حوار مع الدكتور كاظم حبيب                   

حاورته د. إعتقال الطائي

 

يحق للمنشورات الثقافية الورقية في العراق نقل هذا اللقاء كاملا شريطة الإشارة للمصدر وهو موقع الكاتب العراقي. يحق للمواقع الالكترنية الوطنية  نقل الرابط للمقال.

 

إن مدينة كربلاء الحزينة أبدا، كما يقول ابنها الدكتور كاظم حبيب أنجبت العديد من الفنانين والمفكرين والأدباء. أرض هذه المدينة التي تضمخت بالدماء والدموع منذ الأزل وما تزال. هل الألم والحزن يفجر الإبداع؟ وكيف يخرج من تلك المدينة طفلا أو شابا يحمل كل أفكار الحرية والديمقراطية والتحرر؟ لم يترعرع في عائلة فقيرة مسحوقة، لكنه نادى بأصوات الفقراء والمسحوقين، وقف مع المظلوم ضد الظالم، انتمى إلى حزب مازال يشعر بالمسؤولية تجاهه حتى هذه اللحظة. أسلوبه الراقي في النقد والصراحة من أجل بناء عراق حر سعيد. احترامه للآخر، يفرض علينا الإصغاء إليه واحترامه بالمقابل. تواضعه ما هو إلا دليل يثبت لنا بأن السنابل كلما امتلأت، أحنت أعناقها. كان حريصا بطلبه لي بأن ننشر كل ما كتب، كيف لا؟ وهو المنادي بحرية الفكر والحوار. إن أهمية الحوار معه تكمن في فتح صفحات تاريخية ستستفيد منها أجيال ربما عرفت الحقائق بشكل آخر وأجيال ستعرف المزيد.. المزيد.

*****

* أرحب بالدكتور كاظم حبيب وأنا مسرورة جدا لأنك قبلت دعوتنا للحوار معك من خلال موقعكم الكاتب العراقي. يهمني جدا ومن خلال حواراتي السابقة أن أبدأ حديثي مع ضيوفي عن الجذور لأنها الحجر الأساس في تكوين الفرد. لذا أود أن تحدثني عن النشأة وعن المدينة التي وُلدتَ فيها وتأثير واقعها الاجتماعي من جميع نواحيه عليك.

ـ ولدت في مدينة كربلاء في ربيع عام 1935 (16/4/) لعائلة برجوازية صغيرة من حيث المعيشة والسلوك, وفي وسط عائلي حميم ومؤمن ومتدين باعتدال. والإيمان والتدين في هذه المدينة أمر طبيعي وعام بسبب طبيعة المدينة ووجود رفات ومزارات بعض الأولياء الصالحين, وخاصة رفات الشهيدين الإمام الحسين وأخيه العباس, حيث أضفت على المدينة سمة مميزة.

كان والدي أحد الموقعين على بيان المطالبة في أن يكون الأمير فيصل ملكاً على العراق, كما شارك في ثورة العشرين من خلال صنع وتجهيز العتاد للثوار, بحكم طبيعة عمله المهني كعطار في المدينة. ويبدو أنه قبل ذاك قد اغتنى أثناء الحرب بسبب امتلاكه لكمية كبيرة من حبوب الكنين التي أصبحت ذات قيمة كبيرة وضرورية خلال تلك الفترة العصيبة وانتشار الأمراض في كل أنحاء العراق, إضافة إلى مشاركته في استيراد النفط وتصريفه في كربلاء من خلال بيعه على باعة النفط الجوالة من ذوي العربات التي تجرها الحمير. لم يكن في العائلة في الأربعينات من شارك في العمل السياسي أو أبدى تعاطفاً مع حزب من الأحزاب السياسية.

تعلمت القراءة والكتابة عند شيوخ تعليم القرآن في صحن العباس, وختمته عدة مرات, وقرأته بالكامل عشرات المرات وخاصة في شهر رمضان. درست الابتدائية في مدرسة السبط وبعدها في ثانوية كربلاء. أصدرت جريدتين جداريتين هما السراج والمعلم, نشرت فيهما مع آخرين الكثير من المقالات والريبورتاجات عن حياة الطلبة وعن مصايف العراق, ومنها مصيف سولاف في كردستان, إضافة إلى النكات. 

مدينة كربلاء قديمة, هرمة وحزينة باستمرار وأهلها محافظون جداً, ليس فيها ما ينعش الطفولة ويساعدها على النمو والتطور في أجواء ثقافية متميزة, كما ليس فيها ما ينشط حياة الصبايا والصبيان ويملي فراغاتهم الكثيرة والمملة, مما كان يفسح في المجال واسعاً لانخراط الشباب منذ وقت مبكر في العمل السياسي المناهض للحزن والمحافظة والركود والخمول. ومن هنا كان للحزب الشيوعي العراقي مكانة طيبة في نفوس الناس, وخاصة الشباب والكادحين, إذ كان إلى جانب نضاله ضد الاستعمار والفقر والبطالة والحرمان, كان التنظيم الحزبي يوفر ما هو ضروري لمطالعة الشباب لكتب تقدمية كثيرة, سواء أكانت في مجال القصة والشعر والرواية, أم في مجال الفلسفة والعلوم والسياسة.

رغم قلة عدد نفوس المدينة في حينها, كان الفقر منتشراً وواسعاً ومؤذياً للجميع. ولم تكن المدينة مليئة بفقراء البلد ذاته فحسب, بل وكانت مليئة بفقراء العالم, وخاصة الفرس والأفغان الذين كان الفقراء منهم يأتون للبقاء بقرب الحسين ويبدون الاستعداد للعمل بأبخس الأثمان من أجل البقاء وزيارة العتبات المقدسة يومياً. 

كربلاء مدينة مفتوحة على العالم الديني في الحياة والممات, فهي المزار الأول للكثير من البشر من أتباع المذهب الشيعي من مختلف بقاع العالم الإسلامي ومن مسلمي الغرب الشيعة من جهة, كما أنها كانت وما تزال مقبرة للأموات من المسلمين الشيعة من جهة أخرى.

كانت كربلاء مدينة الإله بعل في العراق القديم, وكانت في ذلك الحين مقبرة أيضاً للكثير من الموتى من مدن أخرى في بلاد ما بين النهرين, وللمدينة أسماء كثيرة. كم هي قديمة هذه المدينة, وكم أصبحت بيوتها خربة حتى كاد بعضها يتكئ على البعض الآخر خشية السقوط. هذا ما تبقى في ذاكرتي عن كربلاء منذ الطفولة, رغم التغيير الذي حصل فيها وعليها.

انفتاح المدينة على مختلف القوميات سمح للشباب أن لا يكونوا متعصبين ومتشددين إزاء الأديان والمذاهب المختلفة, بل يشعرون بالأخوة مع جميع القوميات, مما ساهم في أن يكون للحزب الشيوعي حظاً أوفر مما للقوى القومية المتشددة, خاصة وأن أهل كربلاء كانوا يقيمون علاقات حميمة مع الآخرين, سواء من مدن العراق الأخرى أم من دول أخرى. في هذه المدينة تعرفت لأول مرة على الشاعر صادق الصائغ في العام 1952 حين كان يأتي إلى زيارة المدينة في فترة عاشوراء, إذ كان خاله المنولوجست المعروف عزيز علي يدير متجراً لشركة باتا لبيع الأحذية, وكان صديقاً لابن أخي الرسام العراقي المعروف حميد العطار.

* دخولك المعترك السياسي مبكرا، خلفيته التاريخية وهل كان تحت تأثير أحد أو جهة ما؟ وما الذي جذبك إلى الانتماء إلى الحزب في هذه السن؟

كنت صغيراً حقاً حين انخرطت في العمل الطلابي والسياسي, إذ كنت لتوي قد تركت الصف الأول المتوسط حين تعرفت على شابات وشباب يميل بعضهم أو ينتظم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. سرت بصورة عفوية في مظاهرة 1948 دون أن أعي أسبابها حين كنت قد غادرت المدرسة فوجدت المتظاهرين يسيرون في الشارع وسرت معهم لأهتف دون فهم للشعار ضد معاهدة بورتسموث, ولكن شاركت بفعالية بعد عدة سنوات وقدت عفوياً المظاهرة الرئيسية في المدنية في أحداث انتفاضة 1952, حيث كنت قد ارتبطت بتنظيم الحزب الشيوعي العراقي حينذاك. وكان الحزب موجهاً فعلياً للمظاهرة.

عملت في حركة السلام منذ العام 1951, سعينا لجمع التواقيع على نداء أنصار السلام ضد الحرب والقنبلة الذرية. وأتذكر أني مررت على سمكري وأخذت توقيعه على النداء, وكان يجلس عنده رجل آخر وقع أيضاً على نداء السلام وكتب مقابل اسمه وتوقيعه: عامل عاطل باطل. لقد برهن هذا العامل البسيط على أنه واع سليم لواقعه وواقع البلاد ومسؤولية الدولة في ما يعانيه من بطالة في بلد غني بالثروات الأولية!

كانت الشرطة السرية التي تراقبني وبقية المناضلين تخبر والدي قبل مجيئهم لتحري الدار, إذ كان الوالد أحد الشخصيات الاجتماعية في المدينة. وكان على والدي أن ينقذ بالة التنباك التي يشتريها بالسوق السوداء لأغراض الشيشة (النركيلة) قبل أن يتسنى لي إنقاذ أدبياتي الحزبية الخاصة, إذ كان والدي قد أصبح من أغنياء المدينة في فترة الخمسينات وكان مالكاً لمعملين للثلج والطحين مع شريك له, وضامنا لأراضي زراعية ومالكا لمخزن كبير لخزن التمور.

في العام 1953 طلب تنظيم الحزب الشيوعي مني ترأس وفد احتجاجي ضد أصحاب معامل الثلج في كربلاء بسبب اتفاق تم بينهم على احتكار بيع الثلج وفرض أسعار احتكارية عالية في أشهر الصيف حيث الحرارة على اشدها ولا يمكن الاستغناء عن قوالب الثلج, وكنت قد سمعت ذلك صدفة من والدي وأبلغت الحزب واقترحت تنظيم الاحتجاج. وقد نجحنا في مقابلة المتصرف ورئيس البلدية وفي كسر الاحتكار. وسألني المتصرف (المحافظ) ألست ابن الحاج حبيب العطار صاحب معامل الثلج؟

أجبته: نعم, ولكن ليس والدي وحده هو من قام بذلك بل مع غيره من أصحاب معامل الثلج وعلينا كسر الاحتكار لصالح الناس. على أثر ذلك أُجبر والدي على دفع الغرامة المتفق عليها التي تفرض على من يكسر الاحتكار وهي 200 دينار عراقي, وهو مبلغ كبير وقتذاك, إذ اعتبروا ابن الحاج حبيب مسؤولاً عن كسر احتكار سعر البيع, إذ أبلغ المتصرف أصحاب المعامل بترأسي الوفد. كنت مسؤولاً في هذه الفترة عن تنظيم عدد من طالبات الثانوية في المدينة حيث كنا نسعى إلى تطوير هذا التنظيم الحزبي في حينها, إضافة إلى عملي في اتحاد الطلبة وفي تنظيم الحزب الذكوري. 

*هل كانت في ذلك الوقت في مدينة كربلاء وسائل لهو للفتيان؟

ـ في مدينة كربلاء لا توجد سينمات ولا مسارح عدا مسرح الثانوية الذي يقدم في فترات متباعدة أعمالاً مسرحية ينظمها الأستاذ الفنان المبدع والرائع الراحل جعفر السعدي, إذ كان يأتي خصيصاً من بغداد لتدريبنا وكنت أحد ممثليه في مسرحية البخيل بدور كليانت, وفي مسرحية في سبيل التاج بدور قسطنطين. وبعدها تم اعتقالي لأسباب سياسية. آخر مرة التقيت بالفنان الكبير كانت في العام 2002 حين زار برلين وكان الفنان والمسرحي الراحل الدكتور عوني كرومي قد نظم تلك الزيارة له ولبعض الفنانين, وكان عوني قد درس فن التمثيل على يدي السعدي.

* في سن المراهقة بالذات تتأجج المشاعر والغرائز، ولكنها تكبت في مثل ظروف اجتماعية قاسية في مدينة ككربلاء، فهل كان من الممكن ممارسة طقوس الحب آنذاك؟

ـ في مدينة كربلاء يحرم الذكور من الاختلاط بالبنات, سواء في المدرسة أم في الخارج. ولهذا كان الحب والشوق للآخر والرغبة المتبادلة على أشدها. كنت كبقية الشباب عاشقاً, وكانت اللقاءات محفوفة بالمخاطر وتتم في شارع العشاق, وهو شارع جميل مشجر معروف بهذا الاسم. وكل اللقاءات لا تتجاوز بأي حال الحب العذري الذي يقتصر على تبادل القبل المنعشة للروح والجسد, فهي الثمرة المحرمة في هذه المدينة المسكينة, ولكنها الأجمل والتي لا تنسى لأنها تعبر عن الحب الأول ولأنها ثمرة محرمة, فالإنسان حريص على ما منع. ارى بأن الحب هو الأجمل في الحياة وهو الذي يقصي الكراهية والحقد بعيداً عن الإنسان وهو الذي يغني الإنسان بالراحة النفسية والسعادة والسرور.

* والله غريبة! وأعجب لوجود شارع العشاق في كربلاء في ذلك الزمن، ولابد من أنه اختفى!!

بقدر ما تكون المدينة محافظة ـ أي مدينة ـ بقدر ما تكون رغبة الانعتاق من القيود شديدة والرغبة في التحرر منها عظيمة وقاهرة, وخاصة عند الشباب, ولم تكن كربلاء شاذة عن هذه القاعدة. وكان الناس يستثمرون فرصة عاشوراء والأربعينية لتبادل اللقاءات, حيث كانت حرية البنات في الحركة أرحب, وإمكانية اللقاءات في الشوارع وعبر العزاءات وغيرها أفضل.

كان وما زال المحافظون, ومنها المؤسسة الدينية وأغلب رجال الدين على وجه الخصوص, في مدينتي القديمة مخطئين, فهم يكافحون حرية الإنسان ويفرضون القيود الثقيلة عليه ويدفعونه إلى المعصية دفعاً, تلك القيود التي رفضها الأقدمون حين قال عمر بن الخطاب: "كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". لقد خلق الذكر للأنثى والأنثى للذكر, فما سبب هذا القهر والإبعاد القسري عن بعضهما البعض. إنها سياسة فاشلة في فرض أخلاق معينة تقود باستمرار إلى الضد منها. هكذا علمتني الحياة في هذه المدينة البائسة والطيبة والحزينة أبداً.

* ولكنك اعتقلت في سن مبكرة، فما كانت التهمة الموجهة ضدك؟

ـ في هذه المدينة اعتقلت مع آخرين بتهمة التشرد (المادة 78 و79 من قانون العقوبات البغدادي), رغم وجود دار وعائلة لي وللآخرين, ومنهم الصديق والرفيق القديم جاسم حلوائي (أبو شروق) في زمن الملكية (1955), والبعض يتحدث عن عدالة مؤسسة القضاء في زمن الملكية. الصحيح أن هناك بعض الحكامً الذين اتسموا بالعدل وليس القضاء العراقي كمؤسسة.

كنت صديقاً لفنانين شيوعيين هما عبد الأمير الصراف وعبد اللطيف المعملجي, وكلاهما كان كمنجاتيا. وكنا نعمل سوية ومعنا عراقي افغاني الأصل اسمه طاهر نسيم التقيته في أفغانستان في العام 1988 أثناء سفري إلى كردستان عبرها وعبر إيران بصورة سرية, وكان يعمل في إطار الدولة التي أسقطها التحالف الغربي الإسلامي المتطرف بعد فترة وجيزة ولا أعرف عن مصيره شيئاً.

* خلال معرض حديثك، تحدثت عن وجود أديان أخرى وطوائف متعددة. هل كنت تعني بوجود عراقيين من أديان أخرى غير الدين الإسلامي مثلا وهل كنت على معرفة وعلاقة شخصية بهم ؟

ـ كان يعيش في مدينة كربلاء إنسان عراقي طيب القلب. مناضل شيوعي من أتباع الديانة اليهودية اسمه يعقوب. كان يعمل يعقوب ميكانيكياً, وكانت صلته التنظيمية بي. كان الرجل ضد الصهيونية وكان يرفض المغادرة إلى إسرائيل وحاول البقاء وسكتت عنه الشرطة لفترة طويلة لأنه كان إنساناً أميناً وشريفاً ومساعداً للغير ولم يعرفوا عن هويته الحزبية حينذاك, ولكنها أجبرته على المغادرة. عندما ودعته كانت الدموع تملأ عينيه والغصة في بلعومه والألم يمزق داخله. لم أسمع به منذ ذلك الحين.

* ألا تعتقد أن البيئة الفكرية والسياسية التي عاشها أقرانك تتعارض مع نمط الحياة التي كانوا يمارسونها كل يوم كالآخرين في كربلاء آنذاك؟

ـ من المفارقات اللطيفة أن أغلب العاملين في مرافقة الزوار في كربلاء هم من العناصر الديمقراطية, سواء في الحزب الوطني الديمقراطي أم الحزب الشيوعي العراقي أم بالقرب منهما, وهي من الناحية الشكلية مسألة متعارضة مع ما كانوا يقومون به شكلياً, ولكنها كانت تعبر عن واقع الحياة في كربلاء, إضافة إلى معاناتهم المادية وفقر حالهم عموماً, إذ كان الأغنياء منهم هم كليدارا الحرمين وكبار رجال الدين. 

* مذ فتحنا أعيننا ونحن نشهد مراسيم العزاء بذكرى استشهاد الحسين فترى الناس يكادوا يقتلون أنفسهم حزنا عليه، وكانت تهزنا جميعا فنبكي معهم. هل برأيك هي خاضعة لتعاليم الدين الإسلامي أم هو تعبير أو تنفيس عن الألم الذاتي؟

في مدينة كربلاء الحزينة أبداً تتم مراسيم العزاء سنوياً على استشهاد الحسين وافراد المجموعة التي كانت معه على أيدي جيش يزيد بن معاوية. والتعازي يفترض أن تتم وفق أسس لا تقود إلى إيذاء الإنسان. ولكن كيف يجري ذلك في العراق. لنأخذ نموذجاً من عمل المؤسسات الدينية في العراق وإيران. ففي هاتين الدولتين تمارس جماعات من الشيعة الاثنى عشرية الجعفرية طقوس اللطم على الصدور والضرب بالسلاسل المسننة على الظهور والتطبير أو شج الرؤوس بالسيوف وإسالة المزيد من الدماء ولمختلف الأعمار. وهي تقاليد موروثة عن تقاليد ومجتمعات قديمة جاءت إلينا من الهند ولم تكن عراقية أو إيرانية بحتة, وهي بدع لا تجرأ المؤسسات الدينية على منعها بل تشجعها رغم إدراكها بأنها مخالفة للدين الإسلامي وللشريعة الجعفرية أيضا, التي وضع أسسها الإمام جعفر الصادق. وهي إحدى الإشكاليات الكبيرة التي تعاني منها مدينة كربلاء على نحو خاص. وهي تقاليد لا يمكن إزالتها بالقوة أو المنع كما فعل نظام البعث الصدامي, بل يفترض أن يمارس التثقيف من خلال علماء دين أحرار يتسمون بالتفتح والوعي بأمور الدين الإسلامي والشريعة الجعفرية وبالرفض لكل عمل يلحق الأذى والضرر بالإنسان سواء عبر نفسه أو عبر آخرين. 

* متى بدأت مشاكسات السلطة لك، ومتى كان أول حكم بالسجن عليك؟ حدثنا عن ظروف السجن، ومع من كنت في السجن؟

بدأت مشاكسات السلطة لي ولبقية المناضلين في كربلاء في أعقاب انتفاضة 1952 . اعتقلت أول مرة في العام 1955 وفصلت من الثانوية ثم حكم على بالسجن لفترة قصيرة ثم أرسلت إلى معسكر الشعيبة في البصرة كجندي إجباري, ثم تسرحت من الخدمة واعتقلت بعد فترة وجيزة ثم حكم علي ودخلت السجن ثم الإبعاد في بدرة لأكثر من عام حتى تم فك أسري في حزيران من العام 1958, أي قبل ثورة تموز بشهر واحد فقط, وكانت تنتظرني محاكمات أخرى بسبب اعترافات وردت علي من مسؤول التنظيم السابق في كربلاء حزام عيال, ولكن الثورة أنقذتني من المحاكمة والسجن المؤكد. قضيت فترة في سجن الحلة (المحجر) وفي السجن العسكري في الشعيبة وفي السجن المركزي ببغداد وفي سجن بعقوبة في غرفة الانفرادي. دخلت معمعان السجون والإبعاد حين كان عمري تسعة عشر عاماً وانتهيت منه حين أصبح عمري 23 عاماً. كان معنا في السجن الكثير من الشخصيات المعروفة في العراق, وأخص بالذكر منهم الشاعر الكبير الراحل عبد الله گوران الذي تميز بالمرح والنكتة الجميلة والشخصية الودودة.

كنا جميعاً نعتبر السجن مدرسة للمناضلين, حيث يفترض أن يتعلم فيها السجين الشيوعي الصلابة ويتتلمذ على أيدي مناضلين آخرين. ولهذا لم نكن حذرين تماماً أمام مراقبة ومطاردة الشرطة لنا. لم تكن حياة السجن سهلة, بل كانت صعبة, ولكن هكذا هو حال كل المناضلين حينذاك. ولم تكن السجون مدرسة فعلية, إذ كانت محدودة في قدرتها على التثقيف او في توسيع أفق الإنسان.

كان مدير السجن في الحلة حين كنت فيها عبد الجبار أيوب, الذي أعدم في أعقاب الثورة. وكان مدير السجن في السجن المركزي ببغداد لطفي الخزرجي, وكان مدير سجن بعقوبة على زين العابدين. لقد كانوا يعملون مع السجانة على تحويل السجن إلى جحيم لا يطاق. لقد عذبت كالآخرين في هذه السجون الثلاثة, وكذلك في السجن العسكري, وكان التعذيب شرساً جداً, وقبل ذاك كان التعذيب الأشرس في التحقيقات الجنائية. كانوا يسعون إلى الوصول إلى ثلاثة أهداف:

  • الحصول على معلومات يفشي بها المناضل عن تنظيماته ورفاقه.

  • إسقاط المناضل سياسياً بتقديم البراءة من الشيوعية والشيوعيين.

  • إبعاده عن السياسة. 

كان الفشل نصيبهم في الغالب الأعم مع أغلب المناضلين ولم يحققوا أهدافهم معي أيضاً. كتبت شيئاً عن التعذيب الذي تمارسه التحقيقات الجنائية في العهد الملكي وفي فترة وجود سعيد قزاز على رأس وزارة الداخلية, حيث كانت التحقيقات الجنائية تابعة لوزارته وكان يعرف ما يجري فيها من تجاوزات فظيعة ضد الإنسان السياسي والمناضل ضد سياسات النظام الذي يؤيده. أفند في ردي هذا على ادعاء السيد على بن حسين بن علي بن حسين, شريف مكة, بأن النظام الملكي كان ديمقراطياً.

* وفي زمن نظام البعث؟

ـ وفي زمن البعثيين اعتقلت في العام 1978, وكان التعذيب شرساً أيضاً وأشرس بكثير من فترة النظام الملكي. لقد كان التعذيب مميتاً بالنسبة إلى كثرة كاثرة من المناضلين في زمن البعث. يمكنكم العودة إلى التعرف على شراسة حكم البعث في أعقاب انقلاب 1963 أو في العامين 1970/1971 أو في الأعوام التالية لعام 1977 لا للشيوعيين فحسب, بل لعدد كبير من مناضلي الأحزاب الأخرى العربية منها والكردية أو من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة بمن فيها قوى الإسلام السياسي.

* هل كانت السياسة محفزا لاختياركم دراسة الاقتصاد السياسي؟ وهل وافق الأب، خاصة وأن الآباء الأغنياء يطمحون إلى أكثر من ذلك؟

ـ كان والدي يطمح أن أدرس الطب بعد أن ترك أخي دراسة الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت ودرس الكيمياء في أمريكا وألمانيا. لهذا دخلت الفرع العلمي. فصلت حين كنت في الصف الخامس العلمي من المدرسة. في العام 1959 غادرت إلى ألمانيا الاتحادية لدراسة الثانوية هناك. رفضوا معادلة سني الدراسة, عدت إلى لبنان وأكملت الدراسة الثانوية بتفوق + Aِ. عودلت شهادتي دون الحاجة إلى سنة تحضيرية في ألمانيا الاتحادية. قررت دراسة الاقتصاد السياسي حين حصلت على زمالة من اتحاد الطلاب العالمي من خلال اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية للدراسة في ألبانيا, ثم استبدلت للدراسة في برلين في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. لم يكن هناك أي تأثير سياسي من الحزب الشيوعي أو من أي شخص آخر على وجهتي لدراسة الاقتصاد السياسي, بل كانت ناجمة عن رغبتي الخاصة بسبب قراءاتي خلال الفترة السابقة في الإبعاد في بدرة ورغبتي في فهم الواقع الاقتصادي في العراق والعلاقات الاقتصادية الدولية.

* وما دمنا وصلنا إلى الاقتصاد السياسي، برأيكم هل كان من الممكن تطبيق النظرية الماركسية في الدول العربية خاصة وأنها فشلت في التطبيق كما يقال في عقر دارها؟

ـ هناك خطأ فادح شائع في بلادنا وفي بلدان أخرى مفاده أن الماركسية فشلت في التطبيق في البلدان الاشتراكية, فكيف لها أن تنجح في العراق. الماركسية ليست سوى منهج علمي لدراسة وتحليل واقع هذا المجتمع أو ذاك وواقع العلاقات الإقليمية والدولية. إن عبقرية ماركس تكمن في الكثير من المسائل التي توصل إليها, ولكن أحاول أن أركز على عدة نقاط جوهرية أساسية منها, وهي:

  1. تطويره للمنهج الجدلي الذي توصل إليه هيجل في التحليل وإرسائه على أسس مادية بدلاً من مثالية هيجل. 

  2. استفادته القصوى من المعارف السابقة والمنهج المادي الديالكتيكي لتحليل المجتمع الرأسمالي واكتشاف القوانين الموضوعية الفاعلة فيه والمؤثرة على اتجاهات تطوره, إضافة إلى مساهمته في اكتشاف قوانين التطور الاجتماعي.

  3. تأكيده الواضح بأن بناء الاشتراكية لا يمكن أن ينجز إلا على قاعدة اقتصادية رأسمالية متطورة ومتقدمة وليس على أرضية العلاقات الإقطاعية.

  4. تأكيده على أن الاشتراكية لا تبنى إلا على تطور المجتمع الرأسمالي الذي يعني في مجتمع مدني متقدم, والذي يعني بدوره وجود الحرية الفردية وسيادة الديمقراطية في ظل البرجوازية, مع ما في المجتمع من تناقضات.

  5. تأكيده على واقع الاستغلال الذي يتعرض له العمال والمنتجين عموماً في ظل الرأسمالية, باعتبار الاستغلال يشكل مضمون النظام الرأسمالي وقانونه الموضوعي.

من هنا يتبين بأن حرق المراحل لم تكن من ضمن تصور ماركس, كما أن ماركس لم يتوسع في دراسة المجتمع اللاحق للرأسمالية, إذ أن ذلك لم يكن ممكناً, بل كان تحليله الأساسي للرأسمالية القائمة في أوروبا. ومن هنا نفهم الأسباب الكامنة وراء عودة الرأسماليين في الدول الرأسمالية المتقدمة إلى دراسة كتاب رأس المال لكارل ماركس. ومن هنا يمكنني أيضاً القول بأن الذي فشل في العالم هي تلك التجارب التي تخلت عملياً عن فكر أو بتعبير أدق عن منهج ماركس وسقطت في أحضان الفكر المبتذل والتحليل السطحي المعبر عن الإرادات وليس عن الواقع القائم وتحليل هذا الواقع واتجاهات تطوره. ومن هنا كان السبب في فشل تلك التجارب التي لم تربط بين العدالة والحرية الفردية, والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات. إن المدرسة اللينينية قامت في روسيا وعلى أرضية علاقات إنتاجية إقطاعية وشبه رأسمالية لم تتطور بعد, وأريد لهذا المجتمع أن يحرق المراحل صوب الاشتراكية والشيوعية, مما أدى بعد مرور ما يزيد عن سبعة عقود ونيف من السنينً إلى السقوط تحت ثقل العبء الداخلي, إضافة إلى التأثير الخارجي.

فكر العدالة الاجتماعية لم يسقط بسقوط تلك النظم السياسية, بل أن الذي سقط هو الفصل القسري بين العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشمولية أو الاستبداد الحزبي والفردي. لقد كان الإنسان وسيبقى يناضل في سبيل هذه المثل, وأن التجارب السابقة ستساعده في المستقبل على تجنب تلك الأخطاء القاتلة, وعلينا أن ندرك أيضاًً بأن العدالة الاجتماعية ليست مطلقة بل نسبية, وهو ما لا يجوز نسيانه بأي حال. لقد فرضت اللينينية نفسها على الحركة الشيوعية العالمية واعتبرت ماركسية القرن العشرين, ولكنها لم تكن كذلك. كان لينين عبقرياً ولكن في ظروف بلاده وارتكب ما يكفي من الأخطاء في حينها وكان المؤسس الأول لتلك الأخطاء التي تعمقت بوجود ستالين ومن يماثله على رأس الحزب والسلطة. وكان أكبر تلك الأخطاء تعميم النمط الروسي على أنه دولي وقابل للتطبيق في كل البلدان والظروف. وقد انتشرت أساليب ستالين وعممت على جميع الأحزاب السياسية التي كانت في السلطة, أو تلك التي لم تكن في السلطة وفي الكثير من الأمور بما في ذلك وقبل كل شيء عبادة الفرد والفردية والمركزية الديمقراطية ودكتاتورية البروليتاريا والديمقراطية الشعبية ...الخ, التي انتقدتها في حينها روزا لوكسمبورغ وقالت عنها أنها لا تسعى إلا إلى خلق مصطفين ومؤيدين للمسؤولين في الدولة وفي السوفييتات.

* لقد توجهت إلى كردستان لحمل السلاح بوجه النظام السابق، ماذا أضافت تلك التجربة ، حدثنا عنها بشكل مفصل إن أمكن.

ـ تجربة كردستان وحركة الأنصار كانت غنية بالنسبة لي ولكل المناضلين من شيوعيين وغير شيوعيين. وعلينا أن نقول بوضوح بأنه وبقدر ما كانت الأحزاب الكردية مستعدة للنضال في كردستان العراق في حركة البيشمركة, لم يكن الحزب الشيوعي مستعداً لذلك بسبب تحالفه مع حزب البعث أولاً وما نشأ عن ذلك من إشكاليات للحزب في علاقاته مع القوى الأخرى ثانياً. لقد ساهمتُ في الدعوة إلى الكفاح المسلح وحركة الأنصار وانتقال الحزب إلى هذا الأسلوب مع ممارسته للأساليب النضالية الأخرى لإسقاط النظام الدكتاتوري, لاعتقادي بقدرتنا على إضعاف النظام والتهيئة لإسقاطه في الداخل, وليس من كردستان, إذ لم أكن مقتنعاً بقدرتنا على إسقاطه من كردستان, كما كان بعض الرفاق في حينها يعتقدون بذلك, أي التصور بقدرة الحركة الأنصارية على الزحف من كردستان صوب بغداد لإسقاط النظام.

حركة الأنصار قدمت تجربة غنية, ولكنها في الوقت نفسه مؤلمة جداً, إذ سقط الكثير من المناضلين من مختلف القوى السياسية في القتال ضد السلطة أو في القتال الداخلي بين الأحزاب السياسية العراقية. وكانت الخسائر فادحة في المعارك في ما بين القوى السياسية ذاتها, وخاصة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وكان الحزب الشيوعي طرفاً في بعض تلك المعارك إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني. وتحتاج هذه المرحلة من تاريخ الحركة السياسية العراقية إلى دراسة معمقة لاستخلاص الدروس بثلاثة اتجاهات مهمة, وهي:

  1. المخاطر الجدية والكبرى التي تواجه الحركة السياسية العراقية عندما تتخلى الأحزاب السياسية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في ممارساتها الداخلية وفي ما بينها.

  2. مدى أهمية وصحة خوض الكفاح المسلح وممارسة العنف, ومدى أهمية وضرورة الانتقال إلى النضال السلمي للوصول إلى الأهداف.

  3. هل يحق لنا تمجيد الشهادة بالقدر الذي يدفع بالمناضلين إلى طلب الشهادة في النضال الوطني.

لقد فقدنا الكثير من الناس الطيبين في معارك الأنصار لأسباب لا يمكن تبريرها بأي حال. وأشعر اليوم بالأسى الشديد على فقدان هؤلاء الناس الأوفياء لوطنهم وشعبهم ولحريته وسلامته.

لم يكن اختيار الكفاح المسلح بعيداً عن الأوضاع التي سادت العراق في الأعوام التي تلت النصف الثاني من العقد الثامن من القرن العشرين, إذ كان القتل والاعتقال والتعذيب والتشريد واسعاً ضد الشيوعيين وضد بقية القوى السياسية, وكانت كردستان إحدى المواقع الآمنة للمناضلين, وكان لا بد من حمل السلاح دفاعاً عن النفس ضد غارات وحملات النظام الاستبدادي. وبالتالي فرض الكفاح المسلح نفسه. وشعر كل منا بعدم معقولية ترك الآخرين يناضلون ونحن في مأمن في الخارج. ولهذا قررت المشاركة في الكفاح المسلح وساهمت بما يزيد عن أربع سنوات, وتنقلت بين مناطق كردستان المختلفة بين سوران وبهدينان. وكنت واحداً من هؤلاء المناضلين من مختلف الأحزاب السياسية العراقية, العربية منها والكردية أو المختلطة كالحزب الشيوعي العراقي الذي ضم في صفوفه النساء والرجال والعرب والكرد والتركمان والكلدان الآشوريين, ومن مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وأيزيديين وشبكيين وكاكائيين, ومن مختلف المحافظات العراقية.

إنها تجربة فريدة ينبغي لها أن لا تتكرر, ارتُكِبتْ فيها الكثير من الأخطاء والنواقص, وخاصة من القيادات السياسية والعسكرية على نحو أخص, ولا استبعد نفسي من الوقوع بالخطأ ومن تحمل مسؤولية المشاركة في ارتكاب الأخطاء, وقد اعتذرت وأعتذر الآن لمن أسأت أو شاركت في الإساءة إليه بشكل من الأشكال أو كنت سبباً في تعرضه إلى الأخطار والمصاعب, إذ كنت أحد المسؤولين اًلسياسيين في حركة الأنصار الشيوعيين.

لقد حصل أول لقاء فعلي بين القيادات الشيوعية والقاعدة الحزبية في حركة الأنصار, وكان أغلب الأنصار من المثقفين من عرب وكرد, وقلة قليلة من الفلاحين أو العمال العرب والكرد, وبالتالي اكتشف الكثير من الأنصار ضعف البعض غير القليل من أعضاء القيادة الحزبية والعسكرية وضعف الكادر القيادي عموماً وذاتية البعض الكثير منهم. لقد كان محكاً مهماً, كما في حالة السجون. وكان الأنصار يتعاملون مع قياداتهم في ضوء تعرفهم على واقع كل منهم. ولهذا كان وضع بعض القياديين ليس سهلاً, بل رُفِضوا من القاعدة الحزبية ومن الأنصار أيضاً, في حين قبل البعض الآخر لأسباب إيجابية كثيرة. وعلى العموم يمكن القول بأن الأنصار تميزوا بنكران الذات والرغبة في الدفاع عن الوطن وعن حرية الشعب, فقد كان شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان على رأس قائمة الشعارات الأساسية, إضافة إلى إسقاط الدكتاتورية ونظام صدام حسين. لقد كان هناك الكثير من الرفاق الأنصار في القاعدة الحزبية برهنوا على أنهم أفضل من عدد غير قليل من القياديين لا من حيث نكران الذات فحسب, بل ومن حيث الفكر والممارسة والنضال.

* عرفتُ إلى جانب السلاح لم تضع قلمك جانبا قط، فماذا أنجزت خلال تلك السنوات؟

ـ كانت كردستان بالنسبة لي مجالاً رحباً للتعرف على الإنسان العراقي, سواء أكان عربياً أم كردياً أم من قوميات أخرى, كما كانت مجالاً رحباً لفهم الإنسان العراقي. وتسنى لي أن أنجز دراسة كاملة عن النظام الاستبدادي في العراق تحت اسم "الفاشية التابعة في العراق" والذي عملت أكثر من عامين لأنجزه وقام بطبعه بعض الرفاق هناك ومنهم الصديق أبو هشام والدكتور إبراهيم إسماعيل طاهر وقمنا بطبعه في وادي " لولان " حيث كان مقر الإعلام. ثم علمت أن قيادة الحزب قررت حرق هذا الكتاب في العام 1984, أي بعد خروجي الأول من كردستان مباشرة لأكون ممثلاً للحزب في هيئة ومجلس تحرير مجلة الوقت/ قضايا السلم والاشتراكية, وبعد تسليمي مسؤولية الإعلام إلى الرفيق القديم عبد الرزاق الصافي (أبو مخلص) الذي قام بتنفيذ قرار حرق 450 نسخة من الكتاب. وهي أول محرقة لكتاب ضد النظام الدموي في العراق يمارسها المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في كردستان. وقد تم ذلك دون علم مني ولم أعرف بذلك إلا في العام 2006 حين كنت في كردستان, وما أزال أمتلك نسختين من هذا الكتاب المحروق في مكتبتي الخاصة. وعندما سألت الصديق أبو مخلص قال أنه لم يتذكر ذلك, ثم عاد ليقول عبر الهاتف: "أبو سامر! انت تعرف كيف كانت تتخذ القرارات!"

* اهتماماتك لم تنحصر في السياسة والاقتصاد بل تعدتها إلى البحث في الميثولوجيا، ومكوثك في كردستان العراق جعلك تتعرف عن قرب عن الأيزيديين الذين لا نعرف عنهم إلا القليل فقدمتهم في كتاب.

ـ كنت في العام 1982/1983 مسؤولاً سياسياً في قاطع بهدينان, وكان الرفيق الراحل توما توماس هو المسؤول العسكري. وكان في هذا القاطع عدد كبير من الأنصار الأيزيديين الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام والحنكة السياسية والعسكرية, وكان من بينهم الرفيق والصديق أو سرباس (صبحي حجو) الذي كان البعث قد قتل جميع أفراد عائلته, زوجته وأطفاله. لم أعرف كونه أيزيدياً بل مناضلاً كردياً وشيوعياً وحسب. ولكن تعرفت بعد ذلك على انتمائه الديني الأيزيدي, وصرت أسأل عنهم وأتتبع ما يمكن الحصول عليه من معلومات عنهم, حتى جمعت في ذاكرتي الكثير من المعلومات التي استخدمتها في الكتابة عنهم بعد خروجي بفترة طويلة. ثم قرأت الكثير عنهم وعن ديانتهم, واستفدت في الوقت نفسه من بعض الأخوة الأيزيديين في الخارج, مثل الصديقين الدكتور خليل جندي والدكتور ممو عثمان وصبحي حجو, وشاركت في مؤتمر دولي عقدوه في هانوفر بألمانيا, واقتربت قليلاً من فهمهم كبشر, فهم أناس شجعان, ولكنهم في الوقت نفسه مسالمون, دينهم مغلق لا يدخله أحد ومن يخرج منه لا يعود إليه. إنها ديانة قديمة وترتبط بالطبيعة وظواهرها المختلفة ولها علاقة بالديانات العراقية القديمة, وخاصة السومرية, والديانات الهندية والقفقاسية القديمة. الأيزيديون كرد ويشكلون جزءاً من الشعب الكردي وطاووس ملك هو المجسد للإله الواحد الأحد, فهم ثنيويون في الواحد, فالخير والشر يتجسدان في الواحد وليس في اثنين, ومنه يفترض عدم الإساءة لممثل الشر في الواحد, إذ أنه الخير أيضاً.

* يهمني أن أعرف ماذا تعني لديك كلمة ثقافة ومن هو المثقف الحقيقي؟

المثقف هو إنسان لا يختلف عن الآخرين إلا في أربع مسائل جوهرية:

  1. مستوى قراءاته المتنوعة واتساع معارفه الإنسانية وقدرته في التعبير عنها في حياته اليومية.

  2. مستوى وعيه ومدى قدرته على استيعاب الواقع واستخدام معارفه وثقافته في صالح المجتمع الذي يعيش فيه أو أوسع من ذلك, بغض النظر عن طبيعة تصوره لتلك المصالح وأساليب وأدوات تنفيذه.

  3. قدرته في التعبير عن مكنونات ذاته التي يمكن أن تشكل جزءاً من الوعي الجمعي للمجتمع الذي يعيش فيه دون أن يكون بالضرورة مباشراً.

  4. امتلاكه القدرة على الاستقلالية الفكرية والتعبير بحساسية بالغة عما يقتنع به حتى لو كان ضد رغباته الذاتية ومشاعره الخاصة.

لا شك في أن المثقف, كأي إنسان آخر, يختلف في توجهاته ووجهة ثقافته والمصالح التي يلتزمها أو يدافع عنها أو يلتقي عندها. فمنهم من وقف إلى جانب السلطة, وأطلق عليه بمثقف السلطة, ومنهم من ناهض السلطة ووقف في صف المعارضين لها.

لا يفقد الإنسان خصوصية المثقف إن سقط ضحية الجلاد إن كان الجلاد حاكماً أو قوة إرهابية تفرض عليه سلوكاً معيناً, فهو مثقف ضحية لا غير. ليست الشهادة (التعليمية) سبيلاً للثقافة أو ليكون مثقفاً, رغم أنها عامل مساعد لا غير.

في هذا الإيجاز أقول لا يكفي امتلاك المعارف فقط دون القدرة والسعي لاستخدامها كمثقف, فالحكمة المندائية القديمة تقول "ويل لعالم لا يمنح علمه, وجاهل منغلق على نفسه". ورغم هذا الإيجاز يصعب على الإنسان إعطاء تعريف عام وشامل للمثقف, خاصة وأن مستوى الثقافة نسبي والزمن متغير.

وأشير هنا بأن الثقافة لا تنحصر في الشاعر أو الروائي أو كاتب القصة, بل هي أوسع من ذلك بكثير وتشمل حقولاً مختلفة كالفلسفة وعلم النفس والتربية والسياسة والمسرح ..الخ, إضافة إلى مختلف العلوم الأخرى, ولكن من يمتلك هذا العلم أو ذاك يُفترض ان يعي العلاقة الجدلية بين مختلف حقول الثقافة الإنسانية وتطورها عبر الزمن وتراكمها لا في مجتمع واحد, بل في جميع المجتمعات, إذ أنها تجسيد (لـ) وتتجسد في, حضارة الإنسان على امتداد التاريخ. والمثقف يفترض أن يدرك مدى أهمية التفاعل والتلاقح بين الثقافات المتعددة للشعوب, وأهمية الحرية والديمقراطية للحياة الثقافية ولإبداع المثقف, إذ أن الفكر الشمولي والنظام الشمولي ليست سوى محاولات فعلية لعملية قتل فعلي للثقافة والمثقف.

الإنسان بحاجة إلى الثقافة كما يحتاج إلى الأكل والشرب والملبس والمسكن, إنها ليست غذاءً للروح فحسب, بل هي الأساس لفهم الحياة ومكانة ودور الإنسان فيها. فالإنسان بحاجة إلى الشعر والقصة والرواية والأسطورة والخرافة والصحافة والإعلام, إلى الرقص والغناء, إلى المسرح والرياضة, إلى العلم, إلى المودة في الملبس والسكن وفي كل شيء, إلى اللغة وتطورها وسبل التعبير فيها وغيرها من جوانب الثقافة الإنسانية. إنها الحياة حقاً. 

* لندخل الآن في الوضع الاقتصادي العراقي الراهن. هل تعتقد أن هناك برنامجا اقتصاديا لدى الحكومة العراقية؟ وما هي توجهاته وأهدافه؟ نحن نعرف أن البرلمان لم يتمكن بعد لإعداد ومناقشة وإقرار أي خطة اقتصادية، فما الذي يجري الآن ومنذ ثلاث سنوات؟ هل هو ما تمليه قوات الاحتلال، أم أن كل شئ متروك للارتجاليات الآنية؟

ـ لا أتلمس أن للحكومة برنامجاً اقتصادياً واضح المعالم وملموس يمكن تنفيذه خلال السنوات الأربع القادمة. ولا أرى صواب مطالبة الحكومة بوضع إستراتيجية بعيدة المدى وخطة اقتصادية تسعى إلى تغيير بنية الاقتصاد العراقي, وبالتالي تغيير بنية المجتمع في المرحلة الراهنة. والسبب في ذلك يكمن في استمرار الإرهاب والعجز عن وضع وتنفيذ خطة عقلانية يمكن تنفيذها, إضافة إلى وجود تأثيرات خارجية معرقلة لمثل هذا الجهد. ولهذا يتعين على الحكومة العراقية والمجتمع, كما أرى, في المجال الاقتصادي إيلاء اهتمام خاص بخطة طوارئ اقتصادية تتضمن ما يلي: 

  1. التفكير بزيادة استخراج وتصدير النفط الخام وتوفير الأموال الضرورية لخطة الطوارئ التي لا تستهدف حالياً وبشكل مباشر تغيير بنية الاقتصاد الوطني, إذ أن هذه المهمة يمكن تأجيلها لأربع سنوات قادمة إلى حين تنجح الحكومة في توفير الأمن وتحقيق الاستقرار والسلام في العراق. وبالتالي توجيه موارد مالية لتأمين المصالحة ومكافحة الإرهاب .

  2. العمل على تأمين تنفيذ مشاريع اقتصادية كثيرة وقصيرة الأمد وقادرة على امتصاص نسبة عالية من البطالة الراهنة المنهكة للفرد والعائلة والمجتمع والمنشطة للإرهاب والفساد, وتأمين فرص عمل لتلك الجماعات الهامشية التي تعيش على هامش الاقتصاد والحياة الاجتماعية وتعيش في حالة من الفقر والعوز.

  3. التركيز على توفير الخدمات الأساسية للسكان التي تزيل حالة التذمر المتفاقمة في المجتمع وتعزز الثقة بالحكومة.

  4. إقامة المزيد من مشاريع الطرق والجسور والبناء ومشاريع التخزين وتحسين القدرة التموينية للسوق العراقي التي في مقدورها استيعاب أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل وتوفير العيش الكريم للإنسان الذي يعيش اليوم على هامش الاقتصاد والمجتمع.

ويتطلب هذا الأمر:

    • الموافقة على وضع رؤوس أموال كبيرة من جانب الدولة تحت تصرف البنوك العراقية لتقديم القروض ذات المدد القصيرة والمتوسطة وبدون فائدة لمن يسعى إلى إقامة مشاريع صغيرة تساهم في تشغيل المزيد من العاطلين عن العمل وتشارك في الإنتاج.

    • الاستمرار على دعم البطاقة التموينية ودعم استهلاك الوقود (المشتقات النفطية), إذ أن أي تراجع عنهما في المرحلة الراهنة سيقود إلى عواقب سلبية حادة ولا تخدم سوى قوى الإرهاب مباشرة. عندها لا يمكن للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن يقدما المساعدة للعراق في مقاومة الإرهاب.

    • دعم جهود القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني للمشاركة في عملية إزالة أثار الدمار وإعادة بناء المشاريع الخدمية ومكافحة البطالة. 

ولا شك في أن إقليم كردستان الذي يسود فيه الهدوء والاستقرار, وكذلك بعض المحافظات التي يسود فيها الهدوء النسبي, أن تمارس إقامة مشاريع اقتصادية تدخل في إطار التصور التنموي الاستراتيجي مع التركيز على مشاريع إعادة الإعمار والخدمات العامة ومكافحة البطالة في المرحلة الأولى.

إذن, مكافحة الإرهاب ومكافحة البطالة والفساد وتوفير الخدمات في إطار إعادة إعمار العراق هي المهمات المركزية التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة وخلال السنوات الأربع القادمة, وأن كسب ثقة الشعب والمصالحة الوطنية وتعزيز القدرات الأمنية وموارد النفط هي الأدوات التي يمكن بها تحقيق النصر على القوى المناهضة للحياة الحرة والديمقراطية في العراق الفيدرالي الجديد.

* هل يمكن للاقتصاد العراقي أن يقف على قدميه وسط الإرهاب والصراعات السياسية الطائفية؟

ـ لكي لا نلقي لوماً شديداً على حكومة تشكلت لتوها, لا بد من القول بأن الأوضاع غير المستتبة والإرهاب من جهة, والفساد المالي وانعدام المعايير الخلقية لدى الكثير من المسؤولين في أجهزة الدولة وفي مستويات مختلفة من جهة ثانية, والتصورات الخاطئة والسيئة للحاكم بريمر والخبراء الذين عملوا معه ومن تلاه في إصدار الأوامر غير الواقعية من جهة ثالثة, هي السبب في عجز العراق عن تأمين الخدمات وتنشيط الاقتصاد الوطني وامتصاص البطالة في البلاد. ولهذا أرى بأن الآنية والارتجال أو العفوية هي سيدة الموقف خلال نشاط الحكومتين السابقتين, رغم ادعاء الوزراء بغير ذلك. وما تزال الحكومة الحالية لم تحدد بشكل ملموس أولويات سياستها الاقتصادية, رغم الحديث عن أهداف عامة غير ملموسة بتوجهات عملية.

كما تعرفون جيداً, أن الشعب العراقي يعيش محنة كبيرة, مرحلة صعبة ومعقدة في تاريخه الحديث, مرحلة تتميز بغيبوبة العقل والوعي لدى نسبة غير قليلة من أتباع الأحزاب السياسية الإسلامية ذات الوجهة المذهبية التي تتعامل مع الواقع العراقي على أساس طائفي سياسي, وبالتالي تساهم في دعم قوى الإرهاب الفاعلة في العراق, شاءت ذلك أم أبت, إضافة إلى ما تمارسه القوى القومية والبعثية الشوفينية المقيتة. فها نحن نعيش عدة ظواهر مدمرة, وهي:

  • المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين يومياً.

  • هجرة متفاقمة إلى خارج العراق, وخاصة من ذوي الكفاءات العلمية والفنية والأدبية والمثقفين بشكل عام.

  • المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار والعجز عن استكمال مهمات إعادة إعمار العراق وتأمين فرص عمل للعاطلين والناس الهامشيين الذين يعيشون على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذه المجموعة الكبيرة من السكان تشكل جزءاً منها القاعدة الاجتماعية التي يتغذى عليها ويستخدمها الإرهاب الدموي حالياً.

  • تفشي الفساد المالي ونهب موارد الدولة والمجتمع, وخاصة موارد النفط الخام والمساعدات الخارجية.

هذه الوقائع الجارية يراد منها إعطاء الانطباع وكأن الحكومة عاجزة عن تحقيق خطتها الأمنية ومشروع المصالحة الوطنية, وبالتالي نشر وتكريس الإحباط في كل مكان لتأمين الأجواء المناسبة لجر المزيد من البشر إلى صف المعارضة وقوى الإرهاب الدموي. فهل في مثل هذه الأجواء المدمرة يمكن الحديث في القسم العربي من العراق عن استراتيجية للتنمية الوطنية, في وقت ما زالت الحكومة في العراق عاجزة عن إعادة الإعمار وتوفير الكهرباء والماء والهاتف ... الخ للسكان؟ تستوجب استراتيجية التنمية, سواء من حيث الفكر أو توفير مستلزمات وضعها وإقرارها وتنفيذها ومتابعة التنفيذ, وضعاً أمنياً عالياً مقروناً بتوفر مساحة واسعة من الحرية والقدرة على ممارسة هذه الحرية, بما في ذلك الحرية الفكرية والتعبير والمشاركة في الحوار من جانب جمهرة كبيرة جداً من الخبراء والمختصين في مختلف الاختصاصات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والثقافية والفنية والنفسية دون خشية الوقوع ضحية الإرهابيين أو الاضطرار للهجرة, في وقت يواجه العراق قتل وتعويق وهجرة مستمرة لكوادره العلمية والتقنية والفنية ومثقفيه. لهذا أرى ضرورياً أن تولي الحكومة, وكذا المجتمع, اهتمامها الخاص من أجل وضع خطة طوارئ في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية تمتد إلى نهاية ولاية السيد الدكتور المالكي, تتضمن ثلاثة أهداف تتماشى مع حاجات العراق الراهنة والمباشرة, وأعني بذلك:

أولاً: في مجال السياسة والأمن: تحقيق المصالحة الوطنية ومكافحة الإرهاب وحل المليشيات والعمل من أجل تخفيف ثم القضاء على غلواء الطائفية السياسية المستفحلة حالياً.

ثانياً: في مجال الاقتصاد: زيادة استخراج وتصدير النفط الخام وزيادة موارد البلاد المالية والعمل من أجل مكافحة البطالة وتوفير الخدمات لفئات المجتمع.

ثالثاً: ثم مكافحة الفساد المالي والإداري المحلي والمستورد من الخارج.

سيحتاج الاقتصاد العراقي لكي يقف على قدميه إلى حدود عقدين من السنين. والوقوف على قدميه نعني به نشوء اقتصاد عراقي يتسم بالديناميكية الداخلية والقدرة على تطوير عملية إعادة الإنتاج واستخدام عقلاني لموارده الاقتصادية المادية والبشرية. ويمكن تعجيل هذه المرحلة حين يتسنى للحكومة العراقية تحقيق ما أشرنا إليه في أعلاه: أي إيقاف الإرهاب وحل المليشيات وتعبئة القوى السياسية والجماهير الواسعة وراء الحكومة لتنفيذ مشاريع خطة الطوارئ, ومن ثم البدء بوضع الاتجاهات الأساسية لتنمية الاقتصاد العراقي على أساس بعيد ومتوسط المدى.

لا يمكن للعراق وحده أن ينهض بالعملية الاقتصادية, بل يحتاج إلى دعم خارجي بثلاثة اتجاهات, وهي:

  1. رؤوس الأموال الضرورية عبر القطاع الخاص الأجنبي والإقليمي والمحلي.

  2. رؤية واضحة للأولويات الضرورية لتطوير وتنويع وتغيير بنية الاقتصاد العراقي.

  3. تعبئة الخبرات العلمية والفنية والاقتصادية والإدارية المحلية والأجنبية لصالح التعجيل بنهوض الاقتصاد العراقي.

* هل هناك حضور للمؤسسات الاقتصادية الدولية خاصة مؤسسة البنك الدولي الآن في العراق، وهل لها أي دور في التأثير في مجرى الأمور؟ .

ـ نعم هناك حضور للمؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي, ولكن الحضور الحالي بائس ومخيب للآمال حقاً. المشكلة في هذه المؤسسات أنها تمتلك برنامجاً خاصاً بمقاس واحد تريد فرضه على كل البلدان النامية, وهو ناتج عن رؤية المحافظين الجدد واللبرالية الجديدة. وهي تريد من الحكومة العراقية أن تقطع الدعم العيني (البطاقة التموينية) عن المجتمع, وأن تفرض الضرائب وتجبيها في وقت ما تزال لا توجد مؤسسات دولة فعلية في العراق, كما لا يمكن جباية الضرائب والإرهاب سيد الموقف.

لقد فرضت هذه المؤسسات على العراق سياسات اقتصادية ومالية وضريبية محددة لكي تلغي 80 % من ديون النظام العراقي المقبور. وهي شروط مجحفة لا طاقة للعراق على تحملها, والآن تريد مواصلة فرض الشروط. إلا أن إجراءاتها ستتسبب بمزيد من المشكلات الاجتماعية والسياسية للعراق الراهن. إن المؤسسات المالية الدولية والعاملين فيها يشكلون نمطاً خاصاً من الرأسماليين الذين لا يعون الواقع الاجتماعي والسياسي المتشابك الذي تمر به كل دولة نامية, ومنها العراق, وبالتالي لا يمكن فرض تلك الشروط, إذ أنها ستقود إلى مزيد من التذمر وإلى مزيد من الإرهاب وتوسيع القاعدة الاجتماعية التي تغذي قوى الإرهاب بالعناصر الهامشية. إنها تعني بكلمة مختصرة توفير مستلزمات استمرار الإرهاب وإسقاط الحكومة.

يعمل العراق ويأمل من دول الجوار أن تلعب دورها في المسائل التالية:

  1. إيقاف التدخل من جانبها أو من جانب قوى سياسية فيها في شؤون العراق الداخلية وإيقاف تزويد الإرهابيين بالعناصر والمال والسلاح فوراً أو تسهيل مرورها عبر الحدود.

  2. منع النشاط السياسي المعادي للحكومة العراقية من جانب القوى التي لجأت إليها خلال السنوات الثلاث المنصرمة.

  3. إقامة علاقات دبلوماسية اعتيادية مع العراق وفتح سفاراتها وقنصلياتها في بغداد ومدن عراقية أخرى.

  4. إيقاف الإعلام المعادي والطائفي السياسي الذي ينطلق في صحافة أو فضائيات عربية وغير عربية تؤجج الطائفية السياسية والصراع الطائفي في العراق.

  5. التعاون الأمني مع العراق ضد قوى الإرهاب الدولي.

ويبدو ضرورياً للعراق في هذه المرحلة أن يتعزز التعاون مع الأمم المتحدة والطلب في إرسال قوات خاصة من دول أوروبية قادرة على نصب أجهزة حديثة لحماية ورقابة الحدود والكشف عن المتسللين ومهربي الأسلحة إلى العراق أو الهاربين من قوى الإرهاب نحو الخارج. 

* ما هو مفهوم الاقتصاد الإسلامي؟ وهل يمكن الاعتماد عليه كبرنامج عمل لدولة أمامها مهمات عسيرة في التنمية والبناء وتعيش ظروف أمنية عصيبة؟ وهل تعتقد أن العراق سيعتنق هذا المنهج بسبب ثقل أحزاب الإسلام السياسي؟

 

ـ ليس هناك اقتصاد إسلامي بالمعنى الصحيح للكلمة, بل هناك بعض القواعد العامة في مسائل الإرث وغيرها. حاول علماء الشريعة وضع أسس وقواعد لاقتصاد إسلامي. ويبدو لي أن أبرز هؤلاء هو الراحل الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه الموسوم "اقتصادنا", وهو عبارة عن طرح تصوراته وما قال به الآخرون حول الاقتصاد ومناقشة الموضوعات الاقتصادية الماركسية.

ليست هناك دولة تسنى لها تطبيق اقتصاد إسلامي, إذ أن ما وضع حتى الآن لا يتماشى مع العصر وتطورات القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية. وكل الدول المعنية, مثل إيران, لم تستطع تجاوز الواقع الاقتصادي الرأسمالي, وغارقة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها في الفساد المالي الذي يمارس من قبل أجهزة الدولة التي يهيمن عليها السياسيون من رجال الدين.

إن العالم الذي نعيش فيه هو عالم القرن 21 ويتسم بتعاظم ثورة الإنفوميديا في ظل العولمة الموضوعية التي لا يمكن لأي دولة في هذا العالم أن تبتعد عنها أو تنعزل بمفردها. وهذه العولمة تسودها القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية, وبالتالي أي تفكير باقتصاد إسلامي هو محض وهم, والوهم غير قابل للتحقيق. إن العراق ليس بحاجة إلى ما يسمى بـ "الإسلام هو الحل", شعار الأخوان المسلمين وغيرهم من القوى الإسلامية السياسية, إذ لا حل في الإسلام لمشكلات العراق والعصر الذي نحن فيه, وبالتالي من يدعي غير ذلك لا يمثل الواقع والعقلانية, بل الوهم والديماغوجية. والعراق سوف لن يتبنى مثل هذا التوجه, وكل الدلائل تشير عكس ذلك في المستقبل غير البعيد والمتوسط, رغم أن المجتمع سيعاني كثيراً من جراء مثل هذه الطروحات غير المسؤولة وغير الممكنة وما حل بالعراق بعد سقوط النظام.

* هل حقا تملك التغييرات الاقتصادية الزمام بالنسبة لكل التغييرات الأخرى الاجتماعية والسياسية والثقافية أم أن جميع التغييرات تُربط ببعضها البعض في حلقة متصلة؟

ـ لا يمكن تحقيق أي تغيير اقتصادي واجتماعي وثقافي في البلاد دون أن تكون السلطة السياسية بيد القوى الوطنية والديمقراطية. من هنا يتبين أن السياسة لها موقع الصدارة أولاً. وأي تغيير سياسي ديمقراطي في البلاد يستوجب من السلطة السياسية العمل من أجل إجراء تغيير عميق وجذري في الواقع والعلاقات الاقتصادية العراقية, أي حل المسألة الزراعية لصالح العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي تعني العمل الأجير ووسائل إنتاج حديثة وتنويع الإنتاج الزراعي, كما يستوجب السير صوب التصنيع المناسب للعراق وتحديثه وضمان تطور خدمات الاتصالات الحديثة وتنمية الكفاءات والقدرات الاقتصادية وتحقيق الديناميكية الداخلية للاقتصاد العراقي ورفع إنتاجية العمل. إن هذا يعني إجراء تغيير في بنية المجتمع باتجاه نمو العمال في المدينة والريف والبرجوازية الوطنية والفئات الصغيرة والمتوسطة بمن فيها فئة المثقفين وتخليص المجتمع من البطالة والفئات الهامشية الراهنة. إن التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي يسمح بتطور سريع وفعال للثقافة في البلاد ودور المثقفين ويساهم في رفع الوعي الاجتماعي وتحقيق التنوير الديني في المجتمع والذي لم يتحقق حتى الآن في العراق مع الأسف الشديد, وهو ما يميز واقع ووعي الغالبية العظمى من المجتمع.

أذن البداية هي السياسة, ثم تتفاعل مع بقية المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وتنعكس إيجاباً على السياسة من جديد. إن هذا التغيير المنشود في الاقتصاد والمجتمع والثقافة صوب الرأسمالية, التي لا خيار غيرها في واقع العراق الراهن, يوفر الأرضية للمجتمع المدني الديمقراطي المنشود لعراق المستقبل, وبدون هذه الأرضية يصعب تصور نهوض مجتمع مدني يستند إلى روح المواطنة والمواطنة المتساوية في المجتمع لا بين أتباع القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية فحسب, بل وبالأساس بين الذكور والإناث.

* في ظل تقادم الإمكانات الإنتاجية للنفط، وتعذر عمليات البناء والتطوير وعرقلة ما تبقى بالإرهاب، هل يمكن للعراق أن يستحصل الموارد الكافية للنهوض بالوضع الاقتصادي المتردي؟ ناهيك عن صعوبات تنمية القطاعات الزراعية والصناعية والخدمة بالشكل الذي يعول عليه.

ـ يمتلك العراق كوادر اقتصادية وإدارية جيدة ومتميزة في قدراتها النظرية والعملية. ولكن هذه القوى الاقتصادية مبعثرة بين العراق والعالم الخارجي, حيث يوجد في الخارج عدد كبير حقاً لم يتسن له العودة والمشاركة في البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولكن ليس هذا وحده هو المعوق الرئيسي لاستخدام الكوادر الاقتصادية العراقية, إذ حسب معرفتي هناك الإشكاليات التالية:

  1. سوء استخدام الكوادر الاقتصادية وضعف الثقة بهم وبقدراتهم الفعلية وعدم وضعهم في المواقع التي يستحقونها.

  2. رغم وجود حرية عامة, فأن الواقع يتحدث عن حالة أخرى تماماً, وبالتالي فهم معرضون للاغتيال على أيدي الإرهابيين أو أنهم معرضون للإبعاد على أيدي الأوساط الحكومية ليضعوا مكانهم من يجهل معنى الاقتصاد.

  3. عدم مواصلة تأهيل وإعادة تأهيل الكوادر الاقتصادية بالعلوم الحديثة وخلاصة ما توصل إليه الفكر الاقتصادي الحديث.

  4. سوء المناهج التعليمية في المدارس وفي الجامعات وهيمنة الفكر الديني المتخلف على الجامعات والمناهج حالياً, وضعف مستوى المدرسين. 

  5. عدم توفير ما هو ضروري لاستعادة الكوادر من الخارج وتوظيفها بالصيغة المناسبة والمقبولة.

ولا شك في أن الخبراء الأمريكان حاولوا فرض نهج محدد وكوادر معينة في العديد من المواقع الاقتصادية لتدفع بالاقتصاد بالاتجاه المنشود منها.

* بصفتك تعمل في حقوق الإنسان، أرى أن وضع المرأة قد تردى أكثر من ذي قبل، لقد عانت خلال عقود خلت من الاضطهاد والسجن والحروب والحصار، وها هي اليوم تُختطف وتُغتصب وتقتل وتجبر على التحجب بشكل مباشر أو بقرار منها نتيجة الخوف..ولأن عدم تحجبها يقف حاجزا بينها وبين حصولها على عمل. وما تزال ضحية لطريقة تفكير متطرفة ومتخلفة حتى خارج بلدها وسمعت هنا في المجر أيضا عن قتل رجل عراقي لابنته لأنه رآها تسير مع شاب ما الحل برأيكم؟

ـ المشكلة المركزية التي واجهت وما تزال تواجه مجتمعنا العراقي بصدد المرأة العراقية تبرز في خمس نقاط جوهرية, وهي:

  • التخلف العام الذي يعيش فيه المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً والذي تفاقم مع هيمنة البعثيين على السلطة والهيمنة على الدولة والمجتمع والتعليم والثقافة وكل مجالات الحياة الأخرى. إضافة إلى استعادة الروح والتقاليد والأعراف العشائرية الضيقة مكانتها في البلاد على حساب المجتمع المدني وحرية الفرد.

  • عدم حصول عملية تنوير ديني واجتماعي في العراق وفي جميع الدول العربية والتي تعكس تأثيرها المباشر على سلوك الإنسان امرأة كانت أم رجلاً. وبالتالي فالمؤسسة الدينية, سنية كانت أم شيعية, ورجال الدين عموماً, إلا البعض منهم, كلها عوامل تلعب دوراًُ سلبياً في حرمان المرأة من حقوقها وإخضاعها لهيمنة الرجل.

  • المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعاً ذكورياًُ يخشى المرأة ودورها وتأثيرها في المجتمع وبالتالي, فأنها تشكل الخصم بدلاً من أن تكون الند المتساوي والمشارك الفعال في مختلف مجالات وجوانب الحياة.

  • طبيعة علاقات الإنتاج المتخلفة السائدة في البلاد وضعف القوى المنتجة المادية والبشرية وتخلف وعي الإنسان بحقوقه المشروعة والمقرة دولياً وإقليميا ومحلياً.

  • ضعف القوى الديمقراطية بعد الضربات القاسية التي تلقتها منذ سقوط الجمهورية الأولى وإقامة الجمهورية البعثية الدموية في العام 1963 وما بعده.

كانت حقوق الإنسان في العراق مداسة بجزم الدكتاتوريات العسكرية, وخاصة حقوق المرأة, ومنها حق الإنسان في الحياة والعمل والكلام الحر والتعبير عن الرأي ...الخ. والآن وبعد سقوط الإنسان أقرت مجموعة من الحقوق, ولكن الإنسان, الرجل والمرأة, لا يستطيع ممارستها عملياً ومداسة بمدس جمهرة من رجال الدين وميليشياتهم المسلحة, وخاصة حقوق المرأة. وهي إشكالية كبيرة جداً ترتبط بتخلف الإنسان في قدرته على فهم حقوقه والدفاع عنها من جهة, وباستبداد الحكام وغالبية الأحزاب السياسية بسبب غياب الديمقراطية عن حياة المجتمع والفرد.

المرأة العراقية في الدولة العراقية مضطهدة من الدستور والدولة والحكومة والمؤسسة التي تعمل فيها ومن المجتمع والرجل في البيت والشارع والعمل. إنها بالنسبة لغالبية الرجال, وخاصة المتدينين منهم لا تزيد عن أن تكون أداة أو موضوعاً للجنس من جانب واحد, من جانب الرجل, ووسيلة للعمل في البيت والمطبخ, وعليها أن تحصر نفسها في سجن العباءة واحتجاب الوجه الكامل, إنها مأساة المرأة العراقية. والمشكلة أن كل ذلك يتم باسم الإسلام والإسلام بشكل عام براء من هذه القيود الحادة والمتشددة إزاء المرأة. تصوري أن أباً أو أخاً أو ابن عم أو ابن خال أو عم أو خال يقتل ابنته أو أخته أو خالته أو عمه لأنه شك في وجود علاقة لها مع رجل. حتى في الإسلام لا يمكن البرهنة على الزنا إلا بشهود أربعة شاهدوا الفعل ذاته بأم عيونهم وليس غير ذلك, ولم يحصل ذلك, بل كان القتل يجري على الوشاية والإشاعة والشك, والمثال الذي أوردتيه يؤكد ما أقوله. تابعي ما يجري للنساء وما تمارسه الجماعات التي تشكل مليشيات المهدي وأتباع مقتدى الصدر في الموقف من النساء وما يرتدينه في المناسبات العامة, إنها المأساة التي تعيشها المرأة بعينها. ويمكن أن نرى ذلك في مواقف القوى الإسلامية السياسية المتطرفة الأخرى التي تمارس الإرهاب في العراق أيضاً. تابعي كيف يتم جلد النساء والرجال في إيران, إنها مأساة المسلمات والمسلمين بسبب ما تمارسه المؤسسة الدينية وبعض رجال الدين في حياة المجتمع المسلم.

ومن هنا يتبين لنا بأننا جميعاً بحاجة للعمل من أجل تغيير الإنسان ذاته, وكما هو معروف فتغيير ما في النفس أصعب بكثير من القيام بثورة اجتماعية. نحن بحاجة إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتنوير ديني لكي نستطيع بها تغيير الفرد وعقليته وموقفه من نفسه, سواء أكان رجلاً أم امرأة.

الإنسان, سواء أكان رجلاً أم كانت امرأة, يفترض أن يبقى هدف التغيير وأداته في آن واحد. وإلى أن يتحقق ذلك يتطلب منا النضال لإصدار قوانين ديمقراطية ذات مضمون تقدمي عبر نضال دؤوب ومتواصل يمنح المرأة حقوقها, ويضع في يديها سلاحاً قانونياً للنضال من أجل تلك الحقوق. إنها عملية معقدة ولكنها ممكنة, ويفترض أن تمارس المرأة هذا الدور إضافة إلى الرجل, وما نعاني منه اليوم هو الدور السلبي للمرأة المرتبطة بقوى الإسلام السياسي والتي ترفض الاستجابة لمطالب المرأة الاعتيادية والديمقراطية من منطلق حزبي ضيق وديني أضيق. ولكن يمكن ترويض هذه المجموعة من النساء من خلال العمل في قواعدها وخوض الحوار السلمي والديمقراطي معها وتبيان فوائد التمتع بالحقوق كاملة غير منقوصة.

* سؤال كبير في معناه مختصر في كلمتين: ماذا عن الدستور وتطبيقه؟

ـ منذ أن بدأ العراق السير على طريق وضع الدستور شعرت بالأسى لأن الوقت لم يكن ناضجاً لوضع دستور مدني ديمقراطي متوازن لا يتعرض للتغيير والاهتزاز السريعين. ولكن هكذا فرض البعض السير السريع لوضع الدستور في ظرف لم يكن العراق مؤهلاً لمثل هذه المهمة.

تم وضع الدستور وأقر من الغالبية العظمى في المجتمع وفي ظروف خاصة تميزت بالاستقطاب الطائفي السياسي وبالإرهاب الدموي والتهديد, كما صاحب ذلك إشكاليات غير قليلة.

الدستور الراهن قد أقر ويفترض احترامه أولاً, ولكن من الضروري العمل على تغيير بعض بنوده التي لا يجوز الاستمرار عليها. ومنها المنحى الديني الطائفي السياسي للمقدمة والموقف من حقوق الإنسان وحقوق المرأة على نحو خاص, وكذلك الموقف من قانون الانتخابات الذي يفترض أن يرسى على أسس أخرى كما وردت في قانون إدارة الدولة المؤقت وليس كما أقر فيما بعد في ضوء الأكثرية البرلمانية التي كانت للائتلاف العراقي الموحد.

التغيير لا بد أن يحصل في الدستور الراهن. ويمكن تحقيق ذلك حين يكون ميزان القوى الداخلي غير ما عليه الآن, وهي مهمة مستقبلية ستُنجز حتماً ولصالح تكريس المجتمع المدني الديمقراطي والعلمانية في العراق.

* وماذا عن الفيدرالية؟

ـ أؤيد وجود فيدرالية كردستانية تضم الشعب الكردي إلى جانب القوميات الأخرى التي تعيش في كردستان وهم التركمان والكدان والآشوريون وجمهرة من العرب.

كما أؤيد وجود فيدرالية عربية في العراق إلى جانب الفيدرالية الكردستانية, بحيث يتكون العراق من فيدراليتين متساويتي الحقوق والواجبات إلى جانب حكومة مركزية للعراق كله. ويمكن أن تحدد الواجبات والحقوق لهاتين الفيدراليتين وكذلك واجبات وحقوق المركز.

لا أؤيد قيام فيدرالية على أساس ديني أو طائفي, بل على أساس قومي. ومن هنا لا أجد أي مبرر لتقسيم العرب إلى شيعة وسنة, وبالتالي إقامة فيدرالية شيعية في الجنوب وفيدرالية سنية في الغرب وسكانهما من العرب, إذ أنها ستقسم الشعب العربي في العراق طائفياً وتخلق إشكاليات لا مبرر لها أبداً.

وقد وجهت رسالة إلى السيد عبد العزيز الحكيم, باعتباره الداعي إلى تشكيل مثل هذه الفيدرالية, وهي موجهة لكل العراقيات والعراقيين من حيث المبدأ, التي أذكر فيها أسباب رفضي لإقامة فيدرالية في الجنوب, يمكن أن تكون إجابةً للسؤال المطروح من جانبك. 

* و فصل الدين عن الدولة؟ لا أعتقد أن جميع رجال الدين متفقون على دمج الدين بالدولة كالسيد أياد جمال الدين مثلا.

ـ كتبت وكتبت كثرة من الكتاب عن موضوع العلمانية كثيراً, وهي من حيث الجوهر لا تعني مذهباً أو ديناً أوفلسفة أو اتجاها سياسياً محدداً, بل هي تعني باختصار إقامة مجتمع مدني ديمقراطي يعتمد مبدأ المواطنة المتساوية, والتي تعني بدورها عدم التمييز بين أتباع الأديان والمذاهب والقوميات والاتجاهات الفكرية والسياسية المختلفة, وهذا يعني أن الدولة التي تقوم على أساس العلمانية لا تخلط بين دورها كدولة وبين الدين الذي يعود للفرد في علاقته الخاصة مع الله. ومن هنا قلنا أن الدين لله والدولة أو الوطن للجميع. وفصل الدين عن الدولة يسمح بحيادية الدولة بين جميع الأديان أولاً, ويحميها من التدخل العابث بشؤون الأديان ثانياً, ويسمح لها جميعاً بمواصلة طقوسها الدينية وتقاليدها وعاداتها التي لا تتعارض مع الُخلق العام وعدم إيذاء الإنسان لنفسه أو لغيره.

لقد وضع المصلحون العظام الأديان لتكون رحمة للناس, وحولتها المؤسسات الدينية في غالب الأحيان إلى نقمة على الناس, وهو ما يفترض فهمه والتمييز بين الدين وبين المؤسسة الدينية أو رجال الدين. ومن هنا تأتي ضرورة فصل الدين عن الدولة, أي إبعاد المؤسسات الدينية عن الحكم وعن التحكم بشؤون الناس أو الفرد. والدولة العلمانية يفترض أن تكون مدنية ديمقراطية تستند إلى ممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة والمساواة بين البشر.

* قرأت رسائلك العديدة ومن ضمنها رسالتك إلى الحزب الشيوعي العراقي، في الحقيقة صار من النادر أن نقرأ مثل هذه الأساليب الراقية في النقد الذي يتحول عند البعض أحيانا إلى مهاترات على أساس أن من يختلف معي فهو عدوي وهذا ما يحول الأنترنت المذهل إلى نقمة. وأسلوب الشتم والسباب سيفتح عيون الجيل الجديد على نمط سيئ في طريقة النقد وعدم تقبل الأفكار والآراء المناقضة لما يحملونه، يبدو لي أن على الإعلام أن يربي جيلا جديدا يستطيع قول كلمته مع المحافظة على احترام الذات أولا ثم المقابل ثانيا فما هو رأيك؟

 

ـ إن كتابة الرسائل المفتوحة والحوارات يفترض أن لا تؤذي أحداً, بل أن تنعش الحوار بين الرأي والرأي الآخر بهدف الاستفادة, إذ من الممكن أن أطرح رأياً وتطرحون أنتم رأياً آخر, وعبر الحوار الهادئ والهادف والبناء يمكن أن يصل كلانا إلى رأي ثالث أكثر نضوجاً من رأيي ورأيكم. وهذا يتم لمصلحة الفرد والمجتمع. طبعاً كل إنسان يستطيع أن يغيض الآخر ويشتمه, وهو سلاح بيد الطرفين, ولكنه سلاح خشبي يابس غير فاعل يفضح الممارس له نفسه. وكما قيل " وكل إناء بما فيه ينضح". ومن المفيد في مثل هذه الحالات إن وقع ما يشير إلى احتمال تفاقم الأمر إلى مهاترات مبتذلة, أن يترك الإنسان حلبة الحوار, إذ لم يعد مثل هذا الحوار هادفاً, بل عبثياً, والإنجرار إليه يعني أن الطرفين لا يختلفان من حيث المبدأ.

أرى بأن على المواقع الإلكترونية التي تحترم نفسها وكتابها وقراءها أن توقع وثيقة شرف ترفض بموجبها نشر المهاترات والإساءات المتعمدة والابتعاد عن الحوار الفكري إلى التجريح الشخصي الذي لا معنى ولا مكان له في الحوار المتمدن والديمقراطي. إن آخر إجراء اتخذه موقع إيلاف كان جيداً ومفيداً ونموذجا لبقية المواقع. أتمنى على بقية المواقع أن تتخذ نفس النهج لتغربل تدريجاً الغث من السمين. وهناك مواقع تحترم نفسها مثل الحوار المتمدن وصوت العراق والكاتب والناس والبيت العراقي مواقع بعض الأحزاب العراقية مثل الطريق والاتحاد والديمقراطي وغيرها,ولكن ربما تحتاج بعض المواقع إلى مزيد من الرقابة على ما في داخل المقالات من مهاترات وإساءات للكتاب والصحفيين والإنسان عموماً.

* هل لك أن تنورنا وتشركنا بمعرفة الرد على رسائلك وما هو طابعها؟ أنا شخصيا أثناء حديثي مع من في العراق سمعت هذه الكلمات من إحدى السيدات: "الرسالة فيها قضايا إيجابية لمصلحة الحزب، خاصة حول تغيير القيادات. ولكن لماذا يجب تغيير اسم الحزب؟ وما لفت نظري في كتاباته بالرغم من أنه ترك الحزب إلا أن مواقفه من الحزب ظلت جيدة وبهذا يختلف عن الكثيرين وهنا تكمن قيمته، حتى أننا قرأنا ما كتبه أحدهم له قائلا: "أنت تركت الحزب ومازلت تحن إليه"...

هذا يؤكد ما قلته في البداية. فما ردك على السيدة العراقية؟

ـ أولاً أعبر عن احترامي للرأي الواقعي الذي أبدته السيدة الفاضلة التي تحدثتِ عنها في رسالتك وأشكرها على حسن ظنها بي. أنا شخص غير مؤمن بالمنهج المادي الدايلكتيكي, أي بالمنهج العلمي لماركس, بل مقتنع به فكرياً وأعي أهميته للإنسان بشكل عام وللباحث العلمي والسياسي بشكل خاص, وهو منهج علمي غير جامد يتطور بتطور العلوم والتقنيات الحديثة والاكتشافات العلمية. وأختلف في هذا الأمر مع الكثير من المؤمنين بالماركسية وغير واعين لمضمونها وحافظين لمقولات لها سابقة, في حين أن الكثير منها قد تغير بتغير الواقع مع حركة الزمن. استخدم ماركس المنهج العلمي في تحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا ووضع مقولاته بشأنها, بعضها انتهى وقته, وبعضها الآخر ما يزال يحتفظ بحيويته. وعلينا أن نستفيد من هذا المنهج العلمي في تحليل أوضاعنا الخاصة في البلدان النامية أو في العراق مثلاً, وأن لا نعتمد على التحليلات الخاصة لأوروبا, ولكن من المفيد دراستها والتعلم من أسلوب التحليل وأدوات. ومن هنا جاءت مقولة إنجلز بأن "الماركسية ليست عقيدة جامدة بل نظرية هادية", أو بتعبير أخر, منهج لتشخيص الظواهر والتعرف عليها وتحليلها ووعي العوامل الكامنة مراء ظهورها والعلاقات المتشابكة في ما بينها واتجاهات تطورها. وهذا الموقف الفكري يقربني من كل القوى السياسية اليسارية التي تسعى للعمل وفق هذا المنهج, ومنهم الحزب الشيوعي العراقي الذي عملت فيه طوال خمسة عقود تقريباً, وكان من الممكن أن استشهد في صفوفه في مرات كثيرة. ولست أسفاً على عملي في صفوف الحزب الشيوعي بل تعلمت منه الكثير جداً, وأعتز بفترة النضال في صفوف الحزب الشيوعي وأعتز بالنضال بجواره في الوقت الحاضر وليس في داخله.

لم أغادر الحزب كارهاً له أو مطروداً منه, بل بمحض إرادتي ورغبتي وقناعتي بأني سأكون قادراً على ممارسة نشاطي الفكري والسياسي بصورة أفضل وأكثر حيوية من موقع المستقل عن الحزب الشيوعي العراقي. وهو أفضل للحزب الشيوعي ذاته, ولي بسبب استقلاليتي الفكرية, إذ لم أعد احتمل أن أحمل في رأسي رأيين أحدهما لي والآخر للحزب وأجبر على أن أثقف بالثاني مثلاً.

الحزب الشيوعي حزب مناضل وقدم الكثير من التضحيات الجسام, وهو أقدم حزب عراقي على الإطلاق. والحزب الشيوعي العراقي المخضرم بحاجة إلى تحديث وتجديد لا لمصلحته فقط, بل لمصلحة الحركة الوطنية العراقية كلها.

الحنين إلى الماضي عادة لدى كل كبار السن, وأنا أحدهم ولا يعيبني هذا بأي حال, ولو كنت أرغب بالعودة إلى الحزب فلا أعتقد بأن الطريق أمامي كان أو ما يزال مسدوداً, فهناك احترام متبادل بيني وبين قيادة الحزب وبين غالبية أعضاء الحزب, إن لمك أقل كلهم. ولكني أرى بوضوح كامل بأن الحزب سوف يستطيع أن يلعب دوراً أكبر حين يكون منسجماً مع طبيعة وأهداف المرحلة من حيث البنية والمضمون والشكل أو الاسم. وعلينا أن لا ننسى بأن المضمون والشكل يشكلان وحدة عضوية واحدة, وبالتالي تغيير المضمون بتطلب تغيير الشكل أيضاً أو الاسم. من المفيد أن أؤكد بأن من الضروري وضع أسس لعمل القيادة ولسنوات عملها في المركز القيادي, لأهمية التجديد وتنويع الخبرة والمعرفة. أي وضع قواعد لهذا الغرض, وبالتالي أرى ضرورة أن لا يبقى القائد طول عمره قائداً, بل أن يتنحى لغيره بعد ثماني سنوات مثلاً. إن ما طرحته لا يمس أسم الحزب وحده, بل يمس المضمون والتنظيم والسياسة.

وبصدد الاسم فهناك العديد من الأسباب التي دعتني إلى المطالبة أو اقتراح تغييره, منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • إن المرحلة التي نعيشها, والتي سوف تستغرق أكثر من ثلاثة عقود, تستوجب وجود حزب ديمقراطي يساري شعبي واسع يستطيع أن يستوعب فئات اجتماعية متنوعة وقوى سياسية يسارية, ليست بالضرورة تؤمن بالشيوعية. فمهمات المرحلة وطنية وديمقراطية وفي إطار المرحلة الرأسمالية, وهي بعيدة كل البعد عن الاسم الذي يحمله الحزب.

  • إن البلدان الاشتراكية والكثير من أحزاب الحركة الشيوعية قد أساءت لهذا الاسم وأفقدته الكثير من محتواه وتأثيره الإيجابي على نفوس الناس. وقد غيرت الكثير من الأحزاب الشيوعية اسمها, ولم يؤثر ذلك على علاقتها بالناس, بل تحسنت كثيراً.

  • وارتبط اسم الحزب بتحالفات غير مشرفة, كالتحالف مع البعث في فترة السبعينيات, والذي يفترض أن ننتهي منه.

  • إن الأحزاب الشيوعية التي قادت البلدان الاشتراكية, وتلك التي لم تكن في السلطة, بما فيها الحزب الشيوعي العراق, كانت أحزاباً شمولية غير ديمقراطية تريد الوصول إلى السلطة عبر الثورة والعنف وفرض الخيمة الفكرية الواحدة على الدولة والمجتمع, وهو ما مارسته حكومات وأحزاب البلدان الاشتراكية. وهو أمر يفترض أن ينتهي إلى غير رجعة إن كان الحزب قد تخلى عن الفكر الشمولي الذي ساد في المراحل السابقة وإلى أوائل التسعينات من القرن العشرين, وبعضها ما يزال متمسكاً بالفكر الشمولي, وبعض الشيوعيين العراقيين ما زالوا على العهد السابق فكراً وممارسة.

وصلتني الكثير من الرسائل والنداءات الهاتفية, وهي عموماً إيجابية ونافعة, ولم استطع الرد عليها جميعاً. واخترت رسالة واحدة لأهمية ما جاء فيها وللوعي السليم, كما أرى, الذي امتلكته السيدة التي كتبتها. وقد وصلتني بعض الاستفسارات أيضاً التي كانت تعتقد بأني أسعى إلى حل هذا الحزب, وليس إلى تحديثه وتجديده. وبعضها كان يشير إلى موضوع الاسم أيضاً. أعرف هذه المسألة وحساسيتها لأن اسم الحزب قد رافق نضال الشيوعيين طوال سبعة عقود, ولكن هذا لا يعني عدم نشوء ضرورة إلى تغيير الاسم رغم الحنين الذي سيبقى لدى البعض.

لم أكن أفتش عن مؤيدين لرسالتي بقدر ما كنت أريد تنشيط الفكر والتفكير الأرحب في صفوف الحزب الشيوعي العراقي وأدفع بهم إلى الحوار حول ما طرحته وما يطرحه آخرون أو ما طرحه الحزب أخيراً للنقاش ولم أطلع عليه بعد, إنها عملية تدخل في باب التنوير الفكري, وأملي أن تنفع الحزب الشيوعي.

* لاحظت أن بعض الشيوعيين مثلا تركوا الحزب وتحولوا إلى مؤمنين إلى درجة التطرف وأجبروا نساءهم وبناتهم على التحجب ( الذي لم يمنع سابقا من أن تكون المتحجبة متنورة وترتديه بناءً على متطلبات عادات المجتمع) والغريب أنهم يعيشون في أوربا مثلا، ربما هو فقدان الأمل بما آمنوا به من قبل، والغريب من كان متطرفا في السياسة تطرف في الدين، فما رأيك؟

ـ الزمن متحرك ومتغير والناس أيضاً. ولا يمكن أن يفرض على الناس ما كفوا عن الإيمان به. أرى بأن المشكلة تكمن في أن نسبة عالية من الشيوعيات والشيوعيين كانت مؤمنة بعقيدة الماركسية, أي أنها كانت ترى في الماركسية والشيوعية ديناً لا غير. وعند انهيار البلدان الاشتراكية والأزمة التي حلت موضوعياً بالماركسية بالصيغة التي مارستها الأحزاب الشيوعية, إضافة إلى ما مر به العراق من ويلات, سمح بتخلف البعض وتحوله إلى مؤمن ومتدين. لا أرى في ذلك مشكلة, إذ أن المجتمع كله يعيش ردة فكرية واجتماعية وأخلاقية عميقة جداً والشيوعيون لم يجبلوا من معدن آخر فهم كبقية البشر.

من يقتنع بمنهج علمي وفكر نير حر لا ينقلب عليه ولا يرتد عنه. وما نراه اليوم من التحجب والإمعان فيه وفي التدين هي ظاهرة طارئة ستزول مع الأيام, لأنها خارج المعقول وتعبر عن أزمة يعيشها المجتمع والفرد عموماً.

لم يشهد مجتمعنا العراقي التمدن الفعلي في العهد الملكي بل كان بداية طيبة ولكنها سرعان ما شوهت من قبل الحكام في العهد الملكي ذاته. ثم انقلبت الدولة (الحكام) على التمدن والديمقراطية في انقلاب شباط 1963 الدامي وتفاقم في زمن حكم البعث الثاني, وهو ما يزال يعاني من ذلك الارتداد, وقد تعمق بسيادة العشائرية والطائفية السياسية وبؤس المجتمع وفاقته الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية وحرمان المثقفين من أن يلعبوا دورهم بصورة سليمة وفعالة. 

* أرى أن الصورة الحقيقية عن العراق تنقل من خلال من نحدثهم مباشرة تلفونيا أو عبر الإنترنت حيث قال لي أحدهم: "الوضع سيئ جدا والميليشيات أقوى من الحكومة" مستشهدا بما حدث بالقرب من دارهم، وأعتقد أنك أيضا تطالب بحل كل الميليشيات أليس كذلك؟

ـ فرضت فترة النضال ضد النظام الدكتاتوري وفي سبيل الدفاع عن النفس وتحقيق الأهداف الوطنية, تشكيل قوات البيشمركة الكردية وحركة الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق, إضافة إلى تشكيل فيلق بدر في إيران وانتقاله إلى كردستان أيضاً من قبل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وحين سقوط النظام انتهى دور هذه القوى. إذ تحولت قوات البيشمركة إلى جزء من القوات المسلحة العراقية (الجيش والشرطة والأمن ) عملياً وتعمل في حدود كردستان العراق, وحل الحزب الشيوعي قوات الأنصار الشيوعيين, كما كان يفترض حل قوات فيلق بدر. وفي أعقاب سقوط النظام نشأت مليشيات جديدة تابعة لأحزاب إسلامية سياسية لم يكن الهدف منها سوى فرض وجودها في الساحة السياسية وتسليح نفسها وتأمين مصالحها الخاصة وليس مصالح الوطن. وهي الإشكالية الكبيرة. كما استمر فيلق بدر بممارسة الأهداف الخاصة بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وليس له أي مهمة وطنية بعد أن شارك المجلس المذكور في السلطة.

لا بد من حل المليشيات لأنها تساهم في إشاعة الفوضى والعبثية والقتل والانتقام المتبادل في البلاد. وقد أصبح لكل حزب سياسي إسلامي مليشياته الخاصة, سواء أكان الحزب يمثل قوى سنية أم شيعية, وسواء أكان في بغداد أم البصرة أم في محافظات الوسط والجنوب.

إن هذه المليشيات تمتلك أسلحة متنوعة وحديثة تتزود بها من إيران ومن دول عربية, وخاصة من سوريا, ومن بعض القوى السياسية الإسلامية والقومية العربية ومن السوق السوداء الرائج في العراق. وهي تشكل قوة كبيرة وأغلب أعضاء هذه المليشيات من المرتزقة والبعثيين السابقين. وعلى قيادة الدولة والحكومة أن تسعيا إلى حل هذه المليشيات وإيجاد عمل للكثير من العاملين فيها في مجالات مدنية وبعيداً عن القوات المسلحة, ومنها قوات الأمن الوطني.

* هذا بالنسبة للميليشيات ولكن الشعب مع المصالحة الوطنية التي يعتقد أنها ستؤدي إلى استتباب الأمن. هذا ما لاحظته من خلال متابعتي للتلفزيون العراقي.

ـ يقف الناس في العراق إلى جانب المصالحة لأن ما يجري في العراق ليس في مصلحتهم ومصلحة تقدم الوطن والفرد والدولة المؤسسية الديمقراطية. ولكن لا يمكن تحقيق المصالحة حقاً ما لم تبادر الحكومة والقوى التي تسندها إلى إجراءات مهمة, أشير إلى بعضها في أدناه:

  • الرفض الكامل للطائفية السياسية السائدة في العراق وإدانتها والعمل ضدها بكل قوة وفاعلية لأنها مدمرة لوحدة النسيج الوطني العراقي الذي يفترض أن نعززه.

  • حل المليشيات الإسلامية السياسية السائدة في البلاد وسحب الأسلحة الخاصة وإعادة منح إجازة حمل السلاح وفق أسس واضحة عند الحاجة الماسة.

  • الكف عن الدعوة لفيدرالية الجنوب إذ أنها تكرس الطائفية وتكرس قيام جيتوات طائفية في العراق وتشدد الاستقطاب والاصطفاف الديني والطائفي, وهما مناهضان لروح المواطنة المتساوية وحق العيش أينما شاءت المواطنة أو شاء المواطن أو العائلة.

  • التمييز الواضح بين القوى المناهضة للمسيرة السلمية في العراق من البعثيين الصداميين وبعض القوى القومية والإسلامية السياسية المتطرفة, وبين أولئك البعثيين الذين لم يرتكبوا جرائم أو لم يساهموا بالقتل ضد أبناء الشعب, وهم كثرة, أي ان سياسة اجتثاث البعث ليس لها معنى, إذ لا يمكن اجتثاث أي فكر في المجتمع بالقوة والعنف والعزل, بل عبر الحوار والإقناع الفكريين والسياسيين, وتجارب أوروبا تؤكد ما أذهب إليه بالنسبة إلى النازية والفاشية مثلاً.

  • وضع حد لارتكاب المخالفات ضد حقوق الإنسان, سواء من جانب القوات الأمريكية أو البريطانية أو غيرها, أم القوات العراقية, وسواء أكانت ضمن قرارات الاعتقال أو في المعتقل والسجن, والعمل على إطلاق سراح من لم تثبت عليه التهم التي وجهت له, إضافة إلى أن تلتزم القوى بالقواعد القانونية في كل ذلك. 

  • مكافحة الفساد المالي والإداري العراقي والأجنبي الذي يساعد على مواصلة الإرهاب وتعطيل عملية المصالحة الوطنية إذ أن الفاسدين والمفسدين يلعبون دوراً مهماً في إعاقة المصالحة ليبقى العراق ساحة للفوضى والعبثية ومواصلة نشاطاتهم الإجرامية ضد الشعب والاقتصاد الوطني.

* وفي النهاية هل برأيك أن التحزب بالنسبة للفنان يحد من حرية آفاقه؟ أنا شخصيا لا أحبذ التحزب لأن باستطاعة المستقل أن يعبر عن آرائه وأفكاره من خلال فنه وأدبه بأسلوب مؤثر راقٍ بعيدا عما يفرض عليه ما يجب فعله وما لا يجب، فما رأيك؟

ـ لا أرى بأن العضوية في حزب ما تعني بالضرورة التحزب لهذا الحزب وأفكارة واتجاهاته, كما لا أرى بأنها تعني عدم الاستقلالية في الرأي. فهي مسألة ترتبط بمدى ثقة الإنسان بنفسه ومستوى ثقافته وقدرته على التعبير عن رأيه دون تأثير من حزبه.

ولا شك في أن ظروف البلدان النامية والتخلف وضعف الديمقراطية في البلاد, وبالتالي في الأحزاب السياسية, تجعل من هذه المسألة عملية معقدة وغير سهلة.

لقد كنت أساهم في الحياة السياسية وأمارس السياسة من المنطلقات التي كنت أرى صوابها, وهذا يتجلى في كتاباتي العامة, ولكن هذا لا يعني بأني لم أخضع في فترات معينة لقرارات حزبية ملزمة في المسائل الفكرية أو السياسية. وهي إشكالية كبيرة يواجهها المثقف في حياته السياسية الحزبية.

لم أغادر صفوف الحزب الشيوعي العراقي لأني لم أمتلك حرية الرأي والتعبير, فقد كنت أشعر بالحرية التامة في التعبير عن أفكاري وخاصة في السنوات الأخيرة من وجودي في الحزب. ولكني كنت أرى ضرورة تغيير وجهة عمل الحزب وجملة من اتجاهاته الفكرية والتنظيمية والسياسية والتي لم استطع تحقيقها أثناء وجودي في القيادة, وشعرت بأني لا أودي الأمانة التي وضعت في عنقي من المؤتمرين الذين انتخبوني بقوة تصويتية عالية في المؤتمر الرابع للحزب, ولكي أكون مخلصاً لما اقتنع به وأراه ضرورياً للحزب. ولهذا اصطدمت بعدم وجود إرادة في التغيير حين كنت في القيادة, ولهذا قررت مغادرة القيادة أولاً ثم الحزب فيما بعد ثانياً.

لا يجوز لي أن أبقى في صفوف حزب لا أجد مجالاً لتحقيق ما أراه مناسباً لهذا الحزب, وهي أمانة للذات وللآخرين وللحزب ذاته. وهناك من يرى أن البقاء في الحزب هو الأفضل من خروجه للنضال في سبيل التغيير, وهي وجهة نظر أحترمها, ولكن لم أجدها مناسبة لي ولرؤيتي للحياة والعمل السياسي.

الفنان أو الأديب أو العالم المثقف يستطيع أن يعبر عن وجهة نظره إن كان في حزب ما, شريطة أن يعي ذاته وأن تكون له ثقة بنفسه وثقافته ويحس بأهمية استقلاليته الفكرية والسياسية في اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة بالارتباط مع ضميره. كثرة من الفنانين عملوا في الأحزاب العراقية المختلفة وتعرضوا إلى مشكلات بسبب استقلاليتهم الفكرية, خاصة في الفترات التي حاول السياسيون فرض إرادتهم أو إرادة قيادات الأحزاب على الفنانين والأدباء والمثقفين عموماً, وهي فترة مرت وأملي أن لا تعود. لا أريد أن أطرح نفسي نموذجاً للآخرين, إذ أن الحياة أكثر تعقيداً وأكثر حيوية من أن تحصر برأي واحد أو تجربة واحدة. وقد ارتكبت في حياتي الكثير من الأخطاء وتعلمت منها, وهي سنة الحياة بشكل عام, كما اعتذرت عنها.

* عرفت بأن لكم ولدا وبنتا، هل تفضلون أن يدخلوا المعترك السياسي كأبيهم؟ حدثنا عن الأب كاظم حبيب وعنهم لو سمحت.

ـ زوجتي وأنا سعدنا بولد وبنت, أبننا بلغ الآن 35 عاماً وابنتنا بلغت 33 عاماً. تزوجا وأنجب كل منهما حفيداً حتى الآن. أثناء الصبا والشباب لم أتدخل في شؤونهما ولم أجد مناسباً أن أفرض عليهما وجهة فكرية أو سياسية معينة. اختارا طريقيهما بصورة مستقلة تماماً. يبدو أنهما تربيا على حياة ديمقراطية في البيت والمجتمع. يقفان إلى جانب الاتجاهات الديمقراطية ولكنهما لم ينتميا إلى أي حزب سياسي حسب علمي. تركا البيت منذ أن تزوجا وهما في الجامعة لنا علاقات حميمة جداً واحترام وثقة متبادلين. لم يتدخل والدي في شؤوني الخاصة ولم يفرض علي وجهة معينة, حتى عندما أردت الزواج من امرأة ألمانية, هي زوجتي الحالية التي مر على زواجنا حتى الآن 45 عاماً, وسألته عن رأيه في ذلك, أجابني برسالة قال فيها أنت الذي تتزوج ولست أنا, وعليك أن تقرر لا أنا. وهكذا علمني كيف يفترض أن أتعامل مع أبنائي. وللمزحة الجادة أقول أن والدي قد تزوج خمس نساء في حياته الطويلة نسبياً, ولكن ليس في وقت واحد, ولم يسأل أحداً حتى لم يسأل زوجاته! 

البرتغال في 27-29 آب/أغسطس 2006     كاظم حبيب 

أشكرك جزيل الشكر لأنك أتحت لنا جميعا فرصة التعرف عليك عن قرب متمنية لك وللعائلة دوام الصحة والحب والنشاط ومزيدا من الكتابة التي لن تنضب ينابيعها قط..

اعتقال الطائي

 

 

حوارات سابقة

حوار مع حسن المسعود   عن تجربته الفريدة في الخط

لقاء مع فنان الكاريكاتير العراقي الرائد بسام فرج

 

 

 

 

إستفسارات القراء 

 

ارسل

                                     

تحية ود اعتزاز وتقدير الى الأستاذ الكبير البروفسور كاظم حبيب الذي كنت شغوفا بمتابعة ما يكتب منذ السبعينات وعرفناه مفكراً ملتزما بقضايا شعبه ووطنه وذا قدرة فذة على متابعة كل ما يحدث في عالمنا المتغير ووطننا المنكوب. كنت أتمنى أن التقي بالآستاذ الكبير في مهرجان المدى بكردستان لكن سوء التنظيم أدى الى تأخر وصول دعوتي وكم كنت أتمنى أن ألتقي بهذه النخبة الرائعة من أستاذتنا ومفكرينا الأجلاء. أتابع باهتمام ما يكتبه أستاذنا حول القضية العراقية وأشاركه القلق من هيمنة القوى الظلامية والرجعية على مقدرات العراق وأقول له أن أحد الأصدقاء من الحلة أخبرني أن هذا البيت من الدارمي يتداوله الناس هنالك بحسرة وسخرية لا كهربا ولا ماي وعل سطح نايم خلّصنا من صدام جتّي العمايم! شكرا مجددا لأستاذنا الفاضل والأخت الرائعة الدكتورة اعتقال على اتاحتها هذه الفرضة. د. ماجد الحيدر




31 2 ك ططلخمفخهلنلاةبنر