيي "
شجعتها على التخلص منه فهذا الحيوان لا يستحق سيدة مهذبة ومحترمة مثل نجوى تلك السمراء الفاتنة طيبة القلب وغضبت خالتي فأنا أشجعها على خراب بيتها ولكن سرعان ما اقتنعت بعدما شنع زوج نجوى بها وأطلق لسانه شديد الحدة باتهامات غير مقبولة . وساومهم الحيوان على حقوق نجوى ووصلت الأمور إلى طريق معقد فالجلسات العرفية لا تطيب حقا وتنازلت نجوى عن حقوقها لتحصل على حريتها وتركت العذاب الذي عاشت فيه ثلاث سنوات غير نادمة . كانت في حالة نفسية سيئة وعاشت في فراغ ووحدة إلا أنها قررت العمل لقد تخرجت من كلية السياحة والفنادق لم لا تعمل كمرشدة سياحية وقامت القيامة فوالدها ولأول مرة يتدخل في تربيتهم وثار بينما ولأول مرة توافقها خالتي الرأي ولكنه عمل صعب وسط السياح الأجانب وحياة من عدم الاستقرار كما أنها يجب أن تعيش في القاهرة وحيدة غريبة وتفجرت في رأس أحمد فكرة رائعة لم لا أرافقها فأنا لا أعمل وستفيدني الحياة في القاهرة التي تزخر بكل الحركات الثقافية والمد ارس الأدبية ولكنها ما زالت صعبة إذ كيف ستسمح خالتي لنا بالعيش بمفردنا ولكن نجوى اقترحت عليها أن تتردد هي علينا بانتظام . وصممت نجوى وناصرتها بكل قوتي ومعي احمد لم نعيش في هذه القرية ؟ إنها ليست حياة ... الخدمات بدائية الحياة رتيبة مملة إذا أراد أحدهم شرب كوب من الماء لابد وأن يجد في نهاية الكوب الرواسب الطينية التي تدل على أن الماء لم يسبق تكريره وذلك غير الرائحة النتنة ناهيك عن انقطاع الكهرباء وغيرها من مشاكل الريف .لا لن أعيش في القرية سأنتقل مع ابنه خالتي لأعاضدها وأغير حياتي الرتيبة فلربما صادفني شاب وسيم لا يعلم بقصة تخلصي من ملامحي القديمة ويخطفني على حصانة الأبيض ويطوف بي سماوات الخيال . إنني في السابعة والعشرين وأرغب في أن أعيش قصة حب رومانسية ملتهبة أريد شاباً وسيماً يملأ فراغ عواطفي . إنني جميلة غنية رومانسية ماذا ينقصني لأحصل على شاب حنون , طيب , وسيم ؟ وانتقلنا إلى القاهرة في شقة جميلة اشتريتها بالاشتراك مع نجوى وأثثناها بعناية فائقة لقد انتقلنا إلى الوجه المضيء للدنيا ولابد أن نعيش في مستوى يليق بنا وبدأت أعيش حياتي بطريقة مختلفة فنجوى من تعمل أما أنا فأشرف على ترتيب المنزل وإعداد الطعام فخالتي صممت على أن ترافقنا بدوية حتى تعلمها بما نفعل أول بأول . وبدأت في تغيير أسلوب حياتي اشتركت في نادي عريق لأمضي أوقات فراغي الطويلة جدا ارتديت مالم أرتد من قبل كان ما يؤلمني فقط هو كثرة السيارات التي أرتعب منها فكنت إذا عبرت الشارع أذكر الشهادتين فأنا لا أدري إن كنت سأصل للجانب الآخر حية أم لا . ولكنني وعلى الرغم من كل مظاهر المدنية التي عشت فيها افتقدت هدوء الريف وصوت شقشقة الطيور في صباح الربيع الباكر . أحد الأيام جلست في النادي وكنت مشغولة بكتابة مشهد من رواية كنت أكتبها وبعد أن انتهيت وأثناء مغادرتي اصطدمت بأحد الأشخاص فطارت الأوراق التي كتبتها وتناثرت في حمام السباحة وكانت كارثة فقد اضطرب الرجل وحاول أن يلتقط لي أوراقي ولكنه فشل وشعرت بالغضب العارم ولكنني كظمت غيظي لاعتذار الرجل العربي ولم أجد داعيا للتمادي في إظهار الغضب لأنني أكتب كل ما اكتبه على جهاز الكمبيوتر أول بأول فلا أحتاج للمسودة الأولية التي اكتب بها ودعاني الرجل لتناول كوب من عصير الليمون تعبيرا عن اعتذاره وقبلت وكان هذا الرجل عراقي الجنسية جاء مصر للسياحة فقد كان ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في دار فور السودان وسألني عن الأوراق فأخبرته بأنها رواية أكتبها فسألني إن كنت قد نشرت روايات من قبل فأخبرته أنني نشرت واحدة ككتاب إلكتروني فطلب مني اللينك الخاص بالرواية ليشتريها ويقرأها فإن أعجبته فسيخبر عنها ابن شقيقه الذي يمتلك دار نشر في القاهرة طلب رقم تليفوني فأعطيته بريدي الإلكتروني ووعدني بأن يحادثني مجددا ليكفر عما فعل . ودعته وذهبت إلى بيتي وبعد حوالي أسبوع وجدت منه رسالة تخبرني بأنه قرأ روايتي وجعل ابن شقيقه مدير دار النشر يشتري نسخة وأنه أعجب بطريقة كتابتي وأفكاري وطلب منه لقاءي . كانت فرصة رائعة فهاهي الواسطة لدي ــ على الرغم من عدم اقتناعي بأنني أحتاج واسطة لقبول أعمالي ــ والمدير معجب بكتاباتي وقررت أن أسلمه روايتي قبل الأخيرة وعن طريق التليفون أخذت منه موعد صوته جميل يحمل قوة ورقة في نفس الوقت وسألت نفسي لأول مرة هل هو وسيم ؟ لا يعقل أن يكون شاب يمتلك مثل ذلك الصوت الجميل غير جميل ما الذي جعلني أفكر مثل هذا التفكير لا أدري . اشتريت ثوب فخم لهذه المناسبة وذهبت إلى الكوافير وبعد أن انتهيت من تصفيف شعري وضعت عليه الحجاب وحقيقة لا أدري ما الذي دفعني لدفع هذا المبلغ لتصفيف شعري إن كنت أرتدي الحجاب ولكن المشكلة أنني أحيانا ما تعتريني رغبة غير واعية في أن أخرج عارية الشعر كبعض فتيات العاصمة رغبت أن أبدو فاتنة ذات شعر أسود خيالي ولكن في النهاية أرتدي حجابي في هدوء واقتناع بأنني أجمل وأرق فحجابي كبصمة يدي يميزني عن غيري . في الوقت المحدد أخذت تاكسي وذهبت إلى دار النشر والتقيت بالسكرتيرة لقد ذهبت قبل الموعد بدقيقتين فقط وعندما أذنت لي السكرتيرة بالدخول شعرت بنبضات قلبي تتوقف ثانية . لا أدري لماذا أهاب كل تجربة جديدة كاد قلبي عندما دلفت إلى المكتب الأنيق وقام الشاب من خلف مكتبه ليستقبلني لا أدري لم ارتجفت يدي وأنا أصافحه إنه ودود جداً والأكثر تأثيراً من الود أنه شديد الوسامة إنه يستحق لقب "سوبر وسيم العرب " لقد كنت أعتقد أن شباب مصر هم أوسم شباب العرب ولكنني كنت مخطئة . إنه ...... لا أجد من الكلمات ما أعبر به عن مدى وسامته ورقته شعره الشديد السواد يظهر لون عينيه العسليتين الفاتحتين رياضي القوام رقيق الملامح كأنه أحد آلهة الإغريق . كنت متماسكة ولكنني منبهرة إنه أوسم شاب التقيت به إلى الآن . لم أبدأ الحديث ووفر هو علي مشقة البدايات التي لا أجيدها فرحب بي واعتذر لي عما فعله عمه عندما ضيع أوراق روايتي حقيقة أخجلني بلطفه ورومانسيته المفرطة ولا أدري لم شعرت بالدونية والضعة وأنا أراقب تعبيرات وجهه ولكنه بدد لدي هذا الشعور لقد أشعرني بكلماته المشجعة أنني أمتلك أسلوبا أخاذا راقياً لقد قرأ روايتي المنشورة على الإنترنت وأعجب بطريقة معالجتي للقصة وأعجب بالحوار وقال لي كلمة غريبة قال أنه أعجب إعجابا شخصيا ببطلة الرواية " رانيا" . لا أدري أهو إسقاط أم كان يقصد البطلة فعلا ولا يقصدني أنا ولكم تمنيت أن يكون أنا من يقصد ! أعطيته الرواية بعد أن شربت معه القهوة وعدت إلى البيت ولا أدري ما أصابني شعرت بشيء غريب طوال النهار أتحدث عنه وعن لقاءي به وأصف مشاعري لنجوى المسكينة التي كنت أوقظها فجرا لأحكي لها عما قاله لي بالحرف الواحد . كان شعورا غريبا لا أدري أهو شيء لا إرادي أم هي طريقة اخترعها عقلي الباطن لأبدد مشاعري تجاه نيكولا الذي كنت مازلت أتألم لما تسببت له به لقد قاومت مشاعري تجاه نيكولا لدرجة أربكت مشاعري وشوشت أحاسيسي . وفكرت لم لا أسافر مع نجوى لأغير الجو الخانق الذي أشعر به سأسافر إلى شرم الشيخ بصحبة نجوى للاستجمام وسأظل هناك لمدة إنني أشعر أنني أختنق الشعور بالوحدة يدمر أعصابي ويشعرني بالإحباط . وسافرت بصحبة نجوى إنه عمل رائع أن تكون مرشداً سياحياً تلتقي بالسياح العرب والأجانب وتجوب كل المناطق السياحية إنه عمل مضني ولكنه ممتع إن نجوى بارعة في عملها لها أسلوب راقي في التعامل مع البشر إنني أفخر بأنها ابنه خالتي . وعدت إلى القاهرة بعد الرحلة وقد استرحت قليلا ووجدت رسالة من صديقي العراقي تطلب مني الاتصال بابن شقيقه . وعلى الفور اتصلت بدار النشر لأحدد موعدا مع المدير . وذهبت في الموعد المحدد ولكنني لم أجده وأخبرتني "تيريزا " السكرتيرة أنه في المطابع وهممت بالعودة إلا أنها طلبت مني الانتظار وانتظرت ولم يطل انتظاري وأتى وسلم علي ودعاني لدخول مكتبه وطلب من السكرتيرة إحضار غداء لشخصين . ارتبكت وسألته عن سر دعوته لي فأخبرني بأنه عرض الرواية على لجنة ولكن للجنة بعض التحفظات . هممت بالاعتراض إلا انه أشار لي لكي لا أقاطعه قائلا أنه قد قرأ الرواية بنفسه وأنه لا مانع لديه من نشرها لأنها تجربة يجب أن تحترم وأنه قرر طبعها . سألته عن تكاليف النشر فاخبرني أنني يجب أن أشتري مائتي نسخة بسعر الغلاف وصدمت لم لا أطبعها على نفقتي الخاصة إذن وتأخذ دار النشر نسبتها وتأخذ شركة التوزيع نسبتها هي الأخرى ولم يطل تفكيري ووافقت على شراء مائتي نسخة من روايتي حتى تنشر . أخذت منه نسخة العقد لكي أعرضه على محامي وهممت بالمغادرة وأنا أتحسر على المبلغ الذي سأدفعه لدار النشر ولكنه استوقفني وطلب مني تناول الغداء معه عارضت بشدة ولكنه صمم فرافقت على استحياء وبعد الغداء عدت إلى الشقة ووجدت نجوى بانتظاري وحكيت لها ما حدث بالتفصيل وعن المئتي نسخة وأعربت لها عن خيبة أملي ولكنها أخبرتني بأن دور النشر ليسوا تجاراً معرضين للربح أو الخسارة . وقعت العقد بعد أن أكد لي المحامي سلامته وبدأت دار النشر في تحويل الرواية لكتاب وترددت أكثر من مرة على دار النشر لأتابع خطوات التحويل وتصميم الغلاف . بعد الانتهاء من مرحلة الطباعة أخذت النسخ الخاصة بي لأوزعها على أصدقائي وبدأت در النشر في الترويج للرواية وعقد الندوات للمناقشة وكنت أحضر هذه الندوات في معظم الأوقات بصحبة "ذو الفقار" وهذا هو اسمه كان يشجعني بطريقة ملفتة للانتباه ربما لأن أسلوبي في الكتابة يعجبه وشخصياتي الخيالية تؤثر به . كان للرواية صدى جيد لدى القراء وبعد بضعة أشهر طبعت دار النشر طبعة أخرى وبدأت في التجهيز لرواية جديدة وقررت أن تكون الفتاة "تفيدة " هي بطلة هذه الرواية نعم تفيدة تلك الفتاة القبيحة المسكينة التي أضعتها نتيجة لطموحي الجامح قررت أن أستفيد من تلك التجربة وان أرسم بمهارة نفسية الفتاة القبيحة . وبدأت الفصل الأول إنني شعرت بضغط عصبي شديد فقررت إرجاء كتابة هذه الرواية حتى أستريح من ذلك الضغط العاطفي والعصبي فالكتابة تحتاج إلى مزاج رائق. أخبرني "ذوالفقار" بالصدفة أنه قرر أن يستضيف عمه الأستاذ محمد وعمته السيدة سناء لمدة أسبوعين في إجازة فقد فقدت عمته ابنها الشاب نتيجة لعملية إرهابية منذ بضعة أشهر . وعرضت عليه فكرة أن أقوم أنا الأخرى باستضافتهما عندي في قريتي و عيد شم النسيم بعد أسبوع لم لا نحتفل جميعا معاً ؟ شكرني في البداية ولكنه كان يعارض الفكرة ولكنني ألححت عليه أن يوافق فطلب مهلة ليستشير عمه وعمته . وكنت على اتصال مع الأستاذ محمد وعرضت عليه الفكرة فرحب وأخبرني بأنهم سيزورونني بالتأكيد ويقضوا عدة أيام في الريف المصري الساحر الهادي . والتقيت بهم في القاهرة أنا ونجوى وصاحبناهم إلى قريتنا بينما اعتذر ذوالفقار ووعدني باللحاق بنا يوم شم النسيم فلديه أعمال كثيرة يجب إنجازها . السيدة سناء سيدة رقيقة طيبة لا أدري لم شعرت بأنفاس والدتي عندما كنت أكلمها إنها بارعة الحسن تذكرني بإحدى ممثلات جيل الوسط . جمال يكتسي بحزن فيمنحه سحر خاص من الصعب تحديد أثره في النفس أو التخلص من هذا الأثر ولو أجهدت ذاكرتك في النسيان . حاولت ألا أشعرها بالغربة كنت أجلس دائما معها حتى وإن صمتت محاولة اجترار ماضي الشهور الفائتة شديد الإيلام . أحد المرات طلبت منها أن تحدثني عن ولدها الشهيد " عمر " فامتلأت عيناها بالدموع وشعرت بمدى قسوتي إنها تحاول أن تنسى مصابها فأفتح أنا جرحها بلا رحمة . لقد فقدت أسلوبي ولاشك . اعتذرت لها ولكنها لم تتكلم تكلمت عيناها بدموع غزيرة أشعرتني بمدى بشاعتي ولكنها ضمتني لصدرها في حنان جعلني أذوب من شدة رقتها أسلوبها الطيب الرقيق وكرمها الشديد وتسامحها جعلاني أصدق بالفعل أنها أمي وطلبت منها مشاركتي غرفتي حتى لا أبتعد عنها لحظة واحدة طوال وجودها عندي ولا أدري لم ارتبطت بها هذا الارتباط الشديد إنها سيدة شديدة الجاذبية عندما رأتها خالتي وحادثتها أعجبت بها جدا على الرغم من أن خالتي لا تفهم اللهجة العراقية أبدا وللحقيقة أنا أيضا كنت أفهمها بالشبه فإخواننا في العراق يتكلمون بسرعة فائقة والأكثر أنهم يقلبون بعض الحروف لحروف أخرى فيتغير معنى الكلمة ونطقها فحرف الكاف مثلا أحيانا ما ينطقونه جيما معطشة والأصعب اقتباسهم بعض الكلمات الفارسية. أحد الموات قالت لي السيدة سناء " انتي كلش خوش بنية " شعرت بالضياع عندما سمعت هذه الكلمة وابتسمت في بلاهة محاولة عدم الرد ولكن الأستاذ محمد ترجمها لي على الفور وهي تعني أنني فتاة طيبة . اللهجة العراقية على الرغم من أنها صعبة إلا أنني أجدها فاتنة لا أدري لم أغرمت بها وأحببتها ووجدتها من أجمل اللهجات العربية . الاحتفال بشم النسيم لم يكن يعني لي الكثير فلم أحتفل به من قبل أما هذه المرة فكان الوضع مختلفاً سنحتفل جميعاً وسيأتي ذو الفقار من القاهرة ليقضي اليوم معنا لذا يجب أن يكون يوماً مميزاً وأرسلت أحمد ليشتري الفسيخ ووصيت عبادي لكي ينظف الجرن خاصة تحت شجرة العنب لأننا سنتناول الغداء تحتها وأحضرت له براد شاي جديد وطاقم من الأكواب الفاخرة حتى يتسنى له عمل الشاي على الراكية. لا أدري لم كنت فرحة بهذا اليوم هل لأن ذو الفقار سيزورني في بيتي وماذا إذا زارني أليس شخصاً عادياً ؟...... لا إنه ليس شخصاً عادياً ...... أنا لا أدري ما هو الرابط الذي يربطني به هل لأنه مدير دار النشر التي أتعامل معها ...... لا أعتقد . هل هو الاهتمام الذي يظهره لي وحسن الأسلوب والتعامل الراقي ؟....... أيضا لا أعلم إنني أشعر كأنه شيء قريب مني أشعر وبدون خجل أنني امتلك ذلك الشاب على الرغم من أن احتمال حبه لي لا يتجاوز الواحد من عشرة في المائة . إنه يتصل بي أحياناً بدون سبب أحد المرات اتصل بي ليسألني عن روايتي الجديدة واسم بطلتها كان سبب غير معقول ولكنني وجدت له العذر إنه شاب وحيد في بلد غريب لا أقارب له ولا أهل ربما يريدني أن أصبح صديقته فهو إنسان محترم مهذب وأنا تشرفني صداقته . أما الحب فلا أعتقد أنه يحبني أنا إنه يحب رواياتي وأسلوبي في الكتابة وحتى بطلات رواياتي ولكنه لم يسبق له أن لمح لي بأنه معجب بي بصفة شخصية . لا أدري لم أردت أن أبدو مميزة فجهزت ثوب فخم لهذه المناسبة ولاحظت عمته اهتمامي الشديد وقالت كلمة تخللت كياني " شوفي مهرة "ذوذو" هوايه طيب ايحب البنت الحنونة الطيبة وانتي كلش حنونة انت مو مهرة انتي ناقة " حاولت ألا أبدو متلهفة عليه وخاصة عندما قاد المسافة من القاهرة إلى قريتنا وهو لا يعرف الطريق البعيد الذي يبعد عن القاهرة حوالي ثلاث ساعات ونصف وفي الوقت المحدد كان قد أتى . كانت خالتي قد أعدت الفطير المشلتت لإفطار الضيوف وأفطرنا وذهبنا جميعاً إلى الحقل وسط الخضرة المبهجة وجلس هو بجوار عمته واضعاً يده على كتفها وأخذ يسألها عن أحوالها هنا وعن انطباعها عن وجودها في الريف المصري الساحر وأخذت هي تحكي له عن الأشياء التي زارتها وعن مقام العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي الذي لا يبعد عنا سوى عدة كيلومترات وعن ساعة العصاري التي نقضيها معا في السير بين الحقول أو في الحديقة لقد أحبت الحياة بصحبتي وأخبرت الجميع أنها تود لو رافقتها على العراق . لمعت عينيه وهو يتفحص ملامحي ونظر لي نظرة حانية ساحرة وشكرني على ما فعلت .أنا لا أريد هذا الشكر إنني أتعاطف مع تلك السيدة الذبيحة التي فقدت ولدها الشاب بحادث إرهابي مؤلم ذلك الشاب الوسيم الذي ما أن رأيت صورته حتى علمت على الفور لم انهارت والدته كل هذا الانهيار ليس والدته فحسب بل العائلة بأسرها فقد غادر أربعة من أخواله العراق بعد الحادث كما غادرت والدته وجدته وأخته إلى دبي . إنها مأساة بالفعل شاب يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما يقتل بلا ذنب ولا جريرة . شاب يخرج من منزلة ليزور بيت جدته فيمنعه الموت من الوصول إلى بيت جدته ويغتاله المجرمون على بعد خطوات . لقد هجرت الجدة البيت وآلت على نفسها ألا تسكنه بعدما اغتيل حفيدها أمامه . لم يفعل الإرهابيون ذلك ؟ كنت أفرح فيما مضى عندما ا‘لم أن المجاهدين قاموا بتفجير سيارة مفخخة في رتل عسكري أمريكي كنت أفخر بهم لأنهم يدافعون عن كرامة وطنهم ضد محتل مغتصب كنت أفرح لدرجة أنني فكرت في كتابة رواية عن أحد هؤلاء المجاهدين ولكن بعد أن رأيت هذا الكم الكبير من السيارات المفخخة التي تستهدف المدنيين الأبرياء أصبت بالهلع والخوف ما ذنب المدنيين سنة أم شيعة أو مسيحيين ؟إن الحرب مع المحتل وليس الشعب الأعزل لقد رأيت على قناة العراقية عدد كبير من الإرهابيين الذين قاموا بقتل المدنيين واغتصاب الفتيات والخطف وتفجير السيارات مقابل حفنة من المال إنها صدمة ولاشك . إنني أتعاطف كل التعاطف مع الشعب العراقي الجريح وأشعر أن ما يحدث له هو جرح في قلبي لن يندمل أبداً . شعرت بأن كل أم ثكلى هي السيدة سناء أم عمر الشهيد ذلك الشاب الممتلئ بالحيوية الذي فقد حياته بلا جناية . شردت قليلاً والجميع يتحدث عني فقد انبرت خالتي تعدد لهم المزايا التي أتحلى بها فأنا ست بيت شاطرة وحنونة وطيبة أما أنا فكنت أفكر في عمر ذلك الشاب الذي جعل قلبي ينفطر عندما أتذكر أن روحة المرحة الخفيفة غادرت جسده بسبب رصاص الغدر والعار . أفقت على صوت نجوى وهي تطلب من بدوية إحضار الغداء الذي لم يكن سوى أفخر أنواع الفسيخ البلدي وذعر ذو الفقار عندما اشتم الرائحة من بعيد وسأل عن ماهية ذلك الشيء ذي الرائحة البشعة وأخبره عمه أن اسمه في العراق سمك معتق وهو أكله شهيرة في مصر وسأل عن طريقة تصنيعه فرفضت إخباره وقلت له أنه سر لا نعرفه فأصحاب المهنة يتوارثونها فتصنيع الفسيخ مثل سر التحنيط عند قدماء المصرين لأنني إذا أخبرته بكيفية التصنيع سيرفض الأكل قطعياً . وما أن وضعنا الطعام واشتم رائحته عن قرب حتى تغير رأيه وأكلنا جميعاً وقمت لأساعدهم في غسل أيديهم للتخلص من رائحة الفسيخ شديدة البشاعة وقام عبادي بعمل الشاي وشعرت بسعادة الجميع ولكن ذو الفقار قرر أن يأخذ الجميع ليعودوا إلى القاهرة وحاولت أن أثنيه عن عزمه أو أطلب منه البقاء إلا أنه كان مصراً على الرحيل فهو لم يجلس مع عمه أو عمته ويرغب في أن يقضي معهم وقتاً أطول . وحزنت لأنهم سيتركونني لقد ارتبطت بهم ولكن حدث ما جعل ذو الفقار يتراجع عن قراره صاغراً فقد شعر بآلام شديدة نتيجة تناوله الفسيخ والفطير في يوم واحد وكان يتألم بدون أن يتكلم إلى أن صرح بأنه يشعر بالسوء ويرغب في الراحة قليلاً وصاحبته إلى غرفة نوم عمي بعد تجديدها وتغيير أثاثها فتمدد في الفراش وطلب مني أن أتركه وأخرج . بعد قليل دخلت عمته لتطمئن عليه وخرجت فزعة وأخبرتني بأنه يعني آلام شديدة لا يتحملها وفوراً اتصلت بالطبيب الذي أتى على عجل . خشيت أن يكون قد أصيب بتسمم نتيجة أكلة الفسيخ ولكن الطبيب أقر بأنه أصيب بمغص مراري نتيجة الأكلة الدسمة التي تناولها . شعرت بالذنب وأنا أراقب وجهه الذي شحب وتكاثرت عليه قطرات العرق و قد اخترقت إبرة الجلوكوز ذراعه لم أتصور أبداً أن يصيبه ما أصابه وجلست بجواره وطلبت من عمته وعمه أن يذهبوا للنوم فقد تعودت مهنة التمريض وصمت وجلست في المقعد المواجه للفراش إنه مقعدي المفضل وتذكرت أيام كان عمي مريضاً ورغماً عني طفرت دمعة من عيني تذكرت ما حدث لعمي وفراقه لي وجلست أبكي . لا أدري لم تذكرت كل الألم الذي مررت به إلى أن شعرت به يحرك ذراعه في عصبية أمسكت بذراعه لكي أثبته حتى لا يحرك الإبرة فيضل المحلول طريقه وينتفخ ذراعه . إنه صعب المراس عنيد ولكنني أكثر عناداً أمسكت بذراعه إلى أن غط في النوم ثانية وجلست ثانية على المقعد المقابل للفراش ولا أدري لم أخذت أتأمله وشعرت بشي غريب . إحساس لم يسبق لي أن شعرت به شي ما يدفعني لأن أقترب منه وقاومت ذلك الإحساس بضراوة وتركت الغرفة كلها وذهبت إلى غرفة نومي وجلست في شرفتها إلى أن أذن الفجر فصليت وذهبت لأطمئن عليه ولكي أخلع إبرة المحلول من ذراعه فقد شارفت على الانتهاء وأثناء جذب الإبرة برفق من ذراعه فتح عينيه في ضعف فبادرته قائلة :ــ حمد الله على السلامة عامل أيه دلوأتي ؟ رد بصوت ضعيف :ــ الحمد لله هسه صرت زين . ــ إن شاء الله تبقا زين على طول . نظر إلى يده اليسرى فلم يجد الساعة فناولته إياها لينظر فيها فسألته :ــ بتبص في الساعة ليه؟ قال في حزم :ــ أريد أرد على القاهرة اليوم عندي شغل كلش مهم . قلت في جدية :ــ بس الدكتور قال انك لازم تستريح على الأقل يومين وتاخد الدوا في مواعيده وكمان ماينفعش تسوق عربيتك وانت في الحالة دي . ظهر الضيق على ملامحه وقال في حيرة :ــ أووووووف شسوي هسه باجر عندي شغل هواية مهم . ــ ممكن تتصل بدار النشر وتخللي تريزا تأجل مواعيدك لغاية ماتتحسن . ابتسم ابتسامة هادئة ذات مغزى وقال في حنو غريب :ــ مايخالف مهرة تدللين . رددت وأنا مفتونة باللهجة المغرية :ــ تسلم . أنا اطمنت عليك هروح بقا أنام لي ساعتين قبل النهالر مايطلع . ــ أوكي ما يخالف روحي بس باجر أريد أسولف وياج بموضوع كلش مهم . ــ إن شاء الله انت هتنام دلوأتي ؟ ــ إي هسه أنام . تصبحين على خير مهرة . ــ وانت من أهله . ذهبت لأرتمي في الفراش إلى أن استيقظت صباحاً وأمرت بدوية بتجهيوز الإفطار ودخلت لأوقظ السيدة سناء فهي لاتحب الاستيقاظ متأخراً وطرقت على باب غرفة ذو الفقار لأوقظه ففتح لي وقد توضأ وأخبرني بأنه سيلحق بنا بمجرد أن ينتهي من الصلاة . سعدت عندما رأيته وقد فرش سجادة الصلاة ولمعت حبات الماء على وجهه كأنها اللؤلؤ . لا أدري لم أعجبت بهذا المشهد إنني أحب الرجل الذي يصلي . بعد الإفطار الخفيف جلسنا جميعاً في الحديقة وبعد الغداء طلب الانفراد بعمه وعمته سويا بعدها طلب مني استخدام جهاز الكمبيوتر الخاص بي فهو يود أن يتحدث مع أحد اعمامه في العراق وبعد أن انتهى طلب الحديث معي على انفراد . كانت تصرفاته ذلك اليوم غير مفهومة وذهبت لأجلس معه في الحديقة ولكنه كان صامتاً وطالت فترة صمته إلى أن افتتح كلامه قائلاً :ــ مهرة تعرفين كلش زين إني احترمج واقدرج و....... وأحبج شوفي ما اريد أطول عليج زين أريدج إلي ...... شرأيج تتزوجيني؟ كان أقصر عرض زواج في التاريخ لذا صدمت وذعرت وشعرت بيدي ترتجفان واقشعر بدني ولا أدري لم شعرت بأن غشاوة بيضاء حجبت الرؤية عني . كان عرضاً مذهلاً بل كان أفضل عرض حصلت عليه على الإطلاق ولاحظ ذعري فسألني :ــ شصار ؟ شبيج مهرة ؟ رددت في خجل وارتباك آسفة بس ماتوقعتش إنك تطلب مني الطلب ده . ابتسم قائلاً:ــ شو ماتريدين ؟ وضعني في مأزق فلم أرد فأكمل قائلاً :ــ شوفي مهرة . أنا اريدج من أول يوم شفتك بس عندي ظروف كلش مو زينة تعرفين شصاير بالعراق والحرب والموت والدمار أنا بتزوجك بس بالسر ماأحديعرف من أهلي سوى عمي محمد وعلاوي وعمتي . أفقت من الحلم بغتة : ــ يعني أيه في السر؟ قال في سرعة :ــ آسف مو بالسر أقصد أنا أتزوجك زواج شرعي على سنة الله ورسوله كل اصدقائنا بمصر يعرفون انا متزوجين . بس المشكلة ضروفي بالعراق ماتسمح بالوقت المناسب بنعلن زواجنا قدامهم على الملأ ولايهمك. شعرت بالغرابة والدهشة مامعنى أن يطلب أحدهم يد فتاة ويتزوجاً طبقاً لأحكام الشريعة ولايعلم والداه ولا أهله ولاحظ شوردي وضيعتي فقال مقنعاً:ــ مهرة تعرفين إن الأوضاع بالعراق مو زينة تعرفين همين إني تركت العراق حتى ما اتزوج انسانة ما أريدها . ــ طيب لما الظروف تتحسن في العراق هاننفصل واللا هانعلن جوازنا؟ ــ أعوذ بالله شنو ننفصل ؟ شوفي مهرة لو رب العالمين شاء وتزوجنا مابننفصل أبداً إلا بطريقة واحدة بالموت إن شاء الله . لا تفكري اخلليج أبداً أنا أحب أموت عليج ماكو سبب يخلليني اتركج .
كلماته تطمئنني ولكنني مازلت قلقله . لم أعطه رد وطلبت منه مهلة للتفكير وبعد سفرهم جلست مع خالتي بمفردنا وحكيت لها ما عرضه علي .... في الحقيقة كنت أريد إقناعها لأنني أعلم جيداً إنها إذا اقتنعت ووافقت سأوافق أنا الأخرى حتى وإن ألغيت عقلي تماماً . خالتي كانت مفتونة به فبدا رأيها مزعزعاً وكذلك نجوى أما أحمد فقد ضحك في البداية وقال :ــ انتي يا توته يا بنت خالتي عاملة زي إسرائيل عايزة تكوش على كل الدول من النيل للفرات ! زجرته خالتي فأكمل في جدية " شوفي أولا هو لو مقتنع بيكي ماكانش هايخبي على أهله . إنتي مش عرة عشان يخبي جوازه منك المفروض يتشرف بيكي مش يتذل منك ويخبي زي اللي بيسرقوا .
وحاولت اقناعه :ــ يا أحمد أهله ظروفهم صعبة دلوأتي انت شايف العربيات المفخخة والحال الأسود هناك وهو محرج يكلم أهله في الموضوع ده دلوقت . قال مؤكداً :ــ مفيش حاجة اسمها إحراج ده جواز مش واحد يشتري ساندوتش انتي عايزة تغفلي نفسك يا هانم يتجوزك النهارده عشان لما الظروف تتحسن في الراق يرميكي ويروح يتجوز واحدة من بلده ويسيبك هنا تخبطي راسك في الحيطة . صدمني كلام أحمد جداً ولكنه كلام منطقي وظللت أفكر ليل نهار إلى أن أعياني النفكير واتصل بي فطلبت تأجيل هذا الموضوع حتى أصل إلى قرار سليم . استشرت كل أصدقائي وحتى نيكولا أخبرته وطلبت منه المشورة فلم يعطني إجابة شافية ولكنه قال " شوفي قلبك شو يقلك وامشي وراه ماتكسري قلبك توتي . أجبت في صدمة " أنا مش عارفة أنا عايزاه واللا لا " قال نيكولا في أكثر لحظات حياته صفاء :ــ لا انتي معجبة فيه كتير وبدك تتجوزيه لو الموضوع مش هيك ماكنتي سألتني ولا احترتي هيك حيرة ريحي قلبك مرة واحدة انتي تعبتيه كتير ماتخافي شو بيصير يعني ؟ اتجوزيه الله يوفقك .
إن ذو الفقار شاب كله مميزات ولكن وضع الزواج الذي لا يعلمه أهله هو مايقلقني أنا لا أريد أن أن أخسره إنه فرصة لا تعوض بالنسبة لي فأنا لم يسبق وأنا تقدم لي شاب تتجمع فيه كل مقومات الوسامة والثراء والمركز الاجتماعي والأخلاق الرفيعة التي يتمتع بها . كانت حيرة بالنسبة لي إلى أن قررت السفر للكويت لأذهب لشقيقتي فأنا أعلم أن لها ذكاء ثاقب ونظرة مستقبلية واعية وسافرت إلى هالة وجلست عندها أسبوعين ووجدت منها قبولا للفكرة لم لا وقد أصبحت في الثامنة والعشرين ماذا سأنتظر . حتى أصبح عجوزاً شمطاء ؟ كانت هذه فكرة هالة أما الشيخ حسن فقد طلب مني أن أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة وما أن فعلت ووضعت جنبي على الفراش حتى وجدت نفسي في غرفتي في منزل والدي رحمه الله والغرفة غير مرتبة وظهر ذو الفقار وأخذ يرتب معي الغرفة ووضع بها عدد من الأشجار لا أدري أي نوع من الأشجار ولكنني كنت مستريحة جداً ولمحت شجرة في نهاية صف الأشجار شجرة مثل الياسمين . وفي الصباح حكيت للشيخ حسن ما رأيت ولكنني نسيت إخباره بأمر شجرة الياسمين فطلب مني أن أتوكل على الله وأقبل به زوجاً مع إقناعه بضرورة إخبار والديه ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح .
عدت إلى مصر بعد أن رافقت شقيقتي إلى رحلة العمرة ولكنني وجدت خالتي في حالة سيئة جدا كانت مريضة وتمر بحالة نفسية شديدة السوء رفضت خالي إخباري بما تعاني ولكن نجوى أخبرتني بكل شيء في خجل وذل فزوج خالتي كبير البلد الذي نيف على الستين غارق لأذنيه في حب مراهقة صغيرة وعجبت من غضب خالتي كل هذا الغضب فقد كانت تقوم ليلا وهي ترتعد ونحضر لها الأطباء لنعلم ما سبب النار التي تهب في صدرها ليلاً ولكن لاشيء يجدي نفعاً وحتى طريق الدجالين جلبنا لها أشهر الدجالين من كل حدب وصوب ولكنهم لم يفعلوا لها شيئاً وزوجها ينكر أي علاقة له بالفتاة اليتيمة التي يعطف عليها ليتمها ولكن خالتي لم تقتنع وأرسلتني خالتي لوالدة الفتاة حتى أخبرها حتى تلم ابنتها ولكنها واجهتني ببجاحة وأسلوب حقير ولم يجد أحمد بداً من حمل السلاح والذهاب إليها هي وابنتها واقتحم عليهم المنزل وهدد المرأة التي ارتعدت وباعت منزلها وأخذت ابنتها وذهبت إلى إحدى المدن البعيدة بعد الفضيحة التي صنعها أحمد . استراحت خالتي عندما لاحظت على زوجها الشرود والضياع فقد رفضته والدة الفتاة زوجاً لابنتها ليس لأنها محترمة ولكن لأنها تخشى بطش خالتي وأحمد وعلى الرغم من أن خالتي لم ترد أن تذل زوجها أمامنا إلا أنها تركت له الغرفة وأقامت في غرفة أخرى فهي أبداً لن تنسى ما فعل بها . وكان الوقت غير مناسب تماماً للحديث عن الزواج وكان متلهفاً جداً متعجلاً وأنا أؤجل تارة وأصبره تارة إلى أن استقرت الحالة وفجأة وجدته أمامي في منزل خالتي فقد جاء ليضع النقاط فوق الحروف ويضعني أمام الأمر الواقع وجلس مع خالتي وزوجها جلسة طويلة ووافق على طلباتهما الثقيلة وأهمها ألا يطلب مني السفر للعراق أبداً كما طلبت منه شبكة فخمة باهظة الثمن ولم يرفض ووافق على كل الطلبات المجحفة وأنا أكاد أتميز من الغضب إذ كان يجب عليهم ألا يعطوه كلمة سوى بعد موافقتي الصريحة حتى لا نبدو متعجلين ومتلهفين ونادتني خالتي لأقدم الشربات وحددوا موعد عقد القران وأنا لا أدري ما يحدث من حولي فقد كنت كالمغيبة كنت أوافق ولكنني لا أريد أن أبدي موافقتي وكأن كل شيء كان رغما عني . كنت سعيدة ولكنني لست مقتنعة هو لم يضايقني أبداً فقد كان كريماً عطوفاً إلا أن عيباً واحداً كان يذبحني كان يغار علي بجنون لدرجة أنه أخذ مني كلمة المرور الخاصة ببريدي الالكتروني ليستطيع معرفة من أصادق . كانت غيرته الجنونية سبب في أول صدام بيننا حادث بعض أصدقائي وأخبرهم بأنه خطيبي فجاملوه قائلين بأنني إنسانة رقيقة وطيبة ورائعة وكأن الروعة والطيبة أصبحوا فجأة عاراً على من يتصف بهم فثار علي واتهمني باصطناع الرقة مع أصدقائي وطلب مني قواعد معينة لأستطيع تكوين صداقات على النت وغضبت وثرت أمام ثورته وتركت القاهرة وعدت إلى القرية وحكيت لخالتي ما حدث وغضبت خالتي ولكن مني أنا إذ أنني الآن مخطوبة وخطيبي شديد الغيرة يغار علي من أحمد ومن زوج خالتي وأحياناً من نجوى ويجب علي احترام رجولته وطبعه الحار وعدم استثارة غيرته بأي ثمن كان حتى وإن كان الثمن هو انقطاعي عن نافذتي الوحيدة على العالم . أرغمتني خالتي على الاتصال به والاعتذار له ولم يقبل اعتذاري ليس لأنه ناقم علي .... لا ..... بل لأن الأسف والاعتذار لا مكان لهما بين الأحبة فعلاقتنا أقوى من أن تمس وأنا بالنسبة له أغلى من أن أقف في موقف المعتذر الذليل . رومانسيته وحبه الذي يغمرني يشعرني بالذنب عندما أغضبه . في البداية كنت أتعجب من حبه الشديد لي واعتبره مبالغاً فيه إلى أن بدأت أشعر نفس شعوره كنت أود أن أراه في كل الأوقات في كل لحظة كل ثانية وكان يشعرني بالحب والحنان والطيبة والكرم . كنا لا نلتقي كثيراً ولا ننفرد ببعضنا أبداً بسبب أوامر خالتي المشددة بعدم لقائه فقد طلبت مني أن اترك القاهرة وطلبت نجوى إجازة من عملها لأن خالتي لم تسمح لها بالجلوس في القاهرة بدوني فقد كنت أحرسها وكانت تحرسني أما الآن فكانت كمن يحرس الذئب على الغنم . في البداية لم اكترث للأمر ولكن فيما بعد ضقت ذرعاً بالحصار الرهيب المضروب حولي . لقد خطبت أكثر من ثلاثة أشهر ولم أجلس مع خطيبي مرة واحدة كان يزورني في القرية زيارات خاطفة لا تتجاوز الساعتين ويعود إلى القاهرة كما جاء كان يلح على تحديد موعد الزفاف ولكنني كنت أماطله لا أدري لم . كنت أود أن نظل مخطوبين لأطول فترة ممكنة وربما للأبد مجرد فكرة الزواج كانت تزعجني . لا أدري لم كنت أسوف وأسوف حتى تعبت من التسويف ونفذت الحجج جميعها ولم أجد ما ألهيه به سوى تحديد موعد عقد القران فلربما يسهو قليلاً وتم عقد القران بوجود اثنان من أعمامه وبمباركة عمته السيدة سناء . كنت أشعر بأن شيء ما ناقص لا يكتمل أبداً . لا تكتمل فرحتي أبداً لا أدري لم أشعر بفرح ولكنه غير مكتمل وخشيت أن أخبره بإحساسي فيثور ويغضب وينعتني بعدم ولائي التام له وأنني لا أحبه كما يحبني . كان يشعرني دائما أنه يحبني أكثر بكثير من حبي له . كان يجيد التعبير عن مشاعره بينما أنا لا استطيع التعبير عن مشاعري بطريقة شفوية . كانت إحدى حجج تأجيل الزفاف هو سفر خالتي وجدتها فرصة جيدة لأتحرر قليلاً وأدعو ذو الفقار ليزورني أو أذهب إلى القاهرة والتقي به في النادي مثلاً فقد كان يطالبني دائماً بلقاء منفرد نتحدث فيه على سجيتنا ولكنني كنت أرفض ليس لأنني مؤدبة ولكن لأنني أخشى بطش خالتي من جهة وأخشى أيضاً أن تتغير نظرته لي خاصة وأنه شديد الغيرة . أحد الأيام كنت أجلس في الحديقة أقرأ إحدى روايات "إحسان عبد القدوس " الذي أعشق أسلوبه السلس المعبر وسمعت صوت أحد السيارات تتوقف أمام البيت ونزلت بدوية لتفتح البوابة وترى من القادم الذي لم يكن سوى " ذو الفقار" كانت صدمة لي فهو لم يخبرني أنه قادم وقمت لأسلم عليه واستقبله وكدت أسأله عن سر زيارته لي ولكنه أخبرني أنه يحاول الاتصال بي منذ يومين ولا يستطيع لعطل في القمر الصناعي تسبب في توقف خدمة الشركة التي ينتمي لها هاتفه المحمول واتبعها بقوله " شايفة اشلون افترقنا بس الحمد لله القمر فرقنا مو القدر " هالتني هذه الجملة فلسحر الكلام قوة غير عادية وهو يمتلك القدرة على ابتداع الأساليب المبهرة كأنه شاعر أو كاتب يضع سحره في كلامه المنطوق وليس المكتوب . تذكرت أول مكالمة له بعد خطوبتنا سألني إن كنت قد جربت الحب من قبل فأجبته في كبرياء زائف :ــ " أنا محصنة ضد الحب . قلعة منيعة مستحيل حد يقدر يحتلها مهما كانت درجة فروسيته " لم يغضب ولكنه ضحك ضحكة رائقة وقال في تحدي :ــ بلى انت قلعة بس إني عندي حصان طروادة إلا احتل قلبك صبراً آل ياسر . رده أفحمني فلقد أردت أن أحسسه بأنني لا أهتم لأمره أو أحبه وأنا في الحقيقة كنت في أقصى درجات السعادة لأنه تقدم لي واختارني وفضلني على كل معارفه . ظل ورائي إلى أن غرقت لآذاني في حبه ولكنني مازلت أكابر ربما لأنني أخشى إن وثق في حبي أن تخمد نار لهفته علي وتنعدم الجاذبية فيما بيننا . لاحظ شرودي فصمت إلى أن انتبهت فقال باسماً :ــ بشنو دا تفكرين....... بي ......مو؟ لا تخافين أني يمج ؟؟ ابتسمت رغماً عني وتظاهرت بالخجل فقال معقباً :ــ شنو ؟ اشتاقيتي؟ لم أرد فكرر سؤاله :ــ اشتاقيتي لو لا لو الجواب لا أروح " خشيت من تهديده فقلت في همس :ــ لا ما تمشيش اشتقت لك . قال في محاولة لجعلي أؤكد ما قلت :ــ مدا أصدق اشتاقيتي؟ انتي دا تكذبين علي . ــ لا والله ما بكدب . أمسك بيدي وقبلها في رومانسية ولا أدري لم شعرت بتيار كهربائي عالي الفولت يصعق خلايا دمي لدرجة جعلت أسناني تصطك ببعضها فحاولت سحب يدي من يديه فخانتني وأبت إلا أن تحتضن شفتيه . كانت أول مرة يتجاوز حدود الحديث الودي معي ، أول مرة أعلم أن أمامي رجل كامل يرغب في أن أكون نصفه الثاني . كنت أظن أن أسمى درجات المتعة الرومانسية هو الحديث الحاني الودود ، اكتشفت أن لمسة واحدة تساوي آلاف الأحاديث . كانت لحظات لكنني كنت أعتقد أنها امتدت لسنوات وجاءت بدوية من بعيد لتفسد علينا اللحظة سحبت يدي بعد لأي بينما أشعل هو سيجاره في توتر ظاهر . كانت بدوية تود أن تسألني عن نوعية الطعام الذي سنتناوله على الغداء وما أثار عجبي فعلا أنني عرضت عليه البط فسألني في فزع :ــ شنو ؟ بط ؟ ليش البط ينكل؟؟ شعرت أنني سأعاني معه فلم يتذوق لدينا طعام إلا واستغربه ولكنه كان يفوضني في اختيار نوعية الطعام دائماً فطلبت من بدوية إعداد وليمة فخمة إكراماً لزوجي المقبل . في محاولة للتغيير طلبت منه التجول بالحديقة الواسعة التي تحيط ببيت عمي المرحوم والذي آلت إلي ملكيته بعد وفاته .كنا في الشتاء وأشجار اللارنج والبرتقال واليوسفي محمله بالثمار زاهية اللون والحديقة في حالة رائعة فقد كنت أهتم بها وزرعت بها أنواع من الورود الرائعة . كنا كأننا في الجنة ، كان مبهورا بالمشهد سعيداً بالروائح الزكية ووسط الأزهار جلسنا لنتحاور بعيداً عن العيون المتلصصة فلا أحد معنا فبدوية وابنتها انشغلتا في تجهيز الطعام ونجوى ذهبت إلى القاهرة لأن مدير الشركة يود مناقشة بعض الأمور المتعلقة بالعمل أما أحمد فقد ذهب إلى الإسكندرية ليحضر مباراة الأهلي والزمالك بإستاد الإسكندرية الرياضي . كانت فرصة رائعة ومثالية لذا كان حديثه ناعما كنعومة أوراق الورد ، ملامح وجهه بريئة ، رائحته تتغلب على رائحة الأزهار المجاورة كل شيء فيه مميز محبب ظل يحادثني إلى أن شعرت بعيني تغمضان وشفتي تعانق شفتيه في تناغم واشتياق وبالرغم من أنني شعرت بثورته كبركان ثائر إلا أنه لم يتجاوز الخطوط الحمراء الفاصلة وكدت أنساق وراء مشاعري التي لم يسبق لها وأن اختبرت مثل هذا الاختبار ولكنني تذكرت غيرته الشديدة فدفعته عن صدري في رفق فسألني في ثورة :ــ شبيج مهرة ؟ شبيج عيني؟ قلت في أشد حالات الرغبة في الحماية :ــ ذو الفقار عيب كده . يا سيدي لما أبقا مراتك وفي بيتك إبقا اعمل اللي انت عايزه . قال في هدوء لا يتناسب مع مقدار الكلام الثائر الذي نطق به : ــ انتي مرتي غصبن عنك ! ــ لا يا عمي أنا لسه مش مراتك لما أبقا في بيتك بس أبقا مراتك . تأفف بطريقة مثيرة وقال :ــ أوكي . مايخالف هسه انروح على بيتنا ولا يهمج يله. صعقت وقلت له وقد ضربتني صاعقة بقسوة على رأسي فخدرت عقلي تماما :ــ انت مستعجل قوي كده ليه لما نتجوز هانروح البيت هانروح دلوقتي نعمل أيه؟ تأفف بنفس الطريقة مرة ثانية وقال في نفاد صبر :ــ وتاليها وياج مهرة ؟ حددي هسه موعد الزواج أنا احتاجك حرام تعامليني هيجي وأنا زوجك ووحيد وأريدج تآنسيني وأنام على صوتك إلى أحلى من صوت البلابل وتغريد الطيور . اليوم أنا جيت على مود تنطيني موعد للزواج وهسه . لم أجد حجة مقنعة وأخذت أبحث عن حجة أو ذريعة أتذرع بها فلم أجد لا أدري لم أخشى من الزواج ألأنني تعودت الحياة وحدي أم لأنني سأعيش مع شخص جديد لم أتعود على طباعه بعد
إن ذو الفقار ِ شاب كله مميزات ولكن وضع الزواج الذي لا يعلمه أهله هو ما يقلقني أنا لا أريد أنِ أخسره إنه فرصة لا تعوض بالنسبة لي فأنا لم يسبق وأنا تقدم لي شاب تتجمع فيه كل مقومات الوسامة والثراء والمركز الاجتماعي والأخلاق الرفيعة التي يتمتع بها .كانت حيرة بالنسبة لي إلى أن قررت السفر للكويت لأذهب لشقيقتي فأنا أعلم أن لها ذكاء ثاقب ونظرة مستقبلية واعية وسافرت إلى هالة وجلست عندها أسبوعين ووجدت منها قبولا للفكرة لم لا وقد أصبحت في الثامنة والعشرين ماذا سأنتظر . حتى أصبح عجوزاً شمطاء ؟ كانت هذه فكرة هالة أما الشيخ حسن فقد طلب مني أن أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة وما أن فعلت ووضعت جنبي على الفراش حتى وجدت نفسي في غرفتي في منزل والدي رحمه الله والغرفة غير مرتبة وظهر ذو الفقار وأخذ يرتب معي الغرفة ووضع بها عدد من الأشجار لا أدري أي نوع من الأشجار ولكنني كنت مستريحة جداً ولمحت شجرة في نهاية صف الأشجار شجرة مثل الياسمين .وفي الصباح حكيت للشيخ حسن ما رأيت ولكنني نسيت إخباره بأمر شجرة الياسمين فطلب مني أن أتوكل على الله وأقبل به زوجاً مع إقناعه بضرورة إخبار والديه ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح .عدت إلى مصر بعد أن رافقت شقيقتي إلى رحلة العمرة ولكنني وجدت خالتي في حالة سيئة جدا كانت مريضة وتمر بحالة نفسية شديدة السوء رفضت خالي إخباري بما تعاني ولكن نجوى أخبرتني بكل شيء في خجل وذل فزوج خالتي كبير البلد الذي نيف على الستين غارق لأذنيه في حب مراهقة صغيرة وعجبت من غضب خالتي كل هذا الغضب فقد كانت تقوم ليلا وهي ترتعد ونحضر لها الأطباء لنعلم ما سبب النار التي تهب في صدرها ليلاً ولكن لاشيء يجدي نفعاً وحتى طريق الدجالين جلبنا لها أشهر الدجالين من كل حدب وصوب ولكنهم لم يفعلوا لها شيئاً وزوجها ينكر أي علاقة له بالفتاة اليتيمة التي يعطف عليها ليتمها ولكن خالتي لم تقتنع وأرسلتني خالتي لوالدة الفتاة حتى أخبرها حتى تلم ابنتها ولكنها واجهتني ببجاحة وأسلوب حقير ولم يجد أحمد بداً من حمل السلاح والذهاب إليها هي وابنتها واقتحم عليهم المنزل وهدد المرأة التي ارتعدت وباعت منزلها وأخذت ابنتها وذهبت إلى إحدى المدن البعيدة بعد الفضيحة التي صنعها أحمد .استراحت خالتي عندما لاحظت على زوجها الشرود والضياع فقد رفضته والدة الفتاة زوجاً لابنتها ليس لأنها محترمة ولكن لأنها تخشى بطش خالتي وأحمد وعلى الرغم من أن خالتي لم ترد أن تذل زوجها أمامنا إلا أنها تركت له الغرفة وأقامت في غرفة أخرى فهي أبداً لن تنسى ما فعل بها .وكان الوقت غير مناسب تماماً للحديث عن الزواج إلا أن ذو الفقار كان متلهفاً جداً متعجلاً وأنا أؤجل تارة وأصبره تارة إلى أن استقرت الحالة وفجأة وجدته أمامي في منزل خالتي فقد جاء ليضع النقاط فوق الحروف ويضعني أمام الأمر الواقع وجلس مع خالتي وزوجها جلسة طويلة ووافق على طلباتهما الثقيلة وأهمها ألا يطلب مني السفر للعراق أبداً كما طلبت منه شبكة فخمة باهظة الثمن ولم يرفض ووافق على كل الطلبات المجحفة وأنا أكاد أتميز من الغضب إذ كان يجب عليهم ألا يعطوه كلمة سوى بعد موافقتي الصريحة حتى لا نبدو متعجلين ومتلهفين,ونادتني خالتي لأقدم الشربات وحددوا موعد عقد القران وأنا لا أدري ما يحدث من حولي فقد كنت كالمغيبة كنت أوافق ولكنني لا أريد أن أبدي موافقتي وكأن كل شيء كان رغما عني .كنت سعيدة ولكنني لست مقتنعة هو لم يضايقني أبداً فقد كان كريماً عطوفاً إلا أن عيباً واحداً كان يذبحني كان يغار علي بجنون لدرجة أنه أخذ مني كلمة المرور الخاصة ببريدي الالكتروني ليستطيع معرفة من أصادق .كانت غيرته الجنونية سبب في أول صدام بيننا حادث بعض أصدقائي وأخبرهم بأنه خطيبي فجاملوه قائلين بأنني إنسانة رقيقة وطيبة ورائعة وكأن الروعةوالطيبة أصبحوا فجأة عاراً على من يتصف بهم فثار علي واتهمني باصطناع الرقة معى أصدقائي وطلب مني قواعد معينة لأستطيع تكوين صداقات على النت وغضبت وثرت أمام ثورته وتركت القاهرة وعدت إلى القرية وحكيت لخالتي ما حدث وغضبت خالتيولكن مني أنا إذ أنني الآن مخطوبة وخطيبي شديد الغيرة يغار علي من أحمدومن زوج خالتي وأحياناً من نجوى ويجب علي احترام رجولته وطبعه الحار وعدم استثارة غيرته بأي ثمن كان حتى وإن كان الثمن هو انقطاعي عن نافذتي الوحيدة على العالم .أرغمتني خالتي على الاتصال به والاعتذار له ولم يقبل اعتذاري ليس لأنه ناقم علي .... لا ..... بل لأن الأسف والاعتذار لا مكان لهما بين الأحبةفعلاقتنا أقوى من أن تمس وأنا بالنسبة له أغلى من أن أقف في موقف المعتذر ِالذليل .رومانسيته وحبه الذي يغمرني يشعرني بالذنب عندما أغضبه . في البداية كنت أتعجب من حبه الشديد لي واعتبره مبالغاً فيه إلى أن بدأت أشعر نفس شعوره كنت أود أن أراه في كل الأوقات في كل لحظة كل ثانية وكان يشعرني بالحب والحنان والطيبة والكرم . كنا لا نلتقي كثيراً ولا ننفرد ببعضنا أبداً بسبب أوامر خالتي المشددة بعدم لقائه فقد طلبت مني أن اترك القاهرة وطلبت نجوى إجازة من عملها لأن خالتي لم تسمح لها بالجلوس في القاهرة بدوني فقد كنت أحرسها وكانت تحرسني أما الآن فكانت كمن يحرس الذئب على الغنم .في البداية لم اكترث للأمر ولكن فيما بعد ضقت ذرعاً بالحصار الرهيب المضروب حولي . لقد خطبت أكثر من ثلاثة أشهر ولم أجلس مع خطيبي مرة واحدة كان يزورني في القرية زيارات خاطفة لا تتجاوز الساعتين ويعود إلى القاهرة كما جاء كان يلح على تحديد موعد الزفاف ولكنني كنت أماطله لا أدري لم . كنت أود أن نظل مخطوبين لأطول فترة ممكنة وربما للأبد مجرد فكرة الزواج كانت تزعجني . لا أدري لم كنت أسوف وأسوف حتى تعبت من التسويف ونفذت الحجج جميعها ولم أجد ما ألهيه به سوى تحديد موعد عقد القران فلربما يسهو قليلاً وتم عقد القران بوجود اثنان من أعمامه وبمباركة عمته السيدة سناء .كنت أشعر بأن شيء ما ناقص لا يكتمل أبداً . لا تكتمل فرحتي أبداً لا أدري لم أشعر بفرح ولكنه غير مكتمل وخشيت أن أخبره بإحساسي فيثور ويغضب وينعتني بعدم ولائي التام له وأنني لا أحبه كما يحبني . كان يشعرني دائما أنه يحبني أكثر بكثير من حبي له . كان يجيد التعبير عن مشاعره بينما أنا لا استطيع التعبير عن مشاعري بطريقة شفوية .كانت إحدى حجج تأجيل الزفاف هو سفر خالتي وجدتها فرصة جيدة لأتحرر قليلاً وأدعو سيف ليزورني أو أذهب إلى القاهرة والتقي به في النادي مثلاً فقد كان يطالبني دائماً بلقاء منفرد نتحدث فيه على سجيتنا ولكنني كنت أرفض ليس لأنني مؤدبة ولكن لأنني أخشى بطش خالتي من جهة وأخشى أيضاً أن تتغير نظرته لي خاصة وأنه شديد الغيرة .أحد الأيام كنت أجلس في الحديقة أقرأ إحدى روايات "إحسان عبد القدوس " الذي أعشق أسلوبه السلس المعبر وسمعت صوت أحد السيارات تتوقف أمام البيت ونزلت بدوية لتفتح البوابة وترى من القادم الذي لم يكن سوى " سيف " كانت صدمة لي فهو لم يخبرني أنه قادم وقمت لأسلم عليه واستقبله وكدت أسأله عن سر زيارته لي ولكنه أخبرني أنه يحاول الاتصال بي منذ يومين ولا يستطيع لعطل في القمر الصناعي تسبب في توقف خدمة الشركة التي ينتمي لها هاتفه المحمول واتبعها بقوله " شايفة اشلون افترقنا بس الحمد لله الحمد لله القمر فرقنا مو القدر "هالتني هذه الجملة فلسحر الكلام قوة غير عادية وهو يمتلك القدرة على ابتداع الأساليب المبهرة كأنه شاعر أو كاتب يضع سحره في كلامه المنطوق وليس المكتوب .تذكرت أول مكالمة له بعد خطوبتنا سألني إن كنت قد جربت الحب من قبل فأجبته في كبرياء زائف :ــ " أنا محصنة ضد الحب . قلعة منيعة مستحيل حد يقدر يحتلها مهما كانت درجة فروسيته "لم يغضب ولكنه ضحك ضحكة رائقة وقال في تحدي :ــ بلى انت قلعة بس إني عنديحصان طروادة إلا احتل قلبك صبراً آل ياسر .رده أفحمني فلقد أردت أن أحسسه بأنني لا أهتم لأمره أو أحبه وأنا في الحقيقة كنت في أقصى درجات السعادة لأنه تقدم لي واختارني وفضلني على كل معارفه ظل ورائي إلى أن غرقت لآذاني في حبه ولكنني مازلت أكابر ربما لأنني أخشى إن وثق في حبي أن تخمد نار لهفته علي وتنعدم الجاذبية فيما بيننا .لاحظ شرودي فصمت إلى أن انتبهت فقال باسماً :ــ بشنو دا تفكرين....... بي مو؟ لااتخافين أني يمج ؟ابتسمت رغماً عني وتظاهرت بالخجل فقال معقباً :ــ شنو ؟ اشتاقيتي؟ لم أرد فكرر سؤاله :ــ اشتاقيتي لو لا لو الجواب لا اروح "خشيت من تهديده فقلت في همس :ــ لا ما تمشيش اشتقت لك .قال في محاولة لجعلي أؤكد ما قلت :ــ مدا أصدق اشتاقيتي؟ انتي دا تكذبين علي .ــ لا والله ما بكدب .أمسك بيدي وقبلها في رومانسية ولا أدري لم شعرت بتيار كهربائي عالي الفولت يصعق خلايا دمي لدرجة جعلت أسناني تصطك ببعضها فحاولت سحب يدي من يديه فخانتني وأبت إلا أن تحتضن شفتيه .كانت أول مرة يتجاوز حدود الحديث الودي معي ، أول مرة أعلم أن أمامي رجل كامل يرغب في أن أكون نصفه الثاني . كنت أظن أن أسمى درجات المتعة الرومانسية هو الحديث الحاني الودود ، اكتشفت أن لمسة واحدة تساوي آلاف الأحاديث.كانت لحظات لكنني كنت أعتقد أنها امتدت لسنوات وجاءت بدوية من بعيد لتفسد علينا اللحظة سحبت يدي بعد لأي بينما أشعل هو سيجاره في توتر ظاهر .كانت بدوية تود أن تسألني عن نوعية الطعام الذي سنتناوله على الغداء وما أثار عجبي فعلا أنني عرضت عليه البط فسألني في فزع :ــ شنو ؟ بط ؟ ليش البط ينكل؟شعرت أنني سأعاني معه فلم يتذوق لدينا طعام إلا واستغربه ولكنه كان يفوضني في اختيار نوعية الطعام دائماً فطلبت من بدوية إعداد وليمة فخمة إكراماً لزوجي المقبل .في محاولة للتغيير طلبت منه التجول بالحديقة الواسعة التي تحيط ببيت عمي المرحوم والذي آلت إلي ملكيته بعد وفاته .كنا في الشتاء وأشجار اللارنج والبرتقال واليوسفي محمله بالثمار زاهية اللون والحديقة في حالة رائعة فقد كنت أهتم بها وزرعت بها أنواع من الورود الرائعة . كنا كأننا في الجنة ، كان مبهورا بالمشهد سعيداً بالروائح الزكية ووسط الأزهار جلسنا لنتحاور بعيداً عن العيون المتلصصة فلا أحد معنا فبدوية وابنتها انشغلتا في تجهيز الطعام ونجوى ذهبت إلى القاهرة لأن مدير الشركة يود مناقشة بعض الأمور المتعلقة بالعمل أما أحمد فقد ذهب إلى الإسكندرية ليحضر مباراة الأهلي والزمالكبإستاد الإسكندرية الرياضي . كانت فرصة رائعة ومثالية لذا كان حديثه ناعما كنعومة أوراق الورد ، ملامح وجهه بريئة ، رائحته تتغلب على رائحة الأزهار المجاورة كل شيء فيه مميز محبب ظل يحادثني إلى أن شعرت بعيني تغمضان وشفتي تعانق شفتيه في تناغم واشتياق وبالرغم من أنني شعرت بثورته كبركان ثائر إلا أنه لم يتجاوز الخطوط الحمراء الفاصلة وكدت أنساق وراء مشاعري التي لم يسبق لها وأن اختبرت مثل هذا الاختبار ولكنني تذكرت غيرته الشديدة فدفعته عن صدري في رفق فسألني في ثورة :ــ شبيج مهرة ؟ شبيج عيني؟قلت في أشد حالات الرغبة في الحماية :ــ ذو الفقار عيب كده . يا سيدي لما أبقا مراتك وفي بيتك إبقا اعمل اللي انت عايزه .قال في هدوء لا يتناسب مع مقدار الكلام الثائر الذي نطق به : ــ انتي مرتي غصبن عنك !ــ لا يا عمي أنا لسه مش مراتك لما أبقا في بيتك بس أبقا مراتك .تأفف بطريقة مثيرة وقال :ــ أوكي . مايخالف هسه انروح على بيتنا ولايهمج يله .صعقت وقلت له وقد ضربتني صاعقة بقسوة على رأسي فخدرت عقلي تماما :ــ انتمستعجل قوي كده ليه لما نتجوز هانروح البيت هانروح دلوقتي نعمل أيهتأفف بنفس الطريقة مرة ثانية وقال في نفاد صبر :ــ وتاليها وياج مهرة ؟حددي هسه موعد الزواج أنا احتاجك حرام تعامليني هيجي وأنا زوجك ووحيد وأريدج تآنسيني وانام على صوتك الى أحلى من صوت البلابل وتغريد الطيور . اليوم أنا جيت على مود تنطيني موعد للزواج وهسه. .لم أجد حجة مقنعة وأخذت أبحث عن حجة أو ذريعة أتذرع بها فلم أجد لا أدري لم أخشى من الزواج ألأنني تعودت الحياة وحدي أم لأنني سأعيش مع شخص جديد لمأتعود على طباعه بعد أم هو خوفي من المجهول والحظ السيئ .ظلل يكرر على مسامعي طلبه " انطيني موعد " إلى أن حددت له الموعد بعد أسبوعين من وصول خالتي من الأراضي المقدسة وشعرت به يكاد يطير من فرط سعادته ولا أدري لم لم أكن سعيدة مثله كنت خائفة أخشى من طباعه الحادة وعصبيته الشديدة ولكن حنانه المفرط كان يغلبني كل مرة . أحد المرات صممت أن اتركه وأخبرت خالتي فقراري فاستنكرت خالتي ما قلت وأخذت تولول وتندب كعادتها دائما في مثل هذه المواقف وقالت في غضب عاصف " احمدي الله إن حد رضي بيكي . جتك خيبة على خيبتك . أحبكم تكرهوني ليه "ذكرتني خالتي بتفيدة تلك القبيحة كسيرة القلب جميعهم يتعاطفون معها ولا أحمد يتعاطف مع مهرة الجميلة تغيرت كثيرا بعد أن أصبحت مهرة لا أدري لماذا أصبحت واثقة من نفسي حازمة لم أعد أهتم بأحد سوى بنفسي فقط لماذا لا أدري . كانت تفيده تساعد الجميع وتقف بجوار الجميع أما مهرة فهي مغرورة أنانية ولكني أفضل مهرة على كل حال .لم تكن فجعة خالتي ما ثنتني عن عزمي عندما رغبت في فسخ الخطوبة . كانت الحقيقة أنني لم أستطع أن أتخذ هذا القرار إنه قرار مجنون إنني أذوب بحبه أحب مطربه المفضل "هيثم يوسف " أحب اسمه أحب اسم عشيرته أحب نوع سيارته أحب اسم الشركة التي يديرها أحب حتى نوع كريم الحلاقة التي يستعمله أحب حتى نوع البنزين الذي يضعه في سيارته !أفقت على صوت بدوية التي أعدت أشهى أنواع الطعام ونادتنا لنتناول الغداء وبعد الغداء جلسنا في غرفة الجلوس نتجاذب أطراف الحديث كنت أحاول أن أنأى به عن لحظات الضعف التي أخشاها ولكنني فشلت فقد كان مصمما على نيل بعض الامتيازات بعد كل هذا الانتظار .كنت أخشاه أخشى ثورته واندفاعه , أخشى أن أنسى نفسي وأعطي شكه فرصه لكي يتغلب على حبه لي .غضب مني لأنني أقاومه وفي النهاية استسلم للأمر الواقع وهددني بأنها ستكون آخر مرة يزورني فيها وأن المرة القادمة ستكون ليلة زفافنا وأنني أنا من سأذهب إليه .ودعته وعندما غادر تنفست الصعداء وبعد أن وصل أتصل بي ليطمئنني . كان يوما صعباً فما أن تركني ليعود إلى عمله حتى شعرت بالوحدة والسأم والضجر كدت أن ألحق به في القاهرة وأذهب إلى بيته وارتمي بين ذراعيه . شعرت بشوق عاصف إليه بإحساس قوي يسيطر علي .وظللت أتعذب إلى أن جاءت نجوى وأخذت تحكي لي عن قصتها مع أحد زملاء العمل إن هناك بداية لقصة حب وليدة تظهر في الأفق وشعرت لأول مرة بكل كلمة تنطقها وتفاعلت معها لدرجة أن شعرت بعيني تدمعان من شدة التأثر إن الحب يجعل العاشق شديد الحساسية .مرت الأيام وجاءت خالتي من الحج كانت سعيدة مطمئنة ولكنها بعد لم تغفر لزوجها زلته وأخبرتها بأنني حددت موعد الزفاف فغضبت في البداية لأنني لم أستشيرها ولكنها لم تشأ أن تحزنني وبدأت في الإعداد لحفل الزفاف وتجمعت لدينا نساء العائلة ليقمن بإعداد الكعك فلابد للعروس من إعداد كميات هائلة من الكعك والبسكويت والغريبة والبتي فور لتوزعها على الأقارب والضيوف .كان جحيماً لا يطاق بالنسبة لي فبدلا من أن أستريح وأشعر بالاسترخاء نغصت على الضوضاء حياتي . إنها عادة تدل على التلاحم والترابط بين الناس ولكنها أيضاً تعب وإزعاج , إذا دخلت لأنام قليلا فوجئت بالزغاريد تنطلق إذا اتصل رعد لا أجد مكاناً هادئاً لأحادثه , تعبت أعصابي ولا أدري أهي من الضوضاء أم من خوفي من الحياة الجديدة التي أقبل عليها .يوم الحنة أمرت خالتي بذبح ذبيحة كبيرة وإعداد وليمة غداء كبيرة . كانت تريد أن تفرحني فأنا يتيمة ولم أفرح من قبل كانت مظاهر السعادة حولي ولكنني أشعر بشيء مخالف لا أدري طبيعة هذا الشيء سعادة ربما حيرة ربما خوف لأنني لم أتعودها نعم الحقيقة أنني تعودت فقط على الألم والحزن والألم وخشيت من السعادة واعتبرتها شيء غريب عني وخفت أن تكون بداية لآلام أخرى جديدة لا أتحملها .يوم الزفاف صباحاً انتقلنا إلى القاهرة وظللت طوال اليوم في مركز التجميل وفي المساء بعد ما تزينت أتى سيف ليأخذني . كنت خجلة ولكنني كنت سعيدة بنظرة الانبهار في عينيه وأخذني إلى الفندق لنحتفل ومر الحفل بسرعة وانتقلت إلى شقته وحبست أنفاسي فأنا لم أدخلها من قبل كانت واسعة فخمة مؤثثة بذوق راقي على الطراز الخليجي كل ركن فيها له عطر ورونق خاص به الستائر والرضيات تذكرني بالمسلسلات الخليجية حقيقة تفوق بكثير ما كنت احلم به . الشجر الصناعي يملأ المكان ويعطيها إحساس بالحياة حوض أسماك ضخم يغطي جدارا بكامله فيشعرك بأنك في أعمق أعماق البحار , أثاث أوروبي فخم مريح شاشة التليفزيون داخل الحائط مدفأة صغيرة ولكنها تضفي على المكان سحراً .كنت منبهرة بما أراه ونسيت سيف تماماً لم أتذكره سوى عندما رأيت صورة له موضوعة داخل إطار مذهب كان واقفاً في نهر وبجواره صديقين . وقتها فقط التفت إليه لأسأله عن مكان الصورة فرد علي باقتضاب أنها في نهر دجلة.وجدت أنه من غير اللائق أن أهمله ليلة زفافنا فجلست على المقعد المقابل له ولكنه كان صامتا لا يتكلم وآثرت الصمت أنا الأخرى فقال كأنه يعاتبني:ــ دا اتحبين أشوفك باقي الشقة ؟رددت في خجل " لا خلاص أنا شفتها " ابتسم في شقاوة قائلا :ــ اوكي هسه أشوفك أوضة النوم.أخذني من يدي كطفلة ذاهبة المدرسة لأول مرة كانت الرهبة ترعبني ولكن حنانه ورقته تغلبت على فزعي وخوفي .بدأنا حياتنا الفعلية كان كل منا يتفانى في إسعاد الآخر ويفعل كل ما بوسعه لجعله يشعر بالحب والسعادة .بعد عدة أيام دق جرس الباب وحضر شخص ما ولكنه لم يمكث سوى وقت يسير وجاءني ذو الفقار ممسكا بمظروف وسألته عن محتوى المظروف فاتسعت ابتسامته وقال في شموخ "توسلي مني " توسلت إليه فلم يكتف " توسلي مني بعد أكثر "رددت في غضب مصطنع :ــ يا سلام ليه يعني خلاص مش ها توسل ها يبقا فيه أيه يعني؟قال وقد اتسعت ابتسامته أكثر :ــ مفاجأة بتجنن .ــ طيب قوللي هي أيه . بليز ذوذو .قال مباغتاً :ــ انتي دا اتحبيني؟ــ أووووووووووو أموت فيك .ــ اشتاقيتي لي مو؟قلت وأنا أمازحه :ــ طبعا يا حبيبي على الرغم من انك ما غبتش عني ولو خمس دقايق !قال في فزع :ــ شنو ؟ ما اشتاقيتي؟ــ لا لا لا لا لا لا اشتقت لك قول بقا .ــ أوكي أريدك ترضين لي غروري .ــ أوووووووف انت بقيت مغرور قوي !ــ يا عمي حقي إذا هيجي بنت حلوة تتوسل مني .كانت المفاجأة عبارة عن تذكرتي سفر للندن فقد قرر زوجي أن نقضي أسبوعين في لندن كانت أكثر من مفاجأة كان حلما رائعاً وحزمت حقائب السفر وذهبت إلى حلم حياتي لندن .أتذكر عندما ذهبت لمدينة الإسكندرية بصحبة نجوى وأحمد وكيف انبهرت بالشوارع الواسعة النظيفة والبشر المتحضرين وكنت أشعر بالغربة ولكن هذه المرة لا أشعر بالغربة كان زوجي الرائع معي يرافقني في كل خطوة كان كريما بل شديد الإسراف كان إذا خرج بمفرده قليلا لا يرجع إلا ومعه هدية ليعوضني بها عن تركه لي أحد المرات أحضر لي جاكيت من الفرو الطبيعي باهظ الثمن عندما رأيته أصبت بالانبهار فهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها معطف من الفرو وجهاً لوجه فلم أره من قبل سوى في المسلسلات والأفلام وأخذت أشكره بحرارة وأشكر حبه لي وإغداقه علي بالهدايا فابتسم ابتسامة شقية وأخبرني أنه مصلاوي وأن أهل الموصل يوصفون بالبخل الشديد وأنه بهذا يكون عارا على أبناء مدينته ولم أصدق ولكنه أخبرني عدة نكات لا أتذكر منها سوي اثنتين سأذكرهما " مرة مصلاوي مات لقى رب العالمين مجهز له بيتين قام باع واحد وأجر واحد وراح قعد عند ابن عمه بجهنم "الثانية " فد مصلاوي راد يصبغ بيته قام صبغ غرفة وكتب على باقي الغرف كذلك كذلك "قادنا الحديث عن صفات أهل المدن العراقية فقال :ــ شوفي مهرة أهل الموصل يوصفون بالبخل الشديد وأهل بغداد بالإسراف الشديد أهل الرمادي يتصفون بالمبالغة في استخدام القوة ويوصفون بالكرم الجارف.قاطعته سائلةً :ــ طيب وأهل أربيل ؟ضحك قائلاً :ــ تموتين بالأكراد أعرف . الأكراد مثل الصعايدة بمصر بس عموما يوصفون بحسن النية أقولك نكتة عليهم ؟ــ قول.ــ خللي أتذكر ... أوكي واحد كردي مات نزل عليه 62 ملك ليش؟ اتنين يحاسبونه وستين ايفهموه انه مات .له أسلوب ساحر في الحكي كان أذا تحدث أنصت إليه بلا مقاطعة إذا أكمل نطق كلمة أتشوق لكلمته القادمة ولتأثيرها في . حديثه دائماً مشوق يشعرني صوته بالطمأنينة والحب كانت الأيام معه تمر كأنها طرفة عين .عدنا إلى مصر وصممت أن نقضي بقية أيام شهر العسل في قريتي بعيداً عن زحام القاهرة عرض في البداية فهو يريد أن يبقى بجانب عمله الذي أهمله في الأسابيع الفائتة ولكنه تراجع عندما عضضت على شفتي في حزن ووافق على طلبي وذهبنا إلى القرية لننعم بالهدوء ولكن زيارات الأقارب التي لا تنتهي كانت تقطع إحساسنا بالهدوء وفي الليل كنا نجلس في الحديقة وسط الأزهار لنسترجع ماضينا معا . كان هو محور حياتي الذي أدور حوله كنت أعتبره أبي وأمي وكل حياتي كل كلمة تخرج من شفتيه كأنها أمر عسكري أنفذها بدون أن أفكر حتى على الرغم من عنادي الشديد إلا أن العناد ضاع وأذابته المشاعر الطيبة التي أحملها له . خلت أنه إذا طلب مني قلبي سأقتلعه من صدري وأجعله قربانا تحت قدميه ... يا للحب! إنه عجيب لم أشعر بهذا الشعور من قبل لم يكن هناك من يحتل قلبي وجسدي ويملأ حياتي بمثل هذه الدرجة .كلماته جعلتني كالأمة ورضيت أن أتخلص من حريتي التي أضاع محرري المرأة حياتهم بسببها لا أريد تلك الحرية فسيطرته علي تمنحني متعة وسعادة تساوي أغلى الحريات إذا كانت الحرية تفدى بالدماء فإنني أفدي عبوديتي له بقلبي وعقلي لم أعد أفتقد حنان أمي ولم أعد أتذكر أبي إنني أتذكره هو فقط . لم أر من قبل أسلوباً يضاهي أسلوبه الراقي الحاني لم أضع رأسي ليله على الوسادة وأنا غاضبة منه كنا إذا اختلفنا نتحاور إذا تمسكت برأيي كالعادة وتمسك برأيه هو الآخر نظرت إلى الأرض في انكسار وأنا أمثل الحزن والألم وعلى الفور يجلس بجانبي و يأخذ يدي بين يديه ويقبلها في حنان فأنسى ما حدث وعلى الرغم من أنه ينفذ ما قرره وتمسك به إلا أنني لا أشعر بأنني خدعت بل أشعر بأنه الرجل الخارق الذي يستطيع أن يحتوي زوجته وشريكة روحه ويكون من قوة الشخصية بحيث ينفذ رأيه بدون أن يشعر الطرف الثاني بالقهر .كان السبب الوحيد والأساسي لخلافاتنا هو الغيرة أحد المرات وبعد أن انهينا ندوة أدبية وأثناء مناقشتي مع إحدى القارئات جاءني أحد النقاد ليسلم علي ويهنئني على مستوى الرواية وصافحني الرجل بكل ود وتحدث معي قليلا عن الأشياء التي يجب أن أراعيها في روايتي القادمة كنت سعيدة لأن هذا الناقد بالذات أشاد بروايتي فهو من المعروفين بعدم الاعتراف سوى بالمواهب القوية وأثناء عودتنا إلى البيت أخذت أحكي لزوجي عن كل كلمة قالها لي ولكنه كان ساهماً غاضباً وعندما عدنا دخل مكتبه وظل لوقت متأخر لم يخرج منه فرحت لأتفقده وسألته عن سبب جلوسه بمفرده فلم يرد علي فأدركت على الفور أنني ارتكبت جريمة شنعاء فجلست أمامه على المكتب وأخذت أداعب خصلات شعره فاحمة السواد وقلت في رقة:ــ " مالك يا ذوذو ؟ " نظر إلى في حنق ولم يرد كررت عليه السؤال فقال في هدوء :ــ مع الأسف مهرة ما جان أظن إنك تسوين بي هيجي .ــ يا خبر ! عملت أيه زعلك؟ــ انتي دا تعرفين شسويتي يا سيدة عمري الفاضلة .ــ أرجوك قوللي حصل أيه؟قال في ثورة عارمة :ــ كيف تاخذين بايد الراجل وتسلمين عليه وتخلي إيدك بإيده كل هيج وقت ليش اتريدين تثيرين جنوني ؟قلت وقد ذهلت من تفاهة السبب :ــ ذوذو دي مسألة عادية يا حبيبي دا واحد مد إيده عشان أسلم عليه أقوله لا آسفة جوزي بيغير؟لم يرد علي وصمت بينما تطاير الشرر من عينيه فقلت ملاطفة :ــ ياللا قوم غير هدومك عشان تنام وترتاح .قال ساخراً :ــ أرتاح؟ لعد بعد اللي سويتيه كيف أرتاح مهرة؟ــ ذوذو من فضلك ما تكلمنيش بالطريقة دي بعيدين بطل تتحجج .ــ شنو؟ أتحجج ؟ أنا؟كان ثائراً لهذا السبب حاولت أن أمتص غضبه إلا أنه صرخ في قائلاً :ــ إذا تظنين إني قليل غيرة تبقي غلطانة انا رجل حر مو حقير حتى تاخذين بإيد الرجل المرة التانية يظمك بين إيديه وانتي راضية .ثرت في غضب " لا بقا ماتزيدش عن حدك . كله إلا الكرامة وطالما إني انا إنسانة مش محترمة ومش قادرة أحافظ على عليك ولا على بيتك يبقا خلاص .ــ شنو خلاص ؟قلت مهددة :ــ أنا هاسيب لك البيت وأمشي ولما أتربى ,احترم نفسي هابقا أرجع لك .ــ شنو؟ تريدين تتركيني مهرة؟ــ انت السبب . انت اللي كل يوم عامل مشكلة تافهة وبتدور على أي سبب نتخانق عشانه أنا راجعة البلد .قال والشرر مازال يتطاير من عينيه :ــ لا خليك أنا بترك البيت ولايهمك بترك العالم كله على مودك !تركني وخرج في لحظة وظللت أنا أضرب أخماساً في أسداس وأكل القلق قلبي فهو أبداً لم يتأخر عن البيت وساورني شعور بالخوف وقررت البحث عنه فأنا لن أتحمل أن أضع جنبي على فراشه وقد أغضبته .ارتديت ملابسي في سرعة وكنا في منتصف الليل فأخذت تاكسياً وذهبت إلى دار النشر مقر عمله ولكنني لم أجد أحد شعرت بالخوف فاتصلت به على لأسأله عن مكانه فلم يرد علي أحد فاتصلت بأحد مساعديه الذي اتصل بي فيما بعد وأخبرني بأنه في أحد الفنادق فذهبت إلى جناحه بالفندق وقد تملكني الغضب وما زاد من غضبي أنني وجدت باب الجناح مفتوح ووجدته ممدداً على الفراش وقد احتسى زجاجة كاملة من الخمر وهو من وعدني أنه لن يقربها طالما تزوجني وكانت أول مرة أراه ثملا لدرجة أنه لم يعرفني وبسرعة جلبت له فنجان من القهوة وجعلته يرتشفه وبعد مده أفاق قليلا وأخذ يعتذر لي عما حدث فاعتذرت له أنا الأخرى وطلبت تاكسياً ليوصلنا إلى البيت فهو لن يقود وهو بهذه الحالة أبداً عندما وصلنا إلى البيت كان قد أفاق أخذ يكرر اعتذاره لي وقال وقد آلمه ما حدث :ــ انت قريبة مني ولما تكوني قريبة مني أحسك قطعة مني ولما قطعة مني يمكن أغلط لما أقولك إني أحس انك ملكي وحدي وبس ودا غلط بس غصب عني والله مهرة وسامحيني على دا بس كل دا لأني أخاف عليك ودا ما لوش أي علاقة بالثقة والله أبدا لا والله أنا أثق بيك جدااااااا.لم أعقب ولم أرد فأنا أعلم أن غيرته هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع التحكم به ساعدته في تبديل ملابسه وغطيته وظللت جالسة بجواره إلى أن نام وبعد أن رحت في النوم قمت على صوت صرخة كان... هو أصيب بنوبة من المغص المراري نتيجة لتناوله الخمر وفي لحظات كنت قد اتصلت بإحدى المستشفيات الخاصة ونقلته وهناك قرر الأطباء استئصال الحويصلة المرارية التي تسبب له كل هذه الآلام وشعرت لأول مرة منذ تعرفت عليه بالخوف خشيت من أن أفقده ساورني إحساس قوي أنني سأفقده وملأ الرعب قلبي وأكد لي الطبيب أنها عملية بسيطة لا تستحق كل هذا الهلع الذي ظهر علي لأن احتمالات نجاحها عالية جدا ولكنني كنت وجلة مرتعبة وشعرت بالذنب لقد كنت من تسبب في حدوث كل هذا أنا من تسببت في عودته للخمر بعد إقلاعه عنها بسبب طيشي وعدم مراعاتي لإحساسه .كان الأطباء يجرون له الجراحة وأنا في الردهة أبكي في انهيار وأتذكر مواقفه النبيلة معي مواقفه المحبة . خشيت على نفسي الجنون للحظات وأخذت أقنع نفسي إنها عملية بسيطة وخلال وقت يسير سيفيق ويسير ويخرج ويمارس حياته بصورة طبيعية . كنت أموت وأنا أتصور إمكانية فقدانه كان عقلي يسترجع كل لحظة معه كل كلمة كل همسة إلى الآن لا أتصور كيف تذكرت كل هذه الأحداث فأنا ذات ذاكرة مجهدة ضعيفة لا أتذكر سوى الأحداث شديدة التأثير كان هو دائما ما يقول لي أثناء خطبتنا أنه يخشى أن نتزوج ويعود هو إلى البيت ليلاً فأقتله لاعتقادي بأنه لص أو مغتصب فسوف أنسى حتما أنه زوجي لضعف ذاكرتي الشديدة كنت استمع لتعليقه هذا فابتسم ولا أرد ولم أقل له أبداً أنه الشيء الوحيد المؤثر بحياتي التي لا تجرؤ ذاكرتي حتى على محاولة نسيانه , إن ما بيننا شيء أعظم من الحب ، أعظم من كل إحساس أعظم من كل شيء , شيء ما يجمع بيننا يجعلنا نتفق على كل شيء بدون أن يطلب أحدنا شيء يجد ما يطلبه وبدون أن أفكر في الشيء أجده أمامي .شيء يجعلنا نشعر أننا روح واحدة وحتى جسد واحد كان يوفر لي كل ما يسعدني كل المتع الحسية والمعنوية الاهتمام الزائد الحنو الشفقة الرومانسية المفرطة الحماية كان يحميني حتى من نفسي .أحد المرات كنت أضع زينتي أمام المرآة في انتظاره فدخل ممسكا بباقة من الورود الحمراء واختار ورده و أخذ يضرب بها على خدي في رفق وسألته عن سر هذا التصرف الغريب فقال في رقة " اللي مثلك لازم ينضرب بالورد تعرفين شنو معنى إنه رجل يضرب بنت بالورد معناها إنه ايحبها وايموت بيها و أنا أموت عليج مهرة "سقطت الدموع من عيني وأنا أتذكر وهو يحملني على يديه كمن يحمل كنزاً ويضعني في الفراش ... وفجأة ..... ناداني أحد الأطباء وأخبرني أن العملية تمت بنجاح فحمدت الله وعندما نقلوه إلى غرفته بالمستشفى فجلست بجواره أتذكر . كان يجب علي أن أقدر طبعه الحار لقد أخطأ فعلا بالحديث مع الناقد لقد امسك بيدي عدة دقائق وأخذ يسألني أسئلة كنت قد أجبت عنها في الندوة ولن أكرر ما فعلت ثانية .في اليوم التالي كان قد أفاق من المخدر ولكنه كان يتألم ويتأوه وكأنما كانت تأوهاته رصاصاً يخترق صدري وبعد عدة أيام عدنا إلى بيتنا كان قد تحسن وكان يدير عمله من خلال التليفون أو الانترنت كان على اتصال بمساعديه طوال اليوم .كنت أشعر كلما رأيته يعمل بأنني تزوجت رجل ذا عقل راجح شعلة نشاط أمنعه عن العمل فيجعلني أذهب إلى المطبخ لأطهو له طعامه وأعود لأجده وقد وضع اللاب توب أمامه وأخذ يعمل بنشاط وإذا ما أجبرته على تركه يتوجع ويتألم ثانية .مرت الأيام وتماثل للشفاء وبدأ في مزاولة عمله بطريقة طبيعية وكان مشغولا لدرجة أنني لم أكن أراه كان يخرج من الثامنة صباحاً ولا يعود سوى في منتصف الليل ليستريح قليلا ولم أعترض فمهرجان فرانكفورت الدولي للكتب قد اقترب ولابد أن يعمل بكل جهده حتى يستفيد من هذا المهرجان .في الليالي التي يعمل بها كنت أشعر بالوحدة ولكنني كنت أتحمل من أجل عينيه وطلب مني السفر معه لألمانيا ولكنني رفضت لم أرغب في أن أكون قيداً يكبل حريته .أردت أن أجعله حراً ليعود إلى مشتاقاً وسافر إلى المعرض وبقيت أنا فلم أتحمل البقاء في القاهرة وحيدة وذهبت إلى قريتي كنت ضائعة على الرغم من اتصاله اليومي بي إلا أن الاتصال لم يكن يكفيني . كنت أريده أفتقد كلماته و قفشاته . نبرة صوته لم تفارقني لحظة واحدة كانت تصاحبني ليل نهار وعندما اتصل بي وأخبرني أنه سيأتي غداً طرت إلى القاهرة حتى أنظف البيت وأتزين له .كنت أفتقده وقفت وراء الباب أنتظره وطال انتظاري وكان الوقت متأخراً واعتقد أنني غفوت على أحد المقاعد لأنني لم أسمع صوت دخوله فقط شعرت به وقد حملني على ذراعيه كالريشة ووضعني في فراشي وأخذ يهمس في أذني ففتحت عيني لأجده وقد ضمني إلى صدره في حب . كان الشوق يعصف بي فبكيت وأنا أحتضنه .ووعدني أنه لن يسافر ويتركني بمفردي ثانية وأنه سيعوضني عن كل لحظة افترق فيها عني كان مندفعاً نحوي كالسيل قوي كالإعصار حار كالبركان متوتر كالزلزال كان في حالة اشتياق عاصف لي دائما ما كان يخبرني أنه يريد أن تختصر أجسادنا في جسد واحد كما تحولت روحانا إلى روح واحدة . كنت في حلم دائم إن اليقظة ليست بمثل هذه الروعة أبداًلا بد أنني أحلم .عاد هو إلى عمله أما أنا فأخذت أكمل رواية كنت أكتبها من قبل أن نتزوج كانت الكتابة متعسرة قبل الزواج كنت أكتب بكل سهولة ويسر أما الآن فأجهد للحصول على الفكرة فالاستقرار العاطفي يصعب على المبدع اختراع المواقف المؤثرة .بعد زواجي لم تعد الكتابة تعنيني كان كل ما يعنيني هو زوجي ومدى سعادته واستقراره معي لذا لم أعد أهتم كثيراً على الرغم من محاولاته الجادة لشحذي بالمشاعر حتى أستطيع الكتابة وعلى الغم من أنني كنت أعيش قصة حب من النوع المحموم إلا أنني لم أستطع الكتابة بنفس مستوى الجودة التي كنت أكتب بها من قبل ولكنني لم أحزن كثيراً فلدي ما يعوضني عن موهبتي وكل شيء لدي زوج محب حنون يحترمني ويقدس مشاعري وإحساسي فشعرت لا إرادياً بأن الموهبة أصبحت لدي قد تراجعت إلى المرتبة الثانية وليست الأولى كما تعودت .
|