( ملاحظة: رأينا ان يكون عدد الأولاد التي تجري حولهم هذه القصة ثلاثة وليس
خمسة،
كما هم حقيقة،
لتجنب المبالغة والتهويل مما لا يتناسب والضرورات الفنية التي تقتضيها كتابة
القصة!!)
عدت إلى العراق في الأيام الأولى بعد 9 نيسان 2003.
كانت أشياء كثيرة قد تغيرت في بيوتات أهلي وأقاربي ومعارفي من الأصدقاء منذ
عام 1982، وهذا هو حال الدنيا. ولد أطفال وكبر صغار وشاخ كبار، وتزوج من تزوج
وتخرج من المدارس والكليات من تخرج؛ منهم من توظف ومنهم من أمتهن مهنة حرة
ومنهم من تورط في السياسة، وأُخذ من أُخذ؛ أُلقي القبض على إبن شقيقتي في طريق
عودته إلى داره عام 1983، ولم يسمع أهله عنه شيئا حتى بعد نيسان 2003. ومات من
مات؛ توفي والدي في السنة الثالثة للحرب العراقية-الإيرانية وتوفيت والدتي
قبل إنتهاء السنة الرابعة للحرب. كنت وأنا في الخارج على علم بالبعض من هذه
المتغيرات؛ كان شقيقي، الأصغر من بين أربعة، ثلاثة أولاد و بنت واحدة، يراسلني
بانتظام وقد كبر الآن وصار رجلا بعد ان تركته شابا لم يتعد الثلاثين من عمره،
ويطلعني على متفرقات من أخبار الأهل والأقارب والمعارف وكيف يعيشون حياتهم في
ظروف الحرب مع إيران وظروف الحصار بعد أحتلال (الكويت) عام 1990. ولم ينقطع عن
مراسلتي حتى الشهر الأخير قبل نيسان 2003.
نزلت في بيت شقيقي في مدينة ( الحرية ) وذهبت زوجتي إلى بيت إحدى شقيقاتها
بينما تركت أولادي هناك في (السويد،) البلد الذي منحني حق اللجوء الإنساني منذ
ما يقارب الخمسة عشر عاما وحصلت على جنسيته قبل عشر سنوات، وقد كبروا الآن
وصاروا من مواطني ذلك البلد. وعندما قررت العودة إلى العراق بعد سقوط النظام
الحاكم كان يشغل تفكيري أمر واحد: معرفة مصير أولادي الثلاثة؛ إثنان أخذوهم مني
في دائرة التسفيرات والثالث، أكبرهم، أخذه رجال الأمن من مكان عمله في إحدى
دوائر البريد المحلية بتهمة إنتمائه إلى أحد الأحزاب الدينية والذي بسببه
أُخذنا نحن، زوجتي وأربعة أولاد من دارنا في الليل بعد يوم واحد من أخذه.
كنت متفائلا قليلا وراجيا كثيرا أن أعثرعلى أولادي أحياءا، طاردا فكرة ان
يكونوا قد قضى عليهم النظام بأي شكل بعد هذه السنوات الطويلة التي مضت على
احتجازهم. وفي الحق، لم أنقطع عن السؤال والبحث عن مصير أولادي طيلة السنوات
التي عشتها في الخارج، خاصة بعد خروجي من إيران وحصولي على اللجوء الإنساني في
دولة (السويد.) فبعد ان تمكنت من الإتصال مع شقيقي في العراق لأول مرة بعد
سنوات من الإنقطاع طرحت عليه موضوع السؤال والبحث عن أولادي هنا وهناك في حدود
الممكن والمستطاع لأني كنت على بينة من خطورة القيام بمثل هذا الأمر مع وجود
السلطة الحاكمة، وهذه مسألة معروفة في ذلك الزمن الصعب. كنت أتابع أخبار العراق
في وسائل الإعلام الأجنبية والعربية والعراقية وأقف على مايجري هناك من احداث
خطيرة وحوادث كبيرة، ولكني كنت أحاول ان أتجاهل هذا الواقع واطلب من شقيقي
تكرار المحاولات في السؤال عن الأولاد ومعرفة عن مصيرهم بأية طريقة تخطر على
باله دون ان يعرض نفسه وأهله لأي أذى أو خطر. ومن جانبي حاولت ان اعمل شيئا.
وكنت أعرف ان شقيقي يحاول التوفيق بين مطلبي في السؤال والبحث عن أولادي وبين
إستحالة القيام بأي عمل من هذا النوع مع وجود نظام البعث الحاكم.
إتصلت بصديق قديم، ليس حزبيا ولكنه قريب من أشخاص حزبيين ليسوا بدرجات
متقدمة كثيرا في الحزب، ورجوته ان يحاول مع هؤلاء السؤال والبحث ولو من بعيد عن
مصير الأولاد. وبعد إنتظار طويل جاءني رد من هذا الصديق القديم يقول أن أحد
الحزبيين الذين يعرفهم يستطيع ان يعمل شيئا مفيدا في معرفة مصير الأولاد ولكنه
يطلب مبلغا من المال، ليس له ولكن لصديق يعمل في مديرية الأمن العامة ويستطيع
ان يفعل شيئا. ولم أتردد بالموافقة. حولت مبلغا من المال إلى صديقي القديم على
ان يسلمه إلى الشخص الحزبي الذي يعرفه والذي كان عليه ان يقوم بتسليمه إلى
صديقه الذي يعمل في مديرية الأمن العامة. وأنتظرت شهرا وشهرين وثلاثة ثم جاءتني
رسالة من صديقي القديم يقول فيها ان الشخص الحزبي الذي يعرفه أخبره ان صديقه
الذي يعمل في مديرية الأمن العامة إدعى أنه تعرض لمساءلة وتحقيق في دائرته حين
تجرأ وذهب إلى قسم مختص في الدائرة واعطى معلومات عن عائلة تم تسفيرها عام
1982، وطرح سؤالا غير مباشر عن مصير أولادها الثلاثة الذين أُخذوا منها.
وأخبرني صديقي القديم أنه يعتقد، بعد لقاءين مع هذا الشخص الحزبي الذي يعرفه،
أن في الأمر نصب واحتيال وأن الحكاية ملفقة وكاذبة. فقد يكون الشخص الحزبي الذي
يعرفه إتصل فعلا بصديقه الذي يعمل في الأمن ولكنهما إتفقا على إقتسام المبلغ
الكبير ثم الإدعاء بما أدعى به رجل الأمن، إذا كان هذا موجودا حقا. ولم أستبعد
ان تكون تلك هي الحقيقة التي أخبرني بها صديقي القديم الذي أثق به. وكانت
النتيجة ان خسرت المبلغ الذي دفعته ولم أحصل على ما يفيدني عن مصير أولادي
الثلاثة. ولكني لم أتوقف.
في السويد تعرفت على شخص قال لي بعد تعارفنا أنه لاجيء عراقي هرب من نظام
البعث قبل عام. وبعد ان توطدت العلاقة بيننا، وهو الذي سعى إلى توطيدها، أخبرني
بقصته وكيف أنه ترك عائلته في العراق؛ أمه وأبيه وشقيقته غير المتزوجة، وهرب
بجلده بعد أعدم النظام شقيقه قبل شهور من هروبه هو إلى خارج العراق. وأخبرته
أنا بقصتي باختصار وأنتهيت إلى أني أحاول الآن الإتصال بمن أعرفه في العراق
للسؤال والبحث عنهم عسى ان أحصل على ما يفيدني عن مصيرهم، قلت. ولم يقل صاحبي
شيئا قبل ان ينظر اليَّ لوقت خلته طويلا.
" آني اعرف واحد صديق هو الذي ساعدني على الهروب خارج العراق عن طريق
الشمال يعرف واحد يشتغل بالقصر الجمهوري هذا ممكن يساعدك ويسأل عن أولادك "
" شنو شغله " سألت.
" نعم "
" هذا الشخص الذي يشتغل بالقصر الجمهوري شنو شغله موظف ضابط مراسل فراش
"
" مو مهم مادام يشتغل بالقصر الجمهوري ممكن يعمل شي "
" ولكني اخبرتك عن صديقي القديم في بغداد وكيف حاول ..... "
" حاول مرة ثانية إذا تريد تعرف مصير أولادك آني عندي هذا الصديق نكتب
له المعلومات عنك وعن أولادك وهو ينقلها إلى صديقه في القصر الجمهوري وننتظر
جوابه شتكول "
" زين مو خطر على صديقه الذي يشتغل بالقصر الجمهوري "
" طبعا خطر لكن يروح له للبيت ويتفاهمون على قضيتك "
ولم يعترض شقيقي، عندما أخبرته عن المحاولة الأولى، ولم يلمني عندما فشلت.
ولكن عندما علم أني سأقوم بمحاولة ثانية مع هذا الشخص، اللاجيء في السويد،
إعترض قائلا بأن عليًّ الكف عن هذه المحاولات لأنه لا يثق بأي شخص يسعى في قضية
مثل قضيتي، ونصحني بأن أتوقف عن صرف المبالغ من أجل هدف صعب التحقيق، بل هو
مستحيل مع وجود سلطة حاكمة مثل سلطة البعث. كنت أعرف طبيعة هذه السلطة، أنا
أيضا، ولكني لم أسمع لكلام شقيقي ولم أتردد في الموافقة على عرض هذا الشخص الذي
تعرفت عليه في السويد وقال أنه لاجيء عراقي. ورغم أني لم أشعر بالإطمئنان إليه
ولم أتأكد من صدق كلامه إلا أني زودته بالمعلومات الضرورية على أن يكتب هو
رسالة إلى صديقه في العراق يشرح فيها قضيتنا لينقلها شفويا إلى صديقه الذي يعمل
في القصر الجمهوري عندما يزوره في بيتهم.
ومضى شهر قبل ان يأتي إليَّ صاحبي اللاجيء العراقي حاملا رسالة قال إنها
مرسلة من صديقه في بغداد.
" اقراها شوف شكاتب قضيتك صعبة وينرادله ركض هنا وهنا اقراها اقراها
" قال وهو يسلمني الرسالة.
قرأت الرسالة. بدا الشخص وهو يكتب متعاطفا مع قضيتي وبين، أنه زار صديقه
الذي يعمل في القصر الجمهوري في داره وشرح قضيتي له فتأثر هو الآخر، ولكنه أبدى
أسفه لعدم استطاعته عمل شيء لأن مسألة السؤال والبحث عن مصير الأولاد في دوائر
أمنية حساسة وفي مثل وضعه مسألة فيها من المخاطرة والمجازفة الشيء الكثير.
ولكنه، أستدرك أنه سيحاول تأمين بعض المنافذ التي يستطيع ان يتحرك من خلالها
ويجس النبض قبل ان يجيب بالموافقة على البدء بعملية السؤال والبحث عن الأولاد
أو لا.
" شفت القضية مو سهله " قال صاحبي. " ننتظر حتى نستلم الرسالة الثانية من
صديقي ونشوف يكدر صديقه الذي يعمل بالقصر الجمهوري يسوي شي لو ما
يكدر"
فكرت في هذه المحاولة الثانية وإمكانية نجاحها. ولم أسمع لعقلي وهو يوسوس لي
ويقطع بأن هذه المحاولة ستفشل أيضا إذا بدأت وستكون عبارة عن عملية نصب واحتيال
هي الأخرى كما كانت سابقتها. لم أستطع التوقف عن السؤال والبحث عن أولادي وأنا
في الغربة ومحاولة معرفة مصيرهم في العراق. والحقيقة ان البقية الباقية من
عاطفة الأبوة هي التي دفعتني إلى البحث عن مصير أولادي الثلاثة وما حل بهم
بعدنا. فقد تجمدت كل عواطفي أمام كل شيء إنساني في الحياة ولم أعد أستطيع
الشعور بأي عاطفة حنان تجاه كل شيء وفقدت الأشياء الإنسانية الجميلة، الكثير من
معانيها بسبب ما حدث لنا، أنا وعائلتي، عندما أخذونا في الليل إلى مديرية أمن
المنطقة ومن ثم إلى أمن التسفيرات، تاركين دارنا وكل شيء خلفنا في البيت. كنت
عاجزا وغير قادر على فعل أي شيء في تلك اللحظات التي رأيت نفسي فيها وعائلتي
نُقتلع من جذورنا في الأرض التي ولدنا عليها ونشأنا تحت سماءها، وعاجزا وغير
قادر على فعل أي شيء عندما انتزعوا مني ولدين كبيرين في أمن التسفيرات، إضافة
إلى الولد الأكبر الذي قُبض عليه في دائرته، وتركوا معنا ولدين صغيرين. وكنت
ناقما ومغتاظا بسبب ما لقينا من مصائب ومآسي وكوارث في الطريق، ليلا ونهارا في
البرد والمطر، نحن والمئات من العوائل الآخرى منذ اللحظة التي رمونا فيها على
الحدود العراقية الإيرانية بالقرب من منطقة حربية تبين فيما بعد أنها منطقة
مزروعة بالألغام إلى ان وصلنا إلى إيران، البلد الغريب.
لم أتحمل الحياة في إيران. ففي البدء تم حجزنا في مخيمات خارج طهران ومدنها
المعروفة لأننا لا نعرف احدا في العاصمة أو إحدى هذه المدن، حسب ما تقضي به
التعليمات. ولكني كنت قد تعرفت في الطريق على أحد العراقيين المسفرين وتبادلنا
الحديث فيما حل بنا، وأخبرني ان له معارف في طهران سيأتون لأخذه وعائلته حسب
قاعدة المعرفة، وسيأخذني وعائلتي معهم، إذا أردت، فلم أمانع وشكرته. ولكني لم
أتحمل ان أستأنف حياتي من جديد أنا وعائلتي في بلد غريب لا تربطني صلة عنصرية
حقيقية به بل هو خطأ تاريخي سببه التخلف والجهل أُرتكب من قبل جدي، والد أبي،
تهربا من التجنيد حين أشتعلت الحرب العالمية الأولى ودخلت تركيا الحرب إلى جانب
ألمانيا .... (وهذه حكاية يطول شرحها!) ولم أقبل فكرة ان أستقر في إيران حتى
تنتهي الحرب. ولم تكن نهاية الحرب هي الضمان لعودتنا إلى وطننا مرة أخرى، فقد
لا تنتهي الحرب بوقت قريب وقد لا ينتهي نظام البعث الذي أشعلها إذا ما أنتهت.
وفي الحق، كانت جذوري العراقية وطبيعة تكويني النفسي والأجتماعي وذكرياتي هي
السبب الأساسي في عدم أستطاعتي التكيف مع الحياة في هذا البلد الغريب وعدم
الإنسجام والتوافق مع ناسه الذين كان علينا ان نعيش بينهم ومعهم. إضافة إلى
ذلك، فإن التفكير بأولادي الثلاثة وما حل بهم في بغداد كان يشغلني عما حولي من
حياة وناس.
جاءت الرسالة الثانية من صديق صاحبي، الذي يعمل صديقه في القصر الجمهوري.
جاءني إلى البيت في عصر أحد الأيام والبشر يرتسم على وجهه. وحين فتحت له الباب
قال قبل ان يدخل في المجاز.
" يابه جايبلك خبر جيد " قال.
" يا الله " قلت.
" اليوم استلمت هذه الرسالة من صديقي الذي صديقه يشتغل بالقصر الجمهوري "
قال ثم دخل. وقبل ان يجلس سلمني الرسالة. " تفضل أقراها " وبدأت أقرأ. تجاوزت
السلام والتحية ووقفت على المفيد في رسالته. قال صديق صاحبي، أن صديقه الذي
يعمل في القصر الجمهوري، أستطاع ان يجد في إحدى الدوائر الأمنية الحساسة شخصا
يستطيع ان يساعد ويعمل شيئا حول ( .... قضية أولاد صاحبك العراقي الذي يعيش معك
في السويد. ولكن هذا الشخص لمح إلى أنه يطالب بمبلغ من المال لقاء خدمته التي
لا تخلو من خطر ومخاطرة، ربما بحياته، وهو يُقدم على عمل ربما يسفر عن شيء يخبر
عن مصير أولاد صاحبك. إسأله إذا كان مستعدا لدفع مبلغ من المال لهذا الشخص حتى
يستطيع البدء في المهمة." إنتهت الرسالة.
" ها شتكول عندك استعداد تدقع مبلغ من المال قضيتك مو سهله " قال.
لم أجب حالا. نظرت في وجه صاحبي اللاجيء العراقي، متفحصا عينيه بطريقة غير
لائقة، لأكتشف إن كان صادقا أو كاذبا. وفكرت قبل ان أُجيب. " موافق " ولكني
أستدركت بسرعة وبصوت حازم " لكن أريد مقابل هذا المبلغ نتيجة خبر حقيقي عن
الأولاد طيبين ميتين وإذا كانوا ما ميتين وين موجودين في أي مكان محجوزين
لو مسجونين "
" طبعا طبعا هذا كله نكتبه بالرسالة " قال صاحبي ثم أضاف " نكتب له هذه
المطالب ونسأله كم يطلب شتكول "
" إذا ما عندك اعتراض آني أكتب إلى صديقك على عنوانه وترفق إنت مع رسالتي
رسالة صغيرة. ويجاوبني برسالة على عنواني موافق "
" موافق لكن إنت مستعد تدفع المبلغ قبل ان يبدأ هذا الشخص بالسؤال والبحث
"
" مستعد لكن مرة واحدة فقط أدفع مرة واحدة واريد نتيجة خبر حقيقي "
لم أكن، في الحقيقة، أفكر بواقعية ولم أقبل ان أُشرك عقلي فيما أقوم به من
محاولات لمعرفة مصير أولادي في بغداد. كنت أريد فقط ان أعرف مصير أولادي وما حل
بهم، ولم أكن أفكر باستحالة هذا الأمر أو صعوبته وحقيقة الأشخاص الذين أتعامل
معهم؛ نصابين، محتالين، موجودين أصلا أم غير موجودين. وحين يأتي ذكر المال الذي
يجب عليّ ان ادفعه لأشخاص لا أعرفهم معتمدا على صديق او صاحب، تملا رأسي الشكوك
والريب التي يغذيها عقلي بأن من يريد مساعدتي لا يعدو كونه نصاب ومحتال.
++++++++++
" صرفت مبالغ بلا فائدة اكثر من أسبوع نركض من سجن إلى سجن من معتقل إلى
معتقل نسأل هذا ونسأل ذاك وما عثرنا عليهم " قال شقيقي بعد ان عدنا متعبين
إلى داره في نهاية يوم آخر من البحث والسؤال في أنحاء بغداد المستباحة منذ
أيام. كان يتمدد وقد أغمض عينيه على الأريكة في صالة البيت بينما راحت زوجته
تعد مائدة الطعام لنا.
" لكن صديق صاحبي في بغداد أكد لي برسالته الأخيرة الولد ما ميتين وموجودين
لكن رفض يخبرني وين موجودين في أي مكان " قلت، جالسا على الأريكة المقابلة.
" ليش رفض " سأل شقيقي، ملتفتا ناحيتي.
" رفض لأنه طلب مبلغ كبير جدا ما كان عندي وما كدرت أدبره "
" وصاحبك اللاجيء العراقي في السويد وين صار من سمع خبر السقوط "
" ما ادري ما شفته بعد سألت عنه كالو ما شفنا من سمعنا خبر السقوط "
" شفت احتمال كان واحد من المخابرات العراقية وانت صدكت بكلامه وكلام
صاحبه وكلام صاحب صاحبه " قال بنبرة ساخرة. " وين ممكن يكونون موجودين إذا
كانوا فعلا ما ميتين ما تركنا مكان ما رحنا له صار أكثر من أسبوع "
ذهبنا أولا إلى مقر مخابرات الشعبة الخامسة في مدينة (الكاظمية) بجانب جسر
(الأئمة) كان المكان مهجورا والأبواب مفتوحة وقد أستُبيحت وأُحرقت بعض غرفه.
دخلنا غرفا وقاعات ومشينا في ممرات طويلة ونزلنا إلى سراديب كانت فارغة ولم يبق
فيها إلا كتابات المعتقلين على الجدران. وجدنا أضابير وفايلات محترقة وعددا
قليلا من الأضابير الممزقة لم يبق فيها إلا بعض الأوراق وأوراقا مرمية ومبعثرة
على الأرض. إلتقطت بعضها وقرأت فيها مسائل إدارية روتينية غير مهمة، ولم أعثر
على أسماء معتقلين او محجوزين أو مسجونين. وذهبنا إلى مقر اللجنة الأولمبية
العراقية في شارع (فلسطين) التي كانت في حقيقتها دائرة أمنية ومخابراتية خاصة،
وذهبنا إلى مديرية الأمن العامة في منطقة (البلديات) وذهبنا إلى مؤسسات
مخابراتية ودوائر أمنية في مناطق مختلفة من بغداد، نسأل ونبحث، كما كان الآخرون
يسألون ويبحثون، بدون ان نحصل على شيء يخبر عن مصير الأولاد.
" يعني شنو قصدك معدومين "
" احتمال "
" لا " قلت، منتفضا من مكاني على الأريكة.
" يمكن أخذوهم للجبهة أيام الحرب مع إيران وتركوهم بالحواجب الأمامية
وماتوا هناك في أول هجوم شنه الإيرانيين او العراقيين "
" لا " قلت ونهضت عن الأريكة.
" يمكن يكونون مدفونين في احد المقابر الجماعية انت تعرف بين فترة وفترة
يكتشفون مقبرة جماعية خارج بغداد لو بالمحافظات يمكن يكونون في أحد هذه
المقابر "
" كافي كافي أسكت لخاطر الله " قلت بصوت منكسر ومخنوق، وتراجعت إلى
الأريكة. رميت بجسمي عليها وبدأت أبكي بصوت محبوس. ونهض شقيقي من مكانه، جاء
بقربي واحاطني بذراعيه.
" آني آسف والله آسف آني حزين جدا من اجلك ومن أجل الأولاد " قال "
قصدت بكلامي ان تفكر في احتمالات مثل ما تفكر انهم أحياء وموجودين ما ممكن يا
أخي بعد كل هذه السنوات الطويلة ما تفكر في احتمال ان يكون البعثيين تخلصوا من
أولادك بشكل من الأشكال مثل ما تخلصوا من آلاف الشباب من يوم استلموا الحكم إلى
ان انتهو ليش انت ما تعرف طبيعتهم ونزعتهم " قال شقيقي.
" اعرف اعرف لكن ما اكدر افكر غير انهم احياء وموجودين في مكان وين ما
اعرف "
" هذا تفكير غير موضوعي ولهذا السبب ترفض نروح إلى هذه المنظمة الجديدة،
منظمة الشهداء والسجناء السياسيين طلبت منك مرتين ثلاثة ولكنك ترفض " قال
شقيقي، وأضاف بعد صمت " ها شتكول نروح "
كانت هذه المنظمة غير الرسمية قد أُنشأت حديثا بعد ان أستولى عدد من
الأشخاص من أبناء المدينة في اليوم الثاني والثالث لسقوط نظام البعث على وثائق
ومستندات وأضابير وملفات سرية وخطيرة من مقر مخابرات الشعبة الخامسة في مدينة
(الكاظمية،) بجانب جسرالأئمة. ثم تحركوا بسرعة وفطنة إلى مؤسسات ومقرات
مخابراتية وأمنية أخرى في بغداد، هُجرت وتُركت أبوابها مفتوحة ومستباحة، منها
مقر اللجنة الأولمبية العراقية في شارع (فلسطين) التي كانت في حقيقتها مؤسسة
أمنية ومخابراتية خاصة، ومديرية الأمن العامة في منطقة (البلديات) بعد ان هرب
موظفو هذه المؤسسات والدوائر الأمنية والمخابراتية الذين كانوا موجودين فيها
حتى ساعات قليلة من دخول الأمريكان إلى بغداد، وبعد ان تأكدوا ان كل شيء قد
أنتهى، تاركين هذه المؤسسات والدوائرالأمنية والمخابراتية أبنية مهجورة أبوابها
مفتوحة ومستباحة من قبل الناس، الذين بدأوا يتكاثرون في الشوارع مع مرور الأيام
بعد ان تأكدوا من نهاية النظام، ومخلفين فيها تلك المستندات والوثائق والأضابير
والملفات السرية والخطيرة كما هي، على الرفوف وعلى المكاتب وفي الأدراج. واتخذت
هذه المنظمة في البداية قصرا في منطقة (المحيط،) يعود لأحد رموز النظام
الهاربين، مقرا لها بعد ان أمسى مهجورا وخاليا... (وهذه حكاية يطول شرحها!)
لم نتبادل الكلام أنا وشقيقي منذ ان خرجنا من منظمة الشهداء والسياسيين إلى
ان وصلنا إلى البيت. كنت أمسك بالوثيقتين اللتين حصلنا عليهما في ذلك اليوم.
كان الازدحام شديدا والاصوات ترتفع من هنا وهناك وكل إنسان يريد ان يعرف مصير
واحد من أهله أو أقاربه إعتُقل في زمن نظام البعث. وكان شقيقي يعرف شخصين في
هذه المنظمة أعطى لأحدهما أسماء الأولاد وسنة الأعتقال ومعلومات أخرى فقام
بأدخال تلك المعلومات في الحاسوب وعثر على أسماء الأولاد. ثم إنتقلنا إلى غرفة
أخرى فيها كم كبير من الأضابير والملفات، بعضها قد رُتب وصُف والبعض الآخر كان
مرميا على الأرض على شكل أكوام أو مركونا في زوايا الغرفة كيفما أتفق. وبتوصية
من صديق شقيقي سمح لنا الشخص الموجود في غرفة الأضابير والملفات أن نبدأ بالبحث
في مئات بل آلاف الأوراق في هذه الأضابير والملفات المرمية على الأرض. وبعد
ساعتين أو اكثر، لا أدري، عثرنا على وثيقتين رسميتين.
وما ان دخلت البيت حتى انهمرت دموعي ورحت أبكي بصوت عال. وقادني شقيقي إلى
صالة البيت وأجلسني على أريكة قريبة وتركني أبكي وأنا أمسك بالوثيقتين حتى هدأت
أخيرا. نشرت الوثيقتين أمام عيني ورحت أقرأ فيهما. ففي الوثيقة الأولى كتاب
موجه من ديوان رئاسة الجمهورية/ دائرة شؤون قانون السلامة في 7/2/1983 إلى
رئاسة محكمة الثورة، موقع من رئيس الجمهورية. وفي هذا الكتاب أُحيل 59 متهما
لمحاكمتهم وفق قانون المتآمرين على سلامة الوطن ومفسدي نظام الحكم. وفي الوثيقة
الثانية كتاب من رئاسة محكمة الثورة/بغداد في 30/6/1983 موجه إلى رئاسة ديوان
رئاسة الجمهورية، موقع من رئيس المحكمة. وفي الكتاب ان المحكمة حسمت القضية،
وحكمت على المتهمين بالأعدام شنقا حتى الموت. وقرأت من بين دموعي أسماء أولادي
في الكتاب.
" راح تخبر زوجتك "
" لا المسكينة مريضة صار لها سنوات نشوف شلون نخبرها بعدين "
" الله يساعدها "
" أنا ما أفهم ليش عدموهم يعني إذا اخوهم الكبيرعدمو لأنه منتمي لحزب
ديني زين البقية ليش عدموهم بأي تهمة "
" دبرولهم تهمة الجماعة ما كان يصعب عليهم تلفيق التهم للناس آلاف
العراقيين راحو ضحية تهم ملفقة وكاذبة عدمو عوائل كاملة كبار وصغار بسبب واحد
من أفرادها " قال شقيقي ثم أضاف " انت تعبان جسميا ونفسيا لو تنام شويه "
" ما اكدر انام لازم افكر شلون اعثر على قبورهم وين مدفونين بيا مكان
بيا مقيرة "
" طيب تعال نام وارتاح شويه من تكعد نتناقش حول هذا الموضوع "
" ما اكدر انام لازم ابدي اسأل وابحث عن قبورهم وين مدفونين بيا مكان
بيا مقبرة " قلت واجهشت بالبكاء مرة أخرى.
" طيب نام شويه ارتاح وبعدين نتفاهم "
لم أستطع النوم في تلك الليلة وبقيت أفكر فيما حدث لأولادي وكيف أنتهى
مصيرهم. وفي الصباح كنت استعد للخروج والبدء بالسؤال والبحث عن قبور أولادي
وأين دُفنوا.
ahmedjassimalali@yahoo.com