تأريخ العائلة

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 28 -- شباط  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف

 

الأفتتاحية

من أجل تحرر النص المكتوب في الداخل: سلام إبراهييم

 

مقالات ودراسات

أسماعيل الشيخلي في ذكراه الرابعة: خالص عزمي
أديب كمال الدين: د. عدنان الظاهر
الأسلام السياسي والعلمانية: محمد الحنفي
مديح السلطة والتضخم الأيدلوجي: نزار آغاي
العراق عند مفترق طرق: شاكر الأنباري
أطوار بغداد:  شاكر الأنباري
عودة إلى "مالك بن الريب": محمد شمس الدين

 

شعر


نصوص شعرية: حسين الهاشمي
معرة الاكراد .. حلبجه: عبداللطيف الحرز
من بقايا الوجع الممتد: آزاد أسكندر
خمس زهرات من جنائن شتى:  د. حسن البياتي
قصيدتان: مجيد الأسدي

العذابات المجهولة لزينة الغريبة: محمد الكاظم

قصيدتان:  وفاء عبد الرزاق
العودة إلى جهنم:  باسم عواد
مع ذاتي بالذات:  سامي العامري
العلية أزرا باوند: ترجمة آزاد أسكندر

بيني وبينك زهر أيلول: إبراهيم القهوايجي

قصائد عن النمساوية  هيبيك: ترجمة بدل ! رفو المزوري
قصائد عن السويدية بوكار ربلان: ترجمة محسن عواد
قصائد عن الكردية دلشا يوسف: ترجمة صلاح برواري

قصص

حب ورعب: كليزار أنور
كابوس الظهيرة: حسين عبد الخضر
لا شيء: فاطمة المزروعي
مساء الأحتراقات: زيد الشهيد
أستغاثة: صبيحة شبر
أعتذر لفقدك: أحمد مطير عباس
من أوراق يزيد بن مفرغ الحميري: د. ماجد الحيدر
قصص قصيرة جدا: نواف خلف السنجاري
أنا والسيد وقرية تَبيغة: رافع  الصفار

إجترار: خالد صبيح
أزقة الروح: سلام إبراهيم
الكاتب والمومس: سلام كاظم فرج آلياسر  
قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين: اعتقال الطائي

رواية


تاريخ العائلة ـ رواية كاملة:  حسين عبد خضر
مهرة بلا فارس ـ القسم الثاني:  وفاء نصر شهاب الدين
فصل من رواية ـ سواقي القلوب:  إنعام كجه جي
فصل من رواية ـ كتابة على التراب: عبد الجبار ناصر

متابعات

سواقي القلوب: هدى إبراهيم

حوارات

حوار مع جواد الأسدي عبثية الحالة العراقية: أنور بدر
حوار مع سلام إبراهيم: علي الشباني
حوار مع أتوري سكولا:  ترجمة بسام حجّار

يوميات

يوم من حياة الطاهر بن جلون

 

مدن وجوه أرياف

 

الزبير فردوس نجد والبصره المفقود: رزاق عبود


مسرح

 رواد تجريب في الكتابة المسرحية : د. محمد المديوني
جواد الأسدي يقدم قراءته لمأساة العراق: مناضل داوود
نص موجز للحرب ـ مسرحية : هادي المهدي

سينما

الطبول: فلم جديد للمخرج الكردي هونر سليم  خليفة
فيلم  يثير الرعب ويهدد بفتنه طائفية: وائل عبد الفتاح

فن تشكيلي

معرض في العاصمة الفرنسية: أسعد عرابي

مقالات قصيرة

ثلاث مقالات:  لكاظم الحجاج

كتاب الشهر

رؤيا اليقين: راسم المدهون
 


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

 

 

www.iraqiwriter.com

عودة الى موقع الكاتب العراقي

الرجاء زيارة موقعنا الثاني

موقع الفنان العراقي والمتخصص بفنون التشكيل

www.iraqiartist.com

 

حسين عبد الخضر

الفصل الأول

 

    نزل من السيارة . شعر بجسمه يتحرر تدريجيا من آثار الجلوس لثلاث ساعات متواصلة ، لكن قدميه مازالتا متورمتين ، فك اربطة الحذاء . توقف قليلا يفكر في تحديد الاتجاه ، خمن أن الشارع العــــــــــــريض هو الطريق الصحيح . سار وهو يمارس هوايته في تفحص الوجوه .  كان يمتلك فكرة غامضة عن الوجوه التي سيلاحقها في هذه القرية التي تقع خلف التلال  وتبدو بيوتها كأنها تربض فوق بعض صاعدة نحو السفح . بعض الوجوه ملساء فاترة الملامح وبعضها يبرز كقناع تحت شعر كثيف  للحى طويلة وشوارب ضخمة معقوفة ، رؤوس كبيرة ووجوه  بيض منمشة ، اقترب من مقهى صغير في بدايه شارع فرعي ، تفحص الوجوه كان هناك  إثنان في زاوية المقهى يلوحان له ببشرة سمراء . أخذ مكانه قريبا منهما . بعد أن ألقى عليهما التحية ، اطال احدهما وهو الرجل الشديد السمرة ، النظر إليه  في تعبير عن رغبته بالكلام ففتح له الطريق بابتسامة  قصيرة ، ظهرت واضحة القصد على وجهه المنهك البائس .

ـ قادم جديد ؟

ـ وصلت تواً .

ـ هل لك هنا اقارب ؟

ـ لا أعرف أحدا هنا .

   تحفز الرجل كأنه اكتشف شيئا ودار بجسمة اليه .

ـ إذن ستقضي الليلة معنا . لابد أن تقضي الليلة معنــــا .

ـ شكرا. ساقضي الليلة في فندق .

   ضحك الرجل الاسمر كأنه سمع طرفة أما الآخر فقد إرتسمت على وجهه علامات الحزن .

ـ في هذه القرية لا توجد فنادق وليس امامك سوى نـزل وحيد ، ونحن نسكن هناك.

   غادروا المقهى سوية ، أصرّ شاكر على دفع الحساب . إستمر الحديث وهم ينـزلقون في الدروب ، يتوقف بين فترة واخرى عندما يجد علامة بارزة أو أمرا مثيراً للاهتمام معرفا سالم المبارك على ملامح القرية . كان سالم المبارك ينظر إلى القرية كما لوانها مازالت بعيدة ، يراها من خلال شعور غامض يحرك في داخله هواجس الخوف والغربة رغم كثرة الاشجار .

روايــة   وصلوا إلى دار ام محمود  حيث كانت هي النـزل الوحيد الذي لابد أن يمر به كل من يحل في هذه القرية غريبا . الدار كبيرة كأنها أسست لتكون نزلا . ست غرف صغيرة . ثلاث في كل جانب يفصل بينها ممر . غرفة أخرى كبيرة تشغلها المالكة . شعر بالراحة وهي تشير إليه أن يشغل الغرفة الأخيرة بعد أن كان يظن انه سيقضي الليلة مع شاكر ومحمود في غرفه واحدة .

   اتخذ قراره بعد تفكير طويل . كان الامر غير قابل للمناقشة ، استجاب لقراره دون تأخير ليحول دون توارد أية خــاطرة اخرى في رأسه تحول دون الرحيل . عصارة أفكاره كاملة تجمعت في قاع رأسه لتنـزلق خارجه سوى هذا القرار .

   (سيتباكون قليلا يقولون انه ضاع . استيقظنا فجأة فلم نـجده بيننا . ربما أعلنوا عن ضياع الاستاذ الفاضل سالم المبارك ثم  محوا هذا الاسم من ذاكــرتهم وتبرؤا من دمي . سيفعلون ذلك ويجففون  مناديلهم كأن الامر خارجا عن أيديهم ولاعلاقة لهم به ) .

   إستقرت  نفسة في العـزلة ، دهمه احساس جارف بالراحة والاطمئنان عندما اكتنفه السكون . تمدد على السرير ، مغمضا عينيه . شعر بالتجرد ، تطاير الماضي كما يتطاير الغبار ابتعدت عن رأسه كل الصور  التي تختزنها ذاكرته وكأنها تغلق الماضي مثلما يُغلق كتاب عتيق . عاد إلى لحظاته الأولى  خاليا تماما و مسترخياً على فراش وثير من الطمأنينة والنعاس  انسحبت آخــر علامات الشعور  رأى نفسه يركض في فراغ لا متناه . يتحول إلى طفل يناغي الدمى … أصطبغ في لحظة وجه الدمية بالدم ليبرز وجه نرجس،  رمى بالدمية ، التصقت يده بيد اخرى ثقيلة ، سحبته إلى مــكان  ضيق . رأى نفسه مكبلا بين جدران عالية ، يغطي الدم وجهه وثيابه الممزقة ، يصرخ بلغط غير مفهوم . برز من الجدار المقابل وجه فاطمة خلفها جنود يتدربون … قالت فاطمة ( هل قتلت في حياتك ؟ ) . تحول المكان إلى ساحة حرب اطلق الرصاص من بندقية سوداء في فراغ اسود ، تحولت البندقية إلى ثعبان اسود التف على رقبته ، شعر بالاختناق تحت الثقل الهائل للثعبان ، رأى عينيه تبرزان . استيقظ صارخا تذكر انه في مكانه الجديد  . استعاذ بالله من الشيطان الرجيم نظر إلى ساعته . كانت تشير إلى الثالثة وخمس دقائق . أيقظ ذاكرته بتذكر اليوم لابد ان يكون اليوم هو السبت الأول من تشرين الثاني  أخفق في العودة إلى النوم .ابتعد عنه النعاس  والهدوء .

روايــة  (علمتني فاطمة أن أسيطر على التوتر كنت اخجل من ذلك امامها  بعد كل تلك السنوات أصبحت املك أعصابي ، ادحرها ، لكنني عندما افقدها يستمر ذلك البركان الخـامد بالانفجار حتى نهاية كل شيء … كانت الأيام تمضي دون أن نحصيها تفلت منا كلما حاولنا ذلك ، إلا تلك الساعة كنا نعرفها جيدا ، كانت البدايه وربما أصبحت منتصف  الوقت في بعض حالات الطوارئ لكنها لم تكن النهاية أبدا إلا عندما يموت احد ، عندها كان الوضع يتغير تماما ، تهدأ الأصوات ، يتحول الكلام همساً ثم تمحى آثار   الجريمة . لكن الجو كان ينوء بقلق يدمر الأعصاب . مرة في الحرب لا أدري لماذا ؟ في مثل هذه الساعة بالضبط كان زميلي يشتعل ).

   دارت عقارب الساعة تخوض معركة مضنية مع الزمن ينكشف معها الظلام حتى تلاشى عند الفجر ، ثم حلت السابعة بعدها بقليل ،  توجه سالم المبارك إلى المدرسة لأول مرة .

    

●    ●   ●

 

   بدأ فاضل المبارك حياته العملية بدكان صغير . يبيع فيها اغراضاً بسيطةً ، مواد منـزلية  وبعض الحلوى . كان يمتلك مؤهلات رجل سوق ناجح . وجه بشوش وعبارات منمقة تجعله مقربا من النفوس . افلح في كسب زبائنه ليصبحوا عملاء  دائميين . ومع بساطته البادية كان عقله يزدحم بعمليات حسابية معقدة  تمتد حتى مستقبل بسيط .  استطاع بفضل ذكائه الفطري ان يوسع دكانه في فترة قياسية بتحميله بعض الاغراض الأضافية التي اجاد الدعاية لها وباعها بأسعار مناسبة قال عنها انها مغرية. كان اغلب زبائنه من النساء لذلك امتلأ دفتره باسماء المستدينين .

   لا احد يعرف من أين حصل فاضل المبارك على لقبه هذا، لكن الجميع كان يعرفه به  بعد ان كتبه على لائحة المحل ( اسواق فاضل المبارك لبيع المواد المنـزلية )  . ربما كانت والدته هي التي اطلقت عليه هذا اللقب . فهذه العجوز تقول دائما اشياء لا تعنيها أو انها تعني العكس تماما  . كان يعــود إلى البيت وجيبه ممتلئ بالنقود يتحسسها بجذل وفكره يحلق في آفاق اخرى . يعد النقود بعيدا عن انظـار زوجته ووالدته ثم يدسها في صندوق  خشبي  جميل تزينه الزخارف . . قبل ان يرفع صوته مستعجلا قدوم الطعـــام .

   لايرتبط الطعام بالجوع عند فاضل المبارك بل هوعادة اكثر منه حاجة لديه . يوضع امامه الطبق لتستمر يده بالتنقل على وتيـرة واحدة بين فمه والاطباق إلى ان يأتي على آخر قطعة امامه . يغفو قليلا في فترة الظهيرة حيث يكون من واجب زوجته تحريك الهواء بواسطة مروحة يدويةعند أنقطاع التيار الكهربائي . لم يكونا يتبادلان الكلام الاعندما يكون هناك موضوع مهم . كانت سعدية صامتة بطبعها وفاضل مشغول دائما سوى فترات بسيطة يستقطعها لراحته حتى إذا ما حل وقت العمل يطوي الطريق عائداً إلى محله وعملياته الحسابية لا تنفك تغزل في رأسه .

    كان يسير وعيناه في الارض كأنه يعد خطاه اما طريقه فهو يعرفه بشكل غريزي . يتجنب العثرات والحفر وحتى الاشخاص دون ان يرفع رأسه . كان يعتمد على احساسه في ذلك . اشخاص قليلون هم الذين يراهم ويتوقف معهم لبعض الوقت أو يلقي عليهم التحية . كان يعرف اماكنهم كانه يمتلك مؤشرا في داخله ينبئه بوصله اليهم ، ذلك جعله بعيدا بشكل ما عن المشاكل الصغيرة التي تحدث أحيانا  في الاحياء  الشعبية نتيجة للسير في فروع ضيقة ومزدحمة كــأنها المتاهات .

    يستقر بعدها في دكـانه ناقلا بصره بين البضائع والمارة يسترسل في قراءة ادعية طويلة يحفظها أو ادعية مرتجلة ، اذ ما لمح قادماً باتجاهه نهض مرحبا بعبارات طويلة . اما اسعاره فهي ثابتة لا يمكن ان يتنازل عن درهم واحد  منها (لانها مناسبة ، مناسبةٌ جدا أو لا يوجد افضل منها ).

    انهت سعدية ترتيب البيت مختتمـة بذلك الشوط الأول من برنامجها اليومي . اعتزلت في غرفتها لتحشو الوقت بحركات آليه لمغزلها خالية من المتعة والفن ، كانت تتحاشى منذ الصباح الرد على اسئلة عمتها الاستفزازية .

ـ لاشك ان ولدي ينفخ في بطنك الهواء منذ عامين لوكنت مكانك لحملت من آخر .

   اختفى الصوت لفترة قصيرة ثم عاد قويا كالعادة نافذا بنبراته الحادة .

ـ متى تحملين ؟ هل تنتظرين موتي ؟

   اعتصمت سعدية بصمتها القاتل تلوك في داخلها الاجوبة  وتتركها لتستقر خامدة  تحت ركام الصمت . كانت تدرك ان الكلام  ما ان يبدأ مع العجــوز حتى ينتهي بمعركة كان ذلك يحدث دائما ، يوميا يتكرر المشهد ليمر بعده اليوم مشحونا بالتوتر ، عسيرا ، لا يحتمل . كانت ردود سعدية لاتعدُ  ذهنها ، تتشاغل حتى آخر لحظة  تسبق الانفجار . ارتفع صوت العجوز مرة اخرى  ينساب كأفعى منطلقة في الهواء بعد ان سئمت صمت كنتها  .

ـ هل كانت امك بغلة ؟

    غرزت سعدية الميل في ابهامها وندت منها صرخة قصيرة كتمتها بسرعه (الله يخلصنا منك ،الله ياخذ عمرك بحق النبي و الله  ) ولجت العجـوز الغرفة ملتفعة بثيابها السود . تساءلت ببراءة قريبة من السخرية .

ـ ها . ماذا حدث؟

ـ لاشئ . لم يحدث شئ .

ـ سمعتك تصرخين .

ـ لم اصرخ .

ـ ربما خيل الي ذلك . ربما كنت مجنونة .

    جلست على السرير ، قريبة من سعدية، كان ذلك يبعث الخوف في نفسها . ذلك الخوف الذي كانت تشعر به وهي صغيرة تستمع إلى احاديث عن الجنيات .

ـ رائحة غرفتك كريهة ، عليك ان تشعلي بخورا عسى ذلك البغل يفعلها . لولا اني لم أره سابقا لقلت انه لا يملكه .

ـ (  عجوز فاسقة ، اعاذنا الله منك ).

ـ ماذا قلت ؟

ـ لاشئ  . لم اقل شيئا .

ـ في داخلك . ماذا قلت في داخلك  ؟

    كانت العجوز تدرك ان كنتها تقول اشياء في داخلها ، اذ ليس من المعقول ان يكون الانسان  صامتا كالحجر دون ان تطحن داخله الافكار .

ـ ذكرت الله .

ـ وهل رأيت شيطانا ؟

    تقلصت ملامح العجـوز وتجمعت في الجو المتعكر أول نذر المعركة تحوم حول الرأس المعصوب  بعصابة سوداء . ردت سعدية محأولة تخفيف التوتر .

ـ وهل نذكر الله فقط عندما نرى الشياطين ياحاجة ؟ !

ـ أنا لست حاجة .

    ادركت سعدية ان المعركة واقعة لامفر منها . لكنها كانت تدرك أيضا انها ستكون الخاسرة . فلا احد يعرف ماذا تصنع العجوز عندما تكون وحدها في غرفتها بين صررها المشبوهة المحرمة التي لا تسمح لاحد بالاقتراب منها أبدا .

ـ لاشك ان فرهود علمك ذلك . فرهود الحمال .

ـ والدي ميت وحرام عليك ان تذكريه بسوء ؟  كان عبد صالحا .

ـ لم يبق سوى لحمالين ليكونوا عباد صالحين ، لماذا لم تبنوا له مزارا لننتفع ببركاته .

    لاذت سعدية بدرعها الواقي . انكمشت خلف صمتها وقد ادركت خطأها في بدء الحديث مع العجوز . كانت العجوز تلوي الكلمات ، تفرغها من بساطتها وعفويتها  ثم تصنع منها طريقا للوصول إلى  المعركة .

ـ وعندما تموت امك البغلة نبني لها مزارا لننتفع ببركاتها هي الاخرى؟ .

ـ امي متدينة وتخاف الله .

ـ تقصدين اني لا اخاف الله .

    وخرجت العجوز من الغرفة مولولة ،  تعدو نحو غرفتها  ازدحمت في صوتها  الكلمات فكانت غير مفهومة . ربما كانت تدعو لإستنـزال النقمة ، ثم غط البيت في سكون رهيب زاد من رهبته روائح الابخرة التي تتصاعد من غرفة العجوز . شعرت سعدية بالدوار يخترق رأسها مع الابخرة .

 

●    ●   ●

 

   تأملت المرأة وجه ابنتها بوجل ، كان وجهها شاحبا وقد طوقت عينيها دوائر قاتمة ، هزت رأسها وقد تأكدت تماما مما كان يدور في ذهنها . قالت بعد ان سمعت اجوبة ابنتها عن اسئلتها الحذرة .

ـ هل أنت متأكدة ؟

ـ نعم . بلا شك .

ـ اذن . فلابد من  انه حصل .

ـ الحمد لله .

    شعرت سعدية بانها تخترق قضبان القفص المخزي لاتهامات عمتـها . آن لها ان تلقم هذه المرأة حجرا . ستلوح لها ببطنها دائما لتقول انها حامل . كانت مشاعرها مشوشة بين الفرح بحملها ورغبتها في الأنتقام من العجوز والضحك من سخريتها مع إن ذلك كان لابد أن يحصل  يوما ما . لمست الام تلك الرغبة في نفس ابنتها فاسرعت إلى تحذيرها وفهمت سعدية مغزى هذا التحذير وضرورته .

ـ لا تخبريها بذلك .

ـ لا … مع اني ارغب في ان أوجه لها تلك الصفعة .

ـ أياك .

ـ فهمت يا امي

ـ لا تامني مكر هذه العجوز .

   جمعت سعدية ثيابها الجديدة  في كيس ، وكانت تريد ان تخبر امها امرا ما يخص العجوز لكن دخول نجوى انساها الموضوع . كانت الصبية تعرف أمر ما يدور في الغرفة فدخلت متسائلة .

ـ ها ؟

    ردت عليها سعدية بابتسامة ترضي أمـنياتها وراحت تمسد شعرها المرسل على كتفيها بحرية تجعلها وقحة في نظر امها .

ـ عسى أن يكون ولد .

   فصاحت بها الام لتخرج وهي تطاردها بعينيها الغاضبتين .

ـ أخرجي من هنا بسرعة ؟

   خرجت الصبية مسرعة يدفعها الخوف والرغبة في إخبار أختها بامر الحـمل . تردد صوت ضحك في الغرفة ثم انقطع ليتحول إلى شجار بين الاختين . كانت نجوى ترغب في ان ترزق أختها ولدا أما نجاة فهي لا تفضل على البنت  أي  مخلوق اخر كرمز لتعصــبها الجنسي . رفعت نجوى صوتها بعناد ليطغى على صوت اختها مثيرة حنقها .

ـ ولد ، يا الهي ولد .

ـ اخرسي أيتها العاقة .البنت افضل من الولد .

ـ بل ولد يجبر به خاطر سعدية .

   أنتهى جدلهما وهما تسمعان  اصطفاق الباب يشيع سعدية العائدة إلى بيت زوجها . جلستا     صامتتان . تدعوان الله في سرهما ان يرزق سعدية ما يكون صالحا .

    فتحت  الروائح المنبعثة من الازقة القديمة كوة الذاكرة . نفذت إلى سعدية عبر فضاء شفاف طفولتها المرحة مع اصوات الفتيات الصغيرات يمارسن لعبة مألوفة في فناء احد البيوت ، شعرت بمزيج من الخوف والشوق يجتاح روحهـا يحرك فيهـا حنين الانسان في العودة إلى  وراء . حيث يكون للماضي لون الفرح دائما وشفافية الحنين . انقطع سيل الذكريات وهي تقف على عتبة الباب مستذكرة وصايا والدتها بخصوص الابخرة التي تتصاعد من غرفة العجوز .

      (إقرأي  أية  الكرسي والمعوذتين وقل هو الله احد … لا تنامي قبل ان تفعلي ذلك) .

   الفت العجوز قابعة في غرفتها تتامل الجدران بأنتظار ان يطلع منها شبح ما . ارتبك توازن الجو الساكن حولها وهي تنهض قائلة :

ـ اعدي الغذاء يا خاتون .

 

●    ●   ●

 

 

     بعد شهرين لم يعد باستطاعتها اخفاء الحمل اكثر من ذلك . أنتفخ بطنها بشكل ملحوظ ، جعلها تبدو مضحكة لنفسها . أصبح القيام باعمالها المعتادة يكلفها الكثير من الجهد والمشقة حتى لم تستطع المطاولة فظهرت عليها جلية بوادر الاعياء والخمول لكنها لم تكن تسمح لنفسها أبدا ان ينتهي اليوم دون ان تكمل عملها كانت تصر على اخفاء كل شيء عن العجوز  رغم علمها باقتراب الوقت اللازم لان تعرف العجوز ذلك .

   العجوز تغيرت . طلباتها أصبحت قليلة ومشاكلها أيضاً هل كانت هذه المرأة تعلم بوجود الحمل . لا غرابة في ذلك فلها دوما مجساتها الخاصة لتحسس الاشياء. أصبحت اكثر انزواء  في غرفتها ربما كان لذلك علاقة بالامر ربما كانت الشياطين تنقل لها ما يدور من الهمس في ذهن كنتها لــكن  ، الامر لم يطرح بصراحة حتى الان .

    طرحت سعدية جسدها المنهك على السرير ، شعرت بالاشياء تغيب عن ذهنها كان قلبها يخفق وعقلها يذوب تدريجيا في غيبوبة مع صوت الآذان المرتفع من مسجد قريب .

   كان فاضل المبارك منهمكا بترتيب حساباته واحصاء المدينين الذين تاخروا في سداد ديونهم يضع كل واحد منهم في مكانه المخصص من الذاكرة ليخرج بنتيجة مقبولة . اقتحم احدهم خلوته بسلام  حار . كان عبد العبد الغفور لا يزور جاره الا نادرا ولأغراض محددة . بادله فاضل التحية لكنه لاحظ هذه المرة ان سحنة الزائر تنم على ان  لديه ما يقوله .  استقر عبد العبد الغفور على الكرسي المخصص للضيوف كانت حركاته العفوية تدل على المودة المفترضة في جارين يعملان في سوق واحد .

ـ ما شاء الله . الامور تجري معك على ما يرام يا اخ فاضل .

ـ  الحمد لله . ستكون افضل لو ان الناس أوفــوا ديونهم في مواعيدها .

ـ هذه هي السوق . لا يمكنك ان تعمل دون  ان تكون هناك بعض العوائل التي تعيش على حسابك لشهر كامل ثم تتاخر في تسديد الديون .

   رفع فاضل المبارك صوته ليخترق اللغط الدائر في السوق طالبا من صاحب المقهى ان يحضر لهم الشاي وقد ادرك ان جلوس صاحبه سيطول ولما كان عبد العبد الغفور لا يجيد دمج المقدمات ، فتح الموضوع بصورة مباشرة بكلمات متباعدة تتخللها  رشفات الشأي .

ـ ما رأيك بشريك ( يا ابا عباس) ؟

ـ  تردد فاضل قليلا امام فكرة لم تكن في حساباته من قبل . ولم يكن يدري اذ ما كانت هذه بشرى سارة .  نظر إلى جاره  مستفهما .

ـ  شريك … مني المال وعليك العمل … أنت رجل طموح كمــــــــا يبدو لي  … وأنا املك ما يكفي لتوسيع هذا الدكان .

    حبس فاضل سروره . منع الكلمات ان تتدفق بسرعة على شفتيه رغم ان موافقته كانت بادية على عضلات وجهه المسترخية . لكنه اجل الموافقة إلى ما بعد التفكير ومناقشة الامور جيدا . كان يسير بطيئا كالسلحفاة لكنه يربح دائما ، اذ لا يفوته حساب شئ .

ـ سافكر في الامر .

ـ  فكر جيدا .  سترى انه امرا جيدا بل ممتاز . سيتحول دكانك إلى محل كـبير … ربما إلى محلات ..  من يدري .

   التصقت الفكرة برأس فاضل المبارك واجبرته على الدوران في فلكها طوال  النهار .  سمح لنفسه ان يحلم . تخيل دكانه وهو يتحول إلى محل كبير مليء بالبضائع والزبائن ينتظرون ادوارهم في طابور طويل . الاموال تتكدس في خزائنه اموال كثيرة لم يحلم بمثلها أبدا تتكاثر حتى لم يعد باستطاعة احد احصائها وتحدث مع زوجته لأول مرة في امور العمل .

    نظرت إلى زوجها ، راودها شعور بالخجل في جو بسط عليه السرور يده . ابعدت نظرها عنه إلى الحائط وعادت تنظر اليه وضعت يدها على بطنها وابتسمت. كان وجهها محمرا وابتسامة رقيقة تولد على ثغرها .

ـ عندي لك خبر .

ـ ما هو ؟

ـ خبر مفرح . كنت تنتظره طويلا .

   كانت تحرك يدها على بطنها بشكل مستدير لعله يخمن الخبر .

ـ ماذا تريدين ان تقولي ؟

   اطلقت كلماتها سريعة على غير توقع و كأنها تعترف بخطأ ما .

ـ  اني حامل .

   دار حول نفسه فاتحا ذراعيه كعصفور يتعلم الطيران . سيثبت لوالدته اخيراً انه رجل . هرع إلى غرفتها ، وجدها متربعة كتمثال قديم تخاطب الهواء .

ـ امي . سعدية حامل .

ـ  أدري .

 

●    ●   ●

 

   طوى سالم أوراقه بعد ان شعر بذراعيه وعمــوده الفقري يتحولان إلى عمود من خشـب . أصبح القلم كـالثور العنيد  بين اصابعه ، رغم تدفق الافكار . استقام ظهره على الكرسي ، رفع ذراعيه إلى الاعلى ، مدهما جانبا ثم افرد اصابعه واخذ يحركها . كانت عيناه تؤلمانه أيضا وصار تركيزه ضعيفا . أصبح الصداع يداهمه كثيرا في الأيام  الاخيرة . سمع طرقات العجوز تقلق سكون غرفته فرفع صوته وهو مستلق على  السرير .

ـ نعم يا ام محمود .

ـ العشاء يا ولدي .

   نهض متثاقلا ليأخذ صينية الطعام . نفذت إلى انـفه الرائحة المألوفة للبطاطا المقلية . كانت ام محمود تؤكد على انها طباخة جيدة ، اما يراه الان فليس سببه التقدم في السن بل الأوضاع .

ـ أنت تعرف يا ولدي بان الاغنياء فقط يمكنهم ان يتمتعوا في هذه الحياة .

ـ ولذلك ساؤجل العشاء حتى عودة الكهرباء .

ـ اعترف بانه مزاج خاص .

    ثم شرعت في حديث طويل تقارن فيه بين حياتين عاشتهما بكامل افراحهما واحزانهما ، تعود ان يسمع منها آهة طويلة في نهاية الحديث الذي لا تمل تكــــراره  .

ـ كانت الحياة جميلة . كنت شابة واحصل على المال . اما الآن في هذه السن . فلا يصلني الا  القليل .

   كان يصغي منتظرا نهاية الحديث حتى إذا ما سمع الاهة أنتظر لثواني قبل ان يغلق الباب.

   قرر ان لا يكتب المزيد في تلك الليلة . تعبت ذاكرته من استلال الأحداث وتغيير الاسماء . بدت له الشخوص غريبة باسمائها المستعارة . كان يريد لروايته ان لا تخص احدا حتى لا تسيء إلى احد . شعر وهو يجرد الشخوص من أسماءها بانه يتخلص من التزاماته الاخلاقية  وقد اختار لنفسه إسما قريبا من إسمه الحقيقي .

   (لماذا اكتب تاريخ العائلة ؟ بعض من اكتب عنهم غابوا قبل ان اعرفهم جيدا . اشخاص اخرين كانت علاقتي بهم محدودة بحكم الظروف . جدتي ( ام والدتي) هي المصدر الأول لمعلوماتي عن والدتي . ربما يكون ما اكتبه هو انعكاس لمشاعري تجاهها . ومع اني غيرت الاسماء لكني لا أستطيع ان امنع نفسي من الانحياز، استمروا كما هم في ذهني … لا يمكن ان يكونوا غير ما اكتب . لماذا سارت الامور بهذا الشكل ؟ من أين يولد طوفان الكره المدمر ليتحول إلى انسان؟ ما هي مصادر الشر الكامن في نفوس البشر ؟ ينتابني أحيانا الشعور بالندم . قد يكون ما اكتبه ليس حقيقيا .

    نجوى هي الشخص الوحيد الذي يمكن ان اشاركه افكاري . ساتصل بها واطلب منها ان تكتب . يجب ان اعرف آراءها بصراحة في الاخرين . أحس بان هذه المرأة النبيلة تدرك الامور ، بعواطفها اكثر مما تدركها بعقلها ومع ذلك فهي تعرف اكثر مني . ساطلب منها ان تكتب . بالتاكيد ساطلب منها ذلك ) .

    ذهب إلى المدرسة متاخرا . اضطر إلى ذلك بعد ان ارسل رسالته الأولى إلى دائرة البريد . اكتفى المدير بسؤاله عن سبب التاخير بلهجة حيادية كي لا يثير جدلا من نوع ما.

ـ كنت في مبنى البريد .

ـ هل بعثت برسالة إلى احد ؟

ـ  نعم .

     كان سالم المبارك شخصا مجهولا بالنسبة للكادر التدريسي . لا يعرفون عنه اكثر من اسمه وكونه مدرسا جديدا .  دفعت طبيعته المتميزة الاخرين للابتعاد عنه ، لم يقترب منه احد  لاكثر مما يسمح هو  به . كان يضع في احاديثه علامات فاصلة  بينه وبين الاخرين ، يجيب باقتضاب عن اسئلة يمكن ان تكون مفاتيح جيدة لخزائن الكلام .عدا ان جانبا اخر من سالم المبارك أصبح مثار جدل ونقاش الهيئة التدريسية وحيرتهم . كان واعظ أكثر منه مدرسا . شئ كهذا يثير القلق والشكوك في مدرسة تعودت الرتابة والجمود  . لكن سالما استمر بالتصرف وكأنه لا يعرف شيئا مما يدور حوله أوعلى الاقل هو لا يسمع ما يقال .

    داهمه المدير في قاعة الدرس . بددّ دخوله سكون الجو ونقاءه كأن قطعة قماش مزقت في جو من الصمت ، رغم ان سالما استمر في القاء موعظته .

   غادر المدير القاعة دون ان يقول شيئا ، لكن حاجبيه المعقودين كانا علامة بارزة على عدم الرضا . هز رأسه هزات  خفيفة  متتابعة كمن تأكد من وقوع امر ما ، امر خطير . كان يشك  في حدوثه أو لا يتوقع حدوثه أبدا . فك ياقة القميص وزرا  آخر  ثم ابعد الكرسي عن المكتب وهو يضرب باصابعه لحنا  منتظما .

    اقتربت عقارب الساعة من الوقت المحدد لضغط الجرس ، ضغط الزر بشكل متقطع  ليعلن نهأية المحاضرة .

    دخل سالم المبارك غرفة المدرسين صامتا كعادته ، يقلب صفحات ذهنه بحثا عن سبب معقول لتفسير سوء الحال . سبب قهري .

  ( الاسباب الأولى اختيارية ، اما البقية فيمكن ان يكون فيها نوع من القهرية لا مفر منها كنتيجة لما قبلها من اعمال ) . لن يمهله المدير حتى يصل إلى  نتيجة واضحة . بعث من يستعجل  قدومه للحديث في امر هام.

ـ اذن فالامر  صحيح .

ـ أي امر ؟

ـ خروجك عن الدرس إلى  مواضع اخرى .

ـ ليس في ذلك مخالفة للتعليمات . استغل ما يتبقى مـن الوقت لبعض الارشـــاد .

   نهض المدير واضعا ذراعيه على الطاولة . ماداً عنقه إلى  امام وعيناه تتسعان بينما يتحرك كرشه باضطراب .

ـ أنت تعرف ان ذلك ممنوع .

ـ الامور السيئة ممنوعة .

    ترك المدير مكانه واستدار حول الطأولة . أصبح في الجانب الاخر منها . قريبا جدا من سالم كانه يريد ان يقيس طوله بالنسبه اليه نظر في عيني سالم وصاح بصوت مشحون بالغضب تميزه نبرة  مهددة .

ـ لسنا من يقرر  المسموح والممنوع . الوعظ ممنوع . التدريس مسموح . البصاق على الارض   ممنوع . الضرب دواء يستخدم حسب الحاجة . الخروج عن موضوع الدرس كارثة  ؟ أنت تفهم ذلك لا تحاول ان تتغابى . لا تفعل ذلك مرة اخرى .

   تلقى سالم امرا بالانصراف ، لم يقل المدير ذلك لكنه استقر في مكانه ثانية وهو يلهث . ادار سالم ظهره دون ان  يظهر أي اثر على ملامحه يدل على الاضطراب . ذلك ما كان يجعل الغور إلى اعماقه امرا مستحيلا ، ويضفي عليه نوعا من الهيبة .

   كانت التقارير المرفوعه إلى المدير تؤكد على( ان الاستاذ سالم المبارك مدرس مادة التاريخ يقوم بالدعوة  إلى مذهبه ويبشر به وهو ما يخلق تناحرات طائفيه تثير مشاكل مستعصية ) .

 

●    ●   ●

 

    يبدو ان الحياة تصر على الابتسام في وجه  فاضل المبارك .امتلأ دكانه باغراض جديدة . لم يدفع سوى نصف ثمنها وسيتقاسم ارباحها سوية مع شريكـــه . ساعد العمال بمرح في نقل المواد وتفريغها من الشاحنة الصغيرة . اما عبد الغفور فقد اكتفى بالوقوف جانبا ومتابعة العمل ، انه يوم يختلف عن كل الأيام  . كان السرور يحوم  باجنحته  حولهما .

   لكن امرا ما كان ينغص ذلك الفرح في قلب عبد الغفور ،لانه وجد في فاضل شريكا حقيقيا ، ندا له وليس عاملا نشيطا في محله هو . ان تصور عبد الغفور كان خاطئ إلى درجة أن أحلامه في ان يكون هو المالك الفعلي للمحل ذهبت ادراج الرياح . لم يرسم  الخطة كما هي عليه الان . افلتت الخيوط من يده عندما وقعت عيناه على الاموال المخزونة لدى فاضل . كانت ثروة توازي ثروته .

   وجد فاضل نفسه في حال يسمح له أن يكون شريكا بالنصف  بفضل مهارته في الحساب والاستعداد الدائم للتقدم فضمن بذلك حظا أوفر . ادى اليمين وهو مطمئن ، ينظر بثقة إلى وجه شريكه الذي نزل اليمين على عنقه كقيد  ثقيل يجبره على ان يكون امينا .

ـ ليس هذا بالامر السيء يا أبا فاطمة .

ـ  لكن هذا الجرذ خدعني .

ـ  وما الضرر في ان يكون شريكا بالنصف ؟

ـ  فاجئني بما يملك من اموال .

ـ ادعو الله ان تصير الامور إلى خير .

ـ  ليس امامي سوى ذلك .

   سمعا صراخ طفلتهما يعلو من مهدها . كانت فاطمة في الشهرالأول من عمرها .

ـ يبدو انها جائعة .

   صار فاضل يعود متاخرا ، منهكا . ويغادر البيت في وقت تكون فيه سعدية نائمة . لم تجد وقتا كافيا لتكلمه حول الابخرة التي اخذ تصاعدها يزداد يوما بعد اخر . كان يجد زوجته نائمة حتى انها لا تصحو عندما يضع يده على بطنها ليناغي الطفل الموجود هناك ورغم ان نومه كان ثقيلا و عميقا وخاليا من الاحلام لكنه استيقظ فزعا لصرخة اطلقتها زوجته .

ـ بسم الله الرحمن الرحيم … اهدئي .

   دست سعدية رأسها في حجره وبللت كفيه بالدموع ، ثم تصاعد بكاؤها دون ان ترفع نظرها اليه . كان يتامل صامتا الحال الغريب لزوجته . رفع رأسها لينظر اليها لكنها غطت وجهها بكفيها واستمرت  بالبكاء .

ـ ماذا دهاك يا سعدية ؟ أكل هذا البكاء من اجل حلم ؟

ـ لا . اريد ان اخبرك شيئا لكن عدني ان لا تسخر مني .

ـ ماذا هناك ؟

ـ امك .

ـ مالها امي ؟

ـ امك تجمع الجن في البيت . تستعمل بخورا يجذبهم إلى هنا .

    مسح الدموع عن وجهها الذي اختلط فيه العرق بالدموع وابتسامة هادئة تعلو شفتيه .

ـ عن أي ارواح تتحدثين ؟ هذا بخور تستعمله امي منذ ان كنت صغيرا . تقول انه يجلب البركة ويدفع السوء .

ـ أنت لا تصدقني . ان هذا البخور يجعلني اختنق . صدقني هناك جن ينبعثون  من هذا البخور ، انها  تريد قتلي .

ـ حسنا . عندما تموتين ساعرف انك كنت صادقة .

ـ سترى وستعرف اني صادقة . امك تريد ان تسقط الطفل .

     نام فاضل سريعا تاركا زوجته تحوم في الغرفة تردد الآيات حتى انهكها السهر واقتحمها النوم   عنوة . رأت في نومها انها تطوف في مزار واسع من الذهب لكن المزار كان خالي من المرقد . استغربت ان لا يكون في هذا المزار أي مرقد أو زائر سواها . تساءلت في داخلها عن حقيقة المكان وهي تخترق الاقواس الكثيرة في محاولة للخروج من الدائرة .

 

●    ●   ●

 

 

      الطفلة ترفض النوم . ترد على هدهدات والدتها بالمناغات حتى يأست السيدة وفاء امام اصرار ابنتها على البقاء مستيقظة  فكفت عن محأولة تنويمها وتوقفت عن هزها . كان لبريق عيني الطفلة وقع بهيج في نفس والدتها هنا في أعماق هاتين البحيرتين الرقراقتين يكمن الهدوء والراحة وكثير من  الامل . راقت للام فكرة اللعب مع طفلتها فحلت القماط ، حملتها على صدرها وراحت تناغيها وتردد الاشعار ، عندئذ فقط داعب النعاس جفني الطفلة المشاكسة . تاملت الام وجه الطفلة المشع بصفاء ووضعتها في مهدها بهدوء .

    (يا الهي . كم تبدو غريبة هذه  الطفلة اشعر بان لها كيانها المنفصل عني ، اخافها أحيانا عندما تركز نظراتها علي . احسها تســـأل . لكن أي شيء يمكن ان يدور في مخيلتها ؟! ).

   سمعت طرقات متسارعة على الباب . كان زوجها يكره الأنتظار وكأن احدا يطارده ، لكنه عاد هذه المرة في ساعة مبكرة فراحت تفتح الباب مخترقة الجو المشع برائحة شيء يحترق .

   دخل صامتا . كانت علامات التعب والتوتر بادية على وجهه المتعرق ، راحت تراقبه وهي تتحاشى سؤاله عن هذه الحال لكنها ادركت ان افكارا مزعجة تحوم في رأسه ، خلع حذاءه راميا بها إلى وسط الغرفة ، صاح بزوجته .

ـ كم مرة يجب علي ان اقول لك افتحي الشباك .

ـ  لكن الحشرات …

ـ الجو خانق ، جهنم . هل اهرب من لهيب الشمس إلى جهنم البيت ؟

ـ  معاذ الله ان يكون البيت جهنما .

ـ بل هو جهنم بوجودك .

   توقفت عن مجادلته ، كانت تعرف ان زوجها يكون غاضب عندما لا تسير معه الامور على ما يرام ، لاذت بالصمت وهي تفتح الشبابيك ثم انطلقت إلى المطبخ تعالج الطبيخ المحترق بينما بقي زوجها يدور فــي الغرفة .

   روحه تنصهر بلا توقف ، تذوب في داخله غيضا وهو يرى الاموال تتكدس في خزانة فاضل المبارك رغم ان مبلغا مساويا لها يستقر في دخله هو أيضا . قال وهو يفرك صدغيه مستثيرا الكلمات .

ـ لا شك ان هذا الرجل يحمل سرا معه .

   نطق الكلمات بسرعة ثم تدرع بالصمت ، غاص في نفسه يريد الوصول فيها إلى متكأ صلب يمكن ان يستقر عنده ليتخذ قراره الحاسم . كان القرار يراوده ويخيفه في نفس الوقت .

(كان صارما عندما جاءني ذلك اليوم، عيناه تقدحان غضبا .

ـ احذرك من المرور في الزقاق مرة اخرى .

ـ وهل تملك الزقاق ؟

ـ  بل ساكسر رأسك .هل فهمت ؟

   وتركني اغرق في دوامة من التفكير .هل عرف هذا الرجل شيئا ؟ لا أدري لكن احدا لم يكن يعرف حتى الان سوى نجوى وأولئك الأوغاد ) .

    تركته يفكر . منقطعا تماما عن العالم . تشاغلت بالنظر إلى وجه طفلتها المطمئن .

    تغير وجه عبد الغفور فيما ينبيء بانه موشك على الكلام . بينما راحت ذبابة تطن وهي تدور في الغرفة  ، حاول ان يتجاهل الطنين . يبعده عن تفكيره . لكن الذبابة اصرت على تقطيع افكاره     وبعثرتها . حمله ذلك إلى فقدان أعصابه . انفجر في غضب وهياج وكأن مصيره يهتز قلقا على  جناح الذبابة .

ـ اطردي هذه الذبابة اللعينة ، اطرديها واغلقي الشباك .

   اجفلت الزوجة ثم امتقع  وجهها محمرا وهي تحبس ضحكة سببت الاضطراب في تنفسها وراحت تطارد الذبابة التي راوغت كثيرا قبل ان تخرج ، مسببة من الفوضى ما يتركه ثور هائج .

   استمر الصراع الداخلي للزوج يتكشف على وجهه المتهجم وكان وجهه الشاشة التي تشف عما ورائها من افكار . راحت الزوجة تنتظر بصبر معتاد اللحظة التي يرشح فيها ذلك الوجه افكاره . في لحظة كانت تتوقعها عندما اخذ الزوج يفرك كفيه ويطقطق اصابعه قذف الفكرة كما تقذف كرة من نار خارج المدار المغلق لرأسه .

ـ ان العمل مع ذلك الرجل مضني … الا توافقين يا وفاء باني أصبحت متعبا اكثر من السابق .

ـ  كل عمل متعب لكن لابد للرجل من عمل يقوم به .

ـ لا اقصد هذا ، هذا الرجل لا يعجبني . يتصرف كما لو انه مهرج . أو ساحر يلتقط النقود من جيوب الناس . تصوري يا وفاء تصوري لا احد يستطيع ان يمنع نفسه من الشراء إذا ما مر بمحل فاضل .

ـ أصبح المحل محلكما . يجب ان تحمد الله على ذلك .

    تردد عبد الغفور كثيرا قبل ان يعلن السبب الحقيقي لكن التحولات المستمرة لملامحه جعلت زوجته تدرك ان وراء هذا الكلام كلام اخر .

ـ  ما ذا هناك يا عبد الغفور ؟

   فك لسانه من القيد الذي كان يمنعه من الكلام حتى هذه اللحظة . بعد ان وجد نفسه مضطرا لقول الحقيقة .

ـ فاضل المبارك يربح من اموالي ولا أستطيع تحمل ذلك . سأحل شراكتي مع هذه الرجل .

ـ لكن الاموال اموالي . لقد بعت مخشلاتي .

ـ ما شاء الله ، اذن فأنا اعمل عندك وعند ذلك المهرج .

ـ العن الشيطان .

ـ إسمعي يا وفاء . سأفتح محلا لي وحدي ، قريبا من محل فاضل .

ـ  ستتركه بعد أيام وتعود إلى نفس  الدوامه  مره أخرى  .

   أراد أن يهرب  من النقاش  الذي التف  كالحبل حول رقبته .

ـ إنه رزقنا يا عبد الغفور .

ـ  ليست الأرزاق  بيد فاضل .

ـ  لكن النوايا السيئة .... 

   تلقت رفسة  مباغتة وقوية طرحتها ارضا . تركها ملقاة يسيل خيط من الدماء من زاوية فمها  وخرج مسرعا .

   كان يعرف انه لن يجدها عندما يعود . ستكون قد اخذت طفلتها وغادرت إلى بيت اهلها .  ذلك أمر مالوف لم يعد يثير اهتمامه . كما لم يفكر به وهو ذاهب إلى  فاضل المبارك ليخبره بقراره .

  استقر في كرسيه الواسع  خلف  الطأولة . منتظرا فراغ فاضل من العمل عازما على اخباره بالقرار دون تردد . رد فاضل التحية كانه ينتبه لحضوره توا .  دار الحديث ثقيل في بدايته ، جعل عبد الغفور يلهث وكأنه ركض مسافة طويلة . اخذ يعب الماء جرعة بعد اخرى كان يبحث عن ثغرة ينفذ منها إلى الموضوع . كان فاضل لا يخرج من احاديثه عن اطار المجاملة وكأنهما لم يصبحا شركاء بعد .  لذلك وجد عبد الغفور نفسه مضطرا إلى الدخول في الموضوع بصورة مباشرة .

ـ أريد أن أحل الشراكة .

ـ  حسنا كما تحب .

   دخلت الكلمات المقتضبة مسامعه لتهتز أعصابه هزا رهيبا أسعر النار في داخله وجعل حميمه يمور ويمور .

 

●    ●   ●

 

     أنقضت شهور الحمل بسرعة . كانت تنظر بفارغ الصبر مقدم طفلها المنتظر . تشعر بالزهو وهي ترى بطنها المنتفخة تكبر يوما بعد اخر . اسرعت تخبر والدتها بان الطفل بدأ يتحرك عندما احست بحركته للمرة الأولى قبل شهور . كانت امها واخواتها اكثر إهتماما بحملها من زوجها المشغول دائما والعجوز القابعة في غرفتها تمارس طقوسها في صمت وسكون . جنبها ذلك مشقة التستر ، كانت تشعر بحملها يزداد يوما بعد اخر ، الام في الظهر والساقين ونوبات من الصداع اللعين ، تجعل من الصعب عليها الاستمرار في العمل .

   كان وجهها شاحبا جدا في الأيام الاخيرة وقد تكونت حول عينيها حلقتان قاتمتان برزتا فجأة تعيدان إلى ذهنها ماض غابر تريد ان تنساه . امدتها امها بادوية ادمنت استخدامها . كانت اعشاب طبية تجلبها من العطارين لها اسماء غريبة . لكن تعبها وشحوبها لم يتوقفا . بل وجدت نفسها مضطرة للرقاد  لفترة طويلة تاركة البيت يغرق في فوضى من الاهمـال .

   (كانت هذه الفترة اشد الفترات لصوقا في ذاكرة جدتي تتحدث عنها كما لو انها تراها الان .

ـ كانت والدتك تذبل كالزهرة . يزداد شحوبها يوما بعد آخر بسبب الاعمال الشاقة التي تكلفها بها   العجوز . تتركها تعمل بلا رحمة طوال النهار وتشن عليها حرب اعصاب ....  لكن نجوى كانت تقول غير ذلك ).

   أيقنت أن امرا ما تدبره العجوز يحول دون تاثير الأدوية . كفت عن ان تتحدث في مثل هذا الامر امام زوجها لانه لم يكن يصغي باهتمام ، لخرافاتها تلك ، كما كان يسميها . كتمت الامها وافكارها في     داخلها . تحول نومها إلى كوابيس متلاحقة ، مرعبة ، سلسلة من الأحداث الماضية تحوم حولها    مهددة .

   صار يقينها يزداد . إن العجوز تحضر لامر ما مع الفترات الطويلة التي تقضيها في عزلتها وصمتها اللامعقول ، جعلها ذلك تتمنى ان لا يكون لها طفل . كانت تخاف المجهول المترقب دوما في طيات المستقبل ينتظر لحظة الانقضاض على الانسان وتشويه  حياته .

ـ انها العجوز .

    كانت تخاف العجوز . ترى في وجودها الثقيل كحتمية مزعجة يفرضها القدر مصدرا لكل شؤم . وتتلاقح في رأسها الاسئلة هائمة بلا اجابات مقنعة 0

    العجوز تراقب من مكانها مايدور ؛ تخفي في داخلها قلقا من امر خطير تتوقع حدوثه . تنظر إلى كنتها بعين الاشفاق ، ربما كان ذلك سبب وجيه لانزوائها في غرفتها وتحاشيها أي فعل يمكن ان يكون بدايه للحديث مع كنتها . قالت  مرة لولدها .

ـ زوجتك  على وشك الولادة ويجب ان تكون إلى جانبها .

ـ أنت معها يا امي ؟

ـ لا أظن اني انفع . اذ لم تستطع ان تكون إلى جانبها فخذها إلى بيت اهلهـا .

ـ  ماذا يقول الناس عنا ؟!

ـ  لا يهم . المهم ان تبعد زوجتك الان .

   بدا من اصرارها انها كانت على معرفة تامة من أن  شيئا خطيرا على وشك الوقوع ، ألحت على ولدها ان يبعد  زوجته لكن فاضلا لم يجد مبررا لذلك ( من عادة النساء ان يحملن ويلدن انه امر   طبيعي ) . لكن العجوز كانت ترى امرا آخـــر  .

ـ زوجتك ضعيفة جدا . بعد يومين أخاف …

    بترت كلامها . خافت ان تبوح  بما يراودها . نظرت بسخرية إلى لا مبالاة ولدها . كلمات قليلة قالها قبل ان يتركها مغادرا البيت إلى الدكان بلا مبالاة حقيقية .

ـ  أعتمد عليك يا امي  .

   تركت كلماته تهوي إلى الارض قبل ان تستقر في رأسها . في هذا اليوم قررت العودة إلى بخورها اشعلت المزيد من البخور حتى تاكدت انه ملأ كل زأوية في البيت . وراحت تطمئن كنتها .

ـ انه الحرمل .

    ثم اغلقت باب غرفتها لتتجمد هناك في عزلة تامة مثبتة نظرها في بؤرة في فضاء غير مرئي .

    بعد يومين من حديثها مع ولدها . في الوقت الذي توقعته تماما . سمعت صرخات متقطعة يتبعها لهاث . لم تنم تلك الليلة إستعدادا لهذا الامر ، وجدت كنتها تتلوى تحت تاثير الام المخاض وقد جحظت عيناها وتشنجت ملامحها . حتى بدى شكلها لا إنساني ، يقف إلى جانبها فاضل متحيرا .

ـ اسرع إلى ام عبود … اسرع يا حمار .

   كسر فاضل طوق حيرته وتوجه مسرعا إلى بيت القابلة عبر ازقة  ضيقة خالية ومظلمة . بـينما  امسكت العجوز ذراع كنتها وراحت تصيح بها .

ـ  اندبي عليا . قولي يا علي .

    وصلت القابلة متاخرة . تحمل تحت عباءتها حقيبة سوداء وبدأت فورا عملية التوليد  . كان فاضل يدور في الغرفة المجأورة قلقا يرفع صوته بالدعاء ، يعصر الخوف قلبه كلما علا الصراخ ثم سمع صوتا آخر . بكاء طفل . طفله هو . اراد ان يقتحم الغرفة لكن وجود القابلة ارجأ قراره قليلا  فتوقف عند الباب  .

  خرجت والدته متعبة ، حزينة  . رفعت اليه وجها متغضنا غاضبا .

ـ قلت لك خذها إلى بيت اهلها  يا حمار .

 

●    ●   ●

 

    حمل سالم (كان هذا هو اسم الوليد) إلى بيت جدته لامه . كان مقتضى الوضع يفرض ذلك . ليس هناك من يستطيع العناية به في بيت أبيه . حملته جدته كانها تحمل جزء من ماض ميت تتشبث به ، قطعة من إبنتها الميتة . لم تصغ لتوسلات  العجوز بل اكثر من ذلك ، لم تبادلها سوى كلمات جارحة طوال فترة العزاء . كانت تتهم العجوز بقتل إبنتها ، لو كانت تملك أي دليل مهما كان صغيرا ، سوى ظنونها ، لما ترددت لحظة في الاطباق على رقبة العجوز . راقبتها ، وضعتها طول فترة العزاء تحت زاوية من بصرها . تعقبتها ليل نهار تبحث عن أي دليل يؤكد ظنونها في ان العجوز هي القاتلة . كل شيء حتى ملامح العجوز رفضت ان تعطيها ذلك .

    كانت العجوز تعيش لحظات حزن حقيقي . تفادت الاصطدام . أطرت تصرفاتها بحيث لا تسمح أبدا لام سعدية أن ترتكب أي حماقة ، رغم الكلمات اللاذعة التي سمعهتا وذلك البريق الحاقد في عينيها اللتين تدعوانها إلى المنازلة . حتى النعي كان يحمل هذا التلميح الخطير ، عرفت العجوز إنها كانت تشير إلى ذلك البخور عندما كانت ام سعدية تتكلم عن السحر  والعجائز الساحرات .

ـ كانت عافيتها مثل الورد ، سليمة تماما ، لكن الشيطان واعماله هما اللذان قتلاها .

   غضت العجوز بصرها عندما لسعتها كلمة (الشيطان) تجاوزت الموقف بصبر عجيب . فكرها مشغول بامر آخر  . ظلت تراقب الصغير وهو يتلوى صارخا بين اكف النساء . لم يكن يسمح لها بان تلمسه . عند هذه النقطة كانت ام سعدية تفلت من هدوئها ، تصرخ بعصبية ، فيحمل الطفل من احضانها بعنف . حتى أسى العجوز البادي بجلاء على وجهها يفسر تفسيرا سيئا .

ـ تريد أن تقتله كما قتلت والدته .

   كان الهمس يدور حول العجوز بعد ان اقنعن انفسهن لاضفاء واقعا اكثر مأسأوية على الموقف .

   حمل اليها منظر الطفل الحديث الولادة . ابن ابنتها هي احساسا غريبـا . اقرب إلى الحقد على هذه الكتلة الغضة الملفوفة بخرق قذرة . القت الطفل على احدى بناتها دون ان تنظر  اليه . كان الطفل صامتا يدور بعينه بحثا عن وجه يبعث في نفسه الراحة والاطمئنان . ارضعته الخالة نجوى حليبا صناعيا وهي تناغيه بصوت منخفض ، لكي لا تثير والدتها . أصبحت العناية بالطفل من مهام نجوى ويبدو انها كانت سعيدة بهذه المهمة.

  اكتسى الطفل ملامح طفولته من جديد كان الوقت مبكرا بالنسبة اليه للاحساس باليتم . أصبح نظيفا واكتسب وجهه نظرة محببة كتلك التي تكون لأي طفل . لكن ملامحه كانت خالية من أي تعبير كانها الفراغ . فرحه بحضور نجوى اظهر تعلقه بها . جمعت بينهما الفة قوية ، رابطة تتولد وتقوى كلما مر الزمن بين مخلوقين غريبين . كانت لا تمل  التامل في وجهه كانها تتامل في صفحة ماء ساكن .

   بعد فترة قصيرة من وجوده ، نجح في ان يغير قليلا من موقف جدته وخالته نجاة تجاهه . أصبحت نجاة تشعر ببعض العطف يستميل قلبها اليه كلما رأته . وتقهقر اسحاس جدته بالاثم في غمرة نشوتها كلما راته يكبر ويناغي . لكن تعلقه بنجوى ظل طاغيا على علاقته بالاخريات .

ـ انه جميل .

ـ  نعم ووفي أيضا .

ـ  لتعلقه بك .

ـ  انه يشبه والدته . و لولا ذكوريته فهو نسخة من سعدية رحمها الله .

  اسبلت اجفانهما لتذكرهما سعدية . سادت الجو شحنة من الاسى  والرهبة . كان الموت بالنسبة لهما آخر ما يمكن ان يحدث . انها النهاية ولم يخطر ببالهما أبدا كون نهاية اختهما قريبة بهذا الشكل المفاجيء والسريع . ندت عنهما تنهيدة شاركهما الطفل فيها رغبة في محاكاة من حوله .

   بعد اسبوع كامل من ولادته . وقع نظره للمرة الأولى على والده . تجولت نظراته في وجه كئيب يتلوى الحزن على ملامحه ويعطيه هيئة رجل مفجوع . شعر فاضل المبارك بالاشفاق تجاه الجسد الغض بين يديه . رغب في حمله فترة اطول . لو انه استطاع ان ياخذه معه إلى البيت .

ـ كأنه يعرفني .

ـ قلب الطفل دليله .

ـ عيناه واسعتان .

ـ عينا امه كذلك كانتا واسعتان  .

   اطرق فاضل ، شعر بوخز الضمير يلهب كيانه . كان يحمل نفسه في السر مسؤولية موت زوجته . ليس معه الان  منها سوى هذا الطفل الذي لا يستطيع رؤيته الا بعد استئذان .

ـ مسكين فاضل .

  قالت نجوى بعد ان ادركت أي حزن يعاني هذا الاب الذي سلب منه ولده لانه لا يستطيع ان يعتني به كما تفعل امراة .

ـ ليس باليد حيلة . لا نسطيع ان نترك هذا الطفل يموت بين يدي العجوز .

   شزرت نجوى اختها . كانت تعرف ما الذي يدفعها إلى تملق والدتها . كانت نجاة تتزلف وتظهر النعومة مع والدتها بل تشاطرها اكثر ارائها سخافة كلما ارادت الاقدام على امر خطير . حتى في حبها للطفل ، لم تندفع لحمله لولا انها عرفت ان والدتها تفكر بذلك .

ـ لن توافق امي فكفي عن التملق .

ـ  ستوافق . اعرف كيف اجعلها توافق .

ـ  لن توافق أبدا في مثل هذه الظروف .

ـ  ساختار الوقت المناسب .

ـ  امي لا تحب العاطلين .

ـ  اخرسي .

ـ  ساخبرها .

   هددت نجوى اختها في فضح وضعها الشاذ امام والدتهما ، وجدت في اهانة الاخت فرصة مناسبة لفعل ذلك . لكن نجاة تمكنت من اقناعها بالسكوت بعد ان وعدتها ان تقضي كل اعمال ذلك اليوم تاركة لها الاعتناء بالطفل .

 

●    ●   ●

 

 

     (يستخدم القلم في توثيق الأحداث والتنفيس عن الجبن) .

     دوَن في دفتر يومياته تداعياته تلك ثم دسه في مكان امن .  صار خطير بعد ان كتب فيه اشياء غير عادية . لا يمكن التصريح بها . خصوصا إنه اكتشف ان هناك من يعبث بأوراقه عند غيبته . لم يجد داعيا للشك في شخص آخر سوى شاكر أو محمود .

   استعرض حال الرجلين ليتمكن من الوصول إلى تخمين قريب من الصحة . محمود لا يبالي بما يدور حوله . همه الأوحد هو اطالة عمره إلى اقصى حد . حياته تقية مزمنة . لا شك في ان شاكرا هو الوحيد الذي يقدم على ذلك . فلهذا الرجل ما يكفي من الشذوذ ليقوم بذلك . ربما يكون له غرض سافل وحقير ينوي الوصول اليه بالاضافة إلى ان ذلك يقع في صميم واجبه كعضو في الحزب .

    ربما كان شاكر يسكن النـزل قبل محمود . لكن هذا ليس كافيا لتفسير العلاقة الغريبة التي تربطهما . هناك سبب عام ، كان شاكر ومحمود يشكلان جـــــــزء منه ،هو الذي يمكن ان يفسر الوضع بينهما . لم يكن خضوع محمود يمثل ذلك النوع من الانقياد الذي يظهره التلميذ للمعلم . أو تابع لمتبوع . بل كان هناك نوع من الاستبداد والسيطرة يمارسها شاكر تجاه محمود .

   انها كالعلاقة بين الاسير والجندي المنتصر .  لاحظ سالم ان محمودا يظل ساكتا طوال الوقت بحضور شاكر ، وان تكلم فان عينيه تركزان على شاكر خوفا من اثارته بشكل ما . لكن شاكرا  كان لا يبالي باهأنته في كل وقت وامام الجميع . اما إذا غاب شاكر فان محمودا يتصدر الجلسة كبطل ينبثق من تحت الركام يمكنه ان يحقق امال شعب باكمله.

    نادى سالم ام محمود فجاءت العجوز مسرعة كعادتها بوجهها المتغضن المقسم إلى فصوص دائرية بواسطة التجاعيد . لا شك ان هذا الوجه كان محط اعجاب الكثيرين في يوم ما . تباطأت خطواتها قبل ان تدخـل .

ـ نعم يا ولدي .

    كان عليه ان يختار كلماته بدقة . بشكل يجعلها خالية من لهجة الشك أو الاستجواب .

ـ ام محمود . هل صادف أن رأيت أحدا دخل الغرفة .

ـ  لا . لم أر أحدا دخل غرفتك .

ـ  لست اقصد ذلك . لكن ربما كنت مشغولة عندما دخل أحدهم بحثا عن شيء مـــا .

ـ  يجب أن تعرف يا ولدي إني اختار زبائني بدقة ، ألم تر كيف طردت ذلك  الثمل عندما جاء ليبيت ليلة واحدة .

ـ  أعرف يا حاجة . لم تفهمي قصدي ليس هناك شيء مفقود لكني اردت ان اقول ان شخصا عبث بأوراقي  . هذا هو ما أردت أن اقوله يا حاجة .

   ابتسمت المرأة كاشفة عن اسنان بيض . سليمة .

ـ أسمع يا ولدي . إن امرا كهذا لم يحدث من قبل أؤكد لك ذلك . ثم إن إسمي هو ليزا واما ام محمود فهو إسم اطلقه علي اهل القرية .

     مضت فترة قصيرة من الصمت . كان وجهه خاليا فيها من كل تعبير .

ـ آسف .

ـ  لم أقل ذلك تعبيرا عن احتجاجي . لكني وجدت بانك يجب أن تعرف ، أرجو ان لا يمثل ذلك لك فرقا .

ـ  أبدا .

   نطق الكلمة كانه غير متاكد منها . إستطاع أن يجمع افكاره المشتتة بعد مغادرتها الغرفة . أدهشته معرفته المتاخرة بحقيقة هذه المرأة . ربما كان ذلك هو السبب الحقيقي لمظهرها الشاذ بالنسبة له .

اخرج دفتره من جديد ليكتب .

  ( إنهم في كل مكان . في المدن الكبيرة  والقرى النائية . في المناطق المعروفة والاماكن التي لا أسماء لها . أذرع الاخطبوط وأعوان الشيطان.

   ماهو الامر الذي يدفعهم إلى البحث في أوراقي ؟ اعرف عن أي شيء يبحثون . مستند ادانة . كلمة صغيرة تمكنهم من القضاء علي .

لكن لماذا كل هذا ؟ أنتصاراً لعقيدة يعتنقونها ويتصورون انها الأضـل . لا أظن ذلك . إنهم فارغون . ربما كانوا مسخرين وهذا هو الأخطر . الناس الذين يكونون مسخرين هم الأخطر دائما . إنهم يتصرفون باندفاع وغبـــاء ، في لهفة دائمة لسماع كلمة مديح .

ـ لماذا تضربني ؟

ـ إخرس .

ـ هل تعرفني . هل هناك ما يوجب العداء بيننا ؟

ـ إخرس يا كلب .

ـ  ساقول لهم بانك تعرفني . ساجرك معي .

   بدا على وجهه الفزع . لكنه استمر في ضربي وبقوة أشد . حتى نسيت الألم … )  .

   سمع الباب يطرق . أسرع في اخفاء دفتره وتظاهر بالقراءة .

 

●    ●   ●

 

   

   أصبحت حياة فاضل المبارك فارغة . مشاوير من الافكار المتعبة  تتنقل به بين هموم متعددة . كان عليه ان يصغي لوالدته وهي تعيره بالجبن .

ـ أصبح عمر ولدك  خمسة اعوام . ماذا تنتظر؟

ـ انه مرتاح هناك يا امي .

ـ بل انك جبان . لا تستطيع ان تواجه تلك المرأة . هل هناك رجل مثلك . تترك ولدك يتربى في أحضان النساء .

ـ ليس الامر كذلك يا امي أنا دائما امر به لأراه .

ـ ومحظور عليك ان تأتي به هنا .

   كان على فاضل أن يحارب دائما لاثبات رجولته امام امه . انها امراه لا تقنعها الكلمات ، ترغب دائما في افعال حاسمة . كان الرجل لديها سلسلة لا تنتهي من الانفعالات،  تشعر بالخيبة عندما ترى في ولدها برودة الجليد . رغم نجاحه في تدبير اموره الخارجية  بحذاقة الا ان شؤونه الداخلية  كانت ممزقة بسبب الفتور الذي يواجه به الامور ، حتى اشد الامور قربا منه وحساسية يقابلها ببــرود عجيب .

ـ إذا  لم تأخذ الولد منها فسأذهب أنا لاحضاره .

ـ وهل تستطعين  العناية به ؟

ـ صار عمره خمسة اعوام .  هل تعتبره رضيعا ؟

ـ ساحضره اذن .

   ارتسمت في مخيلة فاضل صورة كاملة للمشاكل التي يمكن ان يسببها له ولد صغير لا يجد من يعتني به  سوى عجوز مرهقة .

   ( اذكر ذلك اليوم جيدا . أنا الذي فتحت الباب . كان ذلك من واجباتي قبلني أبي وهو يمسد  شعري ، يتاملني كانه يراني للمرة الأولى .  مد يده  في جيبه  وناولني قطعة من النستلة .

ـ كيف الحال؟ .

ـ  زين .

   ابتسم وتركني افلت من يده . ذهبت إلى غرفتي . عندما لا تكون خالتاي  موجـودتين فأنا لا ادخل غرفتهما أبدا .  كانتا في المدرسة . احتفظت بالنستلة لاقدمها لنجوى . لا أدري اذ اكنت  قد تعمدت الاستماع أو اني جلست معهما. هذا الشئ لا اذكره جيدا ، ربما لانه حصل لمرة واحدة . كان صوتهما مرتفعا . أبي يناضل بقوة في سبيل اقناع جدتي لكنها كانت تحتج ، يمكنني تصور الامور التي من الممكن ان تكـــون قالتها .

ـ لا يمكن ان تأخذه الان . انه صغير ويحتاج إلى من يعتني به .

ـ  أظن انه يجب ان ينتقل ليعيش معي . فقد أصبح كبير بما يكفي لذلك .

ـ  لقد تعود على العيش هنا .

ـ  يجب ان تفهمي يا خالة . لا يمكنني ترك ولدي ليعيش وسط البنات .

    أظن ان صوتها رغم ارتفاعه كان منكسرا هذه المرة بعد ان واجهها أبي بهذا القول .

ـ تركته خمسة اعوام لا شأن لك به  .  حتى كانه ليس ولدك ، حتى إذا ما كبر جئت تدعي ابوته .

ـ  وهل يمكنك ان تنكري ذلك . انه ولدكم أيضا على أي حال . ولكن الوقت قد حان . ولا يمكن ان اخرج بدونه أبدا .

     لم أسمع ما دار من حديث  بعد ذلك . لكن والدي رفعني ليجلسني على فخذه  واخذ يكلمني بمودة .

ـ يجب ان تودع خالاتك .

ـ  لماذا ؟

ـ لانك ستنتقل إلى العيش معي .

ـ  لماذا ؟

ـ لأني ابوك . وهناك بيتك .

  لا اعرف ما الذي دار بخاطري في تلك اللحظات ، لكن احساسا بالحزن اجتاحني . جلسنا ننتظر عودة خالتيّ من المدرسة . جاءت نجوى وحدها ولما سألتها جدتي عن نجاة قالت ان لديها دروسا اضافية . علت الدهشة ملامح نجوى عندما رات الاكياس التي تحتوي ملابسي  ولعبي  .عرفت ان هناك امرا لا يمكنها توقعه أبدا قد حدث).

   اخذ فاضل إبنه معه في ازقة تضيق أحيانا وتتسع أحيانا اخرى . كادت هذه ان تكون هي المرة الأولى التي يرى فيها سالم تلك الازقة والبيوت لولا بعض المرات التي خرج فيها بصحبة جدته في غرض ما يعودان منه على عجل .

   عاش سالم حتى ذلك اليوم حياة مغلقة لا يعرف ،عن الخارج شيئا سوى تصورات بسيطة التقطها من خلال الأحاديث النسوية التي تنقل الأحداث والصور بصورة مضخمة أو مصغرة . كان يملك عن أبيه صورة مشوشة حتى ذلك اليوم الذي أصبح عليه ان يرافقه ويسكن معه في مكان واحد ليمارس دور الابن .

وصلا السوق ، فتح الوالد دكانه وقال لإبنه مزهوا .

ـ هذا المحل لنا .

    رفع الصغير ووضعه على مكان مرتفع كانه يعرض بضاعة جديدة . تمكن الطفل من مراقبة السوق من هذا المكان تعجب من وجود هذا العدد من الناس ، احس بموجة من الالفة تجتاحه لتمزجه مع الاخرين وتوحده معهم . نبتت في رأسه الاسئلة بسرعة .

ـ ما هذا ؟ ما اسم هذا الرجل ؟ ماذا تريد هذه المرأة ؟

   لكن وحشة قاتمة جثت على قلبه عندما وصلا البيت بعد المغرب بقليل . استقبلته العجوز بوجه   متهلل ، ضمته إلى صدرها . تنفس منها رائحة طيبة . لكن الخجل قيد لسانه في تلك اللحظات فلم يرد على كلامها . التفتت إلى فاضل .

ـ انظر إلى الولد كيف أصبح . كانه فتاة .

ـ  ما زال صغيرا يا امي .

ـ أسمع أيها العجل الصغير. هل لك اصدقاء ؟

   كانت هذه المفردة غائبة عن ذهن الصغير.  ظل محملقا في وجهها لا يحير جوابا .

ـ لا تعرف ما هم الاصدقاء ؟ مع من تلعب ؟

  اجاب بصوت خفيض .

ـ مع خالتي نجوى ونجاة .

ـ  نجوى ونجاة … ولد مخنث . ومع خيرية الا تلعب مع خيرية ؟

ـ لا اعرف خيرية .

ـ  انطلق مع والدك أيها العجل وسأعرف كيف اتدبر امرك .

   (كانت اطول ليلة اعيشها في حياتي . اطول من كل تلك الليالي المليئة بالقلق والأنتظار والدم والصراخ . وحتى من تلك الليلة التي قضيتها في موضع وحيدا بين جثث محترقة وممزقة تنفجر حولي القنابل ويمزق الرصاص الهواء كنت أسمعهم يقتربون ، أسمع وقع احذيتهم و كلماتهم . تركوني خلفهم فيئست من البقاء ولا أدري كيف نحن بين تلك الجثث وما الذي حدث بعدها .

   نمت متاخرا . رغم اني معتاد على النوم وحدي إلا ان الكوابيس طاردتني تلك الليلة ) .

 

●    ●   ●

 

 

 

    فتح المدير عينيه على اتساعهما ودفع برأسه إلى امام ، مظهرا علامات الدهشة والاهتمام ، كانت هذه عادته عندما يتكلم مع شاكر حول موضوع خطير  ، مغلقا الباب . تابع كلمات شاكر المتباعدة لخلق شيء من التشويق والاثارة للتاكيد على ان الموضوع خطير ولا يمكن السكوت عنه .

ـ لا شك من ان لهذا الرجل ماضيا ملوثا بالخيانة .

   (الخيانة هي الصفة التي يطلقها شاكر على كل من يكون اتجاهه غامضا بالنسبة اليه) .

ـ  المواعظ والدروس الاخلاقية التي يلقيها على الطلبة هي جزء من استراتيجية مبهمة يرمي  من  ورائها … الوصول إلى غرض ما . لقد بحثت في أوراقه كما يملي علي الواجب ، فماذا وجدت ؟ ! ..     آ . ان هذا الرجل يكتب عن تاريخ عائلة .. أنت تعرف يا استاذ ان امثال سالما هذا  ... بارعون في استخدام الشفرات . والا ماذا يفيد من وراء كتابة . .  تاريخ عائلة .. ما هو تفسيرك لاسم نجوى أو  نجاة . ان هذا بالتاكيد يرمز إلى … شئ ما . شئ خطير أرى ان من الواجب علينا أيقافه قبل ان يتمكن من الوصول إلى غرضه .

    استمر المدير من ابراز ملامح الدهشة وعلامات الاهتمام ،  هز  رأسه هزات خفيفة متتابعة علامة على تأييده وتضامنه مع شاكر . ابرز شفتين مضمومتين ودار بعينيه ثم عاد إلى جلسته العادية . مستلقيا باعياء على الكرسي .

ـ أنا بالنسبة لي لم اشك يوما ما في ان وراء هذا الرجل امرا خطيرا . ان هذا الرجل  خطير بحد ذاته ، حذرته اكثر من مرة ...

    توقف وكانه فوجئ بالجحيم امامه ، ليبتعد كثيرا عن قصـده ثم استدرك .

ـ اقصد نصحته بان يبتعد عن الامور الأخرى ويكتفي بالدرس .

ـ  لم اكن اشك في ان رجلا ذكيا مثلك يمكن يفوته ذلك . كنت متاكدا بانك لاحظت مثلي ذلك الرجل … ولولا اني اعرف انك رجل .. طيب القلب . لاتخذت إجراءات اخرى .. أنت تعرف بانه يوجد هناك دائما .. إجراءات اخـــرى .

    برزت علامات اهتمام حقيقية على وجه المدير ، بدا  كالمصعوق . انسحب الدم من وجهه وارتجفت شفتاه . تقافزت الكلمات منه مذعورة ، سريعة ، كمن يريد ان ينفي عن نفسه تهمة ثابتة . مهلكة .

ـ  صحيح ما تقول ولكن الا تؤمن بالادلة المادية . الادلة المادية افضل . أنا أؤمن بالادلة المادية .

ـ ان شخصا خطيرا … إلى هذا الحد .. لا يترك اثرا ماديا .

   نهض موحيا بحركات تدل على انه يريد ان ينصرف .

ـ إذا كان هنالك (امر) فلا يمكن ان يفلت .

   ترك المدير متوجها إلى المقهى . كانت مقهى  صغيرة تتكون من اريكتين متقابلتين تفصل بينهما طاولتان صغيرتان يوضع فوقهما الشاي . لم يكن هناك ما يقدم سوى الشاي والاخبار . وكانت تلك هي التسلية الكبرى لــه . اما الخمر فللحصول عليه لابد له من الذهاب إلى مدينة اخرى . أحيانا يعود حاملا معه قنينة أو قنينتين ، رغم اعتراضات محمود الخجولة . في هذه الحالات لا تكون النشوة في احتساء الخمر  مساوية لنشوة قهر محمود  وسحق رجاءاته . غالبا ما كان يوجه الدعوة لمحمود ويلح عليه حتى يجعله قريبا من البكاء .

   لم يكن محمودا يمتنع بدافع من التقوى . ربما كانت لديه اسبابه الخاصة لان الرجل لا يصلي ، حتى ان شاكرا لم يعد يشعر بذات النشوة لأنتصاراته . كان منتصر على المدير نفسه . انه على يقين كامل بان المدير غير متكامل الولاء ، قريب من الخيانة . الشئ الوحيد الذي يبقيه في موقعه هو حاجة شاكر إلى ناس ضعفاء يشعر معهم بلذة الاستبداد والسيطرة .

    طلب شايا . اجابه صاحب المقهى من مكانه بلهجة صارمة تحمل شيئا من العدائية . دون ان يصل إلى درجة العصبية .

ـ ادفع الحساب أولا .

ـ انهض واحضر الشاي .

ـ ادفع الديون وانصرف لا يوجد شاي لك هنا . ام انك تحسبها تكية .

ـ احضر الشاي والا علمتك كيف تتصرف .

   اجاب الرجل بهدوء يخفي وراءه رغبة كبيرة في تهشيم رأس شاكر اذ ما هو زاد على كلماته تلك كلمة واحدة .

ـ انصرف .. انصرف الان .

   شعر شاكر برغبة الرجل الحقيقية كانه يشمها في الهواء . ترك المقهى مسرعا . يدمدم كلمات لم يفهمها سواه . ( لا شك ان المؤامرات تحاك في هذا المكان ) .

    وصل البيت ترافقه حمى الموقف . كان عسير عليه ان يتخلص من دوي الكلمات في رأسه . داخله كله يستعر بلهيب من الاهانة ، يتغلغل في روحه فيستفز كوامنها ، سمع اصواتا تنبعث من الماضي وراى أيد  وشفــاه .  أحس بصفعات أيدي كبيرة وصغيرة تنهال على خده ثم تنحسر  لتعود على شكل صاحب المقهى . توجه غضب كامل في نفسه إلى صاحب المقهى .

   ( سمعته يصرخ في ذلك اليوم .

ـ  سأدمر ذلك السافل .. سأجعله يندم . محمود . أين محمود.

   جاءه صوت ليزا .

ـ  محمود في المدرسة.

   قضى ذلك على آخر اماله في ان يجد الشخص  المناسب للحديث معه  حول ما ينوي  فعله تجاه صاحب  المقهى . كان شاكر  يعطي  نفسه ابعادا لم يكن يمتلكها أبدا . يتصرف كما لو  انه قوة جبارة تستطيع تحطيم كلما حولها  لكن ثقته تلك كانت مبنية على ارضية هشة لنفس مهزومة من الداخل تحاول ترميم ذاتها ببذل المزيد من الجهد للظهور  بمظهر القوه . حاول ذلك معي . لكنني عاملته باحتقار ، شعرت به يفقد كل الاطر التي يحيط بها نفسه ليسقط في قاعها على تلك الارض المرتجفه دائما بلا   يقين . عرفت انه يبحث عن زلات أي شخص ليستخدمها ضده . فاظهرت له اني لا اخشى تلك الزلات . لم اتكلم معه صراحة في ذلك . لكني جعلته يدرك ان الامر معي يختلف .

  جاءني مرة يريد ان يجالسني . تقمصت حالة من الغرور والعجرفة شممت رائحه الخمر المنبعثة منه بقوة . كان يدور معي حول موضوع معين كلما شرب الخمر . فاحتويه داخل غروري ... أسمعته كلمات متعجرفة وقمت بطرده ).

 

●    ●   ●

 

 

   كان عليه ان يتحمل ثقل الأنتظار فقط . وصلت رسالة الخالة نجوى بعد فترة قصيرة من ارسال رسالته الأولى . كان متاكد من ذلك . رغم معرفته بان الرسائل تستغرق فترة اطول من المتوقع قبل وصولها .

     

بسم الله الرحمن الرحيم

ولدي العزيز – صديقي… سالم .

         السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

   اشكر كثيرا الرواية التي حملتك على الكتابة لنا . كدت أظن بانك قد نسيتنا تماما بعد ان مر شهر كامل من الصمت . لم نرك أو نسمع عنك خبــرا .

  احمد لم يزل يراوح في مكانه بينما ينطلق ثائر كالسهم . أنا خائفة جدا من نجاحاته المتكررة في أعماله التي يستبدلها باستمرار كما يغير ملابسه ، ومن ماديته في التفكير ، يرعبني التفكير في  مستقبله ، انه يتصرف كالآلة واخاف ان ياتي اليوم الذي اشهد فيه عطب هذه الآلة . اسفة جدا إذا  اخبرتك بانه كف عن التفكير بك .

    اما خالد فأنت تعلم بانه قد أصبح ضعيفا جدا ،  لا يمكنه ان يكمل يومه بدون مساعدة الادوية أنا أيضا أصبحت بحاجة إلى بعض المــــقويات .

    لقد تعبنا يا سالم .

   احترم كثيرا  رغبتك في تقليب أوراق الماضي رغم اني اجهل دوافعك الحقيقية . لكني ساكتب لك بعض ما اذكره عن الاشخاص الذين طلبت مني الكتابة عنهم . انها ذكريات بسيطة ، عادية . ربما تكون مهمة بالنسبة لك . اما الحقائق الاخرى ، الحقاق التي كنت تجهلها طوال حياتك عن اقرب الناس منك أو من المفروض ان يكونوا كذلك . فقد آن الأوان لفتح صناديق الاسرار .

   تمهل اننا ندخل قبور الموتى .

  كان النمط المألوف للحب في محلة الرشيد بدروبها الضيقة وبيوتها المتلاصقة . التي لا يمكن للمرء ان يشعر في يوم ما انه يعيش لوحده فيها . كان الحب لا يعيش سوى فترة قصيرة قبل ان يكلل    بالزواج . انه بالضبط طفولة قصيرة لفترة الزواج . لا تتجاوز أياما معدودة أو اسابيعا خرساء تطوف بعدها ام العاشق في بيوت المحلة للسؤال عن معشوقة ولدها . وهي لا تجرؤ على البوح بهذا السـر .

  ما زلت اذكر اسماء الفتيات الملوثات السمعة بفضيحة الحب . من بين تلك الفتيات كانت سعدية .

حصل الامر كانه القضاء الذي لا مفر منه . سعدية بنت فرهود الحمال (لم يكن والدي حمالا قبل ان يطرد من الوظيفة وتتم محاصرته لاسباب سياسية ) . ضبطتها احدى الجارات متلبسة بالنظر إلى احد أولاد الجيران عبر زجاج النافذة . تفصلهما مسافة الشارع . اسرعت المرأة باخبار ذوي الشاب بالامر لتتفرغ بعد ذلك لسرد الحكاية التي اتقنت حياكتها لكل سكان المحلة . وهما في الحقيقة لم يكونا سوى شخصين جمعهما القدر للوقوف في تلك اللحظة عند ذلك المكان . ذاك ما كانت تؤكده لي سعدية و تحلف عليه الأيمان . وصل الخبر إلى سمع فرهود . سمع النبأ في المقهى بين اهل المحلة . بثه اليه شخص حقير اراد النيل منه طوال حياته فلم يتمكن . حتى وفرهود يعمل حمالا لم يتمكن احد من خصومه ان ينال منه . كان مجاهدا  يضحي في سبيل معتقده . لكن هذه المرأة اعطتهم الفرصة الملائمة للنيل منه بل لتدميره .

  ماالذي قضى عليه عند سماع الخبر ؟ 

    سمعة الرجل أهم ما يملك . انها تاج الملك الذي لا يفقده  الا بعد ان يكون قد فقد كل شئ . وفقد فرهود كل شئ في ذلك اليوم . انهار عالمه . سعدية هي التي حطمت عالمه ووضعت السكين في يد اعدائه . كما كان يجب ان يظن عندها .

   اردته هذه الطعنة .

    مات فرهود بعد خطوات قليلة مشاها . مات وهوكتلة ملتهبة من النار والألم  . وشيعت جنازته ليدفن معها أي امل لسعدية بالزواج .

     كنا نعرف ان كل ذلك ربما يكون لعبة . لكن الامر حصل . كان لوالدي اعداء كثيرون  بسبب موقفه من السياسة والملك بالتحديد . لم يصفق والدي  لأي حكومة  في حياته أو يعتبرها شرعية  لذلك فقد الفته السجون وطرد من وظيفتـــه .

    أصبحت سعدية اللعنة التي حلت بالعائلة لتدمر حياتها . تحولت الحياة  بعد ذلك اليوم إلى سلسلة من الازمات . اثقل جو البيت بمشاعر الحزن وامطر أياما سودا . لم تستطع الام ان تنظر إلى سعدية الا وتذكرت ان ابنتها تلك قتلت  والدها وجلبت العار للعائلة . ولد الشعور الذي لا يمكن تسميته أبدا ، الشعور الذي يكون فيه الحب موجودا لكنه ملوثا . الشعور الذي يتوهج بنفس السرعة التي ينطفئ فيها محولا الحياة إلى لعنة . كان الجو مشحونا بالتوتر . أي كلمة ستشعل حريقا لا ينطفئ أبدا الا بعد ما تكون النفوس قد تخلصت من كل خزينها .

   حكمت سعدية على نفسها احكاما قاسية اقتربت بها من حافة الموت . أصبحت تعمل كالعبد في بيت اهلها . ينتقل بها الاعياء إلى الفراش . لا شك ان عالمها كان قطعة  من ظلام حالك وكان داخلها     يذوي . تحولت عذراء المحلة واجمل فتياتها إلى يتيمة مشؤومة لا يفكرفيها احد .

   جثم الفقر  بكل ثقله و الامه على البيت .  نفذ فيه كل ما يمكن أن يباع . اضطرت الام إلى العمل مرغمة . (كان والدي يرفض أن تعمل . يرد كل حججها ويقول نحن قوم لا تعمل نساؤنا ما دمنا     أحياء) . وكانت سعدية مضطرة لتحمل الشعور بالاثم ، تتمزق روحها الشفافة مع كل آهة أو شكوى من إحدانا .

    حول العمل المتواصل والشعور المخزي بالذنب سعدية إلى كيان هزيل. كانت امها تخيط الملابس عندما سمعت صوت اصطدام بالارض فهرعت لترى ابنتها مرمية على ارضية المطبخ  في غياب تام عن الوعي . حملت بين يديها الجسد الهامد الهزيل تتنازعها مشاعر متناقضة من الكره والاشفاق ورمت بها إلى السرير . نادت نجاة لتعتني باختها وانصرفت هي لاتمام عملها .

   توالت بعد ذلك نوبات الاغماء . كان يجب ان تنقل سعدية إلى المستشفى . بين تقرير الطبيب ان سعدية مصابة بضعف عام نتيجة لسوء  التغذية والارهاق . لكنها استمرت بالذبول حتى أصبحت وشيكة على الجفـاف . اكتسى  وجهها علامات الكآبه والقلق  . صارت تنهار لاتفه الاسباب ، لكن لم يستطعن ابعادها عن اسباب الاثارة .كل شئ في البيت . كل كلمة مشحونة بالحزن أو اشارة للماضي ، تذكر بوجود فجيعة في هــذا البيت . كانت سعدية اشدهن التصاقا وتأثرا بالذكرى ، يرزح عقلها تحت ثقل معأناة التحول . مزقت شرنقتها إلى عالم مظلم يزداد ظلامه كلمـا مضت الأيام .

 

●    ●   ●

 

    وجدت الام في تقدم احدهم لطلب ابنتها فرصة مناسبة لمحو ما لحق بالعائلة من عار أو ربما للتخلص من ابنتها . وافقت على الفور ، بشكـل مذل . لا احد كان يفكر بالاقتران ليس بسعدية فقط بل وبنجاة أيضا . هكذا كانت الامور تحسب في هذه المحلة . العائلة كيان واحد لا يتجزء . ما يفعله احد افرادها  يعود على الجميع بعواقبه خيرا كانت ام شرا .

   استقبلت الام احدى الضيفات بانفراد ، لفترة كانت البنات  يعرفن انها الفترة المناسبة  لخطبة   إحداهن . توقعت نجاة ان تكون هي المقصودة . توردت وجنتاها ودبت في جسدها حياة  جديدة  اصرت على ان تدخل هي بصينية الشأي ثم توقفت تسترق السمع  ، اشارت لها نجوى مستفهمة ، فتحت يدها وثنت فمها علامة على انها لا تسمع شيئا . كان الحديث خافتا كما لو ان مؤامرة تحاك هناك .

   ردت الام على نظرات بناتها المستفهمة بالصمت ، بعد خروج الخاطبـة . نجاة كانت الوحيدة بينهن في امتلاك الجرءة للحديث عند مثل هذه اللحظات الحرجة .

ـ ماذا ارادت تلك المرأه ؟

ـ لا شئ .

ـ ام نسيم لاتدخل بيتا الاعندما تكون هناك خطبة .

    ادركت الام ما يدور في عقل ابنتها .

ـ لست المقصودة .

ـ سعدية اذن .

ـ سعدية .

  أستقبلت سعدية النبأ ببرود كما لو انها  كفت عن الاحساس . كانت تتصرف كان الامر لا يعنيها أبدا . نظرت بعيون فارغة نحو اختها وهي تنقل اليها الخبر . ثم عادت لعملها غارقة في عزلتها .

  (كم كنت اتمنى مشاركتها افكارها . العيش معها في ذلك العالم . رغم إنا كنا ثلاث اخوات من ظهر واحد ، إلا أن سعدية كانت القريبة إلى نفســي . زاد في اقترابها مني ما كانت تعيشه من حزن نبيل ) .

   عملت الام في اليوم الموعود بنشاط غريب . ألبست البيت حلة جديدة . مسحت الغبار المتراكم على الجدران وفي الزوأيا . نظفت الفرش . اشعلت اعواد البخور في كل الغرف . شاع في البيت شئ من فرح غامض  شعور قريب إلى  الراحة عند التخلص من حمل ثقيل .

   دعت سعدية إلى جلسة انفرادية . كان يمكن تخمين ما يمكن ان  يقال في مثل هذه الجلسة عندما تكون الامور طبيعية ، لكن التجهم الذي غزا ملامح الام منذ الصباح جعلهن يغرقن في التيه مع دوامة من التوقعات . كان نشاط الام غريبا لانه خالٍ من أي تعبير عن السعادة أو الشعور بالرضا ، عملت كما لو انها مجبرة على العمل ، عندما اشعلت عيدان البخور  وَلولت وأنتحبت و أطلقت نشيجها فتحول البيت إلى كتلة من الحزن .

  (عندما كانت امي تبكي يا سالم … عندما كانت تبكي لا شئ يستطيع ان يصمد امامها دون أن يتفطر ألما ، حتى الجدران كانت تفعل ذلك ).

   أنتظرن بوجل وبرود وصول الضيوف . كان الوقت يمر ساحقا ومدمرا المزيد من الاعصاب . تتكاثر التوقعات رغم ان الساعة لم تقترب من الرابعة بعد . عند الرابعة وخمسة دقائق طرق الباب . ليتوقف ذلك السير المنهمك نحو الانهيار .

  امرت الأم بناتها باخلاء الغرفة . لم يفاجئها حضور امراة عجوز واحدة جاءت لخطبة ابنتها . كان يجب ان يكون هناك الكثير من النساء . خمسة على الاقل . لكن هذه العجوز جاءت لوحدها . شعرن بالخيبة والاهانة لحصول الامر بهذا الشكل المخزي . سلب منهن الاحساس بالفرح ليحل مكانه التساؤل .

ـ ما الذي ينقص سعدية لتحصل خطبتها بهذا الشكل ؟

ـ السمعة الطيبة … يا للكارثة .

  (كانت نجاة لا تعبأ بشئ حتى بالسمعة الطيبة) .

   سعــدية تتصرف كما لو انها غائبة عن الوعي . بل انها لم تكن تفعل أي شئ . حتى الأحاديث القصيرة والاحتجاجات المبتورة التي تدور بين اختيها . كانت غائبة عنها . تحصنت في عالمها المأثوم منذ وفاة والدها وقررت عدم مبارحته أبدا .

   بقى السر الذي دفع فاضل المبارك لاختيار سعدية فكرة غامضة ، مع ان الامر ربما لم يكن كذلك . ربما كانت الخاطبة هي التي اختارت سعدية . لا شك ان فاضلا سمع التقولات التي تدور بشأن سعدية ، مع انه قليل الاختلاط بالناس لكن عمله في السوق لا يترك مجالا للريبة في ذلك . فسرت نجاة الامر بان فاضلا رجل متحرر وانه يقوم بعمل بطولي .

   انهى الهمس الدائر في غرفة الاخوات ، صوت زغاريد عالية تنطلق من غرفة النساء المجتمعات . محت كل ما سبقها من الشكوك والتردد تناهى إلى مسامعهن صوت الأم وقد تخلى عن نبرته الصارمة يدعوهن للترحيب بالحاجة ام فاضل . كانت سعدية أول من تقدمت . امطرتهن  العجوز بوابل من القبل النارية وهي تصلي على النبي وآله وتدعو الله ان يحفظهن من كل سوء . لم يكن في ذلك تلميح  للماضي . ثم التفتت إلى سعدية تتمعنها جيدا . تغير وجهها قليلا ثم عاد لينشرح كأن احدهم اخبرها بنبأ سار . انطلقت تلطف الجو بطرائف جلت ما على  قلوب الفتيات من حزن متراكــم . فانطلقت ضحكات نقية رددت صداها زوأيا المكان .

   (لقد كانت العجوز مرحة ، لطيفة وذكية أيضا . تصرفت بلباقة اجبرتنا ان نكون عفويات معها . لم تأت في احاديثها عن أي اشارة للماضي . كانت تتكلم وكأن ليس هناك أي فضيحة بشان هذه الفتاة بل كان العكس تماما . لا أدري ما الذي يجعل الانسان يصر على الخطأ . حتى وان كان قاتلا . هل تدري ماذا قالت العجوز وهي تنظر إلى صورة أبي ؟ كان كلامها كفيلا بان يجعل امي تنسى كل ما نسجته من الافكار حول سعدية . قالت العجوز .

ـ هذه الصورة لفرهود . اعرفه جيدا … انهم يعرفون كيف يسيئون للرجل .

ـ  تركنا ومات .

ـ  قتلته السياسة … ) .

 

 

●    ●   ●

 

 

    دوت صرخة ثم انقطعت . هرعن إلى المطبخ مسرعات . كانت قلوبهن تنبض على مستوى خوف واحد . ربما أنتحرت سعدية . استطالت المسافة حتى المطبخ . أصبحت بعد  شاسعا تنبض فيه القلوب الخائفة . وجدناها متكورة في زأوية تعصر بكفها السليمة الكف المصابة .  ينساب الدم من بين اصابعها لتسقط قطرات قانية على البلاط . كانت تجاهد أن لا يهزمها الألم . تجد في التعبير عنه اثم من نوع ما . الأنتماء إلى الخصائص البشرية ليس من حقها .

   حمدن الله على سلامتها بانفاس متقطعة .   لكن نظرة من عين الام تتوهج بالريبة كانت كافيه  لتفجير سعدية . تركت الام بناتها في المطبخ وهي تدمدم بدعاء غير مفهوم . لا شك انها كانت تستنـزل اللعنات .

   ربطت سعدية الجرح بقطعة قماش لم تتأكد كثيرا من نظافتها أو انه لا يهمها اطلاقا . فما جدوى ان تكون القطعة نظيفة ، مامعنى ان يلتهب الجرح فتقطع يدها أوحتى رأسها . ذلك لن يكفر أبدا عن الذنب الذي ارتكبته . دائما سيكون هناك حرب بارده تستهدف الاعصاب .

  ( اعتذر يا سالم اذ كنت اتكلم بهذا الشكل عن امراه كنت تحسبها في يوم ما امك . انها امي أنا كذلك . لكنك جئت الان تطالبني بكتابة شئ ما عنها  فاثرت الذكريات ومعها استيقظت الاحزان من رقدها . نعم كانت امي قاسية مع سعدية جدا في هذه الفترة . لا أستطيع ان اكتب بغير هذه الطريقة . يمكنك ان تحور بطريقتك الروائية مـا يعجبك . يمكنك ان تمحو أو تكذب  ، لكني لا أستطيع ان اكذب أبدا. يا الله .. لقد  تحطمت سدود الذكريات ) .

   سعدية نفس ميتة داخل جسد هزيل . لا عجب ان لم تكن الفتاة تشعر بالسعادة . تمعن امها في تعذيبها  بنواحها المتواصل ، ندبها الاب المتوفي . كان جسدها يرتعش ويتلوى وكأنه يصهر مع صوت الام الشجي طوال ساعات الليل . ما ان تنهي الام عملها ليلا  ، حيث يكون السكوت شاملا . حتى تبدأ بالنواح  معيدة المأساة بكل تفاصيلها . في هذه اللحظات الرهيبة تراقب نجوى اختها .

   ( هل أنت حزين ؟ آسفة ان كنت قد اثرت مشاعرك ، اعرف انك انسان رقيق . ربما تؤلمك هذه الذكريات التي احأول صياغتها كما ترغب لتدخلها روأيتك . لكن تاكد ان هناك امورا  تحدث في الواقع لا نستطيع مهما أوتينا من قوة البيان تصويرها كاملة . أنت تقرأ الان ان سعدية كانت تتلوى الما . يمكنك تصوير ذلك . لكن هل تستطيع ان تنفذ إلى احشائها لتعرف ماذا يدور هناك . ما هو الموت ؟ ارتعاشات متشنجة تحت عجلات سيارة مسرعة . الم رهيب ياتي بعده السكون . كانت سعدية تعاني كل ذلك كل   ليلة ، خلال عام كامل . إذا شئت ان لا  تكتب هذا فعليك البحث عن سبب آخر لموت والدتك . هل تدرك معنى السحق … كانت والدتك تسحق كل يوم ) .

   حملت نوبة من الاشفاق نجوى على الركض إلى والدتها والطلب منها ان تكف عن النواح .

ـ سعدية … سعدية ستموت يا امي .

   اجابت الام توسلاتها بصفعة قاسية  وهمهمة بشعة . جعلتها ذاهلة. انطلقت بعدها مستمرة في   نواحها . تشكو حظها العاثر وانها لم ترزق ولدا يحل مكان أبيه . عادت نجوى إلى الغرفة ذليلة . أيقظت نجاة .

ـ استيقظي .. كيف تنامين وسعدية ستموت .

   أنتبهت نجاة من نومها لتهمس بصوت خفيف .

ـ دعيها وشانها . سعدية مجنونة .

اندفع الألم موجة واحدة  إلى الصدر ، الاعصاب ثم الرأس . ليحول نجوى إلى كتلة من الغضب .

ـ أنت تقولين ذلك … أنت تقولين ذلك .

    ( أنا الان أبكي … أبكي يا سالم وارجو ان تشاركني بكائي . في تلك الليلة التهمني شعور موحش بالوحدة . أحسست باني اقف في صحراء من جليد . وحيدة وعاجزة . كانت هناك مؤامرة .. تواطؤ خفي لم تنسجه الكلمات . هذا ما شعرت به وابكاني . كم كان عمري عندها ، الثالثة أو  الرابعة عشر . لم اكن صغيرة لتخفى علي مثل هذه الامور ولا كبيرة بالشكل الذي يمنحني حق التصرف . حتى الكلمات التي قلتها وأنا ارتمي بجسدي على سعدية في محاولة لمواساتها ومنعها من التشنج كانت كلمات بلهاء  وربما زادت من عذابها .

ـ أنت بريئة .. بريئة ولم تقتلي والدي . نجاة الحقيرة هي التي قتلت والدي .. والدي كان يحبك .

   لكن جسدها لم يكن يتوقف أبدا عن الأنتفاض ، هذا ما يمكنك تصوره عندما تتذكر الصعقات  الكهربائية ).

  يهتز جسد سعدية بشكل خفيف ، كأن هناك شيء يستل منه . تنام بعدها أو هي لا تبدي حراكا . لا تعرف نجوى ان كانت اختها قد نامت أو هي ميتة . تضع رأسها على صدر اختها ، تسمع خفقات رتيبة تنبئها ان سعدية ما زالت حية ، يمكنها ان تواصل حياتها حتى الاسبوع القادم .

  هل كانت سعدية تدرك ان زواجها سيكون الاسبوع القادم ؟ لم تكن تستعد لذلك اليوم أو تشير اليه . كانت تمارس طقوسها اليومية بدون أي تغيير.  تركت ملابسها الجديدة ترقد في الحقيبة ، لم ترها أو تسأل عن مصيرها كانها نستها تماما . نجاة كانت تستعد يوميا للقاء عشيقها تستحم ، تضع قليلا من احمر الشفاه على شفتيها وخديها . ثم تنسل خارجة بعد ان تدس زجاجة العطر في الحقيبة . كانت تسير في الشارع مطرقة كي لا يلاحظ احد تبرجها . ثم تطوي عباءتها عندما تتجاوز المحلة .

 

●    ●   ●

 

 

    بعد اجتماع  قصير في صباح ذلك اليوم غيرت سعدية ملابسها ووضعت لها نجاة قليلا من المكياج على وجهها لتبدو جميلة . اظهرت نجاة براعة في استخدام ادوات التجميل انها نفس الادوات التي تستعيرها خلسة من حقيبة اختها . كان هناك نوع من الخداع . لا شك ان العجوز احسته . اختفت الدوائر القائمة حول عيني سعدية لتحل مكانها بشرة وردية  ذكرت سعدية بجمالها الغابر . ظهرت سعدية انسانة جديدة بملابسها الجديدة ووجهها الجديد . الشيء الذي لم يستطع المكياج تغييره هو سعدية نفسها ، خلف وجهها المقنع الصامت تدور معركة ما  أو ان لاشئ يدور هناك . لم تسمح بظهور اثر يدل على أي من الاحتمالين . سوى ارتعاشة خفيفة ليدها وهي تستسلم ليد العجوز .

  (الزواج طقس علني يدعو للتفاخر في كل المحلات . كل الفتيات يتم زفافهن وسط مهرجان الا    سعدية  . مع اني كنت اشك في انها كانت تفكر بذلك . الا ان زواجها بهذا الشكل . بلا  زفة جلب لنا الشعور بالاهانة … توعدت نجاة بان زواجها سيكون اكبر مهرجان في المحلة ) .

ـ  ابني لا يريد فضائح .

 بذلك بررت العجوز رفض ولدها لفكرة الزفة وعندما سالتها الام عن شكل الفضيحة في ذلك مع ان الزيجات كلها تتم وسط زفة .

ـ ابني لا يريد ان يستعرض عرضه امام الناس ، هو يقول ذلك . صدقيني أنا أيضا لا أرى في الامر أي فضيحة .

    لم تكلف الام نفسها الكثير من العناء لتقبل الامر . ها هي قد تخلصت من خدش في روحها ، أسبلت جفنيها مودعة الموكب الصامت .

   كان زواجها غريبا ، صامتا ، مختلفا عن كل ما قبله من الزيجات وما بعـــده . ليس هناك ما يدل على وجود عرس في بيت فرهود ، ذلك ما جعل القلوب تنكمش خوفا واستنكارا . حملت نجاة حقيبة اختها . كان المفروض ان تقوم الام بذلك . فجأة  تغير وجه سعدية ، بدا عليها ما يشبه الارتياح وهي تنهض مودعة بيتها كانها تفارقه إلى الابد . لاحظت نجوى ذلك .

   ( لن انسى ذلك اليوم . لن انساه أبدا . لست اشك للحظة اني رأيت الارتياح على وجهها . نظرت اليً كانها تريد ان تريني ذلك . اذن فهي كانت تفهم ما يدور حولها . تعرف ان اليوم هو يوم عرسهــا . لم تكن مجنونة كما تزعم نجاة لكن صمتها الحجري و طحنها لروحها ، كل تلك الاشياء  المؤذية ، الغريبة . كانت تتعمد فعلها ) .

  انزلت ام فاضل البوشية على وجه العروس . كانت مجرد ستار اسدل على فصل من فصول مسرحية ليبدأ فصل آخر . اذ ان البوشية لم تكن مما يستخدم في الاعرأس ، بوشية العرس بيضاء اما سعدية فكانت لها بوشية سوداء يوم زفافها . تستخدم في مهمة مالوفة . حتى هذا المنظر الوحيد استل من العرس .

   شيعت نجوى اختها حتى الباب ، كانت واجمة لكن تلك النظرة . الارتياح الذي لاح لها على وجه اختها بشكل خاطف . اشعل في داخلها وهج المسرة .

  ( انها المرة الأولى التي رقصت بها في حياتي .. هل اقول رقصت ؟ أبدا . لا اعرف ماذا كنت افعل  بالضبط ؟ حملتني اجنحة شفافة إلى عالم وراء عالمنا . عالم اسمى من عالمنا هذا  فوجدتني اقفز . اضرب الهواء بيدي . اتمايل برأسي ،  حركات لم يكن لي أي اختيار واع في فعلها . لكنه الفرح . هل تظن اني فرحت بهذا الشكل في يوم من أيام حياتي ؟ كان هذا كالحلم الذي ياتي لمرة واحدة في الحياة . امواج صاخبة من المشاعر المتلالاة في روحي . صحت من كل قلبي .. من داخل روحي ، اعمق اعماقها .. الحمد لله . كررتها مئة مرة ، الف مرة . لا أدري ) .

ـ يا للحقيرة .

   علبة المكياج التي من المفروض ان تكون مع سعدية الان . وجدتها نجوى مخفية بين اغراض نجاة . حملها باعث خفي للبحث بين اغراض اختها . اخذت العلبة ، اخفتها في مكان لا يمكن ان تفكر فيه نجاة أبدا . فشلت كل محاولاتها في العثور عليها . بحثت في كل مكان خطر على بالها . بحثت في اغراض نجوى ، تحت سريرها ، بين العابها . بحثت بجنون في كل مكان حتى يئست من العثور على العلبة ، لم تشك أبدا في ان نجوى هي الفاعلة . راحت ترمقها بنظرات مهـددة . تجاهلت نجوى تلميحاتها . تظاهرت بانها لا تعرف شيئا عن الامر  . بل اكثر من ذلك  سألتها .

ـ من الذي بعثر ملابسي ؟

ـ  شخص يبحث عن علبة مكياج .

ـ علبة مكياج ! ساقول لامي باني لا املك شيئا كهذا .

ـ لا تتغابي ، أين اخفيت العلبة ؟

   أستمرت المعركة اسبوعا كاملا . فكرت نجوى باعادة العلبة إلى اغراض  نجاة لاكثر من مرة اشفاقا عليها . كانت ترى اختها تبحث بلا هوادة ، تفكر ، تعصر كفيها ، تعض على شفتيها محاولة الاستذكار . أي الاماكن المحتملة التي لم تفتشها بعد . ترمق أختها بنظرات متوسلة .

ـ ساعطيك ما ترغبين إذا أعدت العلبة .

ـ العلبة ؟.

ـ نعم . العلبة يا نجوى ، ارجوك . لا شك ان سعدية نستها وأصبح لديها الان علبة غيرها . اعيدي العلبة … أرجوك .

   بعد اسبوع من الزواج جاءت سعدية وزوجها لزيارة أهلها كما جرت العــادة . أسرت لها نجوى ان علبة المكياج التي نستها موجودة لديها . فوجئت باختها تهمس في اذنها .

ـ أتركيها لنجاة .

   ( أستطيع ان اقول لك ان تغيرا ملحوظا طرأ على سعدية . أنا اعرفها تماما . اختفاء الدوائر القاتمة حول عينيها لم يعد سببه المكياج ، فاضل يرفض استخدام زوجته المكياج خارج بيتها . نجاة لاحظت أيضا ذلك ، فهمست لي ان سعدية تحسنت .

   هل تكلمت سعدية عن معاناتها لزوجها ؟ لا شك . ان ذلك يحصل في الأيام الأولى من الزواج .

ما بدا غريبا هو سرور الام الحقيقي بابنتها . لا يمكن ان اخطيء نبرة الامومة الحقيقية التي رافقت صوتها كلما كلمت سعديـــة . اثار هذا التغير غيرة  نجاة وجعلها تقول .

امي من ذوات (الزواج يجب ما قبله) .

                                               ).

لفصل الثاني

 

 

   ارتفع في الجو صوت عيارات نارية . سرعان ما تكاثف واشتد . كانت المظاهرات تجابه دائما باطلاق النار ، القتل تعقبها حملات اعتقال محمومة . يختفي فيها العديد من الشباب ذائبين في طريق اللاعودة . لكن المتظاهرين . الطلبة خصوصا يجدون دوما ما يتظاهرون من اجله . كان سقوط الشهداء في برك من الدماء وسط الشارع واقتياد الشباب إلى معسكرات الاعتقال يمنحهم الحافز على الاستمرار .

  الجدران أيضا لا تعفى من حملات التبييض شبه اليومي عندما تكون هناك اضطرابات . في الخارج كانت الحياة تمور بجنون الاصوات الصاخبة . اما في داخل البيت القائم على رأس زقاق ضيق في حي الرشيد ، كانت الحياة تتنفس في رتابة وصمت  حتى دخلته نجاة شعثاء مغبرة . كانها خرجت توا من معركة . دخلت راكضة ، فزعة لتدخل غرفتها .

  أقتربت الضجة من البيت اصطدمت بعض ألأقدام بالباب . تفرق المتظاهرون في الأزقة يتعقبهم الشرطة بالبنادق والهراوات والكلاب وجدت نجاة سبيلها إلى البيت في لجة الاضطراب . كانت قريبة من البيت تدفعها الموجة البشرية إلى بابه مباشرة .

   ظنت الام ان ابنتها هربت خائفة عندما رأت المتظاهرين .

 ـ الحمد لله ، انك خرجت سالمة من بين أولئك المجانين .

    شقت دموع ساخنة طريقها إلى خدي نجاة . اشاحت بوجهها إلى الجدار . كانت تبكي . جف العرق على جسدها لكن الخوف والغبار منحا ملامحها شيئا من الحزن والغموض . وحاولت الام ان تستنطق ابنتها . أرادت ان تعرف ان كانت قد تعرضت إلى شئ يجعلها تبكي بهذا الشكل . أستمرت الفتاة في نشيجها صامتة.

   أنتهت المظاهرة . مسحت الشعارات ومزقت اللافتات . المدارس مغلقة ونجاة تقبع في صمتها معتزلة في غرفتها . تخرج في أوقات محددة ثم تعود لتقبع مرة اخرى في غرفتها تمارس طقوسها الجديدة من الصمت والتفكر .

   (يبدو أن الحب والموت المبكر من صفات عائلتنا ، اما لماذا اعيش أنا حتى الان فربما كان ذلك لاني لم اعشق . لست متاكدة من أن هذا هو السبب الحقيقي ، لكن ربما كان الامر كذلك .

  أدركت ان امرا خطيرا كان يجري . راقبت نجاة في رحلتها اليومية . في كل يوم تعود وكأنها انهت توا جولة جديدة من المطاردة ، مطاردة الكلاب التي لا تصل أبدا لكنها تكون قريبة جدا حتى إذا ما كشرت انيابها وتنفس الانسان لهاثها تلاشت في اليقظة . متعبة وخائفة كانت نجاة ، تغلق الباب على نفسها لساعات طويلة لا نسمع خلالها أي صوت ، أي دليل على  الحياة . حتى امي ادركت ان الامر اكثر خطورة مما كانت تتوقع فكفت عن لا مبالاتها . أنتظرنا ان تنفجر وحدها ، لا جدوى من الكلام معها   الان .

   عندما ارسلت نجاة شعرها وصدعت بالتبرج والسفور ، كنا نظن ان ذلك من اجل الموضة ، اما احاديثها التي أصبحت غريبة وتصرفاتها المشينة كتركها للصلاة وسخريتها منا ، فلم نجد  لها     تفسيرا . حاولت امي وقفها ، لكن يبدو انها أصبحت اكبر من تهديدات امي وغضبها ، تصور انها لم تعد تحترم امي . كانت تقول انها ليست اكثر من ماكنة تفريخ ... كانت نجاة تردد في الأيام الاخيرة ان الدين والاخلاق كذبة برجوازية .

   لم اكن اعرف ما معنى برجوازية في ذلك الوقت ) .

   وجدت الام نفسها في عالم مغلق . الظنون تحاصرها ، الافكار تتوالد وتنفجر في رأسها بلا نتيجة . أصبح العالم بالنسبة لها كرة من الصمت ، حاولت ان تهتدي إلى سبيل ينقذها من التارجح على حبال الحيرة .

ـ هل كنت تعرفين ان لنجاة علاقة بشخص ما ؟

ـ لا .

ـ لا تكذبي . أنت تنامين معها في نفس الغرفة ، لابد انك كنت تعرفين ، أنا الوحيدة في هذا البيت لا أعلم شيئا ، ولما يفوت الأوان ، هيا ... تصرفي يا خيرية. رقعي ما تمزقه بنات فرهود . في البدايه قتلت سعدية والدها كمدا والان نجاة تريد أن تقلب النظام .

  ثم صمتت . كأن ذلك حدث بامر من قوة قاهرة ، عكس وجهها علامات متفأوتة من المشاعر . لابد انها الذكريات .

   نجوى مصلوبة على مقعد خشبي طويل ، يمر بها الوقت ثقيلا ، تغط في شعور عميق بالحيرة و الوحدة ، يسيل وجهها في قالب من الاعياء . تتمنى لو انها تركت البيت وهربت أو انها لم تولد في هذا البيت أبدا .

ـ هل سمعت بحملات الاعتقال ؟

   كانت نجوى قد سمعت روايات وحشية عن حملات الاعتقال . القتل ، التنكيل، الاغتصاب . روايات بلون ورائحة الجريمة .

ـ يقال بانهم يقتلون المعتقل ويغتصبون افراد عائلته .

 

    خيم عليهما سكون مشحون بالخوف والترقب ، كانت افكارهما تلتقي عند نقطة واحدة . كان الناس في هذه الفترة لا يريدون سوى ان يتوقف هذا الجنون و ينتهي . أي فكرة يخدم مثل هؤلاء الناس ليتصرفوا بهذه الوحشية .

   ( أصبحت حياتنا في تلك الأيام ، كما لو اننا نذوب في حديد منصهر . فقدت نجاة كل ارتباط لها  بالحياة ، تغط في سكون اكثر عمقا من سكون الموتى ، نال العطب كل اجهزتها . امي تدور في البيوت للترويح عن نفسها فتعود محملة بالحزن والتساؤلات ، تنسج قصصا مرعبة و تقذف بها في جحيم البيت . وأنا أعاني في سجني الضيق . اترقب مصيرا محتوما أعد  له الثواني . كنت افكر في انهم سيغتصبوني . هل تعرف أي ذعر يبعث هذا في نفس الفتاة ؟ الموت يا سالم ان تتحول الحياة إلى كابوس مزعج مستمر ) .

  ( وصلنا الآن  يا سالم إلى أهم حدث كنت تجهله وما زلت لأنك كنت رضيعا عندما حصل ) .

 

●    ●   ●

 

 

    الشمس تشوي الوجوه في الخارج . تلسع كل ما يقع تحت سياطها بلهيب من الحرارة التموزية الحادة . حتى بدت الحياة كأنها تغط في سراب . اما في داخل باحة المنزل فانها تنزل عمودية ملغية ظل السدرة العجوز التي فقدت نظارتها في هذه الساعة القاسية من النهار ، اكتست الجدران الوأنا باهتة يغطيها الشحوب ، راحت تشارك المرأتين شحوبهما وسكونهما الذي يخفي تيارات من الخوف والاضطراب . حركت الام مروحتها اليدوية في محأولة لتحريك الهواء الساخن ، الراكد كانه الدخان . شاركتها نجوى في محأولة مماثلة وهي تقرب المروحة من وجهها الذي يبدو كانه اكتسى قطعة من الضباب . نجاة تتمدد على سريرها لساعات طويلة في الحر مثبتة نظرها في السقف كانها تتوقع  انهياره ، لا يحركها شئ رغم ان العرق يبلل ملابسها ، كأن الحياة قد توقفت بالنسبة لها وأنتهى كل  شئ .

    ( كنت اعرف المفتاح الذي يعيدها إلى الحياة ، لكنها حياة مرتبكة تبللها الدموع . ياسين لم يعد له وجود الان ، ربما سحقت جثته المدماة تحت اقدام الطلبة ، أو هو معلق في حبل مشنقة . لكن الاحتمال الاكثر ورودا في مثل هذه الحالات إنهم أعدموه رميا بالرصاص في ساحة عامة وسط الهتافات والاهازيج .

    أفشت لي سرا كنت اجهله . عرفت بعدها معنى الأحداث التي لحقت . في نوبة من البكاء تصدعت المسافات بيننا فاعتبرتني صديقة .

ـ جرني ياسين للعمل معه . ملت لافكاره رغم اني لم أكن لاهتم كثيرا بالاخرين ، لكنه وضعني في صلب القضية عندما راح يتلو علي فقرات من كتب قرأها أو هي كانت افكاره الخاصة . في البدايه كنت أجامله واقول له ان هذا شئ رائع وعظيم . اما الاشياء التي ينتقدها فكنت اراها سوداء قاتمة . حتى الان لم يحدث شئ . كان يقول لي (احبك ) وكان هذا كافيا لأهز رأسي موافقة على اراءه ، ثم أخذ يعطيني كتبا لأقرأها . عندها كان لابد ان يتبلور في ذهني امر ما،  تصور آخر للحياة ، بعدها وجدت نفسي أنهض بسرعة لتحقيق هذا الحلم . تشكيل حياة جديدة لا أجد فيها من يلومني عندما أعانق ياسين في الشارع ، وسط الناس . شاركته صخبه . لا أنكر باني كنت أعرف خطورة ذلك ، لكني كنت اعمل وأنا مقتنعة باني افعل الصواب ... هل تفهمين ذلك ؟ حسنا . قمت بتوزيع المنشورات وحضور اجتماعات (الجماعة) ، لم أسمع كلمة حب واحدة في تلك الفترة . كل ما كان يجري هناك مشاريع ، اقتراحات ، خطط عمل ... هل تلوميني ؟ لا بأس . ربما انك ستجدين ذلك غير نافع مادمت تلفين رأسك بهذه القطعة من القماش . لم يكن عندي مانع أنا أيضا لو طلب مني ياسين ذلك لكنه كان يريد شعري مرسلا  .

    كانت تجلس على السرير كما لو انها على كرسي بلا مسند . تضع يديها على فخذيها بارتخاء   وتتكلم . تعصر فخذيها كلما دار الحديث حول ياسين ، اما إذا تحدثت عن (الجماعة) فانها تبدو عادية جدا ، تمسح جبينها وتسوي خصلات شعرها .

ـ  اذن . كان لابد ان احقق هدفي عبر المرور باشياء اخرى ... فشاركت . نعم شاركت في تلك المظاهرات وامام انظار الجميع  ... هل تظنين بانهم سيصلون الي؟ ليتهم لا يصلون أو ليتهم يصلون سريعا .

كنت اراها تتقوس حتى أصبحت دائرة . اخفيت الامر عن امي ) .

 

●    ●   ●

 

 

  (حدث ذلك عصرا ، عندما كانت الشمس ترسل اشعتها بصورة مائلة على البيوت ، فتزحف الظلال على الزقاق الضيق لتتسلق جدران البيوت المقابلة في تحد صارخ للتقاليد التي تمنع ان يجسر أي بيت على اقتحام حرمة بيت آخر . الظلال اطول من اصحابها في هذه الساعة ، كانها امتداد لللاشعور الذي يكمن هناك ، في تلك المنطقة المعتمة من الرؤوس .

   تلاشت ظلال الرجال وهم يدخلون الزقاق مسرعين ، تربطهم إلى بعض سلسلة غير مرئية ، غير منتظمة ، تشدهم إلى بيتنا . لست اذكر إذا ما كانوا إقتحموا البيت أو طرقوا الباب طرقا . لكن الاحتمال الاكثر قبولا هو انهم اقتحموه. اذكر كيف انهم احتلوا باحته بوجوههم المتعرقة وبدلاتهم الرسمية المرقطة ، تفوح منهم رائحة زنخة ورغبة كامنة في الأنتقام . يمكنني ان اصف رئيسهم . كان رأسه بحجم رأس كلب كبير ، يتدلى لسانه الناضح باللعاب بحركة غير منتظمة ، حركة تقدم وتراجع لا مبرر لها . اما ذراعيه المشعرتين فقد كانتا بحجم مطرقتين كبيرتين تنتهيان بكماشتين تلتفان حول بندقية قصيرة . هذا ما تمكنت من رؤيته بوضوح عدا جزمة طويلة قياسا إلى قصر قامته .

   بدأ يصرخ بلغط غريب ، لهجة هي اقرب إلى صراخ حيوانات منقرضة تتصارع من اجل غذاء . كان صوته يرتفع كما لو انه لا يعود له ، كما يحدث عندما يرتفع صوت عال من ماكنة صغيرة . بدأ لغطه ينساب بسهولة لكثرة ما تعوده .

     ادركت بانه كان يشتم امي وينعت نجاة بالعاهرة . أنخطف الرجال إلى غرفة نجاة كانهم يتبعون خيطا من رائحة مميزة يقودهم اليها . سمعت إرتجاج الباب بعد ضربة قوية وجهها  اليه احدهم . حمل الرجال نجاة .. لا بد انهم كانوا ضخام لتبدو نجاة بين أيديهم كنقطة سوداء طويلة ، متصلبة كخشبة .

   شعرت بانفجار يدوي في بطني . تشظت امعائي كقطع من الجمر هناك ، دوى انفجار آخر في رأسي ، فارتفعت مقذوفة إلى الجدار في لحظة رهيبة من الألم والذعر ...

  اعرف انك تستطيع ان تصف ذلك بطريقة افضل . لا شك ان هذا قد حصل معك كثيرا . إلى الان لا زلت اذكر تلك الرفسة اللاانسانية التي تعرضت لها في ذلك اليوم . كنت استعيدها  كل تلك الأيام التي قضيتها أنت بينهم . خطرت في بالي افكار سوداء في تلك الليالي . كاني أراهم عندما يفعلون ، أذرع حديدية اكثر قسوة من الحديد ، عيون ملتهبة، صراخ ، شتائم تنخر العظام ... يا للمصير البائس للإنسان عندما يكون هناك . لا يملك الحداد حقدا على الحديد الذي يشكله ، انه يريده ان يكون نافعا . وهم ، ماذا يريدون يا سالم  .. الم يقل لك احدهم ماذا يريدون .. لماذا ترفض الحديث معي حول ذلك ؟

    ثائر يريد ان يلتهم الحياة ، انه يفتقر إلى الاخلاص في تعامله مع كل شيء . كما ان له علاقات مشبوهة ، لا أدري أي مصلحة يجد له في ذلك. انه يعمل الان في محل يقول انه لبيع الملابس ، سيتركه حتما بعد فترة قصيرة . احدى فتياته جاءت إلى البيت قبل فترة تسا ل عنه ، كانت تتصرف كما لو ان الامر عادي . قالت كلمة لا اعرف معناها . أنا لم أعرف في الحقيقة معنى الكثير من الكلمات التي   قالتها ، ويبدو انها قد ادركت ذلك فانصرفت . أنتظرته لاسأله عن معنى ما قالت ، هل تعتقد اني سألته عن معنى هذه الكلمات ؟ لا بكل تاكيد فهو سيندفع صارخا ويتهمني بالتدخل في شؤونه الخاصة . هل رأيت ؟ أصبحت له شؤونا خاصة لا يحق لي التدخل فيها . انه يغطي على اخطائه دائما بالصياح والاحتجاج .

   احمد هو الاخر صارت له شؤونه الخاصة ، أصبح لديه ما يخفيه عني . أعرف ان ما يخفيه ليس اكثر من كتب ، لكنك تعرف خطورة ذلك . كلما رأيته يعود محملا بالكتب ، يبحث عن مكان بعيد عن العيون يدسها فيه عصر الخوف قلبي . انه يعاشر اصدقاء طيبين ، يقصدون المسجد مرة أو مرتين في الاسبوع ويتبادلون الكتب وهو اكثر رحمة وعطفا بنا من اخيه واكثر ملازمة للبيت عندما لا يكون هناك داع لمغادرته . قاطع ثائرا بعد شجار ، لكن لا باس أنا أعلم انه يحبه ، على الأقل حملتهما في بطن واحدة ما زالت تحمل اثار الحذاء . صدقني كلما نظرت إلى بطني رأيت هناك اثار الحذاء .

   انسحبت الظلمة امام عيني شيئا فشيئا ، تدرجت الالوان في الانحلال مع بدايه استعادتي للوعي . تحولت إلى الاخضر ، الازرق ، الاصفر ثم الأبيض المغبش . تلمست سائلا لزجا دافئا توقف عن السيلان منذ فترة ليجف على ياقتي ورقبتي . إستحالت اصابعي إلى عدد لا يحصى من الأوتاد المرتعشة الملوثة ، تحسست أجزاء اخرى من جسدي ، كانت سليمة عدا شعور قوي بالمغص . حتى هذه اللحظة لم ادرك شيئا مما يدور خارج جسدي .

    سمعت حشرجة مختنقة لامي يبدو انها كانت نهاية نشيج . كانت امي تلم نفسها ، تجاهد لرفع جسد يختض مرتعشا . بدت عجوز ضامرة . كنت انظر اليها كما لو ان عيني عدسة كاميرا تظهر الاشياء بالطول . رأيت امي هزيلة ترتجف كانها غصن سدرة يتعرض إلى عواصف متقطعة، عندما ماتت امي تحولت إلى هذا الشكل تماما ، طفحت همومها إلى وجهها فتغضنت ملامحها . كانت تريد ان تقول شيئا ما ، رسالة إلى شخص محدد ، أو انها رأت ذلك الشخص عندما سكن جسدها . ظهر وجهها من خلال الكفن يوحي بالندم والاعتذار والادانة .

  الأيام لا تكف عن الدوران ونحن نتحطم في داخلها . أحيانا اتصور الحياة كلعبة اطفال ، قرص مرقم يدور داخل قرص آخر ذو لونين ، اسود وأبيض . مع ان القرص يدور بسرعة ثابتة لكننا نراه يدور سريعا أو بطيئا في احيان اخرى . عندما نراه بطيئا نحس بعظامنا تسحق كما لو انها تحت عجلة حديدية كبيرة .

  فاطمة الان عجوز .... عجوز بمعنى الكلمة ، مترهلة ، تحفر الاخاديد وجهها . هناك اخدودان عميقان تحت وجنتيها ، عيناها تحملقان دائما في دهشة . نتأت عروق يديها ورقبتيها . حبال خضراء متعرجة ، فقدت قطعة كبيرة متوهجة من روحها ، لكنها ما زالت قوية بشكل لا يصدق ).

  استعادت نجوى وعيها . قلبها يخفق ببقايا من الخوف المترسب في اعضائها. حولت عينيها إلى السدرة . رات هناك نجاة مربوطة بحبل إلى جذع السدرة . صدرها كقطعة من الثلج عليها لطخات زرق . يداها مقيدتان إلى الخلف ، حول الجذع . ما حصل لها كان ظاهر في الدم الذي ترك خيطا قانيا على طول ساقيها .

  حأولت نجوى فك الوثاق بيديها . عجزت عن ذلك ، الوثاق مربوط بقوة حول معصمي نجاة جعلت كفيها يزرقان . قطع تدفق الدم اليها نهائيا . استعانت باسنانها . أبى الوثاق ان ينحل . تدفق الدم من لثتها . عظت بقوة . استعأنت بالله والنبي واستدعت كل الأولياء لمساعدتها . كانت تصارع كما لو ان مصيرها ارتبط كليا بحل هذا الوثاق . كما لو ان حل الوثاق سيعيد إلى نجاة بكارتها .

  كانت تشم رائحة المغتصبين تسمع لغطهم . اثار اقدامهم منشدة حول السدرة . تتعمد البقاء لتعلن بوقاحة عن تمام عملية الاغتصاب .

  هل بدأ رئيسهم ؟ لا شك انه كان الأول ، ثم مر الآخرون بعده . في الاعلام يدعون انهم جاءوا ليعيدوا إلى الشعب شرفه وكرامته .

  تحولت الام إلى وعاء فارغ ينشج . وجدت انه من المستحيل عليها الاستعانة بامها . لمعت في رأسها فكرة ، السكين ؟ ما الذي جعلها تنسى السكين؟ هرعت إلى المطبخ . جلبت السكين . انساب الحبل حول معصمي نجاة كأفعى انهت مهمتها ليسقط على الأرض . انزلقت نجاة لتهوي إلى الأرض مكتومة الانين .

 ( كنت اجهل ما هو الموت بالضبط . لكن نجاة في هذه اللحظة كانت ميتة لولا بعض الخفقات الرتيبة لقلبها المتعب .

 

    قمت برش الماء على وجهها، ضربت خديها . كان خداها بلون الثلج . فركت جسدها حتى استيقظت . بياض عيناها اكثر من سوادهما . نتأت فيهما عروق صغيرة حمراء . تنظر كمن يفكر أو يتذكر . استمرت تنظر بهذا الشكل بعد الحادث .

   هل كان الاغتصاب هو العلامة التي يتركونها قبل عودتهم مرة اخرى؟ يبدو انهم لن يعودوا تركوا اكمال المهمة لغيرهم .

   وضعت نجاة في سريرها . غيرت ملابسها . احرقت الملابس التي كانت ترتديها ، وشممت رائحة الجريمة تتبخر لتجثو في البيت إلى الابد .

   لن يعودوا ، كنت اعرف ان هذا سيحدث . لقد اكملوا مهمتهم . كنت أنتظرهم كل يوم . ها قد جاءوا اليوم واكملوا مهمتهم .

   نظرات نجاة تتجاوز كل شيء وتتجه صوب المجهول .

  أي مجرم آخر في أي مكان على الأرض يخفي هويته . لكن المجرمين هنا يعلنون عن افعالهم ويفتخرون بها )

  الأيام تمضي . تمضغ الأحداث . تهشم الذاكرة . لكنها لا تستطيع أبدا ان تمحو الجراح العميقة . تحولت نجاة إلى كائن يلتهم الكتب . حياتها نوبات مستمرة من القراءة والصمت . تغادر صومعتها أحيانا بكلمات قليلة ، جارحة في الاغلب . بعد فترة طويلة جدا . بعد فوات الأوان تم الكشف عن الكتب التي تقرأها تخيلت الام ان من الممكن المسح على جرح ابنتها . غطت المها . تصرفت كما لو ان الاغتصاب لم يحدث وان الانفاس المجنونة كفت عن ارسال زفيرها في فضاء البيت . لكن نجاة لم تستجب أبدا لم تتغير نظراتها الذاهلة . عيناها تزيدان توسعا وذهولا كلما قرات اكثر . يزداد اصرارها على الصمت لفترات اطول . قالت مرة وكانت نجوى تجالسها السرير وتقتسمها وحدتها . تتاملها كما لو انها تتامل تمثالا ستفقده قريبا

 ـ اننا نعيش حياة حقيرة يا نجوى . اهربي . غادري هذا الكابوس إلى مكان آخر.

 ( لم افهم قصدها . لكني فرحت . سمعت صوتها حازما مرة اخرى . ظهر لي خطأ ظنوني . نجاة عاقلة . لكنها تزيد انحدارا في اليأس ... هذا مــا اكتشفته بعد مطالعتي الكتب التي كانت تقرأها  . أحمد يعرف ذلك أيضا . يلعن هذه الكتب يقول إن قراءتها بلا حصانة فكرية أمر خطير ... يتكلم كلام خطير آخر ... أحمد الآن يحارب . هذا ما أنا متأكدة منه . لا يمكنني أن اخطيء تصرفات ولدي . خصوصا احمد . انه يقرأ كثيرا ، يصلي كثيرا ويذهب مع اصدقائه إلى اماكن محظورة في أوقات حرجة . أصبح لديه الآن زعيم ، هذه ما كان يحتاج اليه . يقول ان وجود هكذا رجل أمر ضروري في مثل هذا الظرف ... بدأ يتحدث عن الإستشهاد ، مثلما تحدثت أنت عندما وجدت القضية التي تخدمها ، انها نفس القضية تماما سوى انك كنت تجد القليل من الكتب والكثير من الملابسات . لازلت اذكرك كلما رأيت أحمد يقرأ الكتب التي كنت تعتبرها أنت سرية . احمد يختلف عنك قليلا ، إنه يمارس كل شئ علنا . لا أنكر أني أقف في جانبه ، لكني أخشى كثيرا ان افقده ، بل اني حلمت بذلك . رأيتهم يقتادون احمد ويطلقون عليه الرصاص في الشارع علنا ، مثلما هم يفعلون دائما ) .

  ساعود للحديث عن نجاة لكن بعد ان اتحدث عن سعدية قليلا .

 عندما يتصاعد الدخان من غرفة العجوز ، تكتسي الجدران لونا قاتما . يتحول البيت إلى كهف مطبوع على جدرانه صور المشعوذين والسحرة . تسمع هسهسة الشياطين في كل زاوية من البيت ، تلوذ بغرفتها . المروحة تدور على نفسها ، الاغراض صامتة , ترتجف ، يهتز السرير ، يفتح الشباك نفسه ، تتحرك الستارة ، أرواح خفية تحركها ، تحس باصابع عجفاء تطبق على رقبتها ، تضغط شرايينها ، يتوقف الدم عن الصعود إلى رأسها ، تدور في دوامة ، ترى عيون تملا الغرفة ، تسبح في الهواء ، تدور الغرفة ، تدور سعدية ثم تسقط ... يستقر كل شئ في مكانه بنحو مفاجيء عندما يطرق الباب .

 العجوز تستقبل ولدها ، وجهها يتخلص من كل آثامه ، يكتسب صوتها نبرة عاطفية ، تتحول إلى طفلة حين يكون فاضل حاضرا . يختفي ذلك الشيطان في مكان ما من اعماقها ، حتى الجدران تتواطىء مع العجوز فتخفي شياطينها ، فلا تجد سعدية دليلا ملموسا تقدمه لزوجها .

ـ صدقني يا فاضل اني أسمع اصوات الشياطين .

ـ دعي شياطينك الان واتركيني استريح .

ـ لكن الشياطين ...

   ما ان يضع رأسه على الوسادة حتى يتحول إلى ماكنة للشخير .

   كانت سعدية تحمل همومها هذه إلى أمها ، تطلب معونتها . نجوى تصدق حكأيات اختها ، تتخيل الشياطين في بيت اختها تنبعث مع بخور يحمل رائحة كريهة ، لكنها لا حظت التناقض أيضا في احاديث سعدية .

ـ طلبت من فاضل عرضي على طبيب . كفت عن ازعاجي وصارت تقبع في غرفتها صامتة ، حتى البخور صارت لا تشعله الا في ليالي الخميس .

 ( أمي تشعل البخور في ليالي الخميس أيضا . عندما تتضأيق نجاة من رائحته تقول امي ان الشياطين فقط تتضايق من رائحة ذلك البخور وتهرب . إنه يستخدم باختصار لطرد الأرواح الشريرة ) .

 

 

●    ●   ●

      

 

 

     عند الفجر ، الساعة لابد ان تكون السادسة ، سكون النوم ما يزال ينفث انفاسه في الجو المخدر ، يحشو الاجساد النائمة بنهايات الاحلام . ارتج خيط السكون وانقطع عندما طرق الباب بعنف ، كأن مجموعة من الأيدي تنهال عليه في لحظة واحدة . تكسرت الاحلام وتناثرت كقطع من الزجاج ثم تلاشت في حضور اليقظة . هرعت الام لترى ما يحمل الفجر من نبأ جديد . كانت هناك امرأة تقف متوثبة عند الباب .

ـ ام سعدية ...

ـ ماذا هناك ؟

ـ سعدية . . . .

   انطفا وجه المرأة عندما لفظت أسم سعدية ، اغرورقت عيناها بالدموع ، تهدج صوتها وتبعثرت الكلمات على لسانها . اعطى وجهها صورة كاملة للحقيقة لكن هاجسا متعقلا نصحها ان لا تصرح بالخبر ، تراجعت متدرعة بحكمتها .

ـ سعدية تطلبك الان .

ـ إنها تلد ؟

ـ نعم إنها تلد .

   انطلقت الأم تعدو في الازقة وهي تلف عباءتها ، تعدو خلفها المرأة واحساس بالذنب يملا روحها ، كمن يخدع طفلا ليوقعه في ورطة . الأزقة تزداد التواء وطولا . في اللحظات الحاسمة تفلت المقاييس من نفسها . الزمان والمكان يكون لهما حضور موجع . دارتا في دوامة الحي حتى وصلتا بيت سعدية يثقل اجفانهما الدوار . سمعت الام صوت ضجيج يختلط بعويل وكان هناك صوت طفل يبكي ، طفل حديث الولادة .

   شقت الام حشد الناس نحو جسد ابنتها المسجاة على سرير ملوث في غرفة تختنق برائحة الموت . صرخت كانها تريد ان تسمع الميتة صوتها ، تحولت إلى كتلة من الحزن والوجع ، لم يبق لها من الصفات الانسانية سوى البكاء ، تدفقت أوجاعها نعيا وحزنا ، ينساب من قلبها المفجوع إلى الفضاء فيملؤه حزنا ولوعة . شاركتها النساء لوعتها ، تدفقت اصواتهن مفعمة بالحزن في نسق واحد ، يرددن نعيها وصوت الطفل يعلو هو أيضا بالصراخ دون ان يجد من يحنو عليه .

   ( أعتذر يا سالم ... أنا اتكلم الان عن موت والدتك . هنا لا بد ان اغير شيئا من ذاكرتك ، لابد ان اعيد رسم الصورة كما هي .

    كنت ادور في البيت منتظرة عودة امي لاعرف حقيقة الامر . نجاة نائمة في غرفتها ، أنا وحدي أنتظر ، تنهش الظنون رأسي رغم اني كنت اتوقع ولادتك ، لكن افكارا اخرى اقتحمت جمجمتي فتشظت ذاكرتي في خليط من التوقعات .

    اسرعت اسال امي عند عودتها . كان التعقل الذي يفرضه حضور الاخرين قد منحها هيئة مختلفة ، هيئة الام التي تتماسك خوف الانهيار . أيقظت نجاة ، كانت كلماتها لنجاة جارحة ، امرتنا ان نغير ثيابنا فارتدينا ثيابا سودا  لم اتقبل الامر كاني لم أسمع كلمات أمي . مشيت وراءها مفرغة من أي إرادة أو قدرة على التفكير ، نجاة حزينة لكنها متعقلة ، شيء من الندم والاكتئاب غزا ملامحها ، لكني لم أستوعب أبدا موت سعدية . تسرب إلى داخلي برود عجيب في تلك الساعة ، كنت اتوقع ان اراك في حجرها ، تمسح على رأسك بحنانها الامومي ، لكن ذلك لم يحدث أبدا .

   رأيت نسوة كثيرات في غرفتها ، يحطن بها ، يبكين وينشدن الرثاء . استقبلننا بصراخ مفزع . كنت أبحث عن سعدية ، رأيتها مسجاة على سريرها ، بيضاء كالثلج فأيقنت بانها ميتة . غلا في صدري طوفان من الحزن فبكيت ولم احسن البكاء . اردت ان اقول لها شيئا ولم اتكلم . انفصلت عن العالم وعن الآخرين .

    أتذكر عندما دخلت عليك وأنت تبكي حميدا . توقفت عن بكائك ، قلت بانك لم تكن تبكي حميدا  لكنك كنت تبكي مصيره . لما سألتك عن الفرق قلت بان حميدا أنتحر وانك لا تبكي موته بل مصيره فهو على أي حال سيموت في يوم من الأيام ، لكن قتله نفسه ملحدا هو ما يدعوك إلى الحزن والبكاء على انسان قضيت معه فترة من الزمن ولو انك لم تشعر أبدا نحوه بغير الالفة التي يحملها أي انسان تجاه انسان آخر . تركتك وحيدا لكنك لم تعد إلى ذكر حميد بعدها . هل غسلت هذه الدموع ما بينكما ام انك كنت تضمره في داخلك ؟ ) .

   استمر العزاء ثلاثة أيام . الطفل يتنقل بين احضان النساء ، بعضهن تخشى ملامسته ، تعتبره شؤما . العجوز فقط ممنوعة من لمسه ، كانت ام سعدية تحضر عليها حمله ، رغم انها لا تهتم له كثيرا ، تاخذه من العجوز وترمي به كالقمامة إلى أي امرأة اخرى . عهد به فاضل لنجوى تعتني به ، ياخذه منها لفترات قصيرة بعيدا عن عيون الاخرين يلاطفه بحنان ثم يعيده اليها . كان يخفي فرحه بالوليد مخافة ان يلومه الاخرون لكنه يبكي بمرارة عندما يجتاحه الحزن والشعور بالفقد .

  اخذه في غفلة من عيون الاخرين ، يناغيه .

ـ ماذا نسميه يا نجوى ؟

ـ لك ان تسميه .

ـ علي . كان أبي يعشق هذا الأسم ، فليكن اسمه علي .

ـ أسم جميل .

ـ أرجو منك أن ترعيه . لا تدعي الأخريات يقتربن منه ، ساعات وينتهي العزاء .

  أطرقت نجوى تخفي دموعها ، ظن فاضل ان كلامه قد جرحها .

ـ إنه أبن سعدية كذلك .

   ( أخفيت عنك حقيقة لابد لك ان تعرفها إذا كنت تريد لروايتك ان تكون كاملة . أنت تجبرني على ان ابوح سرا لا أعرف ماذا ستفيد من معرفته . لك أن تحتفظ به لنفسك .

   كانت نجاة تغيب بين فترة وأخرى عن الأنظار ، مستغلة انشغالنا بالعزاء ، ألمح في عينيها بريقا مقززا كلما عادت . كنت متاكدة بانها تلتقي ياسين في تلك الفترات ، لكن ما قالته في ما لا أستطيع تسميته الا نوبة من نوبة استهتارها جعلني اكرهها ذلك شعور لا يمكنني انكاره أبدا .

 

ـ بينما كنت تقضين وقتك بين الصراخ والعويل ، كنت أنا هناك ، أعيش مع ياسين اسعد لحظات حياتي ... وقد فعلتها معه ... فعلتها اكثر من مرة لكن المرة الأولى كانت هنا وعلى فراشك أنت أيتها المتبتلة . هل تعرفين أي لذة في ذلك ... أنت أيتها المتخلفة .

   ذلك ما يجعلني اقضم نصف حزني وابصقه احتقارا لنجاة رغم انها اختي .

  حملتك معي بعد أنتهاء العزاء . أصبحت منذ ذلك الوقت ولدي ... ولدي أنا اكثر من أي امرأة في   العالم  ) .

 

●    ●   ●

 

 

     (هناك خزين من الأحداث في رأسي . كلما فكرت في كتابة حدث ما زاحمه حدث آخر . فكرت في ترتيب الأحداث على أساس الاشخاص ، لكني لم أوفق ، وجدت ان كل الاشخاص مترابطين ، متلازمين . لا يمكن التفريق بينهم وان الأحداث كانت تمر بهم سوية .

     لم أكن أعرف ان الكتابة متعبة وانها تحتاج إلى كل هذا القدر من التفكير ، رغم إن كل شيء واضحا أمامي ينتظر مني كتابته ... ساترك كل شيء يتحدث عن نفسه . لن اتبع التسلسل الزمني ، ساتكلم عن الاشياء الاكثر حرارة ) .

   تربى سالم في بيت جدته ، يمر به أبوه بين فترة واخرى . كان استقباله لأبيه فاترا ، ياخذ الحلويات منه ويبتعد ليتقاسمها مع خالاته . حتى يبدو انه لم يكن مدركا لحقيقة العلاقة بينه وهذا الرجل . قد يكون هذا هو السبب الحقيقي الذي جعل فاضلا ياخذ ولده إلى بيته عندما بلغ الرابعة .

  ترك هذا الحادث اثرا بالغا في نفس نجوى . ظنت انها تفقد سالما عندما راته يتبع والده مغادرين في ذلك اليوم القائظ .

   ( لقد جعلتني أحس بقسوة الكتابة . آه ، لو كنت اعرف ما جدوى ان تستل الذكريات الراقدة لتكتب على الورق . ترك ذهابك مع والدك فراغا كبيرا في نفسي . كنت اعرف انك تعني كل هذا ، لكن ذهابك جعلني اتلقى الصدمة بشكل مباشر . وجدت النستلة على الرف فشرقت بدموعي ) .

   أصبح يوم الخميس يوما مشهودا في حياة الأم ، تخفي تحت عباءتها كيس الحلويات وتذهب لرؤية سالما . لم تسمح لنجوى بالذهاب معها سوى مرات قليلة . قبعت نجاة في صومعتها تلتهم الكتب في غياب تام عن العالم ، أو هو حضور في صميم عميق يجعل من الصعب رؤيتها حتى على هامش الأحداث الإ نادرا . رغم ان القراءة تمنحها فهما خاصا للحياة ، وتحل لها طلاسم ما يجري في الواقع من غرائب متشابكة تهمي كالمطر في شوارع المدينة الصاخبة .

 

    وجدت نجوى نفسها وحيدة ، تصطخب في داخلها رغبة محمومة للخروج واتباع والدتها إلى بيت فاضل ، لكن هذه الرغبة تبقى مكبوتة ومحرمة ، رغم انها لا تحتمل في بعض الأوقات .

  ( هل تعرف يا سالم ؟ كنت انجز الاعمال بسرعة كبيرة واتقان ، لافرغ فيها قليلا من القلق والتوتر ، كنت كام تنتظر ولادة ابنتها ، اتوسل الساعات كي تمر . وعندما تمر اراها تراكمت كالصخور من حولي . تعلمت شيئا من نجاة . ان الجأ إلى شيء ما يخلصني من كل ذلك ، فكنت الجأ إلى القراءة . أحس بتجردي شيئا فشيئا حتى أصبح روح تحلق خارج هذا العالم بعيدة عنه ، غائبة . حتى يطرق الباب أو تصيح نجاة في نوبة من نوبات بكائها عندما يقترب شيء ما في كتبها تلك من الم ما يجوس في    داخلها ) .

   في ذلك اليوم عادت الام هادرة ، منزعجة ، تقذف بالكلمات كسيل من كتل الحديد الملتهب في وجه كل من يلاقيها . تحوم مشتعلة حول نفسها كام وقع طفلها في فم التنور . غير قادرة على الصمت أو   التفكير . كل شيء يقف ضدها وليس لها الا ان تقف كتمثال تتساقط اعضاؤه ، في وحدة قاتمة . كانت تدرك ذلك ولا تريده ، حولت الحياة في البيت إلى فوضى ، تصرفت بعنف مع كل شئ . من لا يعرف الام يظن انها قد جنت . حملت قدحا كان ينتصب امامها وقذفت به إلى الحائط ليتشظى قريبا من نجاة . صاحت بصوت عال متشنج .

ـ لا تضعن هذه الأقداح أمامي .

   تمزق صمت نجاة وتبلبل عالمها . كان لا بد من ان تنفلت أعصابها تحت الضغط الرهيب لعصبية الام المحتدمة ، جاء ردها في هدوء لاذع .

ـ لماذا تكسرين الأقداح ؟ هل فعلت لك شيئا ؟

ـ قلت لكن لا تضعن هذه الاقداح امامي .

ـ كل ذلك من أجل سالم . متى احببت سالما ؟ ام انك لا ترتاحين حتى تعكري على الناس حياتهم .

ـ لا تتدخلي في هذه الامور .

ـ ومن اعطاك أنت الحق لتتدخلي في حياة الآخرين ؟ هل ملكت الناس ؟

   كانت تريد أن تخضع الام إلى حوار منطقي تعرف انها ستخسره . كلما تمادت الام توغلت نجاة في الماضي بشكل مفضوح . تصاعدت حرارة النقاش حتى وصلت ذروتها . نجاة تحاصر الام بسيل من الاسئلة المرة ، حتى تجرأت على شتم والدتها .

ـ أنت نقمة ... ابتلينا بك . اذهبي وتزوجي فاضلا إذا شئت .

ـ أسمعوا ما تقول الساقطة ... أنت ساقطة لا دين ولا أخلاق . أغربي عني وإلا قطعتك اربا .

    تركتها وانسلت بهدوء بعد ان تاكدت من انها وهجت فيها الجمر جيدا . كانت نجاة تلتذ بتعذيب الأم عقوبة لها على ذنب لم ترتكبه أبدا . كانت تلوم والدتها لانها حملت بها في نوبة (هياج بهيمي) أوهو السقوط الفاضل كما كانت تسمي الزواج .

 

     نجوى تراقب بصمت كانها غير موجودة . ما جدوى تدخلها في امر لن يكون لها فيه أي تاثير ، لكن حمى التفكير بسالم قذفت بها في جحيم التوقعات . الاسئلة تنثال في رأسها بلا اجابة ، كل شئ يقبع هناك في قعر الزمن الاتي ، بعيدا عن التكهنات تحل الحياة عقدها .

   لكن الام لم تكف عن الاحتجاج ، احتجاجا مبتورا فاقدا لشرعيته .

ـ لو ترين سالما الان ... لو ترينه يا نجوى ... يا عيني . ضعيف كانه قصبة .

ـ ....

ـ الاكثر من ذلك يريد ان يجلب له زوجة أب . تصوري . زوجة أب .

  وعندما ترى أبنتها صامتة تلح عليها بالسؤال .

ـ ما رأيك بهذا ؟ هل يصح هذا ؟ كيف سيعيش سالم ؟

ـ الله الذي خلق الناس هو الكفيل برعايته .

ـ لكن فاضلا يريد ان يتزوج نرجس ... نرجس . سبع أخوة ولا تهاب أحدا .

ـ الله سيحمي سالما من نرجس ومن سواها فهو يتيم والأيتام بعين الله .

  ( لا تتصور أي لوعة سكنت صدري . لم أحس بيتمك الا تلك الفترة. كنت ادعو الله سبحانه دائما ان يحميك ... اتوجه اليه في كل صلاة وفي الليل عندما تهدأ الأنفاس ... يا ألهي ، أنا ام سالم ، ألست أمه التي ربته . ادعوك ان تحفظه لي . انه يتيم وأنت راعي الأيتام . أحفظه يا الهي وأهده سراطك المستقيم بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .

   وتزوج فاضل ، ربما كانت ذاكرتك تحتفظ بصورة ذلك الزواج لإنك لم تكن صغيرا إلى الحد الذي يسمح بنسيان حدث كهذا ) .

 

 

●    ●   ●

 

 اقلب الصفحة لطفا