الافتتاحيةورشة الكتابة |
|
سلام إبراهيم
في النية تحويل قسم من نصوص عراقية إلى ورشة كتابة. فالكتابة الأدبية التي تفترض الموهبة تحتاج إلى صقل وتعلم.. في الجامعات الغربية هنالك فروع تدرّس كيفية كتابة الشعر والقصة والرواية والنقد أيضا.. وهذه الفروع ليس الغرض منها تعليم الطالب الكتابة.. ذلك مستحيل دون موهبة أو سمات خاصة تجعل من الفرد كاتبا دون غيره.. لكنها تسهم بالتأكيد في صقل الموهوب وجعله ينضج باكرا ويقدم للمجتمع نصوصه بوقت مبكر. وهذه الفروع مختصة تختلف عن فروع دراسة الأدب في جامعاتنا. فكرتي حول ورشة الكتابة تشبه هذه المحاولة.. والسؤال المهم يتعلق بتطبيقات هذه الفكرة عمليا في ظروف الكاتب أو مشروع كاتب عراقي شاب في وضع العراق الملتبس والمضطرب الآن.. أو حتى الكتاب العراقيين المحترفين يمكنهم المساهمة في هذا المشروع. كيف؟!. سأحاول الإجابة هنا نظريا وفي الأعداد القادمة سأقدم نماذج أكتبها عن كل فكرة ستورد في هذا المقال. النص النثري ولنقل الرواية مثلا تتكون بنيتها من لبنات وطرائق سرد، لو تمعنا فيها سنجد مفردات وتفاصيل هي التي تعنينا في ورشة الكتابة المقترحة. قلت الرواية لأن هذا الجنس الأدبي يستطيع احتواء الأجناس الأخرى من قصة قصيرة وشعر وحتى اللوحة التشكيلية.. جنس حي ومتطور وإمكانياته غير محدودة في قدرته على التعبير عما صار بالإنسان والعالم من تداخل وتعقيد.. فالرواية معنية بالأساس في عالم الإنسان الحائر في إشكالية وجوده ومعناه.. وكل رواية لا تبحث بهذه التيمة مصيرها المزبلة. لا أريد أن أذهب بعيدا عن فكرتي.. لكن وضعت الرواية محورا مركزا في الموضوع لأنها تستطيع التعبير عن التاريخ الشخصي والجمعي بنفس الوقت وبطريقة حيه وهي تنقل شؤون البشر وحسهم في الزمن الذي تسرد عنه بالإضافة إلى قدرتها على استيعاب الأجناس الأخرى من شعر وأدب شعبي ومسرح وقصة. وهنا أود أن تكون ورشة الكتابة دليلا للكاتب العراقي الشاب كي يتلمس طريقه المضيء نحو الكتابة عما ألم به والوطن والبشر الذين عاش وسطهم ولمس أحزانهم.. موتهم.. فرحهم.. رقصهم.. حقدهم.. غضبهم. طيبتهم.. كي يرسم لنا خصال العراقي في الزمن الذي عاشه.. هذا الخصال التي لم أتلمسها في كل ما قرأته بالنص المكتوب زمن الديكتاتور وفي ظله إلا النادر من النصوص. النص النثري يتكون من لبنات كما قلت.. وكل لبنة تشكل جسد النص.. والورشة تريد الهبوط لكشف هذه اللبنات. أنا شخصيا مهتم بهذا الموضوع حتى أنني لم أتلف مسودات نصوصي كي أدرس كيف تطور النص لدي وكيف تطورت. الورشة تدعو لنقل الخبرة.. الكتاب العرب والعراقيين يخفونها وكأنها سر يخشون فضحه، فيعمون الجيل الذي يأتي بعدهم. الكاتب في الغرب يكتب كتبا عن تجربته الكتابية وكيف نشأت وتطورت.. وأغرب ما لمسته من خلال متابعتي للكاتب العراقي النجم هو إحجامه عن كشف سر قدرته وخبرته.. ليس الإحجام فحسب بل تجاهل وتنصل تام عن كل الإرث الكتابي العراقي الذي هو نتاج تطوره.. هذا ما لمسته من كتاب المبدع " محمد خضير" .... ففي كتابه " الحكاية الجديدة " 1995 دار أزمنة الأردن يتحدث عن أصل الحكاية بطريقة غامضة بتفاصيل تعني الثقافة الغربية حتى أنه لم يلق الضوء " وهو الكاتب الذي لم يغادر البصرة" على تجربته الكتابية وكأنه هبط بغتة من بورخيس الأرجنتيني وبدايات نشوء الحكاية في الغرب.. لم يذكر في كتابة الذي هو عبارة عن محاضرات بالسرد والحكاية ألقها في اتحاد الأدباء العراقي زمن صدام كاتبا عراقيا واحدا من الجيل الذي سبقه ومهد لنصه وكأن العراق ليس فيه التكرلي وغائب طعمة فرمان وعبد الملك نوري ويوسف متى ونزار عباس والأجيال التي سبقت ومهدت لنص الكتاب المذكورين. هذا الترفع والتعالي الغريب وجدت ما ينقضه في كتاب محمد خضير نفسه " الحكاية الجديدة" فقد أستشهد بكتاب " اناييس نن" الروائية الأمريكية المشهور الموسوم "مستقبل الرواية" التي جعلت من اليوميات والمذكرات والحلم وحياتها مدار بحثها ونصها وفيه تدرس تطور نصها من اليوميات إلى الأحلام لتكشف بالتالي عن كيفية تخلق النص لديها لتقع على سر الكتابة مما جعل "محمد خضير" يعجب بها.. فهل فكر في تقديم مادة عن تجربته مشابهة ينير فيها سر تجربته الكتابية المميزة في تاريخ النص العراقي.. هذا ما أتمناه ويتمناه كل من تابع نصوصه. في ورشة الكتابة المقترحة أتمنى أن يلقي الكاتب المحترف الضوء على تجربته والكاتب الشاب يحاول الخوض في الأبواب المقترحة التي ستصقل موهبته بالتأكيد. سأقدم نموذجا أحكي فيه عن علاقتي الوجودية بالكتابة والنص في هذا العدد وأتمنى أن يسهم كل مبدع له تجربة في هذا الباب الذي سأسميه " الكتابة والتجربة" والنص كتبته على إثر دعوة للمساهمة في مهرجان القصة العراقية الذي أقيم في لندن عام 1995. أدعو كل مبدع سطع وأعطى تأمل تجربته الكتابية في علاقتها بتجربته الحياتية كي يضيء لجيل الكُتّابْ الشباب طريق الإبداع.. ومن لا يفعل يرتكب أثما بحق من يأتي بعده من جيل الكتاب. في ورشة الكتابة المقترحة دعوة للتأمل فيما حولنا.. في المادة التي أسميها الخام المكونة للبنات النص الروائي.. اللحظة نافذة تطل على ما كناه قبلها.. النص الروائي يتكون من لبنات تشيد جسده منها: ـ اليوميات فالسرد أصلا يحكي لنا يوميات الشخصيات الروائية ـ الرسالة السرد يخاطبنا مباشرة في مقاطعه بلغة المخاطب كما تفعل الرسالة ـ الذكريات.. السرد يروى لنا ذكريات الشخصية في شكل حكاية وعندما تطورت الأساليب صار تروى بطريقة التداعي وما تيار الوعي إلا خلط بين التداعي واليوميات في محاولة لإمساك اللحظة في العدد السابق فتحتنا باب "أدب الرسائل" وسأقدم في هذا العدد رسالة أخرى مع قصتها وهي مختلفة إذ أن الرسالة وصلتني من إنسان ليس بأديب.. إنسان بسيط شارك بانتفاضة 1991 وتشرد في مخيمات اللاجئين في السعودية ثم إلى السويد.. في هذا العدد سنفتح باباً أخر هو "باب اليوميات" ووصلتني مساهمة من الكاتب يوسف أبو الفوز عن يوميات الثوار في كردستان العراق أوائل الثمانينات. كما أقترح الكتابة عن المدينة والريف العراقي لا بطريقة وصف المكان فقط بل برسم وجوه بشرها المنسيين ممن كان له وجود مميز بطريقة تشبه رسم بورتريت باللغة والباب سيكون تحت عنوان " مدن وأرياف ووجوه" والباب الأخر في ورشة الكتابة تولد لحظة تصفحي ألبوم صورة فوتوغرافية قديم فطالعتني وجوه أحبه قتلوا في كردستان والسجون ووجوه ضاعت إلى الأبد، وجوه سعيدة حزينة جمدتها عدسة الكاميرا تلك اللحظة.. فماذا لو كتب المتصفح عن تلك الوجوه ذكرياته معه وإحساسه في ذلك الزمن والآن ومصير شخوصها في محاولة لاستنطاق تلك اللحظة المجمدة. سأقدم نموذجا في العدد القادم والباب سيكون تحت عنوان "صورة ونص" كما نود فتح باب أدب شعبي تنشر فيه دراسات في الأدب الشعبي العراقي سواء في الشعر المكتوب بالعامية أو الحكاية الشفهية العراقية وقصص الأطفال والأغاني وكذلك نشر القصائد العامية الجديدة وهذا الباب له علاقة حيوية بتكوين النص الروائي إذ يشكل الخلفية الشفهية لعالم الكاتب والتي يستقي منها لبنات نصه. يستطع الكل المساهمة في هذه الأبواب وليس هنالك شرطا محددا إلا جودة النص المرسل من ناحية الصوغ الفني ملاحظة: قررنا إلغاء باب كتابات شابة ابتداء من هذا العدد
|