أمسك الفرشاة بمهارة ..أخذ يرسم إنحناءات
الجبل بخفة ، ثم البحر بموجاته المتلاطمة ، بإيقاعيات متتالية ، ولم يغفل عن
رسم الزبد الذي تتركه في بعض الأماكن ، بعد نصرها في تفتيت ذرات من الصخور
الثابتة ، كهياكل تفني عمرها وهي تصارعها منذ الأزل .
وفي وسط لوحته ، وضع مجموعة من النوارس
البيضاء ، بعضها حلق في سماء ممزوجة ، بألوان شمس على وشك المغيب ، وبعضها
الأخر أقترب من سطح المياة ، محاولا إلتقاط سمكة كان مصيرها وجبة طعام لهذا
اليوم .
وفي زاوية لوحته، رسم شجرة ذات أغصان
خضراء، منحنية لنسيم البحر ، الذي لم يتردد في صفعها من حين إلى أخر حاملا معه
بعض من أوراقها كأنهن أسرى حرب !
كان سعيدا وهو يرسم لوحته ، حتى أنه لم يشعر
إلا وهو يقف أمام هذا الجمال الساحر، يملى رئتيه هواء عذب كعذوبة وجه صبية
تطاير خصال شعرها مع نسيم الريح ، لتصفع جزء من وجهها الشاحب .حتى إن أطراف
ثوبها الأبيض بدء ، كأنه يود الفرار من جسدها المنهك ، كانت تقف على منحدر
مرتفع ، شاخصة بصرها نحو الأفق البعيد ...كان البحر يثور بموجات هوجاء يدعوها
إلى السقوط .
وعلى بعد خطوات كان رجل يحمل سلاح موجه
فوهته عليها ..كان قد حسم القرار ..الموت للخائنة دون رحمة ..دون سماح !
فجاءة توقف عن الرسم ..ترك فرشاته ..وحطم
لوحته !
داهمه صمت غليض قائلا " أصبح الوضع لا يطاق
..ألا يكفينا ما نحن عليه حتى يزيده، مشاركة مجنون زنزانتنا ! " .
تمت
18/03/2010