قال لي الإرهابي "أخرج من هنا أيها
الكردي"
فماذا ستقول لي كوردستان؟!
عشت على هذه الأرض ما
يناهز الخمسين عاماً، قضيت نصفها حيث
ولدتُ ونشأت في بغداد، بغدادي وبغداد كل
العراقيين، ونصفها الثاني في مدينة "ش"
... هذه المدينة الصغيرة التي كانت حتى
زمن قليل تغفو بوداعة وألفة على أقدام
جبال حمرين، قريبا من تخوم كوردستان
الجنوبية....
ولقد عشت هذه السنين وأنا
أجمع، دون أي قدر من التناقض، بين ثلاثة
انتماءات ظلت تتعايش في ضميري في وقت
واحد: انتمائي العراقي، انتمائي الكوردي،
وانتمائي الإنساني. يحيط بذلك كله ويؤلف
بينه أيمان قوي بالتسامح والمحبة وقدرة
الإنسان بل وحقه المشروع في التواصل
والانسجام مع الآخر أيا كان جنسه أو عرقه
أو انتماؤه القومي أو المذهبي.
وحتى زمن قريب كانت هذه المدينة مثالاً
جميلاً على التنوع القومي والديني
والطائفي فكان العربي والكوردي والتركماني
والشيعي والسني والصابئي والإيزيدي يعيشون
جنباً الى جنب في وئامٍ وألفةٍ وتوافق.
حتى جاءت خفافيش الظلام لتعشش في بساتينها
وشوارعها
وفوق أسطحها لتقتل وتذبح وتغتصب وتنشر
الحقد والكراهية والخوف...و... حسنا..
أنتم تعرفون بقية القصة.
فلقد حلت أخيراً اللحظة المريرة التي قلبت
كل شيء وغطته بسوادها وحزنها: فها هو
الإرهابي يرفع مسدسه الى
رأسي ليقول لي:
"إرحل من هنا أيها الكردي ال...."
وقلت في نفسي : حسناً، إذا كنتُ
مهددا بالموت أو الرحيل لأنني كوردي فما
أجدر بكوردستان أن تضمني في أحضانها.
وحملت وأسرتي حقائبنا القليلة تاركين
خلفنا
كل شيء: البيت الحبيب الذي بنيناه بعرق
السنين، الذكريات السعيدة والحزينة،
الأصدقاء، العمل، لوحات الجدران، والكتب
وألعاب الصغار...
وقلت إن لي في كوردستان
وطناً إن ضاقت بي الدنيا. أولستُ مواطنا
كورديا عراقياً؟ ألم أخسر كل شيء لهذا
السبب؟ ألا يحق لي أن أعيش وأعمل وأنعم
بالأمن في وطني كوردستان العراق؟
لكن الأمور لم تمضِ كما
توقعت. صحيح أن أهلنا الطيبين في كوردستان
قد فتحوا لنا قلوبهم قبل بيوتهم، وصحيح
أننا شعرنا أخيرا بالأمن والسلام الذين
طالما أفتقدناهما، لكننا ما زلنا رغم هذه
الأشهر التي مضت عاجزين عن العثور على عمل
أو مأوى، وما تزال الجهات الحكومية تماطل
في أمر تعييننا أو نقل خدماتنا الى
الإقليم مما يدفعنا يوما بعد يوم الى شعور
باليأس والإحباط وخيبة الأمل...
إننا نريد أن نشعر حقاً
بأننا نعيش في وطننا معززين موفوري
الكرامة .. فهل من يد تمتد نحونا لتشعرنا
بذلك ؟
قال لي الإرهابي : إرحل من
هنا أيها الكوردي الـ!
فماذا ستقول لي كوردستان
؟!