ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

قصة/ احمد جاسم العلي

 ماتت أمك.

 

موقع ( الكاتب العراقي.)

 

 

  " ماتت أمك .... "

  ماتت أمي. ماتت كمدا. ماتت بعد ان انتظرت طويلا وكابدت كثيرا. أعرف.

  " .... كانت مريضة منذ وقت طويل وتعيش مع شقيقتك في بيت زوجها في مدينة (الحرية) بعد وفاة والدك، كما أخبرتك مع تفاصيل أخرى عنها في رسالتي السابقة ردا على رسالتك الأولى إلينا. ولكن صحتها بدأت تندهور بعد وصول تلك الرسالة منك بوقت قصير والتي عرفنا فيها انكم موجودون في دولة أوربية بعد عشر سنوات لم نكن خلالها نعرف عنكم شيئا، وبعد ان قصصت علينا ما حل بكم منذ ان أخذوك أنت وزوجتك وأطفالك الثلاثة الصغار من بيتكم في الليل إلى ان رموكم على الحدود العراقية-الإيرانية بعد ان احتجزوا أولادك الأربعة الكبار في بغداد، وما حل بكم في الطريق، في الليل والنهار، أنتم والمئات من العوائل العراقية معكم، حتى وصلتم إلى داخل الأراضي الإيرانية. ولم تعد تستطيع الخروج من غرفتها لأي عمل ضروري إلا بمساعدة شقيقتك. ثم لازمت فراشها ولم تعد تستطيع النهوض منه. ولكنها لم تنقطع عن صلاتها؛ كانت تصلي وهي جالسة في فراشها وتبذل جهدا كبيرا حتى تتم الصلاة. تتوضأ وهي في فراشها تساعدها شقيقتك؛ تأتي لها بصحن وتضعه إلى جانبها وهي جالسة في الفراش وتصب لها من أبريق ماءا لتتوضأ. وفي الأخير لم تعد تستطيع ان تصلي حتى وهي جالسة في فراشها؛ إنطرحت فيه بعد آخر صلاة ولم تنهض عنه أبدا. وقبل أسبوعين من موتها بدت كما لو ان عقلها قد أرتج واختلط. بدأت تصيح وتخلط في كلامها فلا نفهم منه شيئا، ولكنها تذكر أسمك بوضوح مرة بعد مرة من بين هذا الصياح والخلط في الكلام. ولم تعد تتقبل أي شيء نقدمه لها لتأكله إلا بصعوبة. وفي الأسبوع الأخير فقدت السيطرة على نفسها؛ صارت تعمل حاجتها تحتها طيلة الوقت، وفي كل مرة يحدث لها ذلك كنت أرى الدموع تنساح من عينيها وتدير رأسها جانبا لتخفي وجهها عنا وكأنها تريد ان تتوارى خجلا من هذا الحال الذي آلت إليه. وفي اليومين الأخرين بدأت تغيب عن الوعي لدقائق ثم تنتفض فجأة وتبدأ تخلط في الكلام مرة أخرى، ولكنها تردد اسمك وأسم زوجتك واسماء أولادك قبل ان تهدأ شيئا فشيئا .... "

  أدركت وجودي في الحياة ورأيت أمي إمرأة متدينة ونظيفة، هادئة وتتكلم بصوت منخفض. كانت تقوم الليل، أكثر الليل، تصلي ركعتين ركعتين وتقرأ في القرآن. علمتها القراءة والكتابة عندما كنت أدرس في المرحلة الثانوية، ولكنها أحسنت القراءة فقط لأنها كانت تريد ان تقرأ القرآن وتقرأ الأدعية في الليل والنهار. " الكتابة ما تفيدني  اريد اقره " أدركت وجودي ورأيتها تستيقظ من نومها وتنهض لتؤدي صلاة الفجر؛ تقوم بحذر من بين أولادها الصغار الذين ينامون على الأرض متزاحمين في غرفة واحدة مستاجرة في بيت عتيق، وتحرص على ان لا تأتي بحركة من شأنها ان توقظهم أو توقظ أبوهم الذي ينام على سرير خاص به في الليالي التي لا ينام فيها خارج البيت. ولكني كنت أستيقظ على حركتها. كان شقيقي الصغير الذي يراسلني الآن وأنا أقيم مع عائلتي في الخارج، ينام إلى جانبها؛ نام في حضنها وهو طفل رضيع ونام إلى جانبها وهو ولد صغير. كنت أستيقظ على تحركاتها الحذرة ، تمشي لتخرج من الغرفة على ضوء الفانوس الأصفر المعلق عند الباب وتذهب لتتوضأ ثم تعود لتقف على سجادتها عند زاوية مظلمة في الغرفة، وتبدأ الصلاة. وكنت أراها على ضوء الفانوس الأصفر الشاحب تماما كما أراها في ضوء النهار وهي تقف على سجادتها تصلي بخشوع وكأن نورا قد سُلط عليها هي وحدها من مكان ما في ظلمة الغرفة. وفي النهار كانت تجلس على السجادة مع بداية وقت الضحى حتى يؤذن المؤذن لصلاة الظهر في المسجد القريب من بيت ( فطومه أم إبراهيم) الذي نستأجر غرفة فيه. قبل ذلك كانت تعد الغداء في فسحة صغيرة تقوم أمام الغرفة في البيت القديم. ويكون الغداء جاهزا قبل الثانية عشر ظهرا حين أحضر أنا لإخذه في سفرطاس إلى محل الحلاقة الذي يعمل فيه والدي في شارع (عبد الإله.) ثم تجلس على سجادتها وتبدأ عبادتها. كانت حياة أمي كلها إيمان وكلها نظافة. أدركتها وهي تغسل في الصيف بين يوم وآخر في زاوية صغيرة بجانب الغرفة التي نعيش فيها للحفاظ على جسمها نظيفا، أو تسبح لتتطهر من نجاسة علقت بها فجأة. وتقف شقيقتي عند مدخل الزاوية التي حُجبت بخرقة عتيقة كستارة حتى لا يدخل عليها أحد من أهل البيت إلى ان تنتهي من الغسل. وفي الشتاء تستأذن والدي عدة مرات قبل ان يوافق ويسمح لها بالذهاب مع شقيقتي كل أسبوعين أو ثلاث إلى حمام (شامي) للنساء في محلة (سوك الجديد) لتغتسل فيه ثم تعودان بسرعة خوفا من أن يكون والدي قد عاد إلى البيت بالصدفة. وأدركتها تلبس الملابس النظيفة، النظيفة وليست الجديدة، دائما وتنزع حالا ثوبا ترتديه إذا ما شكت بنجاسته حين يلامس أي شي، وتغسله فورا. وأدركتها تلف رأسها بالفوطة والجرغد طوال النهار وهي تمشي في البيت أو وهي موجودة داخل الغرفة التي نعيش فيها كلنا، ولم تكن تنزع الفوطة والجرغد حتى مع وجود والدي في الغرفة. ولا اتذكر انه أعترض عليها مرة وكأن هذا الأمر لايهمه ولا يعنيه ...

   ... أدركت والدي ينام وحده على سرير من خشب، صيفا على السطح وشتاءا في الغرفة التي نعيش فيها كلنا؛ أبي وأمي وأنا وشقيقي الصغير وشقيقتي. ولم يحدث ولا مرة ان رأيتهما ينامان معا على السرير بعد ان ولد شقيقي الصغير. كانت تنام على السرير وينام معها شقيقي الصغير في الليالي التي كان والدي يمضيها خارج البيت. كان ينتهي من عمله في محل الحلاقة قبل ان يحل المساء ويذهب ليسكر في أحد مشارب (الصالحية) مع شلة من أصحابه ثم يذهب الجميع إلى دور البغاء في منطقة (الميدان) فيمضون الليل هناك، كل مع صاحبته أو (رفيجته.) وكان والدي في بعض ليالي الشتاء الباردة لا يسهر خارج البيت ولكنه يعود متأخرا، يطرق باب الدار التي تقوم تحت مستوى الدرب وينزل إليها بدرجات خمس أو ست ، لا أتذكر تماما، فتنهض أمي من نومها بسرعة وتتحرك بيننا متعثرة بنا وهي تتلمس طريقها على ضوء الفانوس المعلق بجانب باب الغرفة لتفتح له الباب. وكنت أرى شبح والدي الأسود يدخل الغرفة ويبدأ بنزع ملابسه صامتا، وتأتي أمي بسرعة، وهي تتعثر بنا في ظلام الغرفة، لتندس بيننا في الفراش. كان المكان ضيقا وكان انحشارنا معا يجعلنا نشعر بالدفء أيام الشتاء، ولكني، رغم ذلك، كنت أقول لأمي بصوت هامس، متضايقا: " يمه  روحي نامي على السرير ويه ابويه  ليش نايمه هنا " وكانت تجيبني بصوت هامس، متوسلة : " إش  أسكت  أبوك جاي سكران وحلكه مليان ريحة عرك  ما اكدر انام بصفه " ولم يبق هذا السبب هو الوحيد في رفضها النوم معه في السنوات التالية. فبعد ان أنجبت شقيقي الصغير لم تعد تنام معه على السرير سواء جاء إلى البيت في الليل صاحيا أو سكرانا. ولم أستطع معرفة سبب رفضها النوم معه على السرير وهو صاح لا سكران، ولم أسمع منها يوما سببا. وبعد سنوات تذكرت كيف كنا نعيش في غرفة واحدة مستأجرة في بيت فطومه أم إبراهيم في محلة (سوك العجيمي) في الكرخ من بغداد.، وكيف كنت في بعض ليالي الشتاء وأنا أنام على الأرض إلى جانب شقيقتي، أسمع ما بين يقظة ونوم حركة على السرير حيث ينام والدي وأمي وصوت السرير وهو يهتز ويصر تحتهما، وأسمع صوت والدي يهذي بكلام غير مفهوم وأسمع أمي تقول له بصوت عصبي مكبوت " قاسم  أخاف الولد كاعدين  كافي عاد لخاطر الله  روح هناك "  يومها عرفت لماذا كانت أمي ترفض النوم مع والدي على السرير بعد ان أنجبت آخر أولادها، شقيقي الصغير، طوال السنوات التي كنا نعيش فيها في غرفة واحدة في بيت فطومه أم إبراهيم. وبقيت أمي لا تنام مع والدي على سرير واحد حتى بعد ان إستأجرنا بيتا في نفس المحلة وإلى ان توفي. كان والدي رجلا عصبي المزاج، يغضب بسرعة ويضرب بقسوة. كان يضربني بقسوة لأنني كنت ولدا مشاكسا جدا، في البيت وخارج البيت، كما أذكر، ويضرب شقيقي الصغير أيضا. ورغم أن شقيقي كان ولدا مدللا لأنه كان (بزر كعده) إلا ان قسوة والدي كانت تنوشه فيضربه هو الآخر، كان يحتمي منه ويقف خلف أمي التي لم تكن تستطيع عمل شيء إذا ما اراد سحبه من خلفها والأستمرار في ضربه. وكان والدي، رغم عصبيته وهيجانه، لا يتجاسر على أمي بالسب أو الشتم ولا يجنرأ عليها بالصياح في وجهها ولا يقدم على رفع يده عليها ليضربها لأي سبب كان. كان هذا بسبب أنه ضربها مرة، قبل سنتين أو أكثر، لسبب، لا أتذكره الآن، (أو بالحقيقة لا أريد أن أذكره هنا) ضربا قاسيا على رأسها، ولكنها لم تحرك يدها لتفادي ضرباته ولم تفه بكلام تتوجع منها. ومنذ ذلك اليوم كان والدي يكتفي، كلما غضب وصار عصبيا لسبب من الأسباب، بالزعل مع أمي وعدم التحدث معها لفترة من الوقت قبل ان يعود إلى حالته الطبيعية. كانت أمي إمرأة متدينة، مطيعة وصابرة، هادئة وقليلة الكلام، تحترم نفسها وتعرف حدودها في التعامل مع والدي.

   " .... ماتت أمك في الفجر أو في آخر الليل. جاءتني شقيقتك إلى داري التي تقوم على مسافة من دارهم، كما تعرف، وطرقت الباب طرقات سريعة. لم أكن لأتركها في تلك الليلة التي ماتت فيها. كانت تبدو في أول الليل وكأنها استعادت شيئا من وعيها وحالتها العقلية. سألت عنك وعن زوجتك وأولادك أسئلة متتالية. قالت "  ماكو اخبار عنه  ما يرجع بعد  لا هو ولا مرته ولا ولده  راحو ما يرجعون بعد  "  وشعرت بلوعتها الخفية وهي تنظر إلي وتنتظر جوابا. قلت لها  " يرجعون ماما يرجعون  كلهم يرجعون  إنشاء الله تنتهي الحرب مع إيران ويتغير الوضع ويرجعون "  قالت  "  وشوفهم قبل ما أموت  "  قلت لها "  تشوفيهم  بس إنتِ صيري زينه "  قالت  "  وشوفهم  "  قلت لها  " ليش لا  عشر سنوات ما نعرف عنهم شي  منو مات منو بقى  وقبل شهرين وصلت رسالة منه وعرفنا هُمَ عايشين بدولة أوربية   صحيح لو لا  "  ولم تجب. قلت لها، أُخفف عنها، ربما، حزنها عليك وعلى عائلتك  " عايشين أحسن عيشه  عاشو في إيران سنه  لكن رفض يبقى هناك. أتصل بمنظمات إنسانية دولية سنة كاملة وحصل بالأخير على لجوء إنساني بدولة أوربيه وهسه عايشين احسن عيشه  أويلي علينه  عايشين هنا  ما نعرف شنو مصيرنا " ولم تجب. ثم نهضت وقلت لشقيقتك إني ذاهب إلى البيت وسأحضر في الصباح، وإذا حدث أي شيء فإن عليها ان تأتي إلي بسرعة. جئت مسرعا. كان زوج شقيقتك يقف عند باب الغرفة حزينا، يهز برأسه أسفا ودموعه في عينيه. ودخلت الغرفة. كانت أمك ممددة على فراشها وقد ألقت عليها شقيقتك شرشفا أبيض. أزحت الشرشف عن وجهها فلم أر، سبحان الله، أي مظهر من مظاهر الموت على وجهها. نفس الوجه النوراني، الهادىء، السمح، المنبسط، المتواضع الذي يريح الإنسان حين النظر إليه. ولم أتمالك نفسي فركعت عندها وقبلت رأسها الأشيب وقبلت جبينها وقبلت شفتيها، وبكيت، بكيت بصمت. وفكرت، ما معنى هذا كله؟ لماذا يحدث هذا كله؟ وفي الصباح جاء الأهل والأقارب وبدأ الصياح والنواح واللطم... أنت تعرف. وبسبب تأثري بمشهد أمك كتبت بعض الأبيات الشعرية، فإذا وجدت ركاكة في هذه الأبيات فعذري أني عبرت عن شعوري في ذلك الموقف الرهيب والمهيب. وهذه هي الأبيات:

                                     رأيتُ وجهَكِ حين مُـــتِ

                                     كأن الموت مات ولستِ أنتِ

                                     لم أبك عندك بل دُهشــتُ

                                     موتٌ تمددَ وأنتِ قُمـــتِ

                                     لم يعهد الموتُ في غزواتـهِ

                                     وجهاً كوجهَك حين يأتــي

                                     وجهٌ حباه الله مذ أدركتــهُ

                                     قبساً من الإيمان وحُسنَ سمتِ

                                     صبرت صبرا لا مجال لمثله

                                     وكلت أمرك لله دوما واحتسبتِ

   دفنا أمك في مكان مفتوح، بعيدا عن مكان والدك الضيق، وزرعتُ حوله زرعا عهدت بسقيه ورعايته إلى قارىء قرآن متجول في المقبرة، وبدأ الزرع يطلع ويخضر. وعندما تنتهي الحرب مع إيران ويتغير الوضع ستعود أنت وعائلتك إلى الوطن، كما أرجو، وستقوم بزيارة قبر أمك. ستجد الطريق إلى قبرها معبدا، مستقيما، وقد ارتفعت على جانبيه الأشجار الخضراء والمثمرة. وستجد الطريق إلى قبر والدك متعرجا وقاحلا؛ فيه عثرات ومنعطفات ومتاهات ولكن، يمكن الوصول إليه إذا أردت ان تزوره.

 

 

ahmedjassimalali@yahoo.com                                  

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته