ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

قصة/ أحمد جاسم العلي

نهاية غامضة.

 

 

   اعتادت المرأة التي تجاوزعمرها الخمسين أن تجلس ساعات طويلة خلال النهارعلى دكة باب الدار، ترقب وجوه الناس الذين يمرون من أمامها. كانوا يمرون بها كل يوم وقد ألفوا عادتها، من يعرفها ومن لا يعرفها. ولكن، من لا يعرفها علل، ربما، هذه العادة حسب ما يوحي له تفكيره. يفكر أحدهم ان جلوسها أمام باب الدار سببه أنها امرأة كبيرة في السن، تضجر من الجلوس في البيت طيلة النهار ويضيق صدرها؛ لا يكلمها احد ولا يجلس إليها كثيرا ولا تجد ما تنشغل به خلال النهار. ويفكر آخر ان جلوسها سببه الفضول وحب معرفة من يروح ومن يجيء من سكان المحلة، كما هي عادة بعض النساء وخاصة من تكالبت عليها السنون. وقد يكون جلوسها لسبب آخر يعرفه على الأكثر جيرانها من أهل محلة (الكريمات.)

   كنت أمر بها في ضحى وعصر كل يوم حين أذهب وأعود من عملي في الصحيفة التي اعمل فيها. أراها في الضحى جالسة لوحدها على دكة باب الدار وقد وضعت إلى جانبها علبة سجاير أجنبية رخيصة وعلبة ثقاب، تنظر إلى كل مار من أمامها بعينين فاحصتين ووجه يعبر عن رجاء وكأنه يأمل شيئا ما، ثم تسحب نفسا عميقا من سيجارتها بعد أن يمر الشخص وتنفث دخانها القليل بعيدا. وحين أعود من عملي في العصر، أراها وقد جلست، عيناها مرتخيتان ووجهها متعب ومستكين، غير مهتمة كثيرا بمن يمر من أمامها.

   لم أكن أعرف عنها شيئا ولم أكن أعرف إن كانت تعيش وحدها في البيت أم أن أحدا يعيش معها، ولم أر احدا يخرج من البيت سوى مرة واحدة عندما خرجت فتاة شابة من البيت وأنا أمر من أمام الدار.

   " آني رايحه عمه  تحتاجين شي بعد " قالت الفتاة الشابة.

   " الله وياج  لا تجين يوميه عمه  تصير زحمه عيني " قالت المرأة.

   " عمه  إلى متى تبقين بالباب تنتظرين  الدنيا باردة وإنتٍ مريضه " قالت الفتاة. وردت عليها المرأة ولكني لم أسمع كلامها، مبتعدا عنهما، ماضيا في طريقي.

   كنت أراها في ذلك الشتاء والبرد يشتد فيه، تجلس على دكة بابها واستغرب من قوة احتمالها واتساءل عن السبب الذي يدفع امرأة في مثل عمرها تستمر في الجلوس خارج الدار كل هذا الوقت وفي مثل هذا الجو. وفي أحدى المرات كنت عائدا من عملي بعد الظهر. ومن بعيد رأيتها تجلس متكورة على نفسها، تخفي يدا تحت عباءتها وتخرج الأخرى، تمسك بها  سيجارتها. توقفت عندها وسلمت عليها.

   " حجيه  لو تدخلين للبيت  الجو بارد هنا "

   رفعت رأسها ونظرت في وجهي، تتفحصه، قبل ان تجيب. " إي والله باردة يمه  بس شسوي "

   " ليش حجيه "

   " ما عندي احد بالبيت  ويا من احجي ويا من اكعد " قالت. وبدا على وجهها أنها تريد ان تستمر في تبادل الكلام معي، ولكني لم اتوقف طويلا أمامها. ودعتها ومضيت في طريقي إلى البيت.

   لم تكن تجلس في النهارات الماطرة أمام باب الدار. وقد تمطر في الليل ولكن ما أن يتوقف المطر في الصباح حتى أراها وقد خرجت وأخذت مكانها على دكة باب الدار المبللة بالمطر،  منكمشة على نفسها وقد تلفعت بعباءتها وشدت على رأسها فوطتها.

                                     ++++++++++

   كان مشهد المرأة يختفي من أمام عيني بعد وقت قصير من خروجي من المحلة في ضحى كل يوم.... كنت أفكر، وأنا أصعد جسر (الأحرار) وأنزل إلى شارع  (الرشيد) وأمشي إلى (الباب الشرقي) في طريقي إلى مقر الصحيفة التي أعمل فيها مترجما، بالتقارير الأجنبية الكثيرة التي تواكب الأحداث السياسية في العالم ومنها الأحداث الساخنة في العراق والتي كان عليًّ ترجمتها لوحدي لأني المترجم الوحيد في الصحيفة التي لم تكن واسعة الإنتشار ولا توزع كثيرا كونها صحيفة مستقلة وغير ممولة من هذه الجهة أو تلك. ولم أكن أستطيع الأعتراض على العمل الكثير الملقى على عاتقي بسبب قلة فرص العمل في مكان آخر ولأني كنت عاطلا وقتا طويلا قبل ان أعثر بصعوبة على هذا العمل في هذه الصحيفة المغمورة. وفي ذلك اليوم كان عليًّ حال وصولي مقر الصحيفة البدء بترجمة تقرير أجنبي كنت قد قرأته بالأمس عن تاريخ العنف والقتل في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين وبعد سقوطه. ويقول التقرير في جانب منه ان الأم العراقية، من الطبقة المتوسطة والفقيرة خاصة، هي الأم الأكثر تعرضا للفجائع والمآسي من بين كل أمهات العالم. ويقول، ان الأم العراقية فقدت على مدى السنوات الستين الماضية من تاريخ العراق الآلاف من أولادها وأزواجها، إضافة إلى الظلم الأجتماعي المتوارث الذي تعاني منه منذ ان تولد وتنشأ حتى تكبر وتتولى مسؤولية زوج وبيت وعائلة. ويقول التقرير ان حياة الأم العراقية طُبعت بالأحزان والكروب والإنكسارات، ولكنها اتسمت أحيانا كثيرة بالشجاعة والصبر والإيمان، هكذا يقول التقرير. ويقول أيضا، ان الوضع السياسي الجديد في العراق بعد سقوط نظام صدام لم يلتفت إلى هذه الأم العراقية ولم يعمل الكثير لرفع مستواها الأجتماعي في كافة المجالات تعويضا لها عما فقدت من أولادها وأزواجها وخسرت وعانت في حياتها وكابدت... ولكني لم أستطع الإنتهاء من ترجمة التقرير قبل موعد مغادرتي مقر الصحيفة لأني كنت أخشى العودة إلى البيت في وقت متأخر بسبب الوضع الأمني الخطر وغير المستقر. وغادرت مقر الصحيفة وأنا أفكر فيما ترجمته من التقرير الأجنبي وافكر في الباقي منه الذي كنت سأترجمه في اليوم التالي. كان الجو باردا جدا والسماء تحجبها الغيوم السوداء والرعد يقصف بين حين وآخر ولا صحو يلوح في الأفق.. وحين نزلت جسر الأحرار وانعطفت إلى اليمين وأقتربت من مدخل المحلة حضر أمامي مشهد المرأة التي تجلس على دكة باب الدار. وكانت هناك.

++++++++++

   في أحد الأيام عدت من عملي قبل المغرب. وقبل ان أدخل المحلة قفز أمامي، آليا، بلا تفكير، مشهد المرأة وهي تجلس على دكة باب الدار، كما في كل يوم أخرج فيه ضحى وأعود فيه عصرا. وفكرت، أني سأراها كالعادة حين أعود في عصر كل يوم؛ تجلس على دكة باب الدار، ترقب بعينين مرتخيتين ووجه متعب ومستكين الناس الذين يمرون من أمامها وقد أمسكت سيجارتها الأجنبية الرخيصة بيدها، تأخذ نفسا طويلا وتنفث دخانا قليلا. ولكني لم أر شيئا من بعيد. وحين أقتربت من الدار لم تكن المرأة موجودة. توقفت قليلا ونظرت إلى الباب المغلق، ثم مضيت في طريقي. وفكرت، انها لم تخرج بعد الظهر بسبب الجو البارد جدا، ربما، أو ن مرضها قد أشتد عليها فلم تستطع ان تجلس على دكة باب الدار وقتا طويلا. وسألت نفسي، هل سأجدها جالسة في ضحى اليوم التالي حين أمر بالدار في طريقي إلى مقر عملي في الصحيفة؟

 

ahmedjassimalali@yahoo.com

 

 

 

نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته