|
رغم الودّ الذي غمر الساعات الأربع التي قضيناها في الكافيتيريا، وترحيبي
واهتمامي اللافت بها، لكن شيرين لم تتعرف عليَّ !! ظلّتْ تتحدث عن أحزانها
وذكرياتها وكأن لا علاقة لي بالموضوع !! افترضتُ أن انقطاعاتنا الطويلة التي
تكرّرتْ عبر العقود الثلاثة الماضية قد أربكتْ ذاكرتها، لكني لم أكن أتوقع أن
الأمر سيصل إلى هذا الحد، فهي طوال الوقت كانت تتحدث عني، ثم تتوقف قليلاً
لتتحدث عن حياتها الزوجية المملة وسرعان ما تعود وتتحدث عني .. عن ذكريات الحبّ
الصاخب، عن الماضي الذي تقول أنها ما زالت تشم رائحته وتحسُّ بضجيجه على يديها
وفي ثيابها وأحياناً ترانا في المرآة نتجول في شارعٍ خالٍ أو ندخل حديقة فنغيب
فيها ثم تغيب الحديقة في المرآة فتسقط شيرين على الكرسي مذهولةً كأنها جالسة ٌ
وحيدةً في صحراء ..
ترشف قليلاً من فنجان القهوة ثم تُعيده إلى الطاولة بحركة لا إرادية، لتواصل
حديثها دون أن تنتبه إلى كوني أنا من تتحدث عنه. لم تبدو منتبهةً إلى ذلك
وكأنها في حالة تنويم مغناطيسي، لدرجة شعرتُ معها وكأنني أنا الآخر غير موجود،
أو أنني أتوهم أو أحلم .. أحلم وكأن لقاءنا مجرد خيال له سطوة الحقيقة ..
عيونها المذهولة تتوهج أحياناً ثم تذبل بالتدريج لتعود تتوهج من جديد وكأن
الحقيقة والماضي يشتبكان في خاطرها، يتصادمان ولكن دون أن ينتصر أحدهما على
الآخر نهائياً ..
كانت حركة النادل وقدوم الزبائن أو خروجهم يجعلني أكثر إنتباهاً إلى نفسي. وبعد
استغراقها في هذه الحالة، لم أعد أشعر بأنها تقصد تأنيبي أو تجاهلي بعد انقطاعي
الطويل بسبب سفري الذي أستمر لسنوات طويلة لإكمال دراستي في باريس، دون أن أهتم
كثيراً بالتواصل معها لثـقتي الزائدة بأنها ستنتظر أكثر من ذلك إلى أن أعود،
لكنها نَسيتْ أو اضطرت فتزوجت .. فَرِحتْ بزواجها قليلاً، نسيتْ قليلاً، لكنها
سرعان ما تذكّرتْ، فأنكسرتْ لحظةُ الإطمئنان في داخلها ليتسرب طعم الماضي
وضجيجه إلى مشاعرها وذكرياتها حتى سيطر عليها تماماً، إنها تتحدث الآن وكأنها
ليست هي أو كأنني لستُ موضوع حديثها ..
في رسالتها الأخيرة بعد ثلاث سنوات على سفري، قالت: أنا الآن مخطوبة، لا أعرف
كيف أصبحتُ مخطوبة، بل لا أعرف كيف سيكون بوسعي أن أتزوج رجلاً غيرك ؟! لا أعرف
ماذا أفعل وكأن الأيام تريد أن تقودني إلى ما لا أُريد .. مازال طعم الرمان على
شفتيَّ، طعم القبلات الأولى، مازلتُ أشعر بآثر كفك على أصابعي والوجع اللذيذ
الذي يتسرب إلى جسدي حين تعصرها وأنت مستغرقٌ في لذّة الكلام .. أسمعُ صوتَكَ
يلامسني الآن وظلَكَ يَغمرني وأنا أكتب، صوتك يغمرني كلَّ ليلةٍ وأنا غارقة في
نومي المتقطع ...
وها هي تستغرق في لذة الماضي، لذة الهروب من حقيقة لم تردها أن تتحقق فتُغيّر
حياتها إلى الأبد. تريدُ الحقيقةُ أن تسدَّ عليها الطرق فتبقيها في البيت،
لكنها تحاول أن تتملص من الحقيقة ومن نفسها لتجد طريقها إلى الماضي .. فالماضي
يُصبح أكثر حقيقةً من الحقيقة التي تريد أن تُبعدَنا عن معنى وجودِنا عندما
يكون الحبُّ هو ذلك المعنى ..
*****
أخذْتـُها وراءَ عريشة الياسمين فسقطنا على العشب نضحك، أثنيتُ ركبتي وأنا أنهض
كي أُسيطرَ عليها فسيطر علينا الحبُّ وغرقنا في القبلات ... الآن أتذكر
باستغراب، لقد كنا نقبّل بعضنا بحرارة وارتباك كما لو كنا كبيرين، وقتها كانت
هي في الأول المتوسط وأنا أسبقها بصف واحد، أعدتُ تنورتها التي انثنت إلى
الأعلى وأنا خجلان لأن ساقيها كانتا متوهجتين، لقد أربكتاني حقاً لكننا سمعنا
وقع خطاً خلف سياج الحديقة فنهضنا .. حديقة المدينة واسعة، حديقة كبيرة وغير
منظمة: عوائل وعشاق وأطفال يلعبون، هي وأنا وأصدقاء نتفاجأ بوجودهم صدفةً.
الحديقة واسعة مُبهجة لكن شيرين حزينة مرتبكة وتضحك كثيراً في بعض الأحيان.
أحبها جداً فأستيقظ مبكراً، نجدُ بعضنا كلَّ صباحٍ في أول الشارع، نذهب إلى
المدرسة ونعود ونلتقي في الحديقة مساءً، وحين نلتقي نتمنى أن لا نعود إلى البيت
لكننا لا نعرف إلى أين نذهب !! لماذا لا ننام في الحديقة. كانت تقول وهي تضحك.
لماذا حقاً لا نستطيع أن ننام في الحديقة ؟! أسألها لكنها تظل تضحك وهي تجرني
من يدي كي نبقى أكثر، لكنها تتوقف عن الضحك فجأة وتبدو حزينة : لماذا لا ننام
في الحديقة ؟! تُكرر ذلك وهي تقترب مني فأشعر بلهفتها تُحرقُني. تضغط على كفي
فأعصر أصابعها الناعمة، أودُّ أن أعضها ونتمنى أن لا نعود .. لكن لا أحد ينام
في الحديقة، ولا نعرف لماذا ؟! لا أحد ينام في الحديقة حتى في الصيف، لقد
أحببتها طوال الصيف وفي الشتاء نرقص تحت المطر ونكبـُر كثيراً في الربيع ..
تحت وقع المطر حين يشتدّ نظلُّ جالسين في موقف الباص أو في ظلال شجرة وارفة، هي
التي قبلتني أول مرة فأذهلتني رطوبة شفتيها. يَشتدَّ المطر فنتشبث بالشجرة،
تهتزُّ الشجرة وتطير بنا بين الغيوم ...
*****
أكيد أن في هذه الكافيتريا الأنيقة، التي يرتادها العشاق في الغالب، قصصاً
كثيرة، لكنّي لا أظنُّ بأن ثمـّة قصةً تشبه في لا منطقيتها قصتنا. تداعيات
كثيرة كهذه تَخطر في بالي ولكن بسرعة، فأحاول التخلص منها كي أتفرغ لتأمل ملامح
شيرين المدهشة وحضورها العميق، حضورها المشع والخافت معاً، وجودها الذي لا
أستطيع أن أصفه لأنني غارق فيه، هذه المرأة السمراء حزينة وذابلة، شَعرها
الأسود الطويل يسقط على جانبي وجهها بإهمال، إهمال يشبه إهمالها لروحي المضطربة
وندمي الكثير، مرات عديدة حاولت أن أقول لها: أنا الرجل الذي تتحدثين عنه،
إنتبهي لإسمي الذي يشبه إسمه في الأقل .. لعيوني التي تشبه عيونه، لروحي
المرتبكة لطريقة تدخيني التي كنتِ تحبينها كثيراً ..
لقد يئستُ من حالة الذهول التي هي فيها، رغم أنها تبدو طبيعيةً في كل ما تقول
!! لم أكن أُريد منها شيئاً مُحدداً، أردت أن أقول لها أنني بسبب غلطتي معها لم
أتزوج لحد الآن.
لقد تسللتُ إليها بطريقة هادئة وغير مباشرة عبر علاقة صداقة خفيفة مع زوجها حتى
تمكنت من الحصول على رقم التلفون فدعوتها إلى هذه الكافيتيريا بذريعة بسيطة
وغير مهم ذكرها هنا، لقد توقعت أنها عرفتني أو أنها ستعرفني حالما تراني. لقد
هيّأتُ نفسي لأحزانٍ غير هذه التي وضعتني فيها، تصورتُ أن إسمي في الأقل سيثير
فضولها لكن كل ذلك لم يُجدِ نفعاً. كانت تتحدث أحياناً بأفكار عميقة، ربما
بتأثير دراستها لعلم النفس .. سألتها: ألم تصادفيه مرة أخرى ؟! قالت: لا، أعرف
أنه أكمل دراسته في باريس ووجد عملاً هناك، أنه يعود بين وقت وآخر، لكن لم يعد
مهماً أن أره ..
فَهمتُ من كلامها أنني أصبحت شخصين بالنسبة لها، فالرجل الذي أحبّتهُ ما زال
شاباً وما زالت تلتقيه بين وقت وآخر، كأنها سجنته في الماضي لتبقى معه هناك.
أما الرجل الآخر الذي كَبُرَ وسافر فلم يَعُد مهماً بالنسبة لها.
قبل فترة .. قبل سنتين تقريباً حين عدتُ إلى هنا عَرفت بأنها تزوجت .. ( لقد
تزوجتْ ) هكذا قال لي أحد الأصدقاء. ( لقد تزوجتْ ) هذا التعبير أقلقني كثيراً
لأنني لم أستطع تصديقه. لم أستطيع أن أفهم كيف حدث ذلك !! لقد صدمني وخلخلَ
مشاعري، اضطربتُ لبضعة أيام لكنني استيقظت ذات يوم وكأنني لم أسمع بتلك
العبارة، لقد نسيت الألم وتذكرت شيرين، صرت أتوقع مصادفتها كلَّ يوم، كل يوم
أخرج وكأني على موعد معها، حتى خدَّرني الأمل كل هذه الشهور .. بعد أسابيع من
وصولي باغتني صديق قديم بوجوده فجأةً، أحمد صديق أُحبه حقاً، تربطني به ذكريات
كثيرة لكنه كان هو الآخر مذهولاً، لم يتحدث طويلاً، بل بدأ يقرأ كلمات أغنية
إنجليزية قديمة :
( حين أطلَّ الربيع
قالت وردة الثلج لإشعة الشمس:
أنا أُحبُّ وأنا أذوب
فليس بالإمكان أن أُحبَّ وأن أبقى )
كان المساء هادئاً وكنتُ كأني أفتّش عن صديقٍ كهذا، كأن أحمد هو ما كان ينقصني
لأتوازن قليلاً .. أخذته بهدوء إلى أحد البارات، وجعلته يُعيد عليَّ حكايته
الحزينة من جديد وبنفس الطريقة التي أوردها قبل قليل كي أستوعبها جيداً أو
أتأكد منها أو أتأكد من نفسي فأنا رجل لا أخلو من نقاط ضعف تجعلني أحياناً أخضع
لسطوة الأوهام ويلتبس عليَّ أحياناً حال اليقظة بوقائع الأحلام ..
قال: أنها ماتت وأنا غير قادر على تصديق ذلك، وها أنا هائم كما ترى .. أتوقع
أنا أراها في كل لحظة في أي منعطف أو رصيف ..
صديقي هذا أقلقني، كان حزيناً كطفل سُرقِتْ لعبتُهُ، سرقها من لا تستطيع أن
تستردَّ منه شيئاً، لقد خفتُ من الموت، خفت على صديقي وعلى شيرين وعلى المعنى
الذي أبحث عنه في شيرين، أو المعنى الذي يجعلني أفقد شيرين ثم أبحث عنها بهذه
الطريقة المرتبكة التي ليس لي منها سوى مواصلة اللهفة والأوهام .. كان يدخن
كثيراً ويسكت كثيراً، لم يكن بوسعي أن أجعله واقعياً. لم يشرب حتى فنجان
القهوة. كان النادل قد أستغرب من جلستنا الطويلة دون أن نطلب شراباً وربما كان
مستغرباً من صمتنا الطويل وكلامنا المتقطع، حين أقبل علينا مرة أخرى توقف
متردداً حين رآنا ننهضُ صامتين كأننا في مأتم ...
*****
في الأيام اللاحقة حاولتُ أن أتأكد من وجودها، لأن أحزاني الخفيَّة وظنوني قد
تأخذني إلى احتمالات لا أعرف إلى أين ستوصلني، صرتُ أحلم أحياناً وكأنني طافٍ
في بحيرة ملأى بالورود، تطفو معي نجوم وفواكه وقمصان شيرين وشرائطها البيضاء
المعقودة على هيئة وردة وقناني بيرة ووسكي وصور كثيرة لشباب وفتيات عراة لا
أعرفهم وجهاز ريديو كبير وفوقه ساعة كبيرة تتكتك وتوشك أن تسقط بينما تنهض شيرن
فجأة من الماء تشهق شهقتين متتاليتين وتغطس فأستيقظ مرعوباً مبتلاً بالعرق
كأنني خارج من البحيرة تواً .. لم يعد أمامي سوى أن أراها، أن أكلمها وأحس
بوجودها حتى لو كانت متزوجة أربعة رجال ..
ها هي الآن أمامي وكأننا لم نفترق يوماً، لكن ثمّةَ مشاعر خفيّة تقلقني، فأنا
لا أعرف ماذا أُريد منها بالضبط، كنت أودّ دائماً أن أذهب إلى تلك الشجرة
الكبيرة وأنتظرها في نهاية الشارع، لكن أفكاري كانت تمحو بعضها بعضاً بسرعة.
أحياناً أشعر بخجل كبير يجعلني أندم على هذا اللقاء، كأنني كنت أود أن أظل أحلم
بها فقط، لكن الفرح يعود ويغمرني وأنا أسمع صوتها الحزين. المهم إنها معي الآن،
وجهاً لوجه وهذا وحده ليس قليلاً .. إنها ترتدي ثياباً شتائية رغم أن الطقس لم
يكن بارداً إلى هذه الدرجة. قلت، كي أُنهي لحظات الانقطاع الصامتة التي تحلّ
بيننا أحياناً : هل تشعرين بالبرد ؟
قالت : أنا خارجة من الحمام تواً وطقس آذار متقلب، أنا حساسة من تقلبات الطقس
..
أسمعُ أجراساً ترنُّ في روحي أجراساً ترنُّ في ذاكرتي، رنينٌ يشبه رذاذ
الموسيقى، ترنُّ أعشابُ الحديقة الواسعة وأشجارها، ترنّ ظلالُنا ونحن نرقص بين
الأشجار، يرنّ الشتاءُ وترنّ الغيوم ويرنّ الصيف، ترنّ شبابيكُ بيتِنا القديم،
ترنّ تنورتُها السوداء وقمصانُها والبحيرةُ والفواكهُ والنجوم، ترنّ ضحكتها تحت
الشجرة الكبيرة في الصباح المطير، الشجرة التي طارت بنا ذات يوم، ثم تهدأ ستائر
الكافيتيريا والكراسي والطاولات، تهدأ روحانا وثيابنا ورغباتنا الجامحة، فننهض
ونرقص، ترقّصنا الأشجار والأيام والظلال، ترقصنا حتى يرقص الرقص معنا، فنسمع
المدينة ترقص .. الماضي يرقص والموسيقى ترذ ُّ علينا على هدوئنا وذهولنا
وذبولنا حتى نخرج من الحديقة طائرين ...
*****
كانت تضحك تحت رذاذ الدوش ورنين ضحكتها يضربه الماء، تضحك وتغرق في ضحكتها
تقول: لماذا لا يكتب الشعراء عن الحمام عن الدوش والعري ؟ أليست هذه أجمل أماكن
العشاق ؟ كنتُ أبوسها وأشرب الماء السائل على خديها وأكتافها، أحملها ونذهب
عاريين مبتلَّين إلى الفراش، أعضعض ساقيها وأصابعها وهي تضحك وتسبني، كان صيفاً
طويلاً متوهجاً بالحبّ والرذاذ، صيفاً لا يُنسى أتذكره ويتذكرني كأنه جرح في
روحي ترنُّ أجراسه وتهمد فجأةً لكنه يظل يحكّني بين وقت وآخر كأنه دليلي حين
أنسى وحين أضيع وحين أفتش عن معنى يهرب مني دائماً ..
قالت: لماذا لا نهرب ؟!
قلت: من الأفضل أن نستأجر بيتاً لنختفي فيه بين وقت وآخر.
كان بيتاً صغيراً، بيتاً لا ينسى، أصرَّت شيرين أن تدفع إيجار الشهور الخمسة
التي قضيناها معاً، لا أعرف الآن لماذا لم تخطر في بالنا فكرة الزواج، ولا كيف
جاءت فكرة السفر بعد ذلك، فسرقتنا الأيام ويا لها من سرقة ..
قالت: طوال الأيام وأنا أفكّر به، أحلم أن أنسى ولكن كيف ؟
أخذني ذهولها المذهل فسألتها: ولكن أين هو الآن ؟
قالت: كان في الخارج وعاد، عاد منذ أقل من سنة، وهو يتتبع أخباري ويعرف عني
كلَّ شيء .. أعرف أنه غير قادر أن يتزوج من أمرأة أخرى.
قلت لها: لماذا لا تلتقيان ؟
قالت: لم يعدْ بوسعنا ذلك، لا أريد أن ألقاه ولا أستطيع أن أنساه .. لقد لعبت
الأيام لعبتها وانتهينا ..
حاولت أن أتنفس، لقد اختنقتُ فعلاً، أردت أن أُغير رنّة صوتي، أردت أن أمسكها
من كتفيها واهزُّها كي تصحو. هل هي سكرى بغفلة الحب إلى هذا الحد أم أنها تريد
الإنتقام مني ؟ طلبتُ فنجان قهوة آخر كي أشعر بطعم السيجارة. لقد فقدنا شيئاً
نعرف أين هو ولكن لا نستطيع الوصول إليه، لذلك لم يعد بوسعنا أن ننسى ولا
نستطيع أن نهدأ .. لم نفقد الحبَّ، لقد فقدنا عصا التوازن التي تُعيدنا إلى
الماضي على حبل الأيام، حبل الأيام المتوتر الذي سرنا ورقصنا عليه طويلاً لكننا
سقطنا في النهاية، أردت أن أصرخ كي لا نظل ساقطين في هوة الفراغ، لكن ذبولها
كان قد تسرب إليَّ وجعلني هادئاً أكثر مما كنت أتوقع، ظللت صامتاً، لحظات كثيرة
مرّتْ وأنا أتأمل أصابعها التي استرختْ على الطاولة. أردت أن أقول لها: إذا
كنتِ قد نسيْـتني فهل من المعقول أن تنساني هذه الأصابع التي مرت على كل كياني
؟! لكن شعرها الحزين المتهدل على جانبي وجهها أنساني كلَّ شيء، شعرها وأصابعها
وضحكتها ولذة وجودها أعادوني إلى الصيف والحديقة والمطر والوقفات الطويلة تحت
الشجرة الكبيرة التي طارت بنا ذات يوم .. فركتُ عيوني فلاحظتُ أنها تفرك عيونها
أيضاً وانتابتها ارتعاشة خفيفة فقلت: يا الله لعلها استيقظت من غفلتها، لعلها
تذكرت .. لكنها تشاغلتْ بشرب بقايا فنجان قهوتها ثم وضعتْ سيجارة في فمها
واستغرقت في الصمت والتدخين، لكني لم أعد أطيق صمتها ..
قلت لها : لماذا تزوجتِ إذن ؟
قالت : كنت أشعر بفراغ كبير وهو ما يزال في الخارج والرجل الذي أحبني كان
معقولاً، لقد حدث الأمر ولا أعرف هل أنا مرتبطة الآن أم لا ؟ فقد عاد الفراغ
يلاحقني من جديد، الفراغ يأخذني إلى الماضي دائماً، إلى ضجيج الماضي والمطر
والذكريات ..
أردتُ أن أقول لها: ولكني ما زلتُ موجوداً لكني شعرت بارتباك خفي، شعرت بالخجل
.. فتحتْ زر الجاكيت الأعلى وحركت نفسها، ثم أخذتْ النفس الأخير من السيجارة.
شعرتُ أنها تريد المغادرة، حاولت أن أقول لها شيئاً آخرَ لكني لا أعرف ما هو !!
قلتُ لها : هل تحبين الشعر ؟
قالت : لا. الشعراء هذه الأيام لا يكتبون قصائد حبّ، أُحب الروايات أكثر.
قرأتُ لها كلمات الأغنية الإنجليزية فبدت منتبهةً أكثر ومندهشة.
قالت : إنني أفتش عن هكذا قصائد من زمان، أرجوك أكتبها لي ..
قلتُ : ستكون معي في المرة القادمة ..
قالت : لا أرجوك، أرجو أن تكتبها الآن، أنا مسافرة في الأسبوع القادم، ربما لم
يُخبرك زوجي بذلك، فقد حصل على عمل في الخارج، ربما لا نعود قبل أقل من سنة،
ربما لا أراك ثانيةً ..

كريم عبد
مواليد
العراق - الديوانية • بسبب حملة التبعيث ( المكارثية ) غادر العراق في نيسان
( أبريل ) 1979 حيث كان يعمل كمساعد مهندس في ( شركة المقاولات الإنشائية ) ..
• عاش بلبنان حتى آب ( أغسطس ) 1982 ثم غادر إلى سوريا وعاش فيها حتى 1995.
• يقيم منذ 1995 في لندن . • بدأ بنشر أعماله في الصحافة العراقية منذ
1974. * صدرت له الأعمال التالية :1 ـ ثم نُهدي الكلام ـ شعر 1986. ( دار
النديم – سوريا )2 ـ أطروحة الندى ـ شعر 1987. ( دار النديم – سوريا )3 ـ
هُدهُد الشتاء والصيف ـ شعر 1994 ( دار الكنوز الأدبية – بيروت )4 ـ الهواء
يوشك على الوجوم ـ قصص 1988.5 ـ عزف عود بغدادي ـ قصص 1993 ( المركز العربي
للفنون والآداب – بروكسل ) 6 ـ خرزة زرقاء - قصص 1997( المركز العربي للفنون
والآداب – بروكسل )7 ـ الدولة غير المثقفة - 1995( المركز العربي للفنون
والآداب – بروكسل )8 – الدولة المأزومة والعنف الثقافي – 2002 ( دار الفرات –
بيروت )
|