سلام إبراهيم
في هذا العدد من نصوص يجد القارئ رواية
قصيرة ـ عنبر سعيد ـ لعبد الكريم العامري. وهو كاتب من مدينة
البصرة نشر العديد من المسرحيات بالإضافة إلى رواية واحدة. في
هذا النص يتناول الكاتب شريحة مسحوقة جدا من خلال شخصيتين الأول
ـ عنبر سعيد ـ الذي فقد أبويه غرقا في الخليج، وتأمر عليه شيخ
القرية مما جعل سكانها يحرقون بيته بعد اتهامه فيهرب تاركاً
حبيبته والقرية إلى المدينة ويصبح صاحب عربة يجرها حمار. يبدأ
السرد في المدينة وتفاصيل حياته المسحوقة في بيئة السوق وعلاقته
بصاحب بار، وجليس شربٍ لكن أقرب الكائنات إليه هو حماره الذي
سرعان ما ينفق في الخرابة التي يسكنها مما يورثه حزنا عميقا. في
الطرف الثاني نتعرف على ـ بنت شابة ـ تعيش وحيدة مع والدها
المريض وتلجأ إلى الشيخ لمساعدتها في علاج آلام ظهرها فتسرد لنا
بضمير المتكلم تجربتها الجسدية مع الشيخ الذي تزوره كل خميس.
وذلك الصراع الذي ينشأ بين القيم التي تحملها والرغبة الغريزية
المستفحلة في بيئة مغلقة التي تدفعها دفعا كل خميس للذهاب إلى
الشيخ والتنفيس عنها وكأن ثمة شخصيتين في داخلها تصطرعا. بين
هاتين الشخصيتين يكون الشيخ رمزاً للشر المتسلط على بيئة
المسحوقين من خلال الشعوذة باسم الدين. لغة النص سليمة، وطرية
تخلو من الزوائد، والنص صريح وعميق في الحديث عن النوازع
الداخلية للشخصيات وعن شكل الجنس والدافع إليه في البيئة
المسحوقة. لكن النص لم يشِر شأنه شأن كل النصوص المكتوبة في داخل
العراق إلى الزمن والبيئة والصراعات المجتمعية التي تحكمت في
المجتمع العراقي في الخمسين سنة الأخيرة وهذه إحدى عيوب النص
العراقي المكتوب داخل العراق. ينبغي على الكاتب العراقي التخلص
منه. إذ لا بد للنص أن يعبر عن الزمن الذي يتناوله، ليس ذلك فحسب
بل يجب أن يركز على الشخصيات والتيم المتحكمة في الصراع المجتمعي
والتي تحاول صياغة الواقع بالطريقة التي تناسبها وما ينتج عن ذلك
من أثار مدمرة في الحالة العراقية التي ينبغى على الروائي رصدها.
في الوقت الذي قرأت فيه رواية ـ عنبر سعيد ـ قرأت رواية أخرى
عراقية صادرة عن دار المدى ـ امرأة الغائب ـ 3004 تناول فيها
الكاتب بعض أثار الحرب العراقية الإيرانية على المجتمع العراقي
لكن النص انشغل بكل ما لا يمت بصلة للخراب العمودي والأفقي الذي
أصاب المجتمع وأهتم بكل ما هو ثانوي وغير مهم وساذج وسأقدم في
عدد نصوص القادم قراءة مفصلة لهذه الرواية التي من المفترض
بكاتبها المخضرم ـ مهدي عيسى الصقر ـ الذي أصدر أول كتبه عام
1954 أن تكون الخبرة والرؤية معمقة، لكن أعزو هذا القصور في
الرؤية والسرد والتيمة والشخصيات إلى ظروف الكاتب الذي يكتب تحت
ظروف سلطة قمع.
كما سيطلع القارئ على فصل من رواية ـ
كريم كطافة ـ الساخرة "ثلاث شهادات لحمار منفي" المكتوبة بسخرية
تعادل دموية ومأساوية الواقع العراقي. والنص هذا من النصوص التي
يفتقد إليها الأدب العراقي إذ قلما نقرأ أدبا روائيا أو حتى
قصصيا ساخرا رغم أن حياة العراقيين تضج بالنكتة والداعبة رغم كل
الظروف الدامية.
في "بيت الأمل" سيطلع القارئ عن فصل من
رواية ـ برهان الخطيب ـ المخضرم بإيقاعها البطيء وبنيتها
الكلاسيكية المهتمة بالواقع الاجتماعي بمستواه الظاهر مما انعكس
على طبيعة السرد والجملة وكأننا نشاهد حياة عادية ليس لها علاقة
بالوضع العراقي المتفجر في كل الظروف. قد يعود ذلك لغياب الروائي
الطويل ـ برهان الخطيب ـ عما يجري بالعراق مما جعله يراه بتلك
النظرة الثابتة بعينين من نهاية ستينات القرن الماضي.
كما سيبدأ القارئ برحلة مع رواية
"الوحل" لعزيز التميمي" التي ستنشر في نصوص فصلا بعد آخر، مما
يتيح لنا الإطلاع عليها بطريقة سهلة وهي الصادرة حديثا في كتاب.
في باب القصة سيطلع القارئ على نص
"الماموث" لجلال نعيم وهو قاص عراقي شاب يقيم في الولايات
المتحدة الأمريكية والنص يغور عميقا في محنة العراقي والكبت
الاجتماعي والجنسي في بيئة ذات قيم شكلية صارمة يضاف إلى القمع
السياسي الذي يجعل السارد يهرب إلى عمان النافذة التي جعله يصل
إلى مكان كان يعتقده آمنا ـ أمريكا ـ لكنه يجد نفسه في عزلة
وعقدة من يعيش طفولة ومراهقة مكبوتة تستفحل وتجعله يحس بالخواء
ويدور بين أمكنة الستربتز فتأخذه أخيلة الجسد المعروض إلى أمكنة
وتجارب مع نساء مرت بحياته أخرهن التي كانت في عمان. النص رحلة
جميلة في عمق قاص يكتب بوضوح وصراحة وبلغة متألقة عن تجاربه
الداخلية العميقة. مثل هذا النمط من الكتابة هو ما يحتاج أن
يتوجه نحوه الكاتب العراقي الشاب في داخل العراق لا سيما أن
النشر في الانترنيت متاح وبدون رقابة.
كما تقدم قاصة عراقية أقرأ لها أول مرة
"فاتن محمود الجابري" نص تحاول فيه الكتابة عن بشر القاع فلاح
مهاجر إلى المدينة بعد تجفيف الأهوار يعمل حمالا في سوق الخردة
يقيم علاقة مع غجرية. النص مكتوبة بلغة جميلة متقنة تبشر بولادة
قاصة عراقية جديدة لو التفت إلى محنة المرأة العراقية بنصوصها
ستكتب قصصا تكشف جانبا غامضا في حياة العراقي، فالبيئة المغلقة
جعلت من عالم المرأة العراقية الداخلي سرا ولاسيما أنها تعيش في
برلين أي ليس عليها من رقيب سوى نفسها ومحيطها الأوربي. وأتمنى
أن تتجاوز هذين الرقيبين.
في قصة "محمد رسن" لقطات صغيرة عن
مدينة وطفل ومتشرد يشارك الكلب سكنه، وهو نص من نمط القصة
القصيرة جدا. في نص "خضير فليح الزيدي" الذي يمتلك سلاسة في
السرد يحاول فيها السارد البحث عن مخطوطة قاص غائب، نكتشف
بالتالي أن المخطوطة تحاول سبر سر الغرقى في نهر المدينة من قبل
كائن خرافي يدعى "عبد الشط". في "طائر الغيبوبة" لإبراهيم سبتي
يبدو النص مربكاً رغم قصره غير مفهوم، إذ تفقد العلاقة بين
الانفجار والطاهي وحارس الزقورة والغواصين الخمسة الرابط الذي
يماسك والنص ويظهر تيمته.
في نص مكتوب بدم القلب، يروى لنا
الزميل الروائي شاكر الأنبا ري تفصيل مقتل عدد كبير من أفراد
عائلته بقصفٍ جوي على بيت عمه في قرية بريف الأنبار.
هذا بالإضافة إلى الأبواب الأخرى أقدم
هذا الشهر في باب كتاب الشهر دراسة مفصلة لنص "أروقة الذاكرة"
للروائية "هيفاء زنكنة" إذ تصلني العديد من رسائل طلاب أدب في
الجامعات العراقية يطلبون فيها المساعدة لرسائلهم الدراسية عن
أدب المنفى. مثل هذه الدراسات تلقي الضوء على كاتب النص وتشير
إلى كتبه الصادرة وسأحاول تقديم المزيد من الدراسات عن كتاب
المنفى في الأعداد القادمة
*
رد
الروائي والقاص والباحث العراقي برهان الخطيب على افتتاحية نصوص عراقية
نشر موقعكم (الكاتب العراقي) في زاوية
نصوص ـ الافتتاحية أسطر لأحدهم جاء فيها: في "بيت الأمل" سيطلع
القارئ عن فصل من رواية ـ برهان الخطيب ـ المخضرم بإيقاعها
البطيء وبنيتها الكلاسيكية المهتمة بالواقع الاجتماعي بمستواه
الظاهر مما انعكس على طبيعة السرد والجملة وكأننا نشاهد حياة
عادية ليس لها علاقة بالوضع العراقي المتفجر في كل الظروف. قد
يعود ذلك لغياب الروائي الطويل ـ برهان الخطيب ـ عما يجري
بالعراق مما جعله يراه بتلك النظرة الثابتة بعينين من نهاية
ستينات القرن الماضي.
انتهى الاقتباس. تعقيبي: "بيت الأمل"
ليست فصلا من رواية ولم تكن، نشرت أول مرة بحرف كبير (قصة قصيرة)
في صحيفة (العرب) اللندنية تأريخ 26 يناير 2006 مذيلة بهامش واضح
أسفلها: من مجموعة قصص جديدة معدة للنشر للمؤلف، أخذتها بعد حين
مواقع على النت وأعادت نشرها مشيرة إلى المصدر. في حديث بعد ذلك
مع الشخصية الثقافية العراقية المعروفة اعتقال الطائي سألتني عن
كتاباتي فدفعت إليها نص (بيت الأمل) مذيلا برقم عدد صحيفة العرب،
قامت بتحويله إلى صفحتكم ونشر كما رأينا مع افتتاحية ذات تعليق
(شرّح) به كاتبها النص (تشريحا)، وكذا نصوصا أخرى، كأستاذ لا
يبارى في علمه وفنه، ناصحا هذا وذاك من (المخضرمين) كيف يكتب،
بينما لم يميز المتأستذ نص القصة القصيرة عن آخر لرواية، لعل له
الحق هنا، فهو خريج زراعة لا أدب، لكنه لم يميز أيضا لا زمان ولا
مكان القصة عن أزمنة وأماكن في خياله، لا ولا أشخاص القصة عن
أشخاص الواقع العراقي المعروف، لا يميز هو في النهاية حتى بين
وسطه ووسط غيره، رغم هذا رأيناه يتهم بما اتهم، أنفق يومي متابعا
الشأن العراقي وإذا به يقول: الخطيب بعيد عما يجري في العراق!
أنا الذي تعرضت في عودتي إليه لأربع حفلات قتل، أنا الذي أكتب
عنه منذ أكثر من أربعين عاما، أي قبل أن يحسن هو القراءة،
النتيجة حمدا محبة قراء وسعها السماء والأرض، ثم يأتي هذا ويشوه
بسطرين ثلاثة سريعة فجة نصا تعبت وشقيت عليه أشهر مناقضا فيها
حتى نفسه، قد يقال: لماذا الرد عليه ممن لا يرد على تافهين. الرد
هنا ليس عليه، بل على ظاهرة تتفشى، تافهون حقا وجدوا في فوضى
ثقافية نتيجة احتلال ووصوليين وسيلة نشر وسلطة في أيديهم فباتوا
يحلمون بها في تعملق وانتقام لعُقد تحكمت فيهم. انظروا ماذا كتب
الفهلوي بلغته المقعرة متعالما: بنيتها الكلاسيكية المهتمة
بالواقع الاجتماعي بمستواه الظاهر مما انعكس على طبيعة السرد
والجملة وكأننا نشاهد حياة عادية ليس لها علاقة بالوضع العراقي
المتفجر في كل الظروف.. إلخ. انتظروا لا تضحكوا رجاء، لا بد من
زبيبة في مملكته، رغم أن البحث عنها قد يوقعنا مثله في تيه،
القصة برأيه مهتمة بمستوى الواقع الظاهر، يضيف: كأننا نشاهد حياة
عادية ليس لها علاقة بالوضع العراقي المتفجر. لكن، إذا كانت
القصة تتحدث عن الواقع الظاهر تتحدث هي إذن عن الوضع المتفجر،
وإذا كانت القصة لا تتكلم عن وضع متفجر حسب استنتاجه وصح كلامه
هل على السارد الحديث حتما عن الوضع المتفجر؟ ماذا لو كان السرد
عن مكان بعيد من الوضع المتفجر، وفي النص ما يشير إلى المكان
الحقيقي للقصة، وهو ليس العراق كما سنرى. ماذا لو كان السارد
يتحدث عما هو تحت سطح الوضع المتفجر؟ ماذا لو كان السارد يتحدث
عن وقت آخر غير الذي في باله وفي النص ما يشير إليه، وقت لا
علاقة له بزمن الوضع المتفجر حاليا؟ أقطع تساؤلاتي وأقول جازما:
(معلمنا) هذا لم يفهم شيئا من النص، لأنه مر بعينيه عليه ولم
يقرأه، أو لرغبة ساورته في عثور على سبب لتمزيقه، لما لم يجده
اخترعه بنفسه، فسّر النص على هواه، بينما تناولت قصتي في الحقيقة
موضوع عائلة خليجية تعيش تحولات العصر الحديث بعيدا عن العراق
ولا علاقة لها من قريب بما يجري عليه و(بتفجره).
كان على ذلك الذي دبج (افتتاحيته) فتح
عينيه قليلا، العتب ليس عليه، على الذي سلمه مقاليد (افتتاحية)
نحمده لم يُسلمه وزارة، وإلاّ كان (فجرها) ربما لأن كل شئ يفجر
برأيه في وضع متفجر، حتى نص عن بيئة بعيدة عنا مئات الكيلومترات.
عينا ابن جيل الستينات ما غفلت عن
الوطن يا رجل في أربعة عقود فكيف تغفل عنه اليوم، ليسأل المدبج
المدجج بأخطائه وخطاياه أساتذة يعرفهم ولا يعرفهم قبل أن
ينظم لبائسين (روائعه) الخلب، يدلوه على الصحيح، إذا لم يرغب في
مزيد من لغوه وخلطه، ويمكنه الرد، لكن لا حظوة له بالتفاتة ثانية
مني نحوه.
برهان الخطيب