
في عام 1969 حمل حقيبته
مبتهجا بتحقيق حلمه الذي طالما انتظره، طائرا إلى باريس حاملا في قلبه وروحه ذرات
رمال مدينة النجف الساخنة. كلما أردت معه الحوار رد مسرعا: معذرة أنا مشغول بإعداد
حقيبتي للسفر إلى صحراء موريتانيا وصحراء المغرب. خطاط عراقي اكتسب شهرة عالمية.
يجوب العالم والصحارى ليعلم الخط العربي.. لكنه ليس كأي خط مألوف اعتدنا رؤيته. إن
يده ترفع الفرشاة لتعبر عن إحساس لبيت شعر أو نغمة موسيقية.. هذا ما يميز الفنان
الخطاط حسن المسعود عن غيره.
هذا الفنان الذي يفتح
مرسمه
في نهاية كل شهر للزوار كي يمتعوا أنظارهم بلوحاته. ويزيدنا فخرا أن يكون أحد خطوطه
تصميما لغلاف ولملصق المعرض القادم الذي سيقام في المتحف البريطاني بتاريخ
16.5.2006 وحتى 3.9.2006 تحت عنوان " الكلمة في الفن" وسيخط حسن المسعود أمام
الجمهور في الواحد والعشرين من آيار (مايو).

لن أطيل عليكم الحديث عنه
ولنتعرف عليه جميعا من خلال الحوار الذي أجريته معه.
**أهلا بك في موقع الكاتب
العراقي وهو ليس غريبا عنك فأنت أيضا عضو في مؤسسة" تراي" ولك موقع فرعي على
موقع الفنان العراقي الذي تعرفتُ على أعمالك وكتاباتك من خلاله. لنبدأ إذن من
النجف،حدثني عن البداية أي الجذور.
ــ النجف كما عرفـتها
صغيراً مديـنة مغـمورة بالضوء السـاطع والدفء المـسـتـمر الذي يرتـفع إلى حرارة لا
تطاق في الصيف. مدينـة محاطـة بالصحراء والفضاء ، فضـاء واسـع ولانهائي ، و لم يكن
لنا نحن الصغار آنذاك فضاء الحرية، بل على العكـس كان يـبدو هذا الفراغ كجدار من
النور لا يُسمح لنـا تخطـيه، كنا في سجن ذو حدود وهمية ونسـمع من الكـبار قصـصا ً
غريبة ومدهـشـة عن الســراب والعـطـش ،حكايات عن الحـيوانات الخارقـة والمـمـيـتة
للإنسان .
في وسـط المديـنة كان
المعمار قديـماً جدا حيث الأزقة الضيـقة والبـيوت المتـماسـكة ببعـضها البعـض
بيوت ذات أبواب عتـيقـة والتي تبـدو وكأنها تقـص تاريخ حـياتها عـبر الآثار التي
تركتها أيدي الـبشـر الذين ولدوا وماتوا فيها عبر القرون ، وكلما توغـلنا في الدروب
الضيقـة القـليـلة البـشـر نُفـاجأ هـنا وهـناك بسـوق ممـتلئ بالـناس الذين يأتون
للتـزود بالمواد الغذائـية أو الطلب من هذا المهني أو ذاك بعـمل حاجة ما ، كان
الفـن اليدوي متداولا عبر عـشرات المهـن القديـمة .
قد لا يختـلف كثيراً
الزمن الذي كنـت فيـه في النجف في الخمـسيـنـيات والسـتــينـيات عما كانـت عليه
الحـياة قـبل قرون عديـدة . لم نكن نعرف العالم الصناعي ولا منتجاته . كانت الحياة
سهـلة وبسـيطة ، ومن الناحية المهـنية والفـنـية كان الفـن مـعـاشـا، المهنيون
أمام دكاكيــنهم يفـترشـون الأرض بكل مكان . ونرى ذلك بوضوح أيام الاحتـفالات
المتعـددة للأعياد أو الذكريات المأساوية . حيث كان الكل يـشارك في هذه الاحتـفالات
، كل محلة ، كل دكان ، كل فـنان ومهـني . بالطبع لم يكن فـنانونا من حملة الدبلومات
العالـية إلا ما ندر .
وهكذا أن مخـيلتي تعـج
بما شـاهدته وسمعـته صغـيرا ، كما أتذكر أيضا الهدوء والصفاء اللذين يعمان الأزقة
الضـيـقة عندما كنا نتغلغل فيها.
اعـتـقد أن قاعـدتي
الفـنـية بــنـيت على هذه الأشــياء المرئـية والمســموعة . تلك الصور التي أحسستها
صغــيرا تـلح علي اليوم لتوضيحها ومقارنتها مع العالم الذي أعيش فيه اليوم .
على عكس الضوء الغامر في
النهار في النجف ، يكون غروب الشــمس بداية غرق المديـنة بالـنور الأسود ولا أقول
باللون الأسود لان النـجوم هنا وهناك تضئ الجدران القديـمة وتحول الظلام إلى نور،
هذه الجدران التي عُـملت كلها بـيد الإنسان كما يعمل الفخاري أوانيه من الطـين ...
جدران لا يشابه أحدها الآخر ، ومن جدار إلى جدار ومن خلال الشـبابـيـك وشـبكاتها
الحديـدية نرى ضوء الفوانيــس الخافــتة ، تبـعث بضوئها البرتـقالي كالحلى
الذهــبـية.
ولمن يـعرف قراءة وتحســس
هذه اللوحات الجدارية فانه يســتطيع تخـيل مدى ثراء هذه البـيوت القديمـة بالشـعر
والفـن ، مع الأسف اعـتـقد اليوم بأننا أضعنا هذه الأشــياء لأننا نقــلد في
البـناء الأساليب ذات التقنية السريعة ، ولم يعد لنا حاجة بالمهنــيـين لأننا
نسـتـورد كل الحاجـيات من الخارج ، وليذهب المهنـيون إلى الجحـيم .
من المؤكد أن هـنالك في
النجف مـساوئ وفـقـر وظـلم ولكـني أريد هنـا أن أتكلم عن المكونات الفـنـية الأولى
التي صادفـتها في السـنوات الأولى من حـياتي .
العلاقات الاجـتماعية
المتــينة ، والمــحبة العائــلية أيـضا ًلها دور مهـم في تكوين النظــرات
الأخلاقية في الوجود . صور محفورة في الذاكرة كالـنقـش في الحـجر . وارجوا أن لا
يبدو لكِ أن عالمنا هذا كان صغيرا وضيقا فان وسط المديـنة ، السـوق الكــبـير الذي
يسلكه جمهور غــفـير من أماكن متـعـددة في العالم إلى جامع الإمام علي . يجعلنا
نعرف أن شعوباً أخرى توجد في العالم .
خارج الســور القـديـم
تســكن عوائل من البـدو الرحل وهنا نســمع أصوات باعة الجمال في أسواق مبـتكرة على
رمال الصحراء .
كل هذه الصور والتي تعـود
لعـالم اخـتـفى إلى الأبد ، تـبقى عنـدي كذكريات تغـذي أعمالي الفــنـية . هـياكل
من الخـيال ترقـد في الذهن تصـقلـها تجربة الغربة والالــتـقـاء بالثـقـافة
الغربـية ، والاخـتلاط بالمجـتمع الأوربي .
كذلك يجب ألا أنسى 8
سنـوات من العـيـش في بغـداد ، وهي سـنوات وسـيطة بيـن النجـف وباريـس .

** يبدو أننا عبثا تركنا
الوطن منذ عشرات السنين، أراك تتحدث عن صور مدينة النجف بصيغة الحاضر، وهذا ما
لمحته عندنا جميعا عندما نتحدث عن الوطن.. من خلال ذلك اكتشفت تشبثك بصحراء المغرب
وموريتانيا هل التشابه يدعوك إلى السفر إلى هناك تعويضا عن أرض النجف؟
ـــ نعم إحساسكِ في مكانه.
منذ عشر سنوات وأنا دائم السفر إلى تلك الصحارى. فصحراء المغرب تذكرني بالنجف،
الشمس الساطعة .. بساطة الحياة، والأفق البعيد خلف بحر من الرمال الذهبية..
النور يشع في الفضاء. خلال
الطريق أشعر وكأنني وُلدت من جديد وأنني أرى أول يوم في الحياة.
نترك خلفنا الحضارة
تدريجيا مرورا بالقرى ذات الألوان الترابية. وحتى الفراغ فهو امتلاء من نوع آخر.
ننام على الرمال ونرقب النجوم كما في النجف، والموريتانيون يشبهون أولئك العرب قبل
ألف سنة
في القرى الصحراوية التي
نمر بها، الكثبان الرملية الممتدة بلا نهاية.. أسبوع صافٍ بعيدا عن الحضارة. أما
النجف ستظل حاضرة إلى الأبد.
**بالرغم من دراسة الفن
التـشكيلي واعني به الرسم ، ظل الحرف مهيـمنا ً على اللوحة التــشكيلية ، وحتى بقيت
محتـفظا ً باسمك كخطاط ؟
ـــ انك تعرفـين أن عالم
الفـن هو عالم غامض ، وان الفـنان يبحث طيـلة حياته عن شئ غير ملموس كما هو الحلم ،
ويكمن هذا الحلم في ذهـنه كرؤى تأتي وتذهـب كالـشرارة التي لا تـلبـث أن تنطفئ حال
ولادتها .
يمكـنـني أن أشبه الفـنان
كـمن يريد الوصول إلى جزيرة يتـخـيل أن الحقـيـقة الـفـنية تكمن فيـها ، وعـند
اقـترابه من الجزيرة ورؤيـته لشـاطئها تدفـع الرياح العاتـية مركبه الصغير نحو
الخلف وتبـعده ، فيحاول الكرة من جديد عند هدوء الرياح ولكن العواصف لا تـلبـث أن
ترجعه مرة أخرى .
إن رسم أو خط ( هنا نتـكلم
عن الخط ) هذه المحاولات هي الأمل في الوصول والمـعاناة في مـقاومة الرياح هي هموم
الفـنان وهي الفـن نفـسها . الطريق احـسـن من الهـدف في هذه الحالات لأننا لا نعرف
بالضبط ما هو الهدف في الفـن، إنما رؤى وتصورات لما عليه أن يكون . الهدف في الفن
وهمي وهو من تخيلات الفنان . والـوصـول إليه والتعرف عليه إنما يـعـني التوقـف عن
الإنتاج الفـني .
العـملية الفـنـية تـتم في
لا وعي الإنسان ، وربما تـفرض نفسها على الفـنان ، فيـجد نفـسه أمام لغز يحـير في
حله . وحـيرته هنا هي اثمـن شئ لأنها قد تـقوده لمعرفة جديدة .
** أفهم من كلامك أنك
بالرغم من ممارستك الرسم وجدت ذاتك أولا وأخيرا في الحرف وأعني به الخط بالطبع؟
ـــ نعم أمضيت 5 سنوات في
رسم الأشخاص وتلوينها ولكني وجدت نفـسـي أخيرا في طريق مـســدود ، ما عملته من
لوحات على القــماش والألوان الزيـــتــية لا تــلبي مشاعري الداخلية بل بدت لي
أنها تجربة سطــحية ( طبعا أتكلم عن نفــسي وتجربتي وشخصـيتي ولا يعني أبدا نظرة
عامة عن الفن ) والخط كان أقوى واكثر إقناعا من عدة اتجاهات.
**ألا تعتقد أن الخط رباط
وثيق كالحبل السري لم تستطع قطعه بينك وبين الوطن الأم؟
ـــ ربما أن اتجاهي للخط
العربي وسـط باريس هو بهدف إيجاد وطن ضـيعته ، فاصبح الخط وطني ومن خلاله أتعامل مع
هـمومي الجوهرية ، انه ربما ذلك القارب الذي ذكرته لك منذ بضعة دقائق ، انه الأمل
بالخلاص والنجاة رغم العواصف .
ربما يعود ذلك أيضا إلى
الجو الذي أعيشه ، فمـنذ دخولي باريس في 1969 قال لي الطلبة المــتمردون في أحداث
68 في معهد "البوزار" أنت جــئـت تبـحث عن فن تركـناه نحن ونديـنه الآن ، لقد
اكتـشـفـنا أن هذا الـفن لم يعد نافعا، نحن فـقدنا الكــثـير بسـرعــتـنا الصناعـية
وانتـم سكان العالم القديم المـتباطئون لازلتـم في مجال الفن تملكون أشياء كــثـيرة
، الخط الذي تـمارسه مثلاً فيه الكثــير من الإجابات على أسئلة الإنسان اليوم،
عرّفنا به ، قرّبـنا إليه فربما ذلك يكون انفع لك ولنا .
ترين أن الأشــياء ليـسـت
سهـلة ، كنت في ذلك الزمن كمن يسـير في نفق مظلم لا اعرف أين المخرج . وكنت أريد أن
أكون فـناناً تشـكيلـياً مثلهم . وإذا بهم يدخلون الشـك في الطريق الذي رسمته.
في ذلك الوقت كنت أعي أن
الخط الذي أمارسه هو تقليد لأسلوب القرن التاسع عـشـر وانه لا يعبّر عن تطلعاتي في
باريس ، ولا املك الوقت لممارسته على قواعده القديمة. وكنت مقـتـنعا ًبأن الخط تطور
في كل قرن منذ القرن الثامن الميلادي ولكن منذ القرن التاسـع عشـر لم تحدث أية
إضافات مهـمة .
** إذن كيف استطعت تطوير
الخط؟
ـــ كل محاولاتي كانت تبدو
لي فـقـيرة آنذاك . بعد ذلك درسـت كل ما تقع عليه عيـني من الخطوط منذ الخط المصري
القديم، مروراً بتاريخ وأساليب الخط العربي، وحتى الخط المستعمل عند الحضارات
الأخرى في زماننا الحالي، تعرفـت جيدا ً على خطوط الشـعوب قرب البحر الأبيض المتوسط
، ولكن الأكثر تأثيراً علي كانت الخطوط الصـيـنـية والـيابانـية، فعـندهم جرة حرف
صغـيرة تنـطوي على إحساس الخطاط بتـلك اللحظة.
**إذن هذا يفْرُق مع
الخطاط العربي، ولكن بمَ وكيف؟
ـــ عندك الحق في أول
وهلة ولكن لو تعـمّقنا في الرؤية بأعمال الخطاطين المسـلمين ابتداء ً من القرن
السـادس عـشـر أي بداية اهتـمام الأتراك بالخط لوجدنا أن قواعد الخط تفـرض إطاعة
الأقدمين وهنا كانت بداية تحول الخط إلى فن رسمي(تشكيلي)، أي يمكنك أن ترين خط
البسـملة بأسلوب الثـلث لخطاط في أول القرن التاسع عـشر هي نفـسها وتقـريبا مائة
بالمائة لخـطاط آخر في نهاية نفـس القرن، وهكذا أن الكثـير من الخطاطـين فيما بعد
يقعون في تقـليد ساذج للتكوينات التي سبقـتهم ، بيـنما يسمح الخط الصـيني بان يضـيف
الخطاط في كل مرة إحساس اللحظة المُعاشة . أضيفي لذلك انهم يخطون بسـرعة البـرق مما
لم يعـد لديهم الوقـت للتـفكير، ويتـركون الحدس يقــود اليد، فيكون الخط فنا ًو
تعـبـير للجسـد يكتـشـف الخطاط نفـسه من خلاله، ويذكرني الآن قول بسـيط لخطاط صـيني
ولكنه على غاية في الأهمية حيـث يقول : عـندما تكون الفكرة بنهاية الفرشاة، فلا
داعي للذهاب إلى نهاية الفكرة .
وهكذا وعبر خط كلمات
قلـيلة يمكـنـنا أن نرى وندرك مدى جرأة وشجاعة الخطاط الصيني ومدى ثراء احساساته
وعـمـقها أو على العكس تـباطئه ، وفقـر حروفه .
أن اتصالي المـسـتمر مـنذ
ربع قرن مع الخطاطين الصينـيين واليابانيين فتح لي آفاقا جديدة ولا أنكر أهمية
وعطاء الفن الغربي لي أيضا، ففي الأساليب التجريدية وجدتهم يقـتـربون من بعض
اهتماماتي وأنني مكون من كل ما رأيته كما قال الفـنان ماتيـس.
وهكذا يا سيـدتي احتفظت
بلقب ( خطاط ) نعم فلأني وجدت في الخط إمكانيات نبـيلة يمكنها الاستـمـرار في
العصر الحديـث، ثم أنني اشــعر هــنا وســط جمهرة الفنــانين من كل أنحاء العالم
يمكنني أن أتبوأ مكانا له علاقـة بجذوري الثـقافـية ونحن في زمن العولـمة يتفق
الكثـيرون على الحـفاظ على الاختلاف المتميز في فنون الشــعــوب .
خطوطي نابعة من جذوري
الثـقافـية ولكنها منفتحة على العالم وأسـتلهم من أدب الإنسانية النصوص التي أخطها
.
**من خلال تجربتي الشخصية
وحينما رأيت إذا كان بإمكاني تسميتها" بلوحات خطك" لأنها لم تكن بالنسبة لي مجرد خط
وإنما لوحات تشكيلية ذات إحساس عالٍ، وبقيت أتأملها لوقت طويل، حدث معي ذلك في معرض
للخط الياباني أيضا. سؤالي الآن: هل يتقبل الذوق الشرقي وبالذات العربي هذا الخروج
عن المألوف في فن الخط؟
ـــ أقول لك بصراحة أنني
عندما اخط لا أفكر بالذوق الشـرقي ولا بالذوق الغـربي أما
< المألوف > فهو الأمس ،
بينما أنا أتطلع إلى الغد .
لقد تخلـفنا كـثيرا ونحن
ننـظر إلى الوراء ، وحتى لو ننـظر بعمق إلى الخلف وليس بسـطحـية وسذاجة لنرى أن كل
من نحـبهم من الشـعراء والخطاطـين كانت حياتـهم كالجحيم والكثـير منهم وهب حياته
ثمنا لإبداعه الفني . ومن الأكيد أن كل نتاج فني جديد سيلاقي المعارضة لأنه يقـلق
لأنه غير< المألوف > الذي تعود عليه الجمهور الواسع .
في الخط العربي ما هو<
مألوف > اليوم عمل في زمن عندما كان الخطاط الحافـظ عثمان يتــنقل بعربة يجرها
حصان، وكم من مرة أوقف عربته في الـشـارع ليصلح خطوط تلامـيذه الذين كان عنـدهم عذر
في الغياب،أنا أتنقل اليوم بعربات أسرع بمائة مرة منه ، العالم تغير، رغم حبي
للحصان ولكن لا يمكنني اليوم أن أتنقل عليه في شوارع من الإسفلت وما بين آلاف
السيارات . وهكذا أن الخط لابد أن يتـغير أيضا اليوم و غدا ربما ستكون خطوطي أيضا
< المألوف > وهذه الخطـوطـ بدورها سـوف تــنتـظر من يتخطاها وهكذا ...
ولحسـن الحظ انه في كل عصر
وجد أناس ينـظرون لما هو غير < مألوف > .
هنالك أذواق متـعددة ما
بين الملايـين من الناس، وتيارات متـعددة من الفكر والإحساس ... لابد من أن تتـعدد
الاتجاهات الفـنية بكل حرية ، لابد أن نكافـح من اجل التـنوع والخروج عما هو
مألوف . أحيانا سـيتـطلب بعض الإنتاج الفـني سـنوات طويلة للبعض لتـقـبله وآخرون
سيـدخـلونه مباشرة بعـفوية وببـساطة .

حفيدة المسعود بدأت تتعلم
الخط من جدها
** كلامك هذا ذكرني عندما
تعلمنا النقد فرسخت في ذهني عبارة كما أتذكر ل ماوتسي تونغ" وكل قديم في عصره حديث"
.. برأيك أين تكمن المشكلة في التطوير؟
ـــ المشكلة الحقـيقـية في
مجتـمعاتـنا هو انعدام الحوار الثـقافي والفـني، وقد نجد من هو مثقفا في الشعـر ولا
يعرف مقامات الموسـيقى، ومن يعرف المـقامات قد لا يعـرف أساليب الخط . والإمكانيات
للّقاء والتـفاهم لا تتوفر أبدا في اكـثر المـدن .
وبــسـبب توفر كـثرة
المصادر عن الخط القــديم تتوقــف المعــرفة عنـه لدى البعض عند هذا الحد . كما أن
كثــرة توفـر المصادر عن الفـن الغـربي يدفع البعـض للاعتقاد بأنه الأسلوب الحديـث
وحده ولابد من تقلــيده . وهكذا يصبح < المألوف > ما هو القـديم من جهة والفـن
الغربي من جهة أخرى . إن الخط العربي الكلاسـيكي يعبر عن عـصر اختــفى ولابد من
تطويره وتجـربة الفـن الغربي تعكـس مجتــمع الغرب وظروفه التي قد لن تكن نفـسها
ظروفـنـا .
وكما اسـتلهم الأدباء
والفـنانون الغربيون الكثير من الشرق يمكننا أيضا أن نستلهم أشياء من الفن الغــربي
ولكن بعد هضمها .
المطــلوب اليوم أن يكــثر
إنتاج الكــتب والصحف ومواقع الانترنت عن الــفن العربي لكي نـتـعرف على الفـنانيـن
ونتاجا تهم . بلدانـنا غنية تمـلك كل شئ لذلك ولكنها فقــيرة روحياً . فالــثراء
الحقيــقي ليس بكــثرة الامتلاك إنما العيــش باتسـاع كما قال غاندي .
< المألوف > هو ضمان أمان
للمجتمعات المتـخلفة الراكدة ، لكنما كـسر المألوف ودفـعه للحركة هو سمة المجتـمعات
المتطورة . وكما يطمئننا طاغور : عنـدما تغـلقون بابكم أمام كل الأخطاء فان
الحقــيقة تبـقى خارجاً . افهـم من هذا إن نريد معـرفة الحـقـيقـة لابد إن نفـتح
بابـنا لكل التجارب .
** لك تجربة فريدة من
نوعها وهي استلهام الخط من الشعر حتى انك ذهبت بعيدا واستلهمت من الصوت اخص بذلك
الموسيقى أرجو توضيح ذلك بتركيز ليفهم القارئ والمشاهد سر هذا العمل ؟
ـــ علاقة الخط بالشـعر
قديـمة ولازالت لدينا نماذج باقــية منذ قرون ، كشعـر ابن زمرك المنحوت في تكوينات
على جدران قصر الحمراء بغرناطة ، وقصيدة البويصري في قصر طوب كبي باسطنبول .
إن ما اعـمله اليوم هو
اسـتخدام الشـعر في الخط بشكل واسع وبخطوط حديـثة أي لا تـشـابه الأساليب القديـمة
.أحيانا اخط أشعارا من الشـرق والغـرب تبـدوا وكأنها كتـبت من قـبل شخـص واحد ، أي
هنالك اتـفاق على المضمون من قبـل شعـراء لم يلـتقوا فـيما بيـنهم . وفي أوقات
كـثـيرة يسـاعدني الشـعر عـندما يشـح الإلهام .
الشـعر هو أيضا موسيـقى
الألفاظ ، وقد عملت لسـنوات على الموسـيقى وتأثيرها على حركاتي الخطية فأضع نفـسي
في التهـيؤ للاستـلام واسـمع الموسـيقى ، اترك يدي ترسم الأصوات ، تصعد وتهـبط
حسـب الحركات الموسيـقـية المسـمـوعة . واكـتب الكلمات التي أر يدها فيـطول حرف
اكـثر من المعـتاد ويتـبعه آخر ثم تقـصر بعض الحروف، وفي النهـاية أجد أشكالا
للكـلمات لم اعرفهـا سابـقا . أشكال مـتناغـمة وكأنها ترقص حول محور . وحسب نوعـية
الموسـيقى تكون نوعـية الخطوط : مرحة خـفـيفة أو حزيـنة ثـقـيلة .
** وهل عملت مع موسيقيين
عراقيين وغيرهم؟
ـــ نعم عملت مع الموسيقي
والمغني فوزي العائدي لمدة ثلاثة عشر عاما بشكل مستمر. أما حاليا فسأساهم في شهر
أيار (مايو) في ثلاث حفلات في مدن فرنسية مع فرقة رقص كلاسيكية عالمية، كارولين
كاريسون والموسيقي التركي قدسي اركنر. خلال العرض توجه الكاميرات على يدي لتنقل على
شاشة كبيرة الخطوط المصاحبة للموسيقى.
الغربة والحنين ملازمان
لنا فنجدهما متجسدتين في الكتابة بشكل خاص . كيف يمكن للخطاط أن يعبر عنهما في
حروفه ؟
الغربة أحيانا تكون
ثـقـيلة وخانقة ويتضاءل الفضاء المحيط بنا ويـتـقـلص فـنـشعر بالألم ، الحروف آنذاك
يمكنها أيضا أن تأخذ حبرا كـثـيفا وثـقـيلاً تفرض البطء القاتـل ، وآلة الخط
تكون عريضة جدا ولكن على ورقة صغيرة ، حيث لا مكان لكـتابة كل الحروف فـيـصعد حرف
على آخر وتـتداخل الكلمات ولم يعد بالأمان القراءة ، وهكذا تبدوا صورة الغربة
مرفوضة ولا يـمكن فهـمـها أبدا . وان تطول الغـربة تصـبح تسـاؤلا ً مستـمراً ،
فـتكون كما قال الشـاعر الكبـير ابن حمـيدس :
مالي أطيل عن الديار
تـغرباً أفــبالتــغرب كان طالع مولدي ؟
أما خط الحـنـين فان
الحروف ستـكون شــبـيهة لما يريده القـلب ... ولا استطع وصفها ... هنا من الصعب
الكلام حقاً ، لهـذا أترك الشـعراء يجـــيـبون بالنـــيابة عني :
يا غائبين وفي قلبي
أشاهدهم . كما قال البهاء زهير . أو كما قال الشـاعر انطوان متــشــــادو : كانــت
في قــلبي شوكة تولــمني ، وفي احد الأيام انــتـزعـتــها فلم اعد أحس قـلبي .
** هل تعتقد يجب التوجه
إلى المشاهد الغربي والشرقي بنفس الأسلوب أي بملامح شرقية بحتة وبهذا نكون قد أدينا
مهمتنا في نفس الوقت ؟
كما تكلمت في بداية هذا
الحوار أن عالم الفـن غامـض وتكون منابعـه في اللاوعي ، لذلك من غـير الـممكن
التـفكـير عـقليا بكـيفـية الاتجاه والأخذ بالاعتـبار إلى أي جمـهور سنـتوجه
بعـمـلنا . المهم أن يكون الفـنان مخلصا مع نفـسـه .وكل فـنان يأتي بعالم جديد وغير
منتظر سيكون فـنه عطاء للإنسانية ، العمـلية الفنـية أحيانا تمـزق الفـنان إذ يرى
أشياء بمخـيلـته ولكن لا تولد على اللوحة ، أجيب باختـصار انه لا توجد قوانـين في
هذا المجال. والمجال واسع أمام كل فنان ليترك احسـاسـاته تقـود عمله الـفني .
**تجربتك الطويلة وعشقك
للخط هل يمكننا أن نعرف من سيرثها في العائلة؟
ـــ ابنتي ناديا في
الثلاثين من عمرها، وبالرغم من حبها للخط اتجهت للأدب واللغات وهي الآن مدرسة في
مدرسة متوسطة، تدرس اللغات الفرنسية واللاتينية والإغريقية، كما أنها درست في
السوربون الأدب العربي. لكن ابنتها اليانور تحب الخط وسأبعث لك صورتها وعمرها 22
شهرا وهي تخط كجدها.
** هل برأيك أدى ويؤدي
الفنانون العراقيون في الخارج مهمتهم وخاصة في مثل ظرفنا العصيب لنقل رؤيتهم
ومعاناتهم التي هي جزء من معاناة شعبنا الجريح ؟
هناك فنان له القدرة في
أسلوبه على تغـطية الأحداث اليومية كما الصحفي ، وآخر يحتاج لزمن طويل لرسم جوهر
الأحداث وإعطائها عالمـية أوسع . نحن بحاجة إلى إنتاج الكل . في مجال العمل الفـني
لا توجد حدود واضحة للحقيـقة ويمكن أن يتجول الفنان مابين عدة تيارات بهدف الوصول
إلى الحقـيقة أما في الموقـف الإنساني تجاه الحكم مثلاً هـنا لابد أن يكون موقـفـنا
واضحاً كل صباح . اعتـقد أن الكثـير من الفـنانيـن العراقــيـين في الخارج
تـنـقـصهم وســائـل التـعريف بأعمالهم . فكم من فنـان يمضي وقـتـه في العمل الفـني
ولديه أعمال لم يرها أحد ، ولكن حتـما سيأتي اليـوم الذي سـترى فـيه كل هذه الأعمال
فان بناء العراق الجديد ســيـتطلب زمنا ً وكل عطـاء فنـي وأدبـي ومهما كان سـيـكون
مسـاهماً في تطوير مجـتمعـنا. أضرب لك مـثلاً لاثـنـين من الفـنانـين الذين عاشـوا
في جـنوب فرنـسا أثناء الاحتـلال النازي الأول ـ سوتين ـ ولوحاته تمـثـل الرعـب
والإرهاب في ذلك الزمن ، الألوان وطريـقة جرأت الفرشـاة والوجوه المتـهـرئة
تجعلنـا نشـعـر بالقـرف من الـنازية والفـنان الـثاني هو ماتيس كان على العكـس
بدلا من أن يرسم الألم رسـم العالم الذي أراده أن يكون : عالم الصفاء والألوان
الزاهـية وضوء الربـيع الدائم . اليوم كلا الفـنانين يتـبؤان مكانا محـترماً في
قلوب المشـاهدين الأول وكأنه يقول لنا :علينا ألا ننسى . والثاني يؤكد لنا أن
الربيـع حتـماً آت .
أما نحن فما علينا إلا
العمل بقدراتنا الضئيلة، قدرات الأدب والفن والتي يمكن لها في يوم من الأيام أن
تضيء الطريق لشعبنا الجريح المتعب.
** عالم الإنترنت العجيب
قرب ما بيننا جميعاً في كل أصقاع الأرض حدثني عن تجربتك معه ولأننا من خلاله الآن
نعرّف أبناء شعبنا بالدرجة الأولى بفنان بعيد المسافة عنهم ولكنه مازال يتمسك
بجذوره التي تشده إليهم بالحرف واللون .
ـــ عندما جئت إلى باريس
في بداية السـبعينات ساعدت الكثـير من الجمعـيات للعـمال المهاجرين بفرنـسا في مجال
الخط وعمل ملصـقاتـهم ، ومع مرور السـنــين تكاثـر عدد الأصدقاء فـيما بـينهم
. وفي عام 1997 عرض علي صديق مـغربي أن يعـمل لي موقـعا ًعلى الانـترنت . ولم
اسـتطـع أبدا تخيل ما يشرحه لي من فوائد الانـترنت إذ لا يمكن تصور ذلك في تلك
الفـترة . ولكـنه ألح علي قائلاً انه ليـس بصدد إرجاع الجـميل و إنما يرى انه
من الضرورة التـعريف بعـملي الفـني لصالح الجاليـة المغتـربة هنا وللالـتقاء مع
الجمهور العربي والعالمي . وهكذا عمل صفحات جميلة تتـضمن نصوص عن عملي وحوالي
الثـلاثـين خطاً كذلك دفتـر زوار أدهشتني آنذاك كـثرة الرسـائل التي
نسـتـلمها من كل
مكان .
وبعد ذلك عرض علي آخرون
عمل مواقع أخرى وانـتـشرت أعمال كثـيرة لي على الانـترنت . ومنها في موقع الفـنان
العراقي الذي اعتـبره من الأعمال الثـقافـية المهـمة للفـنانيـن العراقيـين في
الخارج واللقاء مع الداخل ولا اكتـفي من الشـكر لكم في كل مـناسـبة ممــكنة ،
شكراً شكراً شكراً .
** نحن نشكرك جزيل الشكر
ونتمنى لك الصحة ومزيدا من الإبداع وكل ما أتمناه أن تلتقي بشعبنا
على أرض العراق وليطلعوا
على كتب خطوطك الرائعة ولكن بنص عربي. بالطبع يمكن التعرف أكثر على تقنية العمل من
خلال كتاباتك عن تجربتك الفريدة في موقع الفنان العراقي.
موقع الفنان حسن المسعود
http://www.iraqiartist.com/Archive/Hassan_Massoudy/Hassan_Massoudy_main.htm