ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 14, 2010 03:22 AM

Detroit Michigan U.S

 

 

 الأشباح وألأمكنة رواية : ذياب الطائي

 

 

ذياب الطائي

 
 

 

الفصل ألأول

 

 

 

الصمت الغامض يطبق على دجلة وهي تنساب تحت غلالة رقيقة من ضباب الفجر الربيعي فيما يملأ الماء الضفتين ويبدو لونه الرصاصي الداكن وكأنه يتنفس بعمق فتصطدم مويجات وقورة ببعضها ثم تنسحب الى وسط النهر وكأنها تقدم اعتذارا هامسا, صفحة الماء لايمكن ان يتبين ماتحتها فيما تتقدم ريح جنوبية شرقية رطبة تزيد من كثافة الضباب الذي بدا له مرحا وهو يلامس الوجه الصقيل للنهر بشيء من المودة والحميمية.

 

ملأت الرطوبة المشوبة بدرجة حرارة منخفضة رئتيه فأحس برجفة خفيفة دفعته لأن  يزرر سترته العسكرية السميكة , كان يريد ان يستوعب المنظر كله ليحتفظ بالتفاصيل الأثيرة لديه والتي رافقته منذ ايام الطفولة الأولى فعلى مقربة من هذا الجرف المرتفع وفي الدار نفسها ولد وهنا كّون صداقاته الأولى وتعلم السباحه في اشهر الصيف الطويله وتعرض لشكوى ابيه المستمره من انه لايفكر بمساعدته ويقضي وقته في النهر,  لقد تعرف بدقة متناهية على كل متر من النهر وخبر تقلباته , فصول قناعته الهادئة وايام غضبه العنيف الصاخب وساعات فورانه المدمر, كانت المياه التي تندفع عبر الضفة الغربيه تكتسح مساحات واسعة من البساتين وتدمر جهود المزارعين طوال فصل الخريف , اما الضفة الشرقية فكانت مياهها تتطاول بحرقة لتصل الأرض ولكنها تصطدم بالحاجز الترابي المرتفع فتتراجع مندفعة الى الضفة الأخرى و في النهر ضيّع المدرسة و ترك الصخب وتشدد المعلمين وألأنتظام في الدراسة الى الحرية المطلقة , يدفن رأسه في المياه ويتقدم مغمض العينين الى الضفة الغربية وهو يشعر انه مسترخ على نحو ساحر تداعب مشاعره نشوة

 تتملكه فينسى كل ما حوله ويغرق في عزلة مطلقة وكأنه طائر وحيد يسمع اندفاع الماء فوق رأسه متجاوزا كتفيه ليغطي الظهر العاري ,هنا بيته الحقيقي حيث لا يشعر بالخوف من نظرات ابيه القاسيه ولا بالأحباط من ملاحظات معلميه السلبية دائما , يشعر بانه السيد حين يتخلف الأولاد ورائه .

 

أغمض عينيه باستسلام كأنه يؤدي طقسا دينيا وتنفس بعمق فملأت رئتيه شحنة من الرطوبة , كانت عتمة الليل لاتزال تلف الشاطئ ألاخر حيث تتكاثف اشجار النخيل المزروعة حديثا وعشرات من اشجار الليمون والبرتقال التي كانت مصفوفة بتنسيق وعناية كبيرتين و حين فتح عينيه ثانية كانت العتمة في الجانب الآخر شديدة بحيث بدت الأشجار كتلة واحدة سوداء وبدت دجلة مغيظة وتكاثفت دفقات الضباب ولاحت صفحة الماء كأنها صفيح صدئ .

 

كان صغيرا حينما حاول ان يتشبث بالطين في قاع النهر والنسوة اللواتي كنّ يغسلن الصحون والفتيات اللواتي كنّ يمزحن برشق الماء والصبية الآخرون الذين يتقافزون مكركرين ,جاءته اصواتهم ككتلة صماء كأنها طنين ثقيل , كان يريد ان يعرف كيف ستستقبل امه (حالة ) فقدانه فيما لو انه حاول ان يجرب هل بامكانه ان يعيش تحت الماء كسمكة تسبح بحرية وتنتقل الى ابعاد سحيقة ومظلمة  , ربما ستعشقه حورية هناك وقد تكون ابنة الملك , لن يذهب الى الملا ولن يعمل في المزرعة , ربما يلعب الكرة أو يركض تحت المطر عاريا , لا فهناك لن يكون المطر ,   فجأة جاءه صوت امه , كان واضحا تدق نبرات حروف نداءاتها اذنية , حروف مفجوعة جعلته يترك القاع الطيني ويطفو الى السطح ليتلقى ضربة موجعة على وجهه , ترنح في الماء ثم استقام ليعبر الى الضفة الأخرى .

 

  جلس القرفصاءعلى العشب الندي ووضع رأسه بين ركبتيه , طنت حشرة فقدت معالم طريقها عند اذنه ولكنه لم يطردها فقد كان صوت طنينها الأجوف جزءا من احساسه العميق بالمكان الذي ينتمي اليه .

 

سيذهب غدا الى معسكر ( الغزلاني)  لن تستمر فترة الأعداد اكثر من بضعة ايام ومن ثم يلتحق باحدى الوحدات على الجبهة,  لم يحدثه ابوه وهو يحزم متاعه واكتفى بالنظر اليه بعينيه الكابيتين وعلى ملامحه كانت تتشكل تعابير حزن عميق , كان يتحرك ببطئ فيما ينسكب ضوء المصباح النفطي  ألأصفر على تقاطيعه المتغضنة بأ جواء كئيبة ربما بسبب الوحدة الأختيارية التي فرضها على نفسه منذ اكثر من ست سنوات بعد ان توفيت زوجته وتركتهما وحيدين في البيت الطيني على دجلة.

 

كانت امه تتمتع بصحة جيدة ولم تشكو يوما من مرض ما وفي حياتها اليومية كانت تتولى امور البيت والعناية بحضيرة الدجاج وبالعنزات اللواتي كانت تقوم بحلبهن وبغسل الخضار التي يقوم زوجها بقطعها وتوزيعها على شكل حزم صغيرة كل نوع على حده ليأخذها في الصباح الباكر الى السوق بالعربة الخشبية الي يجرها حمار عجوز , ولكنها في مساء صيفي وكانوا يتناولون الشاي قالت انها تشعر بتوعك وبارتفاع درجة الحرارة , في الليل اشتد عليها الم غامض وفي ظهيرة اليوم التالي توفيت في مستشفى مدينة الموصل وتم دفنها في مقبرة النبي يونس .

 

بدأمطر ناعم يندفع  برشقات متقطعة ولكنها متلاحقة مرسلا حفيفا مكتوما فيما بدأت تتحرك موجات صغيرة على سطح الماء يحجبها ظل الرشقات احيانا وتنعدم رؤيةالغابات المعتمة في الضفة الغربية

 

تناهى اليه صوت ابيه المتعب من اثر الدخان الردئ  يناديه, نهض بتثاقل , رسمت مجموعة من ألأوز العراقي  لوحة جميلة فوق مجرى النهر متجهة الى الجنوب , في المقدمة أ حد الطيور يقود المجموعة وكأنه على دراية بالطريق , كان الطيران بطيئا بعض الشيء وبدا ان المجموعة تستمتع بمنظر الماء الرصاصي المنساب تحتها عبر بساتين وأراض زراعية وسكون عميق اصبح مشبعا بحفيف المطر الربيعي العابث .

 

: الشاي جاهز

 

قال ابوه بأيجاز وهو يهيئ سيكارة الصباح الأولى

 

فتح صندوقا صغيرا مركونا عند الحائط واخرج لفافة من ورق الجرائد , سحب رغيفين وقطعة جبن محلي كانت امه تصنعه في البيت ولكنهما اعتادا على شرائه من السوق بعد وفاتها.

كان ابوه يتجنب الحديث على  الرغم من ان لديه الكثير ولكن ألأمر كله متعلق بمساحة الهموم التي سيعيش في خضمها بعد رحيله ولهذا انطوى على نفسه ليجنبه قساوة المشاركة هو الذاهب الى المجهول

 

بدا كل شيء وقد اصابه بلل من رشقات المطر واختبأت العصافير الثرثارة تترقب بصبر ان تعود ثانية الى اللعب العابث فيما فتح برق خاطف وجه السماء  الذي اطل بشيء من الأستغراب الخجول واختفى تلفه سحب ضبابية داكنة .

 

: كيف ستتدبر امرك ؟

 

نظر اليه ابوه بتعاطف

 

: لاتشغل نفسك سأذهب يوميا الى السوق وفي المساء سأهيئ طعامي .

 

منذ ان توفيت امه اعتادا على نمط ثابت من الحياة اليومية , يوقظه ابوه فجرا ليقوم باعداد الشاي فيما يتوجه هو للصلاة ويقرأ بعضا من القرآن , يقضم ابوه قطعة الخبز بتؤدة ويرتشف الشاي دون ان يتحدث , يقومان سوية الى الحقل لتحضير حزم الخضروات وبعد غسلها يصفانها على العربة الخشبية ويربطاها الى الحمار الذي رافقهما حياة العزلة والصمت , يذهب هو الى السوق فيما يقوم ابوه بمتابعة اعمال الحقل وحضيرة الدجاج وحلب العنزات والتدخين .

 

كان الحقل الذي يشمل دارا مبنية من ألآجر ومن الطين للأضافات لاحقا , على كتف دجلة المرتفع عن النهر , المنطقة منعزلة تقريبا فهي على مبعدة ثلاثة كيلومترات من المدينة والوصول اليها يمر بأراض خالية وطريق ترابي غير مطروق عادة ,  فالكتف لاتشكل المزارع على امتداده قرية بالمعنى الأداري  فعدا مزرعتهم المخصصة فعلا للزراعة والتي يعتمدون عليها في معيشتهم فأن المزارع الأخرى مخصصة للراحة ومالكيها من الموسرين الجدد الذين استطاعوا عبر وسائل شتى جمع الكثير من المال, وعادة ما تدب الحياة فيها بعد العاشرة ليلا حين يرتفع غناء غجري وموسيقى ذات رنين بدائي يطغي عليه صدى (الطبلة ) لضبط ايقاع الراقصة , وحتى الفلاحين المكلفين بهذه المزارع لا يحضرون للعناية بها الا ما ندر ويتركز اهتمامهم عادة بتنظيف البيوت وتهيئة التنور للشواء .

قبل عشر سنوات لم يكن على الذراع غير مزرعتهم وفي الليل يصعب الخروج الى ماوراء السياج الطيني للمزرعة بسبب قطعان بنات آوى التي تبحث عن طعام او بعض الذئاب التي لايعرف احد من اين تأتي

قال أبوه : ارجو ان لا تنسى شيئا من لوازمك !

تحسس الحقيبة البلاستيكية الصغيرة

 

: لا ... لقد أخذت كل ما احتاجه

 

يشرف الكتف على مجرى دجلة ولكنه يرتفع عنه بحوالي الستة امتار وفي فصل الصيف يتوافد الصبية من مدينة الموصل والقرى المجاورة للقفز الى النهر محدثين جلبة بهيجة ويغدو العالم بالنسبة لهم محصور بين الكتف والنهر مستغلين الأوضاع الممكنة كلها والتي عادة ما يشاهدوها على التلفاز عند عرض برامج السباحة , بعضهم يهبط ضاما يديه الى جسده وقدماه متلاصقتين فيما البعض يفرد يديه مطلقا صرخات مهللة وهو يهبط الى الماء فرحا برشاش الماء المتناثر بصخب بكل الأتجاهات

كان الصباح ينشر ضياء شاحبا بسبب الضباب ورشقات المطر , أحس بقلق ممض يتسلل الى مشاعره وهو يهم بالمغادرة الى المعسكر تاركا الجو المفعم بالحميمية , بدأ ندم عكر يعصره ببطئ ولكن باصرار لأنه سيترك أباه وحيدا .

صافح وجهه رشا ش المطر فحاول ان يتدارى بكفه العارية ولكن الهواء الشمالي البارد جمد اصابعه فسارع الى دسها في جيب بنطاله المبلل وشعر ان السكون المتماهي في شحوب الصباح الضبابي يشعره بكآبة جعلته يتباطئ في سيره .

 كان الباص المترنح قد توقف عنده  , تمسك بالحديد البارد ليصعد ثم ارتمى على كرسي تمزق غطاؤه الجلدي , الركاب يغالبون النعاس فيما يرتفع صوت اجش بأغنية عاطفية جنوبية , على الجوانب كانت صور لنساء بدا واضحا انهن ممثلات او عا رضات لأصناف المودة , صعد رجل يرتدي قفطانا وهو يبسمل بصوت مسموع وقبل ان يجلس صرخ باستنكار

: العياذ بالله , بدلا من الأستفتاح بكلام الله تسمعون المسلمين هذا الفحش المحاط بصور تخدش الحياء وكأنكم في ملهى ليلي متنقل !!

: ولكن ياشيخ محمود كيف عرفت ان هذا الباص يشبه ملهى ليلي متنقل ؟!!

 

انتبه الركاب , وقال السائق

 

: بلا مواعظ ستصل الى الجامع قريبا !

 

تحسس الكتاب الذي اعطوه اياه في دائرة التجنيد وارسل نظرة غائمة الى واجهات المباني, توقف المطر وبدأت سحب الضباب تتمدد فبانت اوراق الأشجار لامعة وكان لخرير المياه عند امتداد الرصيف جلبة مكتومة

عند بوابة المعسكر كان يتجمع بضعة مجندين يقفون قلقين بانتظار ان يسمح لهم بالدخول لأستكمال اجراءات التحاقهم بوحدات التدريب .

 

وقف في غرفة الحراسة عسكري بشوارب كثة وعينين حادتين , فتح الشباك المطل على الباحة الخارجية وبعد ان شمل الجميع بنظرة متوعدة  اثارت الأنفعال القلق في كل الوجوه التي تطلعت اليه بشيء من الترقب  ولكن من الواضح انه لم يكن يهتم بالعيون التى تراه من كل جانب , بسط ورقة كانت مطوية بين يديه وقال
 

: من يسمع اسمه يدخل من بوابة الحراسة .

 

بدأ يتلو الأسماء بصوت فيه رنة سخرية
 

: سمير قاسم حسن

 

تقدم مرتبكا وبادر الجندي المكلف بالحراسة بدفعه الى الداخل.

 

: بهؤلاء سنحارب الجيش ألأمريكي!!


حرك العريف شواربه معبرا عن ضيقه وتوقف عن القراءة كمن يتأكد من المكتوب امامه

 

: فوزي فائق الحمداني

 

: نعم

 

كان الصوت خافتا ولكنه اجوف بلا رنين

 

: انت مهندس ؟

 

: نعم ... من انكلترا

 

: مهندس ماذا؟

 

: ميكانيك

:  بأي فرع ؟ !

 

: السيارات

 

: وهل اشتغلت في لندن ؟

 

: لا ,  ولكني تدربت لمدة سنة في شركة( ليلاند)

 

:  ولكن العراق لايمتلك مثل هذه السيارات!

 

: في بغداد مئات منها , سيارات (المصلحة ) الحمراء بطابقين

 

: ولكن بأي طابق تدربت ؟

 

  كان يحاول ان يكون مرحا, فكر فوزي

 

: لا عليك , اعرف ان الميكانيك ابو عبد الله يمارس شطارته على كل السيارات القادمة  من روسيا حتى أمريكا !

 

: وانا كذلك !!

 

: عظيم سوف يفرح النقيب حكمت فسيارته عاطلة منذ اسبوع

 

لم يرد ولكزه شاب دقيق التقاطيع يقف الى جانبه واسر اليه

 

: انت الآن على اول الطريق , البداية بالأتجاه ألأقرب !

 

لم يعلق

 

: اشرف حميد

 

: نعم

 

: وانت خريج ماذا؟

 

: آداب من بغداد

 

: ولماذا ليس من الموصل , نحن ايضا معروفون بألأدب؟ !

 

: قسمه ونصيب !

 

: حسنا أرجو ان تكون مؤدبا في المعسكر

 

 

قاعة النوم كانت مستطيلا, على الجانبين اسرة حديدية وفي الوسط ممر بعرض متر  وألأرضية مكسوة بطبقة من الأسمنت وعلى الجوانب شبابيك زجاجية عليها بقايا اصباغ مما تنثرة فرشاة صباغ مبتدئ لم يهتم احد بأزالتها ,  في نهاية القاعة مرافق ومغا سل معظمها قد تهشم اجزاء منه والمتبقي مكسو بطبقة لزجة تميل الى ألأصفرار. في الخارج كانت ضوضاء خطى  العائدين من التدريب الصباحي تحدث جلبة مرتبكة ولدت لديه شعورا بالقلق

 

بدأوا بقياس التجهيزات  , عاد العسكري ذا الشوارب الكثة يسد الباب بجسمه الضخم المشدود كحزمة خيزران يابس .

 

: امامكم عشر دقائق لتكونوا جاهزين لمحاضرة التوجيه السياسي وبعدها تتلقوا التعليمات بشأن التدريبات , عشر دقائق تنتهي بسماع الصافرة , مفهوم ؟!

 

قالها بلهجة حادة وحا سمة واستدار خارجا

 

00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000

 

 

كانت الأيام تمر مسرعة وصعوبة التدريبات في السا حة الترابية التي تحولت بفضل الأمطار المستمرة الى مستنقع طيني لزج ,لم تترك لنا مجالا للتفكير وربما هذا بالضبط ما خفف من وطأة المعاناة , في الحقيقة لم تكن التدريبات تتسم بطابع قتالي حديث , هذا ماقاله فوزي الذي كان يركن الى القراءة بكتاب باللغة الأنكليزية قبل النوم ويتجنب الأختلاط بالآخرين عدا اشرف

 

: في الحرب الأيرانية قتل اخي في( جزيرة الشلامجة) وكان قد حصل على الدكتوراه بالفلسفة , لم يكن جنديا , كان في الجيش الشعبي وقد اخذوه عنوة , تصور انه مات بأرض لم يسمع بها !

 

كان يحدث فوزي  بصوت هامس وهو يجلس على حافة سريره الحد يدي , التفت نحوي

 

: اعتقد اني رايتك ؟!

 

 

: ربما !

 

كنت اغالب النعاس

 

: هل انت طالب؟

 

: كلا , انا اعمل ببيع الخضروات في السوق.

 

: نعم تذكرتك !

 

  ثم غمز بعينه بتواطئ واردف

 

: حولك وباستمرار سرب من القطى!

 

ابتسم بخجل

 

: من الطبيعي ان يكون معظم من في السوق,  لاسيما في الصباح ,  من الفتيات

 

كانت التمارين حركات حمقاء ربما تصلح لحرب بدائية كما شرحها لنا فوزي , كان شابا في الخامسة والعشرين في عينيه همّا يشرق احيانا بحزن يرسل ايحاءات بوجود ما يريد البوح به ولكنه يتردد بتحفظ الخائف , كان يؤدي التمارين بآلية ولكن باتقان متجنبا نظرات العريف المدرب لتحاشي شتائمه البذيئة والتي عادة لامبرر لها

تظل عيناه تغيمان حينما نتجمّّع مساء للأستماع الى محاضرة التوجيه السياسي ويبدو متضايقا حينما يردد المسؤول الحزبي اهمية الأنتصار بالحرب التي تنوي امريكا شنها على العراق بدعم من ألأمبريالية العالمية وجهاز الموساد , سالت فوزي ولكن ماهو جهاز الموساد؟!

حدق مباشرة في عيني وقال

 

: بالتأكيد انه ليس جهاز العروس!!

 

تضايقت بعض الشيء فقد ادركت انه يسخر مني

 

: لاتزعل انا مهموم , ياسيدي , هو المخابرات ألأسرائيلية

 

اندفع الدم حارا الى وجهي وسرت في كياني موجة خوف ,  ولكن يقينا تشبث في عقلي ان فوزي الحمداني ( موضع ثقة )

 

 

اما اشرف خريج الآداب فعلى العكس , كان يميل الى الهذر والمداعبة ولايترك مناسبة دون ان يعلق عليها بشكل مرح كما لم يكن يخفي كراهيته للمدرب ويختلق النكات حول تصرفاته,

احيانا ياخذ وجهه طابع الكياسة التي لاتخلو من لؤم فتتصلب عضلات وجهه وتبدو عليه ملامح قاسية

 

بخلاف اليومين الأولين لوجودنا في المعسكر حيث كانت لقاءات الأستراحة في المطعم تتسم ببهجة مرحة , كان وجوما مشوبا بالضيق يرين على الحاضرين جراء الأرهاق ولهذا اختفت التعليقات التي تعكس روح الشباب واصبحت حركتهم ملولة وفي نظراتهم تأملات عميقة وكأنهم يستشرفون مستقبلا  مجهولا تثقل هواجسه على ارواحهم بقوة وحينما تعبر فوقهم بعض اسراب الطائرات ألامريكية يعلق فوزي بهمس : لن تكون الجبهة بعيدة !!!

 

ويرد اشرف وهو يغمز متلائما : لا , ستكون هناك جبهة عريضة !

 

واتساءل : اين ؟

 

فيقول بجدية وبفخامة : في منطقة شّله وأعبر!!

 

مجموعتنا تنقسم الى ثلاث فئات الأولى ممن لا يملكون ثمن الأمتيازات وهؤلاء هم ألأغلبية ولهذا ظلوا في المعسكر طوال مدة التدريب الأساسي ولم يسمح لهم بالنزول في اية اجازة لزيارة ذويهم   وهم على العموم ألأكثر صمتا وفي عيونهم دائما نظرة شك ورغبة في العزلة وبالطبع فأنا منهم

اما الفئة الثانية فهم الذين يملكون القدرة على شراء الأمتيازات ومنها الخروج من المعسكر مساء والعودة في الصباح الباكر لحضور عملية التعداد وهذه المجموعة اكثر ثقة بالنفس ويتصرفون بشيء من التعالي وبحكم خروجهم اليومي فهم لايملكون علاقات وطيدة مع الآخرين

والفئة الثالثة وهي عموما ألأصغر عددا ,  من الذين يتعمدون الهروب ليلا كلما سنحت لهم الفرصة وهم يتمتعون بروح غير منضبطة وألاميل للدعابة والأكثر حضورا اذ يقدمون بين آونة واخرى الحلوى وبعض المكسرات في الليالي التي يمتنع عليهم سبل الهرب ويستعيضون عنه بخلق جو من المرح والغناء نضطر معه على  الرغم من الأرهاق الى الأنصات وكنت اشعر بالراحة وانا مندس في الفراش حين يغني جرجيس ( كم يردلي ) بصوت ثابت ورخيم ولكن على نحو لايخرج من باب( الثكنة ) , وحين يردد (سمرة قتلتيني ) كنت احس اني اعود الى السوق والى النظرات الحيّة للصبايا وهن يقلبن الخضرة وانا  اقلب الف فكرة برأسي المضطرب,  فكر تخلقها احلام المراهقة وغموضها بفطرية عفوية فيما ينساب صوت الغناء بشجى تعمقه رنة حزن خفية ليخدر مشاعري فأغفو على التعب وكأني اغوص في مغارات مجهولة تسلب مني كل ماتبقى في الذاكرة .

 

تم توزيعنا على الوحدات ونقل فوزي الى ورشة اصلاح العجلات في ذات المعسكر وبالطبع فان مثل هذا الموقع يتمناه الجميع اما انا واشرف فقد تم تنسيبنا الى احدى وحدات المشاة قاطع العمليات الشمالية وتم منحنا اجازة قصيرة لمدة ثمان واربعين ساعة .

 

كان الربيع قد كسى التلال والوديان في (الموصل) خضرة بهيجة فتبدو وكأنها تبتسم بشئ من المرح العابث فيما تتمايل ازهار شقا ئق النعمان الحمراء الرقيقة بغنج وهي تلامس ورود البابونك البيضاء المبتسمة كعيون الأطفال وهم يتأرجحون في اراجيح العيد فيما تلتمع الحشائش المبتلة من زخات المطر من سحب عابرة أو بسبب الندى الذي يترك ايضا قطرات لؤلؤية تتشبث بالأوراق المتدلية حتى الظهر حيث تتدحرج الهوينا الى الأسفل,  وعلى الشجيرات المتباعدة تختبئ عصافير فرحة بالربيع الجديد .

 

شعر وهو يجتاز شوارع المدينة بسكون غريب يملأ جوانحه بعد الأيام المجهدة في المعسكر والتي دفعته الى الأحساس بأن هذا العالم الصغير يتحرك مستقلا بذاته والمجندون يتصرفون بآلية وكأنهم مجموعة منفصلة عن المجمتمع الذي جاؤوا منه فقد بدا وكأنهم قد نسوا انهم لا زالوا يتمتعون بقدر محدود من الحرية , يسارعون منذ الفجر الى المطعم الصغير ليتناولوا كوبا من الشاي وقليلا من الخبز الجاف ومن ثم يتوجهون بآلية الى ساحة التدريب   .

 

في الطريق النازل من الشارع العام الى كتف دجلة كانت المنطقة ورشة عمل فهنا وهناك تتكدس مواد البناء وتتصاعد ضجة العمال الذين يتحركون بعصبية وهم يقيمون جدارا او يحفرون اسس بناء جديد فيما تتحرك سيارات النقل مثيرة ضوضاء تملأ المكان و تترك آثارا على الطريق الطيني الذي بدت واضحة عليه التحولات الجديدة , احس ان الناس يهربون من المدينة على عجل الى منطقة جديدة ربما لم تؤشر بعد على خرائط الحرب القادمة بالتأكيد لن تكون قرية مستقلة لأن القرى يسكنها اناس يرتبطون بعلاقات عائلية وقد يكونون من (عشيرة ) واحدة اما هذه المنطقة الجديدة فستكون حيا آخرا , امتدادا للمدينة وسكانها من منحدرات مختلفة ففيهم الضابط الذي منح مكافآت متلاحقة ورجل ألأمن الذي جمع ثروة من التوسط لأطلاق سراح بعض المعتقلين الذين ربما هو من وشى بهم , وكذلك بعض الجنود من سائقي السيارات الذين دخلوا الكويت لنقل (الموجودات ) الكويتية مع اللجان المختلفة التي كلفت في حينة بالمهمة لصالح الدولة والتي اشرف عليها الحاكم العام للكويت , عرف منهم عبد المجيد الذي كان يعمل في السوق عاملا في مقهى الحاج أبو نزار ثم اختفى لأكثر من سنتين وعاد ليشتري مطعما قديما ويعيد ترميمه ولكن احدا لايعرف من اين جاء بالثروة !! كان كثير الحركة تدور عيناه بخبث وكأنه يحاول ان يخفي عن محدثه مايدور في ذهنه من افكار

لحظ ان الذين يوجهون العمال ويتخذون هيئة أ صحاب الملك من الشباب وربما لم يتجاوز اكبرهم سن ألأربعين  وهذا مغاير لما كان يراه وهو يدفع بعربته الى السوق فقد كان المالك عادة رجل كبير في السن يوجه العمال بتؤدة ويتكلم في الغالب مع المقاول او مع ( أسطى ) البناء

وعلى العموم لم تكن حركة البناء تدلل على ان هناك اية موافقات رسمية اذ كانت تجري بشكل عشوائي فلم تكن المسافات محكومة باية ضوابط ولهذا بدت الأبنية على خط متعرج كما انها مختلفة بشكل صارخ فبعضها اقرب الى الفلل العصرية في حين بدت الأخرى كأكواخ بسيطة مما في المزارع لقضاء العطلات 

 

شاهد  بضعة ارانب خائفة تهرب بكل الأتجاهات تبحث عن ملجأ امين بعد ان كشفت مكائن حفر الأسس مخابئها , على الطريق كان ارنبا رماديا يتطلع بلا مبالاة كأنه يئس من الحياة وقررأن يستسلم بهدوء , مد يده اليه بحذر ولكنه لم يبدي اية ردة فعل خائفة كما هي الأرانب المذعورة دائما , كان الأرنب يتطلع اليه بعينين بدا انهما مغرورقتان بالدمع

 

: سنكون اصدقاء

 

مسح على ظهره وحمله الى البيت

 

بحث عن ابيه في الدار ولكنه لم يكن في غرفته يدخن انتقل الى الملحق الطيني الذي بناه بامتداد الدار الأصلية , غرفة واسعة في نهايتها , عند الشباك ألأزرق ,  سرير حديدي وفوقه كانت مرتبة من الصوف مطوية بعناية ولكنه فوجئ بحمامة تنفلت بسرعة وعلى افريز الشباك كانت بيضة وحيده موضوعة فوق حزمة من القش اجتهدت الحمامة بحياكتها عشا لصغيرها

 

في نهاية المزرعة كان ابوه يجلس مجهدا  عيناه ساكنتان لاتعبران عن أي شيء وهو يرنو نحو النهر فيما عبرت طيور مهاجرة نحو الجنوب , بدا انه لم ينتبه الى سمير

 

: السلام عليكم

 

التفت ابوه , كان التغضن في وجهه ألأبيض الشاحب قد حفر اخاديد عميقة وبد ت لحيته اقرب الى اللون الأزرق المعتم

 

: اهلا , هل انتهى التدريب ؟!

 

: نعم وعندي اجازة ليومين

: وبعدها !

 

: سألتحق بوحدة مشاة

 

لم يسأله اين فالجيش سيحارب في كل مكان لأن ألأمريكان سيدخلون من ثلاث جبهات كما قال احد العسكريين المصريين في اذاعة (مونت كارلو )

 

: هل أساعدك ؟

 

: لا لقد انتهيت, هل ترغب ببعض الشاي!

 

: لا , لقد شربت في المعسكر مايكفي حتى الشهر القادم ! الشاي هو الوحيد المتوفر دائما

 

كان صوت مضخة الماء يصدر ازيزا مستمرا على نحو أشعره بالضيق وبالتوتر لأنهم مضطرون الى تشغيلها طوال النهار بسبب انخفاض طاقتها  , لم يستطيعا شراء مضخة اكبر فألأسعار ارتفعت ومردود مبيعات الخضرة والبيض ولبن الماعز لاتكفي ولهذا كان دائما بدون متطلبات محاولا ان يخفف عن ابيه .

حين بدأ المساء هطل مطر غزير على الأرض الندية المشبعة بالماء وسرعان ما تكونت برك صغيرة , في الغرفة الحجرية الكبيرة اشعل ابوه حطبا جافا في (المنقلة ) الحديدية انبعث عنه دخان كثيف  واصبح الهواء ثقيلا منهكا ولكن البرد الذي شمل الجزء الغربي من( الموصل)الممتد على دجلة والمفتوح على الجزيرة لم يترك لهما خيار فتح الباب واكتفيا بفتح الكوة الصغيرة في اعلى الجدار فاند فع الدخان الى الخارج كأنه يخرج من قمقم مسحور

 

: أين ستكون خدمتك ؟!

 

: في الفرقة 16لواء المشاة الثالث .

 

: اعني هل في الموصل؟

 

:اعتقد انها في موقع قريب لأنها في قاطع الموصل كما اخبروني

 

أجاب وهو يستشعر الراحة  فقد انتهت التدريبات الشاقة والزحف في برك الوحل , انه ألان جنديا يمكنه ان يلبس الزي العسكري نظيفا وان يصبغ الحذاء ويحاذر من تلوثه بالطين في الطريق الى المعسكر , بدأ الهواء يصفو قليلا, كنت احلم , عدت ثانية الى أبي

 

: اعرف ان الوضع سيكون قاسيا عليك ولكن ادعو الله ان تنتهي الحرب بسرعة واعود لمساعدتك

 

 

: ستنتهي بسرعة !

 

قال ذلك وهو يتطلع الى سحابة من الدخان , كانت تتلوى وهي تخرج لتتبدد  , وكأنه عراف يستشرف رؤيا تشخص امامه

 

ثم تابع :  ان الله لاينسى عباده! ان نصف المنتوج ابيعه الآن في المزرعة لعمال البناء والساكنين الجدد والنصف ألاخر أبيعه بالجملة لمتعهد يعمل مع الجيش , العمل يشغلني عن التفكير ويوم الجمعة يمدني بالقوة بعد الصلاة في الجامع.

 

صمت وهو يتطلع نحوي , كانت اجفانه تتثاقل , اسند ظهره الى الحائط ومدد رجليه فأسرعت لوضع الوسادة وراء ظهره

 

قال : وانت هل بدأت بالصلاة ؟!

 

: لا , ربما في المعسكر ٍسأفعل ذلك

 

: يهديك الله!!

 

كان صوته متعبا

 

قلت : سأتركك لتنام وسأذهب الى غرفتي وغدا لدينا حديث طويل وستستمع الي وانا اعمل فقد اشتقت للأرض والى رائحة الخضار واصوات الدجاج , لقد حصلت على ارنب , كان واقفا على الطريق وكأنه بأنتظاري , هل تدري انه اعطاني فكرة تجارية , لماذا لا نربي ألأرانب , ان تكاثرها سريع ولها سوق في المدينة ؟!!

 

: لتنام الآن وغدا سنتحدث طويلا

 

 

ألأشباح والأمكنة

رواية

 

ذياب الطائي

 

الفصل الثاني

 

 

 

 

 

 

باصات وسيارات( المني باص) الخاصة بنقل الركاب  تدخل الان الى مايقرب من ثلاثة ارباع الطريق الى الكتف فالمنطقة تشهد عمرانا سريعا وعلى طول الطريق كان هنالك صبية يتدافعون ويترا كضون بضوضاء وصخب في طريقهم الى المدارس فيما كانت بضع عربات لباعة اطعمة تأخذ مكانها عند تجمعات العمال الذين ينتظرون دورهم للذهاب الى العمل.

 

قال اشرف: واذا فقد جئت في الموعد , هذه علامة جيدة !

 

كان قد اتفق معه على ان يذهبا سوية الى المعسكر للأ لتحاق بوحدتهما , كان اشرف يساعد ابيه في خدمة الزبائن في المطعم الصغير الذي يملكه

 

: لقد ورث ابي هذا المطعم عن ابيه ولم يكن في هذا الشارع غيره وهو الآن يتمتع بشهرة واسعة بعض زبائننا يواظبون على شراء ( الباجة ) كل يوم جمعة منذ سنوات طويلة  وبعض الموظفين يأتون مبكرا , ربما قبل الخامسة صباحا ليفطروا, ابي ينهي العمل في التاسعة صباحا, قد تتاح لنا فرصة اخرى لتتذوق (باجة ألحدباء)

 

قلت مشاكسا: لن أحتاج الى برهان انك موصلي !

 

ضحك بمودة وقال : سنكون اصدقاء

 

الربيع يغادر الموصل مبكرا فعلى طول الطريق الى المعسكر , كانت التلال تشهد استرخاء ازهار شقائق النعمان الحمراء على سويقاتها الرقيقة وكأنها تتطلع الى ألأرض باستحياء بعد ان كانت تقف بدلال فاتحة قلبها لندى الصباح , وبأمتداد تموجات ألأرض كانت الخضرة الزاهية تنحول ببطئ الى لون اشهب فيما كانت الشمس تتسلق الفضاء بقوة مؤكدة سلطة لاحدود لها على الأرض , كان والده يكرر وهو يرفع بعض الأعشاب والعوا لق من السواقي الصغيرة ليسهل تدفق المياه ,   

( الشمس هي اصل الحياة ) وحين هبط في اعماق دجلة متشبثا بالطين باذلا جهده كي لايرتفع الى السطح كانت الظلمة فضاء ضيقا ومرعبا ولكنه لم يخف تذكر انه لن يستطيع ان يعيش مع (الجنية عروس الماء  ) اذا اخذته معها لأنه لن يكون هناك شمس تتخفى وراء السحب ثم تظهر قوية لتمد الحياة بالديمومة, هو لن يتعرض للموت في ألأعماق والظلمة ,  وبدون الشمس , ربما سيتجمد , وقد يعود كأهل الكهف الذين تحدث عنهم معلم الدين , سيعود بعد سنين طويلة, لن يجد امه او ابيه ولا حتى معلم الدين !

 

 قال اشرف : الكون متحرك بذاته !

 

لم يفهم شيئا ولكنه لم يسأله , وعلى  سفح التلة شرقا انقض صقر بري على فريسته , وقف يتلفت ثم ابتدأ بالتهام حمامة رصاصية اللون تناثر ريشها

 

قال اشرف : هل جرجيس معنا ؟

 

: نعم ولكن لماذا تسأل عنه وليس عن فوزي ؟!

 

: لأن الليالي الطويلة تحتاج الى الصحبة المرحة

 

: ولكن جرجيس ليس مرحا

 

: هل هناك مرح اكثر من الغناء؟

 

لقد وجدت في اجابات اشرف القصيرة والدقيقة والمباشرة اسلوبا اخذت به وقررت ان اكون اكثر يقظة لأتعلم منه

 

: تقول انك تركت المدرسة وانت في الرابع ثانوي

 

: نعم

 

: لماذا؟

 

: لأن ابي يحتاجني في المزرعة  , نحن نعيش انا وهو فقط فقد توفيت والدتي وليس لأبي اخوة وانا الوحيد , لم يقبل بالزواج , لم اتحدث معه بألأمر ولكني سمعته مرة يجيب صديق له انه لا يستطيع تحمل اعباء الزواج وانه يفضل ان يقبل بقسمة الله

 

بعد يومين في معسكر لواء المشاة شعرت بخيبة امل فالحياة هنا لا تختلف كثيرا عنها في مركز التدريب فالنهوض الصباحي المبكر والتدريبات اليومية تتكرر ذاتها وألأمر الوحيد الذي يجري التركيز عليه هو الندوات اليومية للتوجيه السياسي وألأصرار على اقناعنا بالأنتساب للحزب , قلت اني لا استطيع استيعاب السياسة ولا احب القراءة واني تركت المدرسة لهذا السبب ولكني مؤمن بالرفيق القائد حفظه الله ورعاه كما اني مؤمن اننا سننتصر على قوى الشر مهما كانت لا لأننا احسن منهم في السلاح وفي التدريب ولكن لأن معنا الرفيق القائد الذي وعدنا بالنصر , ضحك نائب الضابط عبد الستار الدوري الذي يحمل عينين نظراتهما توحي بالزيف ووجها مصفحا يبعث فينا برودة تصل الى  التجمد,  قال بارك الله فيك , كنت وانا احدثه على وشك البكاء حبا بالرفيق القائد!!

قال لي اشرف : وانا اقول بارك الله فيك ورعاك !!

 

بدأت الطائرات ألأمريكية تكثف طلعاتها فوق المنطقة وبدأنا ننشد في تمارين الصباح أغان في تمجيد القائد وأصر عريف حضيرتنا على أن نرفع اصواتنا بأقصى مانستطيع وان يترافق ذلك مع الضرب بأقدامنا على الأرض بقوة وعزيمة تثبت اننا رجال قلت لأشرف

 

: البغال تستطيع الضرب اقوى!

 

: لقد بدأت تتعلم بسرعة !!

 

 قال اشرف ذلك وهو يميل نحوي ليهمس

: أنت شرير كبير !

 

ابتسمت معطيا وجهي انطباعا لامباليا وساذجا

 

: ولكن انتبه فهم قادرون على استخراج مصارينك  للتأكد انها لا تحتوي على فايروسات ضارة !

 

أصيب اشرف بنوبة برد شديدة , طلب منه الموظف الصحي في ادارة الفوج ان يبقى في الفراش طوال النهار , شعرت بالملل اثناء التدريبات ولكني لم استطع العودة الى مهجع النوم بعد تدريبات الصباح فقد طلبوا منا ان نستعد لأستقبال قائد الفرقة وان نثبت اننا مستعدون لكل المعارك وان الطائرات والصواريخ الأمريكية لن تنال منا , كان أحد الضباط يوجه حديثه الى لواء المشاة الثالث  بواسطة مكبر صوت يدوي وبجانبه ضابط التوجيه السياسي الذي كان يهز رأسه مؤكدا فيما يقف آمري ألأفواج في مقدمة وحداتهم رافعين رؤوسهم على نحو متصلب , المبدأ يقول الجندي الجيد هو المشدود دائما وبثبات مؤكدا انه مشروع استشهاد من اجل الوطن والقائد

كان قائد الفرقة يضع على كتفيه اكبر كمية من النجوم التي رأيتها في حياتي وعلى صدره نياشين ملونة لا ادري كم من المعارك الظافرة خاضها ليستحقها , كان حذاؤه ألأحمر لامعا وبدت شواربه الحمراء كأنها صناعية من دقة تنسيقها , يمشي في المقدمه وعلى مسافة خطوتين وراءه كان آمر الفوج الرائد صالح أبو العافية يضفي على ملامح وجهه انطباعا بالخضوع وابتسامة ذليلة, استعرض قائد الفرقة الفوج بعد ان ادينا تحية القادة وتطلع الى صفوفنا بكبرياء واقفل عائدا دون ان يبدي اية ملاحظة

في المهجع استلقى ارشد مهموما , لم يكن ذلك بسبب المرض فأنا اعلم انه لايحب ان يشاهد المسؤولين عادة

: كيف حالك ؟!

 

: لا بأس

 

كان في صوته رنة خوف غريبة  استثارت فضولي

 

: هل المرض خطير!

 

: لا , ألأمر ابعد من ذلك

 

: كيف... ماذا حدث ؟

 

: مشكلة حقيقية لم تكن في الحسبان

 

: لقد اقلقتني !

 

: كنت اتناول بعض الجبن والخبز الذي وضعته امي في حقيبتي حين دخل نائب الضابط شلش من شعبة التوجيه السياسي ليفتش المهجع كعادته حين نخرج للتدريبات الصباحية وكمجاملة دعوته ليتناول معي شيئا من الجبن , شكرني ولكنه حدق طويلا بالجريدة التي كان الخبز والجبن ملفوفا بها, كانت الجريدة تنشر صورة للرفيق القائد في اعلى صفحتها الأولى

 

قال بنبرة استنكار : ماهذا ؟ هل بلغت بك الوقاحة ان تلف طعامك بصورة الرفيق القائد؟

 

أخذت على حين غرة وارتج علي القول فالتهمة بالغة الخطورة

 

قال :  هيئ نفسك للجنة التحقيقية الساعة الخامسة مساء

 

 لم ينتظر ردي واستدار خارجا , لم اكمل طعامي , اشعر ان مصيبة ما تنتظرني

 

: ليس الأمر بهذا السوء , سأغسل وجهي وبعد الشاي سنفكر سوية

 

شعرت ان ما أقوله مهم , مشيت بثقة الى المغسلة ثم الى ( الكانتين ) في الباحة ألأمامية وعدت بكأسين من الشاي ألأسود المغلي منذ الصباح

 

: انت قمت باستخدام الجريدة عامدا وعارفا بأن فيها صورة الرفيق القائد !

 

: اين الحل في هذا , انت تريد أن اختفي !!

 

: لا , صبرك قليلا ..  القائد هو نعمة الله والخبز هو ايضا نعمة الله ولهذا فانت لم تدنس الصورة !

 

: ولكن هذه حجة ساذجة

 

: اعرف ذلك , ألا تقول دائما لكل مقام مقال , وارى ان المقام هنا ملائم تماما

 

كانت اللجنة تنظر بعض القضايا وحينما دخل كانوا يقرأون اوراقا امامهم

 

قال النائب ضابط : نعم اشرف

 

: نعم سيدي

 

: موضوع استخدام صورة الرفيق القائد

 

كان الجو العام في المعسكر ينذر بخطر يتزايد مع زيادة الطلعات الجوية للمقاتلات الأمريكية وتزايد حركة المقاتلين الأكراد على التلال المقابلة وقد أصبحت اوامر التدريبات اليومية تلقى علينا بلهجة متشنجة تنم عن نفاذ الصبر وغدت العقوبات شديدة القسوة ولأتفه الأسباب

 

اللجنة سيئة الصيت تتكون من ثلاثة اشخاص ملازم اول مسؤول التنظيم الحزبي وهو شاب متعجرف ومغرور , تكون لدي احساس بأنه لايحمل اية مؤهلات فكرية ويتدارى وراء ابتسامة بلهاء وصمت عاجز ونائب الضابط مسؤول  ( قلم ) التوجيه السياسي في الأربعينات قاس جدا وصلف ويميل الى الحاق الأذى بمن يوقعه سوء الطالع امامه بقضية تحقيقية أما الثالث فهو مدني من تنظيمات الحزب في المنطقة يتطلع نحوي بعينين كابيتين وباردتين كأنهما عينا سمكة خرجت من الماء منذ بضعة ساعات في يوم صيفي حار , لم تكونا ماكرتين ولكنهما على درجة كبيرة من اللؤم , نحن في الموصل قليلا ما نأكل السمك وانا بالذات لم اتناوله ابدا , كنت في المطعم حين حضر رجل من الجنوب عرفت ذلك من ملابسه والكوفية المنقطة ,طلب صحنا مضاعفا واشترط ان ازيده بلسان على ان يكون محمرا بعض الشيء , كان يأكل بشهية , قال ( للمرة الثانية في حياتي احضر للموصل ) قلت له ارجو ان تعتاد الحضور , قال ان ولده مهندس مناجم في كبريت المشراق وقد احضر له من سمك العمارة , بني وكطّان.

 

:أنتم مولعون (بالباجة ) ونحن مولعون بالسمك!

 

: هل تصدق اني لم اذق السمك , اشعر وانا اتطلع اليه بالضيق وكاني على وشك الأختنا ق

 

اصر ان يعطيني سمكة , قال علي ان اشويها بالتنور ولكني رفضت بقوة

 

: ماذا تقول يا أشرف , لماذا فعلت ذلك ؟!

 

اعتقد اني بذلت مجهودا كبيرا كي اعطي لنبرة صوتي شحنة من الصدق والسذاجة

 

: الخبز ياسيدي نعمة الله والرفيق القائد حفظه الله ورعاه نعمة الله ايضا

 

تطلع الثلاثة نحوي , تحركت العينان الكابيتان اولا وابتسم الملازم ببلاهة ولكن النائب ضابط تقلص وجهه , شعرت بالخوف حد التعرق وخشيت ان يشم المدني مسؤول التنظيم الحزبي في المنطقة رائحة خوفي وان يستثيره ذلك تماما كسمك القرش حين يشم رائحة الدم في الماء

 

حين خرجت كنت اشعر بظمأ شديد

 

0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000

 

: كل مايجري جنون مطبق !

 

قال فوزي ونحن في مقهى جمال ابن الملا بعد ان قدم لنا اشرف وجبة (باجة ) مجانية وفاء لوعده بأن نتذوق باجة الحدباء

 

: الجنون حالة مرضية , ألا تعتقد انه يمكن معالجته ؟!

 

قال اشرف بلهجته التي يمتزج فيها الهزل بعدائية مأزومة بالأحباط ولكني لم استوعب ماقالاه كنت مأخوذابالكلمات التي تحمل ايحاء مواربا

كاسات الشاي يتصاعد منها بخار خفيف وفي الشارع بعض المارة ومقهى جمال ابن الملا لايزال ينتظر رواده وزبائن باجة الحدباء يحتسون الشاي في المطعم, اهتزت الطاولة وتموجت سحابات البخار حين عبرت السماء ثلاث طائرات على ارتفاع منخفض.

 

لم يطرأ تغيير كبير على المدينة وتواجد بضع عشرات من الشرطة المسلحة لم يكن غريبا يستدعي الأنتباه كما ان تزايد اعداد الحراسات لعناصر الحزب في الأزقة والشوارع لم يبدو غريبا لأنهم عادة ما يملؤون المدينة عند بوادر اية ازمة سياسية , ولكن الملفت للنظر كان في كثافة التحركات العسكريةعلى الشوارع الخارجية وكثرة التغييرات في مواقع الوحدات العسكرية

 

: ولكن هل سيشملكم النقل؟

 

قال أبي ذلك ونحن نتناول الطعام في الساحة الأمامية لمنزلنا

 

: ربما فقد وصلت اشاعة الى ان اللواء قد ينقل الى بغداد لتعزيز القطعات هناك ويقول فوزي ان المعركة الرئيسة ستكون في العاصمة وستكون معركة مدن حيث يتم التركيز على المشاة والقوات الخاصة .

 

لم يعلق ابي واكتفى بتنهيدة عميقة ونهض ليغير مجرى الماء

 

قال فوزي : قد لانلتقي مجددا ولهذا سنحتفظ بذكريات هذا الصباح الجميل وكرم اشرف والصحن الشهي   لباجة الحدباء!

 

لم يترك لأشرف الأحتجاج على  دعابته وتابع

 

: المهم ان تتذكروا ان الحرب هذه المرة مختلفة تماما وهي كما يقول ألأنكليز تذكرة لسفرة واحدة!

كما انها لن تكون في اسلوبها مشابهة لحرب الكويت , اما مايقوله جنرالات الهزائم العربية فهو مجرد لغو فالحرب غير متكافئة بكل المقاييس ونحن نعاني من خلل فاضح في هيكل الجيش نفسة كما ان الشارع لا يعكس حقيقة مشاعر الناس الذين لا يدينون بولاء الحب للقيادة وانما بولاء الخوف الذي سينتهي قطعا عند زوال الأسباب

 

شعرت بالخوف فقد كانت الكلمات التي اسمعها مثل  زخات رصاص طائش , انكمشت وانا اتلفت بين الشارع الذي بدأت الحركة به وكراسي المقهى التي لازالت فارغة عدا الكراسي المرصوفة الى جدار المقهى

اتسعت عينا اشرف وبدا فضوليا ومهتما الى سماع المزيد

 

: هل هذه آراء الوالد؟!

 

كان ابو فوزي عقيدا في الجيش وحصل على الماجستير في العلوم السياسية من كمبرج بعد اعفائه من الخدمة بسبب خلافه مع مسؤول التنظيم الحزبي في وحدته حول رفضه السماح للجنود الحزبيين بألأعفاء من التدريبات الصباحية .

 

 كاسات الشاي انتهت والأجازة القصيرة لاتغطي الفترة اللآزمة لأنجاز احتياجاتنا وعلينا ان نسرع الى دورنا

 

شعرت وانا في الطريق الى البيت اني قد تخلصت من كابوس قاس فقد كان حديث فوزي وايماءات اشرف خطيرة وكنت اغالب خوفا يقبض على قلبي , وامامي في مطعم الحدباء كان احد رفاق الحزب يتناول طعامة بتؤدة فيما تدور عيناه بكل اتجاة وشعرت انه قد يسحب القلم المعلق في الجيب الصغير في اعلى اليد اليسرى ليكتب تقريره الصباحي عن حديثنا( امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) ثم تبدأ المعلومات وبعدها لن يكون لنا من أي أثر

قال والدي : هل ستظلون في الموصل؟

 

فكرت بما قاله فوزي ان الجبهة الشمالية لن تشهد حربا حقيقية بسبب موقف ألأتراك! ولكني لم اكن اريد الدخول بالتفاصيل التي اجهلها , لماذا لم توافق تركيا على السماح للقوات الأمريكية بالدخول , قال اشرف لاشك ان ألأمر خدعة كبيرة ! ولم افهم على وجه الدقة هل هي خدعة ام ان ألأنراك يتعاملون مع الأمر بأعتبارهم مسلمين

 

: حتى ألان نحن باقون !

 

: كنت ارغب ان تتزوج !

 

: لااعتقد ان هذا من الممكن ألان وعلى العموم هل سمعت ماتقوله الفتيات هذه ألأيام ؟

 

: عن ماذا ؟

 

: عن الزواج ... كن يتندرن فيقلن (( لو ملازم لو ملازم )) ولكنهن يقلن الان ( لو مدرس لو ماأعرس) انهن يرفضن الضابط ويطلبن المدرس لأنه لن يذهب للحرب وابنك لا ضابط ولا مدرس فهل تعتقد ان هناك من تقبل به ؟

 

ابتسم والدي وكانت هذه اشارة طيبة

 

: اخزى الله شيطانك ! كان الجميع يدفع بابنائه الى الكلية العسكرية كان الضابط لايتعب في ان يجد عروسا ... تغير كل شيء

 

صمت وهو يدخن ببطئ

 

: بألأمس جاء فريق من الضباط وكشفوا على الكتف صعودا الى الشلالات وبعد الظهر قامت الجرافات بتسوية الأرض وحفروا بضع مواقع بامتداد النهر وقد اخبرني احد الجنود العاملين وهو يشرب الشاي معي انهم سينصبون مضادات ارضية ومنصات لأطلاق صواريخ ارض - جو , من حسن حظنا ان المزرعة خارج هذا الترتيب

 

الخريف هذه السنه له نكهة خاصة فقد بدا مصرا على الحضور المبكر والرياح الشمالية كانت جافة وشديدة البرودة واشجار البرتقال بدت اوراقها كابية اما دوالي العنب التي لاتخلو منها البيوت والمزارع فقد نفضت اوراقها وظهرت اغصانها داكنة فيما كانت القشرة يابسة تتخللها شقوق كثيرة

 

في الليل كانت تسمع اصوات اطلاقات متفرقة واحيانا زخات من رشاشات ثقيلة وكأنها تؤكد وجود السلطة وعلى( الكتف ) كان الجنود يتطلعون الى دجلة بصمت واحيانا ينصتون الى بعض ألأغاني التي تخترق سكون الليل الثقيل وقد تضيع في صوت الرصاص المنطلق نحو الطائرات التي تعبر السماء على ارتفاعات شاهقه ويأتي صوتها متوعدا ينشر حزنا غامضا في الشوارع الخالية وفي البيوت التي يغفوا سكانها بانتظار عودة ابنائهم ,  كان الشباب اما في الخدمة العسكرية واما في مجاميع الجيش الشعبي يضغط الخوف والبرد والوحدة الموحشة على قلوبهم

 

كانت لقاءاتنا , فوزي واشرف وانا يشوبها الم ممض حين يبدأ فوزي بتحليل الوضع العسكري ويصمت اشرف وأحاول انا ان اتابع الحديث الذي بدأ يستهويني

 

قال فوزي : سمير اذا ما انتهت هذه الحرب العبثية على خير عليك ان تمتحن (خارجي )

ابتسمت بخجل فانا على يقين انه كان يحاول ان يرفع من معنوياتي

 

: ان شاء الله

قال اشرف : سأساعدك

شعرت بشيء من السرور

 

بدأت بعض الغارات المتفرقة على منصات اطلاق الصواريخ والمضادات الجوية وفي موقع قريب كانت ألأصابات مباشرة ولاحظت ان النائب ضابط في التوجيه السياسي كان منقبضا وفي عينيه نظرات حائرة وهو يحاول ان يعطي صوته شحنة من التعاطف وهو يتحدث مع الجنود الذين بدوا متشنجين امام هذه التحولات التي لااحد يعرف الى اين ستنتهي وعما اذا كان عليهم ان يظلوا على وضعيتهم الرخوه واللينة لأمتصاص غضب وخشونة جماعة التنظيم الحزبي في التعامل اليومي

 

قال أبي: يبدو ان الحرب قادمة وعلينا ان نبدأ بشراء المواد الغذائية فقد يتعذر الخروج !

 

كان فوزي يؤكد ان الحرب ستكون قصيرة وربما خاطفة لأن جيشا تبلغ نسبة الهروب به الى اكثر من اربعين في المئة لايمكن ان يصمد في حرب جدية لاسيما والعدو هو امريكا , تذكر ماأشيع عن الرئيس المصري حينما قال , دي امريكا ياعم

 

قال ابي : هذا قدر الموصل , لقد كان يحدثني جدك عن المجاعات التي تعرضت لها المدينه في تاريخها بسبب الحصار الذي كانت تفرضه القوى المهاجمه

 

كان اشرف يحدثنا متفاخرا بأن في منزلهم اكبر سرداب يكفي لنوم كامل العائلة في الصيف والى خزن كميات كبيرة من التموين , جرار الجبن ,اللحم المدخن , زيت الزيتون , البقوليات , فكرت ولكن اين   سيخزن ابي المواد التي سيشتريها ؟! لو كانت امي على قيد الحياة لحفرت لنا سردابا في المزرعة , كم مهم وجود امرأة في البيت ! حسنا ان بيتنا بدون امرأة , ام ,اخت , زوجة أو حتى قريبة , سيكون بينا يفتقد الدفء , انها فتحة,  في غيوم الشتاء الثقيلة, الى السماء الزرقاء الواسعة والبهية والواعدة بالشمس , قلت لكم انها الدفء ولا ادري كيف يمكن ان تنقضي ألأيام في بيت ليس به امرأة , سمير فكر بهذا جيدا وبالطبع يمكن ان يحل ابوك هذه ألأشكالية !!

 

قال ابي : لو كنت قد تزوجت لساعدتني امرأتك ولكنك رفضت

 

: واتركها وحيدة ! لماذا لاتستأجر عاملا معك سيما وان وضع المزرعة جيد ومعظم المنتج يباع مباشرة للسكان الجدد الذين يفضلون شراء الخضر مباشرة وهي طازجة

 

: وانا ايضا افكر بذلك فالمنطقة اصبحت عامرة وكل يوم تضاف اعداد جديدة من السكان , ولكن الغريب في امرهم انهم جيران غرباء الكل يتجنب الكل وكأنهم مثلي في مزرعة تأكل النهار  حتى النسوة نادرا ما يتحدثن مع بعضهن , ربما غيرالزمن من طباعهن ! الحزن كالعليق يمتص الرغبة في الحياة

 

لم اعلق على حديثه كنت افكر بدعوة الغداء التي وجهها فوزي لي ولأشرف , في دارهم,   وكنت مترددا في الذهاب لأني لا املك بنطالا وسترة وعلى الدوام كنت ارتدي ( الدشداشة ) وسترة سوداء اشتريتها من دعدوش أبو باله , ربما لايسمح الوقت   بشراء بنطالا فمساء اليوم نفسه علينا ألألتحاق بوحداتنا, ولكنه قرر ان يحاول فالسوق قريب والنهار في اوله

 

: اريد بعض النقود لأشتري بنطالا فانا مدعو الى بيت صديقي فوزي وليس من المناسب ان اذهب بالدشداشة او بالملابس العسكرية

 

تطلع نحوه ابوه بشيء من الدهشة

 

: كم ؟

 

: خمسة آلاف !

 

فكّر انه لم ينتبه الى هذه المسألة , ان يرتدي بنطالا,  لقد تركه منذ أن  ترك المدرسة وكان قد شعر بالراحة حينها وهو يرتدي الدشداشة وكأنه يحقق رغبة ذاتية بالتحرر مؤكدا ان عهد المدرسة قد انتهى , ولكنه ألان يفكر بما قاله فوزي , لماذا لا يمتحن ( خارجي ) وبالتشجيع المباشر لأشرف وبالكوة الصغيرة التي ابتدأت تنفتح ببطئ في ذهنه على سماء زرقاء بدأت مشوشة في البداية ولكن صحبة ستة اشهر مع الصديقين عملت على فتح ممرات نحو فضاء مضيئ بخضرة غضة تمتد الى سماء بهية الزرقة , اعطاه فوزي بضعة كتب ليقرأها في ليل المعسكر الطويل , كانت في البداية قصصا وروايات عن اناس وعوالم لم يسمع بها استهواه الوصف الدقيق للعلاقات الأنسانية بنقائها وكأنه عالم الطفولة وهو في حضن امه حين كانت تحدثة عن ابنة السلطان التي احبت الخباز الذي كان يصنع ارغفة الخبز الشهية ويحملها الى بيتهم ,  ألف ليلة وليلة والعوالم السحرية الملونه التي تشرق على بغداد , وحين وقف عند حكاية ابو القاسم الطنبوري , قال اشرف مالها ؟ قال سمير , ليس من المعقول ان يكتب هذا المؤلف والسياسي قصة حذاء يتنقل في احياء بغداد بهدف الضحك !

 ثم كتب التاريخ التي احب منها حكايات البطولة لأناس حاربوا الطغيان والظلم وتحدوا الشرطة وكل وسائل القمع , وكان فوزي يشرح له احيانا ويستمع هو بشغف حالم مأخوذ ,  ولكن من هو    (نيتشة)  فوجئ فوزي وقال له سيشرح لك اشرف  من هو   (  نيتشة) ! وان كنت اعتقد ان دور السيد نيتشة لم يحن بعد!! وحين تساءل ولكن لماذا نخوض كل هذه الحروب ؟ هتف اشرف ألان أنت على الطريق ! أي طريق ؟! قال مستفهما , المعرفة الحقيقية , قال اشرف , نحن ألان في طور التفاهم لأننا نتكلم لغة واحدة !

 

قال فوزي : ليس لدينا متسع من الوقت , لأننا يجب ان نلتحق بوحداتنا قبل السادسة مساء ولهذا سأنتهز الفرصة لنتحدث بما أردته من هذ اللقاء , كل منا يعرف ألاخر جيدا فنحن من مدينة واحدة وجمعتنا الصدفة منذ اكثر من ستة اشهر, توطدت فيها العلاقة بيننا ونحن مشتركون في نقاط عدة سلوكية وفكرية رغم بعض التباين  وهو تباين طبيعي ولكن ألمهم ان كلا منا يمثل شريحة في هذه المدينة وهذه النقطة بالغة الأهمية فيما اتوخاه من حديثي !

 

قال اشرف : هذه مقدمة بعثية مرفوضة !

 

قام فوزي ليستلم الشاي من اخته التي لم ير غير كفها وسوا ر ا  ذهبيا ثقيلا , نساء الموصل يعشقن الذهب ومن همومه انه لا يدري كيف سيؤمنه للمرأة التي قد يختارها مستقبلا , ربما ستكون قنوعة ! ولكن هل سيجد في المدينة كلها من ستقبل بسوار واحد , مديحة التي تحضر السوق احيانا حينما تمرض امها كانت تلبس ثلاث اساور , فهل ستقبل منه اسورة واحدة

 

قال فوزي : ما أقوله خطير لأنه يتعرض للسلطة , اني اعتقد ان أمريكا وحلفائها سيدخلون بغداد هذه المرة كما اعتقد ان المحتلين لايملكون اجندة واضحة أي انهم بدون خطة عمل لما بعد سقوط النظام وهذا سيخلق  فوضى شاملة وسيحاول كل مغامر يمتلك مجموعة من المؤيدين التسلق لأستلام السلطة او نهب البلد , انتما تريان ان ألأمر بالغ الخطورة

 

حين صمت وهو يتطلع نحونا شعرت بمسار العرق البارد نازلا من رقبتي حتى قدمي , فهمت ان فوزي يطلب ان نشكل عصابة ونحارب في بغداد من اجل مكان ما في السلطة التائهة دونما صاحب!

 

قال اشرف بلهجة عملية : ماهو المطلوب ؟ فكرا ان أمامنا ثلاث ساعات لنكون في المعسكر !

 

قال فوزي: حسنا , اعتقد ان علينا ان نبدأ ببناء نواة لحركة سياسية منذ ألان وان ننشط في بلورة بيان سياسي تمهيدي لهذه الحركة مبني على مساواة العراقيين كافة في المواطنة وامام القانون وترسيخ ثقافة السلام والعمل على صياغة برنامج للتنمية الشاملة لكافة المحافظات على اساس مايملكه العراق من امكانات مادية هائلة وان نتعاون مع المختصين القانونيين في بلورة مشروع دستور ديمقراطي دائم , غير مطلوب منكم الرد ألان , عليكما التفكير بالموضوع وفي ألأجازة القادمة اسمع رأييكما !

 

شعرت ان فوزي في حالة وجدانية وكأنه ينشد تراتيل دينية تبعث فيه نشوة تجعل عينيه غائمتين بغموض فاتن وتعطي لهجته شحنة من الصدق والعفوية وكنت كأني اعرفه لأول مرة , قال اشرف ذلك وهما في الباص الى المعسكر 

: هل تعتقد انه جاد ؟ وهل ستوافق على العمل معنا ؟

 

لم ينتظر اجابة سمير وكأنه يحدث نفسه تابع

 

: فوزي بطبعة جاد ويمتلك روحا قيادية كما ان لدية رؤية سياسية , وعلى العموم فان كل الحركات السياسية بنيت على المنوال ذاته وهي تحتاج الى الفكرة اولا والقيادة ثانيا والمؤمنين بها ثالثا وألأخيرة حصيلة جهود نظرية وعملية وستكون انت المعول عليه في هذه النقطة بحكم علاقاتك الواسعة في السوق وما سنخطط له من اشكال الأتصال بالناس , على هذه الشاكلة ستنمو الحركة, المهم ألأخلاص والجدية

كانت الطائرات المعادية تغير على اهداف قريبة فقد كانت اصوات الأنفجارات تسمع بوضوح وعبر فضاءات المساء الغائم كان وميض خاطف يعبر السماء ثم ينتشر دوي اصم شرس يمزق السكون المحاصر بالوميض المتوعد وبالدوي المدمر , قرأ آية الكرسي بعجلة الخوف من المجهول القادم بصلف.

 

قال السائق : سنقف بعض الوقت

 

قال مجند في آخر الباص : انهم يقصفون مواقع منصات الصوارخ السرية التي تم نصبها قبل يومين , يمكنك مواصلة السير لأنهم لن يستهدفونا فالحرب لم تبدأ بعد !

 

قال أشرف : وهذه اليست حربا ؟!

 

قال المجند : لا , انها تأمين الطريق للحرب !

 

في ساعات ألأستراحة بعد التدريب الروتيني الصباحي كانا يتبادلان الحديث حول( الحركة) وكانا قد اعطياها اسما اقترحه اشرف ( الحج الى مكة ) , قد تتحول ألأمكنة وقد تغيّر الكلمات معانيها ولكن هذا في الظاهر فقط

 

لازال الحشد ألأمريكي يتواصل وقد امتلأت مدن الخليج العربي ومطاراته بالعسكر القادم الى العراق ولازال التجاذب الأمريكي التركي حول الجبهة الشمالية محتدما دون وجود نتيجة قطعية وهذا ماجعل ابو فوزي يردد ان عدم استخدام الممر الشمالي سيضمن سلامة مدننا .

 

قال فوزي : لقد وضعت البيان ألأول للحركة التي سندعوها(الحركة الشعبية من اجل الديمقراطية )

 

قال اشرف : ألأسم يخضع بشكل فاضح لأسلوب السجع العربي في القرن السابع الهجري , كأنه من مقامات الهمداني , لماذا لا نسميها ( التجمع الديمقراطي )

 

قلت : هذا اسهل , ولكن ماهي الديمقراطية ؟!

 

قال فوزي : لابأس , نغير ألأسم , اما الديقراطية فهي شكل الحكم , الحكم الحالي ديكتاتوري أي حكم لا يهتم برأي الشعب , حينما حارب ايران لم يعود الى الشعب , وحينما دخل الى الكويت لم يسأل الشعب , وحينما قرر مواجهة العالم لم يسأل احدا , اما الديمقراطية فهي ان يعود الحاكم الى الشعب عبر المجلس الوطني المنتخب بحرية ليسأله

 

: ولكن لماذا يعود الحاكم للشعب وهو الذي جاء بمشيئة الله؟!

 

كان فوزي صبورا معي على الرغم من  انه كان متعجلا ان نوافق على نص البيان بأعلان الحركة وبرنامجها ليقوم بطبعة ولنتولى توزيعه سرا

 

: لقد كلمت بعض ألأصدقاء في بغداد ممن كانوا معي في انكلترة وبعض المعارف هنا في الموصل وهم موافقون على الأنضما م للحركة

 

  كان توزيع المنشور محفوفا بالمخاطر فقد كانت دوريات من الشرطة الراجلة والسيارة تجوب المدينة كما ان عددا من منتسبي الجيش الشعبي كانوا يرا بطون في مناطق متفرقة , وعلى الرغم من ذلك كله,  تم توزيع المنشور بدسه من تحت الأبواب ومن ضلف الشبابيك المفتوحة كما تم لصق بعضه على واجهات المحال التجارية , كانت عملية ناجحة وفي الصباح كان حديث المدينة ومساء كان بعض الجنود يتحدثون عن عملاء الموساد وألأستخبارات ألأمريكية ألذين بدأوا نشاطا معاديا يعاونهم الشيوعيون وأقترح العريف (غازي) وهو بالمناسبة من اهالي الشرقاط ان يؤدوا جميعا صلاة جماعية ولافرق ان كان الجنود يضعون ايديهم على صدورهم او ان يتركوها ممتدة الى جانبهم لأن صلاة الدعاء للحكومة وللرئيس القائد  هي واجب الجميع لكن احدا لم يأخذ ألأقتراح على محمل الجد وانشغلوا باحتساء اقداح الشاي المغلي وهم يتطلعون الى تباشير المطر القادم

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

باصرار تابعت اللعبة, بل يمكنني القول اني ادمنتها, وكمن يبحث عن مجازات يعبر بها عن نفسه كنت اجد في دور المغامر في الليل الشتوي البارد والموحل امتدادا لما كنا نفعله ونحن صغار حين (نلعب حرامية وجرخجيه) , ننتخب اولا رئيسين للفريقين ويبدأ كل رئيس باختيار مجموعته , يبدأ الرئيس ( الجرخجي ) فيطلب أحدنا ولكنه يرفض والكل يفضل دور الحرامي واحيانا تفشل اللعبة لأن احدا لا يريد دورا مع ألحكومة والكل يقف في الجبهة المقابلة , جبهة العداء للسلطة , معارضتها والبحث عن المتاعب لها فهل كان هذا كما يقول اشرف سلطة اللاوعي في ضمائرنا, اللاوعي ألأجتماعي , وحين سألته ولكن ماهو اللاوعي , قا ل ضاحكا آه لقد نسيت اننا لم نبدأ بعد بالعم نيتشة ! وحسب الترتيب التراكمي لن نتحدث عن العم فرويد !

كنا نعتقد ان السلطة تمثل الشر كله وان الحرامية هم الانتقام الالهي منها , وحبنا لدور الحرامي هو انجذاب عفوي للمقاومة , من روبن هود الى أرسين لوبين كنت ألتهم القصص التي يعطيني اياها أشرف وعرفت لاحقا الطريق الى مكتبة القطان في( السرجخانه) حيث كنت استعير القصص لقاء 250 دينارا للقصة , لم يبدي ابي اية ملاحظة وهو يرى بعض الكتب في غرفتي أو وهو يراني اجلس تحت اشعة شمس تشرين الثاني المخاتلة متداريا بالحائط الشرقي لأقرأ مسترخيا للخدر اللذيذ الذي يبعثه الدفء المخادع

في الليل اخطط لتوزيع منشورات ( التجمع الديمقراطي ) عندما تحين ألأجازة , في ألأزقة الضيقة والمظلمة واستغرب احيانا من اين جائتني كل هذه الجرأة دون ان اشعر برعشة ألأرتباك وافكر ربما من عمق متاهات السخرية من كل هؤلاء المنتشرين في الشوارع يحمون (الحكومة), الذين أرى في عيونهم ومضات الخوف وهم يتدارون وراء ضحكات بلهاء يطلقونها بصوت مرتفع حين امر أمامهم ملقيا السلام بلهجة لا رنين لها انمحت منها معالم التعاطف و التواصل حتى اني احس انها شتيمة بذيئة, قال فوزي يجب ان تبتعد عن مثل هذه المشاعر , اننا نتوجه الى كل هؤلاء في المنشورات التي نوزعها , انها لهم اصلا ومثل هذه الروح الشريرة التي بدأت تتملكك تتعارض وما نريده.

كان البيان الرابع يتحدث عن الحكومة التي نريد , حين اتحدث بلغة الجمع اشعر اني متوازن اكثر لأني مع الجماعة اكثر استقرارا وأهمية والدوران في حركة متناغمة مع حركة منتظمة مخطط لها يعطيني شعورا بالحماية , تداول السلطة والتعددية والحل الديمقراطي للأقليات كانت مفاهيم عامة اتعبت فوزي بشرحها على نحو مبسط وكنت اود ان اتحدث مع بعض من ألتقيهم عن ألاليات الديمقراطية أو ان اشرح لعامل مطعم (باجة الحدباء ) الكردي ماهو الحل للقضية الكردية ليتركوا السلاح ونعيش سوية ولكني كنت اخاف ذلك جراء تحذيرات اشرف وعلى نحو اكثر دقة اجد اني غير مؤهل بعد لدور الداعية وان مايناسبني هو دور موزع المنشورات السرية, عبر ألشوارع المظلمة للمدينة.

كنت استطيع ان اسمع حفيف الكلمات السرية في اسرة دافئة وان اشم رائحة رجل الجيش الشعبي المتواري وراء مخلفات القمامة يشله الخوف والبرد والمجهول , فأخفي لفة المنشورات واصيح بصوت عال ((السلام عليكم )) , يفاجئ الرفيق المتخفي فيرد بصوت مبحوح مرتجف يقطعه شعور بالتوحد , اتجاوزه يداخلني احساس مرح بالتفوق , وفي الزاوية القريبه ارمي نسخا من البيان الرابع , ابتسم في وجه الليل الموحش , من اجل الديمقراطية والعم نيتشه !!

قال فوزي : مساء اليوم سننتقل الى مرحلة جديدة من بناء ألتجمع الديمقراطي , على كل منكما ان يأتي بهدية بسيطة على اساس انكما تشاركان في عيد ميلادي وان يكون الحضور في الساعة السادسة ,بالطبع هذه عملية تمويه لتلافي اية اشكالات غير محسوبة ..

سألته بسذاجة : ولكن ما هو عيد الميلاد ؟

قال : لدى بعض الناس عادة الأحتفال مرة في السنة بيوم ميلاد هم , ولهذا يدعون الأصدقاء الذين يجلبون هدايا ويقدم صاحب العيد (الكيك ) والحلويات , وبهذه المناسبة ستأكلون البقلاوة السورية والفستق الأيراني و أحلى كيك من صنع الوالدة

قال اشرف : هل سنكون وحدنا ؟!

: لا , نحتفل اليوم فعلا بعيد ميلاد( الحركة) بحضور ألأصدقاء الجدد وسيتم تحديد المسؤوليات عبر ألأنتخاب العلني والمباشر

: هل يعني هذا ان العائلة على علم بالموضوع ؟

: نعم وبمباركة الوالد !

كان جو الصالة في بيت فوزي احتفاليا فقد علقت بضعة بالونات ملونة وعلى الطاولة الكبيرة المركونة الى الحائط بعض اصناف الطعام وقالب كيك كبير مزدان بشمعة حمراء

في الصالة كان قد سبقنا الى الحضور اربعة اشخاص عرفنا عليهم فوزي

: السيدة تماضر مدرسة رياضيات , السيد رياض مهندس في كهرباء الموصل , الآنسة وداد طالبة جامعية واخيرا السيد حمدي, صف منتهي في كلية الهندسة .

قبل ان نبدأ اود التأكيد على ان تكون اجابتنا موحدة فيما اذا وقع ما لم يكن في الحسبان , انتم هنا للأحتفال بعيد ميلادي , الجميع يعرف على وجه الدقة ماذا يجمعنا , نحن نمثل الهيئة المؤسسة للتجمع الديمقراطي بهدف ان نشغل بعضا من الفراغ الذي سيحصل بعد سقوط السلطة ومن اجل اعطاء الحركة زخما في العمل علينا ان نحدد المسؤوليات على نحو علني ومباشر

أولا , امين عام الحركة !

تطلع نحونا مستفهما

قالت ألانسة وداد : فوزي

ابتسم فوزي : ما رأيكم ؟

قلت : فوزي , سيكون القائد المثالي للحركة , لننهي هذه النقطة

ايد الجميع المقترح

: المسؤول المالي ؟

قال حمدي : السيدة تماضر

أيده فوزي

: مسؤول ألأعلام ؟

قلت بسرعة : اشرف

لم يعترض احد

 

أ قترح المهندس رياض أن يكون حمدي مسؤلأ للتنظيم الطلابي

قدم لنا فوزي عصير البرتقال وقال : والآن جاء دور المسؤول الأمني في التنظيم , واعتقد من خبرتي بالجميع ان المرشح لهذه المسؤولية الأخ سمير

صدر البيان رقم خمسة وهو يحمل بشرى للشعب العراقي بتشكيل اللجنة العليا لحركة التجمع الديمقراطي وفي اسفل البيان كان الأسم الحركي لفوزي , ابو نزار ( وقد عرفت معلومة الأسم الحركي من أشرف)

لم يخرج الجميع سوية , استأذن اشرف وسمير.

قال حمدي : ولكن ألأخ سمير, يبدو انه غير متعلم .

قال فوزي : نحن نعلمه والمسألة المهمة هي العقل المتحرر والمستعد للأستيعاب ! ثم اننا بحاجة الى عنصر من وسط الجماهير بعلاقاته الواسعة وبقدرته على التمويه اذ لآ أحد يلتفت اليه عادة , الحزب والسلطة تركز على المثقفين لأعتقادها انها شريحة تشكل خطرا عليهم من جهة ولكون الرئيس القائد يكن كرها غريزيا لهم من الجهة الثانية , تتذكرون انه في الأجتماع الخاص باصلاح النظام الجامعي والذي عرض في التلفزيون كان ابن مدينتنا الدكتور الهاشمي يتحدث عن الضوابط ألأكاديمية لمنح شهادة الماجستير والدكتوراه وقاطعه الرئيس ليتحدث عن ضرورة العناية بالمرافق العامة في عموم كليات الجامعات العراقية وحينها نظر المجتمعون بعضهم الى بعض باستغراب ولكن ذلك دام لحظة خاطفة !فالقائد الضرورة يفهم عن وعي با لأشترطات الضرورية للأنسان المعاصر !!

: لماذا ؟

: من الخوف في نظراته الصارمة والمتوعدة !

في الطريق الى المعسكر فكّر بعيني وداد , انهما تبعثان على الشعور بالراحة , نظراتهما تجمع تناقضا شغله , وادعتان ولكن ذلك لم يمنع الأحساس بانهما تلتمعان بقوة غريبة وتعكسان ثقة تعبر عن ارادة تكمن في عمق التيارات الداخلية وهي تتفحصه تماما كتيّارا ت دجلة وهي تتراخى في مسيرتها باصرار عبر وحشة ليالي الخريف الى مدن قصية عند البحر , كم تمنيت ان اسبح في البحر , ان أغوص في مدياته المتناهيه , اتعرف الى عوالمه الخفية , ان استلقي محدقا في الشمس التي تمتد الى نهاياته الخفية وشطآنه حيث يتراكم رمل ناعم احمر , اعبث بالمحّار المنسي على جوانبه حيث يتصالح مع ألأرض ويبتعد عن السماء , كانت عينا وداد تختلف عن كل العيون التي شاهدتها , كانتا بين الرفض والقبول , محايدتان تماما , لايمكن ان تجد فيهما ما يلزمك بالتبرير , كانت امي تقول ان عيون الجن تقدح شررا اما عيون الملائكة فكلها طيبة وحينما كنت احدث النائب ضابط عضو مكتب التوجيه السياسي كانت عيناه كعيون الجن في حكايات امي ولكني لم المح الطيبة الا في عيون الأطفال.

ضربت طائرتان مكانا ما في المواقع المتقدمة ربما في( كلك ) وردت بضعة مدافع مضادة للطائرات بطلقات متفرقة ثم عاود الصمت الموحش نشر ظلاله وعاودت التفكير بعيون وداد, لم افكر فيها كفتاة اعني في الحقيقة كأنثى , كنت اشعر وانا قريب منها بهدوء غريب يتسلل الى روحي وبسكينة تبعث في استرخاء مسكرا ورغبة في ان اظل استمع الى صوتها المشحون بالحنان ينسكب في مسامعي كأيقاع حالم , قال ابي , لابد من القول انك قد تغيرت , الجيش يعلم الأنضباط وألأعتماد على النفس ! كنت اود ان اقول له , نعم لقد طرأ علي تغيير , اني ألاحظ ذلك ولكن ليس بسبب الجيش ولا علاقه له بألأنضباط , انه في اعماقي , لقد بدأ عقلي يتفتح وتغيرت لغتي ايضا , ما اقوله ألآن اكثر وضوحا وثباتا , وما افكر به ابعد من المزرعة والخضار وفتيات السوق , احلم ألآن وانا مستيقظ في دورية الحراسة أو في عنبر النوم بالجيش كله وبالمجتمع , السياسة تشغل فكري وأشعر احيانا اني طائر اسرع من الريح واعمق من الصمت الكلي الذي يلامس سطح دجلة في ليلة صيفية سماؤها صافية وقمرها يشع بخيلاء وهو يعبر السماوات , اسبح في الشعاع الذائب واحس ملمس الماء على جسدي العاري ينقلني من خدر الى آخر فتموت المسافات وأشعر اني اولد من جديد , بدأت مداخيل الكلمات تتفتح وانا استمع الى فوزي , مانريده هو الديمقراطية وبناء مجتمع متوازن جديد يتماشى ومقتضيات الحداثة واشتراطات العولمة , العولمة هي التي ظلت مشوشة في فكري اياما طويلة ممضة , قال حمدي المذياع من اليابان والقميص من الصين واشرطة الفيديو من تايوان والسيارة من فرنسا والتراكتور من البرازيل اما الغازات السامة فمن ايطاليا وهولندة والبنادق من روسيا هذه باختصار هي العولمة , العالم قرية صغيرة متشابكة ولايمكن ان يكون بلد في جزيرة , وما يؤكده أشرف عن الموقف من الأقليات وعن حق تقرير المصير , وانتقلت في قراآتي الى قضايا اكثر انشغالا بالسياسة وحين نصحني حمدي ان استمع الى ألأذاعات (الجادة ) بادرت لشراء راديو صغير أريحه الى أذني لأستمع في سكون الليل ألى المتابعات السياسية في مونت كارلو والبي بي سي البريطانية , بدأت اجد متعة في المشاركة بنقاشات التجمع الديمقراطي .

عند اعداد البيان السابع قلت

: ان البيانات السابقة كلها كانت تتحدث في امور نظرية ولم نتوجه الى المواطن العادي في السوق , في المدرسة , وفي دوائر الدولة !

قالت تماضر : فكرة جيدة

التمعت عينا وداد ببريق خاطف لشمس تهبط في دجلة متسارعة عند الغروب وعاودتا حياديتهما ولكني شعرت بان تباشير مطر ربيعي ستهل ثانية واني سأشم رائحة الطين وسأسمع صدى تغريد البلابل في الضفة ألأخرى لدجلة حيث تمتد حقول غضة الخضرة

000000000000000000000000000000000000000000000000000000

لم يعد هناك مجالا للشك بان الحرب قادمة فقد اكتملت الأستعدادات الأمريكية في الخليج ولكن ما خفف عنا بعض الشيء ان البرلمان التركي لم يوافق على قيام الحلفاء بالدخول من شمال العراق وكان هذا يعني ان ويلات الحرب هنا ستكون اخف عما هي في الجنوب ! كما اشار رياض ونحن نعد البيان الثامن , سيجعل مهمتنا السياسية في الموصل اسهل لأننا سنحتفظ بكامل قوانا ولن يكون الفراغ السياسي مدعاة لفوضى شاملة كما هو الحال في بغداد حيث ستواجه القوى السياسية وضعا بالغ التعقيد لأحتمال نشوء بؤر فاعلة متنوعة ومتعارضة

كنا بانتظار الزلزال نشخص نحو السماء لعّد الطائرات المغيرة على اهداف غير مرئية يتآكلنا حزن صامت متوحش ونحن نلمس بوضوح عجز دفاعاتنا الجوية عن منع الطائرات المعادية من تسيّد اجواء العراق فيما يستمر الضجيج الأعلامي , وراية ام المعارك تخفق كغول اسطوري ولكن من ورق , يصدر عنها حفيف القصب والبردي في متاهات ألأهوار الموحشة , وتنفجر قذيفة عند الفجر في موقع على محيط الموصل فيختلط اللحم الآدمي بحديد المدفع المضاد للجو ويندفع صمت اخرس لاهثا يبني قبرا لبضعة جنود لايعرف أحدا من اين جاؤوا.

ولكن الزلزال تأخر وهو يقطع الأيام باتجاه العراق الحزين ونحن نحلم بأن نرث ألأرض وأن نكون في المساحة الملائمة قبل الآخرين فيما الطائرات المعادية تقطع في فضاءات التواصل بين الضفة والضفة , الشتاء يمر بيننا يمسح وجه دجلة ويعصر الحزن مشاعره ولكنه يتماسك فدجلة لن تشيخ والموت عصي والشمس تظل تأتي باهرة تجدد الكون وتمنح الحياة للزهور البرية على امتداد سهول نينوى

قال أبي : ألأرض تباع الآن بالمتر والتعامل بالدولار , ما رأيك ؟

: لاتبع فقد تحول الكتف الى منطقة سكنية وكل يوم سيرتفع السعر, لسنا بحاجة للنقود !

: اعتقد ذلك ولكن على العموم ارجو ان تضع في حسابك اننا سنكون موسرين بعد تسريحك من الجيش وسنبدأ حياة جديدة !

الرجل الذي جائنا ليلا يفاوض على البيع كان يستخدم حاسبة صغيرة قال اننا سنتحول فورا الى اغنياء , يمكن ان نستلم ثلاثة ارباع المليون دولار , كانت عيناه دائريتان تتحركان بسرعة مريبة , فيما كان يستعين بكلتا يديه ليوضح حجم الثراء الذي سنتحول اليه, قلت لوالدي لن نبيع , نظر الي الرجل بغيض ولكنه غادرنا بهدوء

قال اشرف المدينة تتمدد الى الخارج كوحش كافكا والتحولات تغير في التركيبة الأجتماعية , ستتحول الى برجوازي جديد في زمن العولمة والتحولات الأمريكية الكبرى , هل سنظل أصدقاء؟ كنت افكر بوداد وبعينيها المحايدتين !

كان البيان التاسع مختلفا فقد توجه الى المرأة العراقية , يوم عيد المرأة العالمي على الأبواب وقد شرحت تماضر باسهاب اهمية هذا اليوم لتوعية النساء بدورهن السياسي والأجتماعي , كانت تتحدث وكأن المرأة كائن ضعيف مستهدف في حين اني كنت في السوق أعاني من النساء فقد كن ثرثارات ولجوجات , يتسكعن في السوق ويسألن عن كل شيء ولكنهن لايشترين الا المواد التي تركن البيت من اجلها , قال أمام الجامع انهن مخلوقات حمقاوات وناقصات عقل ودين وان الرجال قوّامون , كان ذلك ليلة عيد الفطر وأنا بجانب أبي نؤدي الصلاة , يردد عشرات الأمثال وبعضا من آيات القران , هناك لاحظت ان مجموعات من الشباب كانوا قد بدأو باطلاق اللحى ومعظمهم يرتدي دشاشة قصيرة , قال فوزي المجموعات السلفية تتكاثر بسبب البيئة , المناخ يخلق احيانا كائنات غريبة !! حاولت ان اناقش ولكن الجميع كان يرى في البيان فرصة لمخاطبة شريحة اجتماعية واسعة , قالت وداد , المسألة ابعد قليلا من الحالة التي عرضتها , الحقوق ألأجتماعية والسياسية للمرأة مغيبة ولكنها مسؤولة عن صنع الفرح للرجال , انه مجتمع الذكور والمرأة كائن محاصر كحيوان نادر, قلت اني مقتنع وسأوزع المنشور في مدارس البنات كافة! قال فوزي , هذا لايكفي ,يجب توزيعه في مدارس البنين أيضا , وافقت بسرعة

المعسكر تسوده الفوضي وقد توقفت التدريبات الصباحية بعد ان ارتفعت نسبة التغيب الى اكثر من خمسين بالمئة وشملت ضباطا من مختلف الرتب وبدا على مجموعة التوجيه المعنوي ارتباكا في حركاتهم وهم يعقدون اجتماعاتهم اليومية , كانوا بالغي العصبية حتى وهم يدارون بالصمت مشاعرهم المحبطة , هكذا يتعرض الطلاب الذين لا يملكون الثقة الكافية وهم يجلسون الى كرسي الأمتحان , قال أشرف , سيتخلون عن الوطن , كان بالنسبة لهم مشروعا وهو يغرق الآن, نوح ترك ابنه فأ بتلعه الطوفان , قال رياض ربما ستبدأ الحرب خلال اسبوع ! لم تنجح المظاهرات والأحتجاجات عبر العالم بالتأثير على التصميم الأمريكي بشن الحرب , قالت تماضر , المهم ألآن ماذا بعد الحرب والحديث عن المعارضة مناقشة بيزنطية , لم افهم ماتعنيه واصبح من عاداتي ربما السيئة ,السؤال , لم اكن لجوجا ولكن وللحقيقة كان الجميع صبورا معي , كنت قد ادمنت النظر في العينين المحايدتين وهذا لم يمنع ان اكون سريع الأستيعاب, ولكني توقفت طويلا عند خبر قيادة الممثلة رغدة لمظاهرة احتجاج ! كانت جميلة ولكني لم افهم ان تحتج من اجلنا وتنسى السوريين !

قال أبي : هل ستحاربون ؟

قلت : هل جربت السباحة في الطين ؟ !

قال أبي : وما العلاقة ؟ !

قلت : في الطين ستكون مقيد اليدين !

قال ابي : سمعت من الجندي في الموقع على الكتف ان الهجوم سيقع الليلة , كان محبطا ومستاء لأنه يعتقد ان القيادة تخوض باستمرار معارك خاسرة !

لم اعلق فقد قال أشرف ذلك ايضا ونحن نستمع الى اذاعة يأتي صوتها متقطعا , كان الليل حالك السواد وأضواء المعسكر مطفأة والنائب ضابط و ضابط الخفر يشربان من قنينة عرق جاء بها جندي من (هبهب ), كان الضوء في الغرفة خافتا والشباك الوحيد تم لصق اوراق الجرائد على زجاجه من الداخل والأثنان صامتين , الزمن في المعسكر مشوش وكأنه لآ يعني احدا, يعبر الليل الى فضاءات اخرى في كواكب لا ترى بالعين المجردة والترقب في الجانب ألآخر اكثر ايحاء بألأمل ولهذا فقد كانت الحركة على الهضاب البعيدة نشطة وفي الصمت الصدئ فوق المعسكر من جراء تعرضه للأنتظار في رطوبة ندى آذار الثقيل يسمع أزيز رصاصة تحذير وهي تعبر الأفق بشريط خجول من الضوء الكابي .

كانت الساعة الثامنة مساء حين تركت ابي لوحدته وفي العاشرة والنصف كنت في المعسكر , لم يدقق الجندي الخفر كثيرا , فتح البوابة وكأنه يلومني على الحضور , اشرف وصل قبلي , كان يستمع الى ألأذاعة المصرية وهي تقدم برنامجا عن عيد شم النسيم كان خليطا من ألأغاني الخفيفة والشروحات البسيطة لمعنى العيد , قلت ونحن , ألن نحتفل بعيد نوروز ؟ قال اشرف لا الحزب يوافق ولا السيد بوش يرضى , كلاهما يرغب في ان نقطع التماس مع العالم وان نعيش في عش الخوف بانتظار الفرج !

كانت التلال المحيطة بالمعسكر تتموج بخضرة يانعة وحينما تشرق الشمس تلتمع قطرات الندى بوميض ساحر , وعلى السفوح الشرقية المواجهة للأشعة الكسولة لشمس الربيع الخجلة بدأ بعض الشباب ألأكراد في تجربة ملابس العيد ولاحت على البعد الوان زاهية , هل سيأتي الفرح للعراق؟! قال رياض وأنا اصف لوحة ألألوان على التلال المقابلة , كانت ألأوامر ان لا نبدأ باطلاق النار وساد جو من الترقب الحذر كما كان يردد مذيع محطة المونت كارلو

الليل بطيئ , وحين تجاوزت الساعة المنتصف قررنا ان ننام فربما غيّر السيد بوش رأيه , شعرت بوحدة موحشة وانا اتمدد على السرير الحديديعلى الرغم من أن عيني وداد الماثلتان ملئ خيالي في ظلمة كاملة وسكون مطلق يسد الكون ولكنه يسد اذني ,ايضا , بهمس غامض وممض كأنه وشوشة عابثة تمتحن صبري على النوم , في المعسكر اشعر اني معزول تماما عن العالم واني مجرد مجند , مسمار في ماكنة عملاقة أصابها الصدأ وهي مركونة دونما حاجة لها أقاوم النظرات الفاحصة والمرتابة لأفراد التوجيه السياسي الذين توقفوا عن دعوتي للأنظمام للتنظيم , ولكن شعوري هذا يتبدل في ساعات اللقاء في بيت فوزي ونحن نناقش صيغة البيان الجديد , اشعر اني اصعد مع الموج الذي يتعالى وسط دجلة , الماء مملكتي حيث استطيع السباحة دون أن احرك عضلة واحدة واعرف اتجاهي وانا مغمض العينين , هنا اتحدث عن الحركة واساهم في بلورة التغيير , اشعر اني موجود بكليتي , لست طيرا مهاجرا , هنا اتنفس واتمدد في كل المكان واستمع الى لغة مفهومة تعطيني القدرة على التعرف الى خريطة وجودي , كان اشرف يمزح , ستتحول الى ثري , برجوازي على اطراف المدينة وستستطيع ان تتزوج من امرأة كالقشدة ولن يسألك احد عن المدرسة ! كنت افكر بوداد , حديثها ناعم لين ولكنه كشعاع الشمس يخترق الظلمة التي بقيت في اعماقي , منطقة مشوشة , انه لاينتشر بل يستقر , يدغدغ مشاعري بعبث طفولي , هل احب ؟!

تطلع الى ساعته الفوسفورية , كان عقربا الساعة يدوران حول الواحدة غير مكترثين ما اذا كان قرار السيد بوش سيقع ام لا أو أن استنفار القوات ألأمريكية في خليج العرب في حده ألأعلى ام لازال عند اللون البرتقالي فالحرب خارج حدود الزمن الذي تعدّه والوقت لاغيا في حساب المجانين .

حين يناقش خطة توزيع المنشورات يشعر انه قد تحرر من عقدة ألأحراج التي تجعله يداري نظراته حين يكون الحديث عابرا وتتعلق عيناها به تنتظر منه ان يتكلم , ربما لتمتحنه , لكنه يفقد القدرة على المواصله , يداخله شيء من الأرتباك وتهرب الكلمات في صحراء يسكنها صمت على مد البصر , في الغد قد تتغير مسارات على خرائط متداخلة وربما لن يكون موجودا , عاد ثانية الى مساحة الحلم الذي يرف في مخيلته حيث تقف بوجهها الوردي تشع منه براءة عذبة فيغض عينية , كانت امه تناديه (( قمر المدينه )) جعله ذلك يشعر باحساس دافئ بالرضا ولكن النظرات الوقحة والساخرة في عيون زملائه دفعته الى ألأنكماش , احتج ولكن امه اخذته في حضنها وقبلته , داخله احساس دافئ فاستكان, ظل يشعر بخجل وهو يتعامل مع الفتيات في السوق , سحب الغطاء على وجهه فقد تسللت الى عنبر النوم دفقات من هواء بارد , قال اشرف , هل ستنام ؟ الليلة لن تتكرر , انه التاريخ بكل عنفوانه ومآسيه وامجاده الأسطورية الكاذبة والحقيقية سيمر من هنا ولابد ان نكون مستيقظين لنراه فقد نكون شهودا على من يذهب وعلى من يأتي !

لم يرد فقد شعر بخوف يداخله ورجفة البرد تفزع طائر الحلم الذي ضاع في الظلام , ماذا يفعل أبوه ألآن ؟ اعتاد منذ سنوات ان ينام بعد صلاة العشاء ليصحو مبكرا يشغل( مضخة) الماء ويطعم الدجاج ويجني المحصول ويوضبه , تذكر وجه امه بعينيها المتفحصتين ولكن نظراتها كانت تفيض حبا , كانت تقول له وهو يستعد للذهاب الى السوق (محروس بسور سليمان من عين كل النسوان ) مما دفعه الى التأكد اولامن ان عيون المرأة التي تتعامل معه لاتحسد لم يشك يوما بعيون الذكور ففي اعماقه شك حذر من الأنثى لأنها تحمل في طبيعتها الحسد , كل ثرثرات النسوة وهن عند عربته عن زميلاتهن وتشوب أحاديثهن اما روح الحسد أو التشفي !!

في البيت وفي المزرعة كانت امه تدور بأيقاع يومي متكرر , يحمل ذات النهج , صباحا تجمع أواني ألأفطار, ثم تذهب الى حيث ابيه قد جمع الخضر, تغسلها وتوضبها ثم تذهب الى قاعة الدواجن الصغيرة , لم يهتموا بالقديد او بالجبن لأنهم بلا سرداب , في منتصف الصيف كان الوضع مختلف اذ يشتري ابوه كمية من القمح من الفلاحين على طريق الشرقاط لتنشغل به مصنعة الجريش والحبية, حيث لايخلو بيت في الموصل منهما, وفي الليالي الباردة كانت تشوي عروق التنور , ولكن ذهابها المبكر ترك غمامة من الحزن الدائم وانقطعت الحبية والجريش وعروق التنور ولم يذهب في الربيع الى بير البنات ولم يحضر الأحتفالات عند مرقد ألأمام قضيب البان

عبرت قطرات المطر الذي بدأ رذاذا الثقوب من الشباك الكبير عند سريره , قال اشرف , لقد انضم الى الحركة زملاء جدد وربما سيكون اجتماعنا والحرب تنشر الخراب , سنتوسع , الحركة نتاج طبيعي لوضعنا , انها تعبير عن ازمة حقيقية , لقد اعجبني تعبير فوزي وهو يشبه الحركة بصعود المد في انهار البصرة كلما تعالى القمر , حركتنا ستتصاعد كلما تكشفت المأساة اكثر وكلما ارتفع سخط الناس على هذا الواقع , لم يقل له ان هذا التنظير هذه الليلة ليس الا احلام نوم متقطع فهي لاتكتمل ولا تكشف النهاية , هل يسأله ماذا سيفعلون اذا ماوقع الهجوم الجوي الأمريكي , بالتأكيد ليس امامهم مهمات قتالية ! فالصواريخ لاتقاوم بالكلاشنكوف ولا حتى بالرباعيات التي تحيط بالمعسكر , قال مسؤول التوجيه السياسي , القيادة اعدت خطة متكاملة لمواجهة ألأعداء , ولكن ماهي ؟ وكيف ؟ , ربما سيتركون المعسكر فالمدينه الصغيرة المهملة على خط التماس مع ألأكراد بدت منذ اكثر من اسبوع فارغة والشاحنات التركية التي كانت تنتقل الوقود قد اختفت واصحاب الأكشاك والمهربون وباعة المشروبات الغازية لم يعد لهم وجود, بدت المدينة الصغيرة التي كانت تضج بالحركة مهجورة تسود اجوائها وحشة مترقبة والصمت يتمدد في الليل , حتى الجنادب لم تتكلم مع بعضها الليلة ولم تعبر السماء طائرات مغيرة , ربما سينطلق الجميع بحفل الموت القادم وسيمزق الفراغ المخيم تراكم الخوف الأنساني عبر شلالات الجنون والعبث ولن يكون الفراغ الذي شرحه فوزي كثرا مساحات فارغة بل سيكون ضاجا وفوضويا الى الحد الذي قد تمتنع فيه الرؤية وتتبادل المواقع ولايعود الحديث بهذا الصفاء الحالم برغم لهجة الصدق التي يتمتع بها فوزي عادة .

صرّ باب العنبر بأنين موجع وكأنه يستبق الزمن بنواح جنائزي وخطت ثلاثة اشبح لم اتبينها في العتمة بعد ان ابعدت الغطاء الصوفي الذي كنت قد جلبته من البيت والذي كان مركونا على صندوق خشبي في غرفة أبي , منذ ان بدأت استوعب ما في البيت ,كان هذا الغطاء بالوانه الزاهية ودفئه اللذيذ مفرودا على سرير والدي , قال ابي لقد حاكته امك في فترة الخطوبة , حين سألته ولكن هل امتدت طويلا , قال نعم , لقد أخذوني من الشارع مساء يوم صيفي قائظ الى معسكر الجيش الشعبي في فايدة, قال مسؤول القاطع انكم تدافعون عن اعراضكم التي ستتعرض للأنتهاك اذا مادخل الجيش ألأيراني .

توقف الثلاثة وسط العنبر وصاح القصير فيهم ليستيقظ الجميع , كيف تغمض عيونكم وجيش بوش اللعين سيهاجم الليلة ؟ اين غيرتكم العربية ؟ كان النائب ضابط في التوجيه السياسي وعلى الرغم من اللهجة ألأحتفالية كان صوته اجوفا كأنه صدى ينزلق على الجدار الطيني الذي يمتص منه مخارج الحروف

قال اشرف : الراحة تولد العزيمة ونحن منتصرون بهمة القائد !!

: بارك الله فيك !

قال صوت أجش خافت يحمل ايحاء بانه شخص مهم وانه لولا الضرورة لكان الآن في احضا ن دافئة مسترخيا

: يجب الأنتباه فالليلة يصنع التأريخ العربي طريقا جديدا للأمة

توقف عن ألأسترسال فقد دوى عصف وحشي هائج اجتاح سكون الليل والصمت المريب المتمدد في الكون حولنا

: الى الملاجئ

صرخ ضابط صغير كان قد دخل مرتاعا الى العنبر

قال أرشد : وهل ستحمينا الخنادق

 

 

الفصل الرابع

 

 

ثلاثة انفجارات متتالية مزقت السكون الثقيل , توقف المطر الذي كان يأتي رذاذا ولم يعد البرد المتسلل من الثقوب التي في اطار الشباك يجرؤ على المشاكسة , وفي اذني بدأت حرارة تشع مع زيادة الطنين الذي سد مساحات السمع, كنا نتراكض بفوضى , فنتعثر بعضنا ببعض ,  بأتجاه الخنادق الترابية التي حولتها الأمطار الى برك تغوص فيها احذيتنا الجلدية .

 

رفع الساعة الفوسفورية الى عينيه , كانت العقارب تشير الى الساعة الثانية وخمسا وثلاثين دقيقة , حين وجد الساعة في علبة معدنية مهملة بقعر صندوق خشبي , لم تكن تعمل , قال والده لقد اشتراها في مدينة جمجمال , كانت تدور بها امرأة كردية  قد تحجر وجهها بملامح تقطر حزنا , قالت ماتدفعه , اعطاها ثلاث دنانير فلم تتكلم , كان في الجيش الشعبي وهو الاخر حزين فقد ترك زوجته وابنه الرضيع من غير ان يودعهما , وحين توقفت رماها في العلبة المعدنية فهو لا يحتاج الى معرفة الوقت والشمس هي دليله اما اذا اختفت وراء موجات الغيوم المتسارعة فان تعوده على نمط متكرر يجعله قادرا على تحديد الوقت على نحو دقيق

 

كانت الأذاعة البريطانية تعلن ان مراسلها في الخليج قد افاد ان الهجوم الأمريكي قد بدأ وان دفعات متتالية من الصواريخ قد ضربت اهدافها المقررة في مناطق مختلفة من العراق وان تلك الأهداف كانت تشمل مواقع الدفاعات الجوية ومنصات اطلاق الصواريخ ومراكز القيادة والعمليات وانه يعتقد ان اسرابا من طائرات الشبح تتجه الآن الى الأراضي العراقية

 

كنا جزءا من تشكيلات الفيلق الخامس وكانت المهمة التي شرحها لنا معاون قائد اللواء هي ان نبيد القطعات المعادية المتقدمة ولكن الأنفجارات التي ضربت في مواضع بعيدة لم يتبعها تقدم قوات برية , كان الرد انطلاق كافة  المضادات الأرضية باتجاه السماء المكفهرة وتواصل الآف من الأسلحة برد فعل خائف صانعة رسوما ضوئية غريبة

تابعت الأذاعة البريطانية نقلا عن مراسلها في بغداد ان وسط المدينة يتعرض لهجوم صاروخي مركز وان قوات المارينز الأمريكية والقوات البرية البريطانية تندفع الآن عبر الحدود الكويتية وربما احتلت ام قصر وشبه جزيرة الفاو .

 

كان الماء المتجمد قد بدأ يتسبب في خدر مؤلم في اقدامنا , قال اشرف اين سنصل,كنت منشغلا بتثبيت موجة الراديو التي بدأت هي ألأخرى قلقة, قال العريف سلمان الذي سقط مرتين في برك الماء وهو يهرول الى الخندق , ملعون ابو الحرب ! كان العريف سلمان جندي محترف كما كان يردد وهو يقود التدريبات الصباحية, الحرب حرفة وهي كأي حرفة تحتاج الى المختصين بها فالخطأ هنا قاتل ! فكروا جيدا , اذا لم تحسن قيادة السيارة قد تتعرض للهلاك وفي الحرب ليس هناك (قد ), ستتعرض للهلاك قطعا , ولايمكن ان تقودها لتصعد جبلا صخريا , ولا ان تقودها ودرجة الرؤية صفر لأن هذا باختصار غباء  , وهذه ليست حربا , قال هذه الجملة وهو يخوض في الوحل , لم اتبين وجهه ولكن يأسا غاضبا كان يعطي كلامه صلابة تحفر في شرايينه ويرشح في ثنايا كلماته.

  أزت رصاصة فوق الخندق لتختبئ في اكوام الطين على الحافة الشرقية  , اطل فجر باهت يتدافع وسحب ضبابية منخفضة لا تريد ان تتحرك , على الجانب الآخر تبدو اشباح ضئيلة تترقب  زمانا هلاميا لتتمسك به لتعبر الى المكان الجديد الذي ستدخله القوات القادمة من صحارى العرب   .

 

اذاعة بغداد بدأت تنقل خطابا( للرئيس ألقائد) ولكنه توقف ربما بسبب قصف المرسلات , عدت ثانية الى الأذاعة البريطانية , سيارات عسكرية وعدد من المدرعات والدبابات بدأت بالظهور في حركات استعراضية , عدنا ثانية الى المعسكر , كانت الساعة تشير الى العاشرة من صباح يوم الخميس العشرين من آذار الفين وثلاثة

 

قال اشرف : القوات ألأمريكية تتقدم متجنبة المدن , امرا ما يتوخوه ! والتحليلات العسكرية التي استمعت اليها غامضة ولا احد يفهم هذه التحركات !

 

توقفت التدريبات الصباحية وكذلك ساعات ثرثرة التوجيه السياسي ولكن الفراغ الطويل والأنتظار, في توتر مستمر لساعات الموت الذي قد يجتاح المعسكر المكشوف قادما من متاهات الدمار , افقدانا القدرة على النوم , كنا نتطلع الى السماء لنستقبل ألاعصار ولكن الأيام الست ألأولى مرت دون أن  يعبر الموت سماء الفيلق الخامس أو ان يهدر في ازقة الموصل , لابد من القول ان الطعام الذي يقدم لنا لم يطرأ عليه تغيير فقد بقيت كميات الخبز ألأسمر على حالها وان يك قد خالط العجينة مواد صلبة غريبة ولكن احدا لم يتذمر فقد كان التركيز على الحرب وسماع اخبار تقدم القوات المعادية  من الجنوب باتجاه بغداد يبعث على تشتت تفكيرنا  , فكرت بدجلة المار تحت الكتف جوار مزرعتنا وهو يتقدم ايضا نحو الجنوب غير عابئ بالقوات التي تتقدم بامتداد الفرات نحو( الناصرية ) يقول وزير الأعلام ان كل هذا الحديث مجرد امنيات لعقل مجنون غير قادر ان يفهم نبض المكان فالعدو لازال في ام قصر ونحن ننتظره على اسوار بغداد !!.

 

بدأت اولى مجموعات الهاربين من جحيم القذائف الصاروخية تصل من المناطق المحيطة بكركوك كان من بينهم (جرجيس ) , قال أن وحدتهم كانت على امتداد مدينة جمجمال وعند الفجر في 28 آذار من عام 2003 تحولت الجبهة الى جهنم بكل ما فيها من لهيب وصراخ تحت جناح الفجر ألأرجواني الذي كان يتطلع الى الكون ببلاهة النسيان , دقائق ويعبرهو والموت هذه الوديان ليطل على عالم آخر ربما لازال يحتفظ ببقايا بهجة في عيون السهارى , كان رفاقي قد اصروا ان اغني لهم ولم اجد غير لحن حزين في ذاكرتي ولكنهم رفضوا , قال صديق كان معي في ألأبتدائية وقد سكر قليلا , هناك اغنية عن جحش البلدية , وصاح الجميع : يعيش جحش البلدية, سعاد لاقت جحش ... جحش البلدية ... مو  صوج هذا الجحش ... صوج هل ابنية !!

 

قال عريف سلمان ان القوات ألأمريكية قامت بانزال جوي للواء مظلات في مطار حرير .. كان المطار الصغير يبعد خمسة وسبعون كيلو مترا عن اربيل وفي الليل بدأت مدينة الموصل تتعرض لقصف متقطع شديد وفي المعسكر افتقدت بعض الأصدقاء , قال اشرف الخائف يحارب فقط حينما لايجد امامه مجالا للهرب , صدق الرفيق شكسبير , هل تعلم انهم قد كتبوا يوما ما ان هذا الشكسبير هو شيخ زبير ! وهكذا نحارب !

حينما اشتد القصف على منطقة (كلك ) بدأ القلق في نظرات  الضباط واصبحوا يتصرفون بلا مبالاة ولم يبدوا اهتماما بعدم قيام الجنود باداء التحية صباحا , قالت اذاعة مونت كارلو ان قوات المدينة المنورة قد جرى تمزيقها بالكامل وان الدبابات الروسية قد دمرت على جوانب الشارع العام وفي حقول البساتين ... الحرب تقترب اكثر ومدينتنا التي اعتقدنا انها ستكون اقل عرضة للدمار بدت وكأنها تتنفس رائحة الموت ... يامدينتي العزيرة  سيتخلى الله عنك وستواجهين مصيرك العراقي المصبوغ بلون الدم والمضمخ براحة الدمار وهو يغير في خارطة شوارعك وبيوتك القديمة .. هل سيظل النبي (يونس ) يتطلع الى مأساتك وهل ستدخل امواج الدماء المستباحة الى اعتاب الضريح

 

الجبهة الشمالية تتحرك الآن بسرعة , مواقعنا  تتعرض للقصف , مدينة فايدة شمال الموصل دمرت العديد من مبانيها السكنية والقوات الكردية تتحرك على الطريق بين جمجمال وكركوك وانفصلت مجموعة منها مدعومة من قوات المظّليين الأمريكية للأستيلاء على مشارف المدينة الصغيرة , مساء كنا نتحرك على شكل مجموعات سيرا على الأقدام الى الموصل , ليلا كانت مساكن  المدينة كأنها امكنة اشباح تحيطها وحشة يمتد صمتها الحزين الى ألأطراف القصية ويعبر دجلة الى الجزيرة التي تنفتح نحو السماء بحنين لامتناه خوف القيامة التي تحملها رياح الموت في الفجر ألأرجواني .

 

قال اشرف : غدا سنجتمع في بيت فوزي قبل الظهر ؟!

 

لم أرد , قال جرجيس : لآ اعرف العنوان !

 

قال أشرف : رتب الموضوع مع سمير

 

قال جرجيس : ولكن ما هي المناسبة؟

 

: نحن نعمل في تنظيم سياسي ونحاول ان نستبق الكارثة !

 

لم يعلق جرجيس ولكنه سار الى جنبي بهدوء , عبرت ثلاث طائرات سماء المدينه الغارقة في صمتها

 

قال جرجيس : هل ستحضر ؟!

 

: نعم

: ولكن هل تعتقد ان الموضوع آمن ؟!

 

: لا , ولكن اين ستجد ألأمان !

 

: انتظرك اذا في البيت

 

ودعته بفتور فقد كنت مشغولا بالتفكير بوالدي الذي يحلم بان اتزوج امرأة تساعدنا في البيت وباحفاد يعوضوه وحدته بدون اخوة وخوفه الدائم علي من الغرق فتتوقف سلالته وينقطع امتداده في الحياة

 

كانت دجلة تلصف في العتمة الموشاة بخيوط دقيقة من ذيول الرصاص الذي ينطلق بين آونة واخرى كأنه يطارد أرواحا شريرة عصية على الرؤية ولكنك تحسها وهي تتحرك بفحيح يلفح بشرتك برائحته الثقيلة الماكرة

 

كان ابي مستيقظا , رآني من الشباك المغلف بورق الجرائد المصفر من المطر  واشعة الشمس , فتح الباب ورائحة التبغ القوية تتقدمه

: مع هذه المرة حقيبة ملابسك ,هل انتهت ألحرب؟

كان الزمن ضبابيا تتعثر فيه الصور وألأحداث فهو لايكترث للعالم خارج المزعة وثنائية حيانه تعيش حالة انفصال فهو يعرف كل نبتة في المزعة ويقف عند شجيرات الزيتون ودوالي العنب يفحص اوراقها ويستخدم المواد اللازمة لمكافحة الحشرات ويعرف كم اعطت الدجاجات البياضة في ألأسبوع ولكنه لايبذل اي جهد لمعرفة مايجري في المدينة وعلى الرغم من انه ليس اميا فهو قد انهى الدراسة الأبتدائية ويواضب على قراءة القران مع كل فريضة صلاة الا انه لم يقرأ اية جريدة منذ سنوات ولا يرغب بالأستماع الى نشرات ألأخبار وكأن العالم يدور حول نقطة ثابتة لاتشتمل على اية امكانية للغيير , الحياة خارج المزرعة مساحات للجنون لا يريد ان يدخلها و يتعامل معها بحذر.

 

: لا لم تنته , انها في البداية ولكن المعسكر أخلي بالكامل ومن المنتظر ان تدخله القوات الأمريكية قريبا

 

: وهل سيبقون فيه ؟

 

: لاادري !

 

: هل تعشيت؟

 

: لا ولكني لاأجد في نفسي رغبة بالطعام

 

000000000000000000000000000000000000000000000000000000

 

فوجئت وانا ادخل بيت فوزي , كان العديد من الأشخاص في الصالة التي اكتضت بهم , اخليت الصالة الواسعة والتي كانت غرفة استقبال وصالة طعام , من أثاثها وصف بدلا عنها كراسي بدون مساند على شكل صفوف متتابعة والى الحائط امام الكراسي كانت منضدة صغيرة خلفها ثمانية كراسي , استقبلني فوزي بترحاب حاول ان يكون علنيا وملفتا بحيث تطلع الجميع نحوي , قال فوزي بصوت مرتفع غطى على الضوضاء للأحاديث المتقاطعة

: الرجاء من اعضاء الهيئة العليا للتجمع اتخاذ اماكنهم الى المنضدة !

كنت اجلس الى جانب وداد التي بدت محرجة وهي امام انظار الجميع وشعرت بدفئ قربها مما خفف من هواجسي وانا اواجه هذا الجمع الذي اعرف بعضهم وانا طالب في المتوسطة فقد كانوا من المدرسين واثنين من اصحاب محلات بيع المواد الغذائية في السوق وبعض الضباط الصغار وطلاب من جامعة الموصل وكان هناك ايضا بضعة شخصيات ترتدي ألأزياء العربية وثلاث نسوة

 

قال فوزي : ايها الأخوة اسمحوا لي اولا ان اشكركم على تلبية الدعوة لحضور هذا التجمع واعتقد انكم قد اطلعتم على اهدافنا مما ورد في البيانات التي كنا نوزعها في الأيام القليلة السابقة ,

الذين يجلسون امامكم هم الهيئة المؤسسة للتجمع الديمقراطي والذي هو حركة سياسية هدفها التحضير لما بعد الحرب ولمواجهة التبعات التي ستنجم عن الأحتلال ولسد جزء من الفراغ السياسي المتوقع حصوله

رفع شاب من الطلاب يده مستأذنا بالسؤال

: ولكن هل ان الهيئة منتخبة ؟

: الهيئة مجموعة لبّت الدعوة وتطوعت للعمل ولم يكن امامنا فرصة لأجراء انتخابات ولكن العمل وزع بطريقة ديمقراطية , بالتأكيد سيتم تغيير هذه الآلية بعد ان نتوسع في القاعدة الجماهيرية

 

جرى نقاش واسع حول مجالات العمل وكيفية مواجهة دخول القوات الأمريكية وحلفائها الى المدينة , قلت انا كجندي اعرف ان امكاناتنا في المواجهة معدومة في الوقت الحاضر على الأقل وقال احد الضباط هذا بالضبط ما وددت شرحه اذ انه من البديهيات ان القوات البرية لاتستطيع مواجهة تفوق جوي  ساحق

قال رجل يرتدي الزي العربي يجلس في آخر الصالة : ما يجب التأكيد عليه هو وحدة الرأي والعمل على تجنيب المدينة ويلات هذه الحرب

: اذا , نحن متفقون على دعم الحركة التي تحضرون اجتماعها مبدأيا , ومتفقون على مساعدة المدينة , لهذا يجب اختيار مجموعة من الحاضرين من اربعة اشخاص لتمثيل الحركة أمام الجهات المعنية

بدأت بعض الأنفجارات تهز المكان وظهر القلق على بعض الحاضرين , دخل ألأخ ألأصغر لفوزي وهو بادي ألأرتباك , قال بأن القوات الكردية قد استولت على( فايدة ) وانها تستعد لأقتحام الموصل, بدأت اصوات الأنفجارات تسمع بوضوح .

 

قال فوزي : ايها ألأخوة الموصل ألآن تتعرض لقصف جوي شديد ومن الواضح ان كافة النقاط العسكرية مستهدفة وكما تعلمون فان بعض هذه النقاط في مناطق سكنية وسيعرض هذا المدنيين لمخاطر كبيرة ونحن عاجزون عن تقديم اي عون

 

بدا فوزي لي كقائد اسطوري من زمن منسي يقف وحده لم يفقد ألأمل بعد , كانت روح قيادية تتجلى في سلوكه وردة فعله كانت سريعة الأستجابة وعملية

 

: علينا ان نفعّل افكارنا وان نتصرف بمسؤولية ولهذا اقترح ان نختار اربعة اشخاص كوفد يمثلنا في لقاء قائد الفيلق الخامس وامام جامع النبي يونس ورئيس جامعة الموصل للتوصل الى راي بالكيفية الواجبة لمواجهة هذا الطوفان القادم

ايد الجميع المقترح .

 

قال فوزي : على الشيخ هادي أن يناقش الموضوع اولا مع مشايخ العشائر في الموصل والجزيرة وخلال ثمان واربعين ساعة , الأستاذ رياض وعليه ان يناقش الأمر مع نقابة المعلمين , السيدة تماضر تستمزج رأي المنظمات النسائية التابعة للأحزاب السياسية والتي تتحرك الآن بعلانية في المدينة أما زميلنا سمير فعليه أن يقوم بألأتصال بقيادة الفيلق الخامس للحصول على موعد للقاء السيد قائد الفيلق او من في القيادة بديلا عنه

شعرت اني  اتعرض لرياح تهب رخوة  منعشة تتسرب الى روحي وتبعث في كياني شعورا مشرقا وكأني قد استكملت بنائي الداخلي واني على استعداد للأنطلاق في مهام حياتي الجديدة التي جمعت شظاياها منذ ان توطدت علاقتي بفوزي , فور انتهاء الحرب سأعود للدراسة وسأمتحن (خارجي ) وسأحصل على الثانوية , كانت وداد تتطلع نحوي بتركيز وعيناها المحايدتين ثابتتان تتفحصاني , كانت تشجعني وكأنها توافق على مايدور في كهفي السري , حسنا قد اذهب الى الجامعة , رأيت في نظراتها اقتناعا , ولكن ماذا سأدرس , كان ابي يحلم بأن اكون محاميا , ذهب مرة الى المحكمة ليحضر شهادة صديق له ورأى المحامي يترافع , كان يتحدث بطلاقة ويحرك يديه على نحو انيق وكأنه ساحر يبهر مشاهديه , كان الجميع ينصتون .

 

أمرني الجندي عند البوابة ان اترجل من السيارة وان اسجل اسمي والغرض من الزيارة , نظر نحوي باستغراب وانا اسجل رغبتي بمقابلة قائد الفيلق , قال ولكنه لايستقبل احدا نحن في حرب , قلت من اجل الحرب اريد مقابلته ويمكنك ان تتصل بالضابط الخفر لتعلمه اني ممثل حركة التجمع الديمقراطي في الموصل , قال الضابط ليدخل , جلست على كرسي منفصل في الصالة , قال الضابط من هو مسؤول الحركة , حسنا ولماذا تطلب المقابلة ؟ , قال القائد على جهاز موضوع على المنضدة  ليدخل .

 

لم اشعر بالخوف وانا ارى كل تلك النجوم الذهبية والنياشين على صدره , كان طويل القامة في عينية نظرة حزينة ربما بسبب القهر الذي يعانيه وهو حبيس في المقر , كان هادئا الى الحد الذي جعلني افكر انه قد يختفي بأبة لحظة بسبب الفراغ الذي ولدته أ لأحداث  , انه يذوب ببطئ ,

قال بصوت عميق رنينه مكتوم : اتفهم مشاعركم وقد استلمت طلبات من جهات شعبية اخرى للأجتماع والتداول , حسنا يمكنكم الحضور غدا الساعة الثالثة , كم عددكم؟

 

قمت بعملية احصاء سريعة ولكني لم اتوصل الى قرار

 

: نحن ثمانية من مختلف شراح المجتمع في الموصل

 

: حسنا , يمكنك اخذ التصريح من السكرتير

 

قال اشرف : لقد نجحت , انت ألان وجه سياسي معروف

 

قال رياض : الأحداث تخلق قادتها

 

قال فوزي : علينا ان نتحرك بسرعة ويجب معرفة نتائج مشاورات الشيخ هادي

 

مساء كنّا في حالة اجتماع مفتوح , جاء الشيخ هادي ليخبرنا ان العشائر في الجزيرة توافق على تفادي الحرب مادمنا لا نملك خيارا افضل , وقالت تماضر انها تستطيع ان

تؤكد ان ثلاث منظمات نسوية توافق على اجراء مباحثات مباشرة مع الأمريكين حيث ترابط قطعاتهم على حدود المدينة , كانت نقابة المعلمين قد امتنعت عن اعطاء رأي بسبب ان ألأمين العام في بغداد .

 

كانت ألأخبار القادمة من بغداد مؤلمة فقد دخلت الدبابات الأمريكية قلب العاصمة وانها رت كلية مقاومة الجيش وذابت القطعات الجرارة كحلم مجنون بالغ العنفوان واتسعت مساحات الحقدوالجريمة وبدأعصر الدماء المستباحة مجانا , ان الله لايكلف نفساالا وسعها ولكننا كلفنا في هذا الزمن تحمل شقاء الموت وتعاسة الحب , في عيوننا ونحن نستمع الى الأخبار كانت ظلمات تسد منافذ الأمل .

 

قال فوزي : لنتحرك بسرعة , سنذهب الى الموعد

 

ثانية تشدني روح القيادة الفاعلة عند فوزي

 

كان اللقاء حزينا وفي غرفة القائد سبقننا مجموعة من ممثلي الجمعيات والأحزاب وبعد مداولات قصيرة ومحبطة تم الآتفاق على ان نقوم بزيارة قائد القطعات ألأمريكية لترتيب امر دخولها الموصل دون مقاومة اوقتال , تكلم القائد بصوت مليئ بالمرارة , هل رأيتم عسكريا مخذولا؟

 

وافق ألأمريكي, الذي كان يتكلم بهدوء موحيا انه لايكترث للموقف بجملته فالحرب انتهت بسقوط بغداد وان استسلام قائد الفيلق واعيان المدينة هو تحصيل حاصل ويجب عدم ألأختباء وراء المشاعر , والوطنيه هي صيانة البلد وبنائه, بدأ يظهر ودا واضحا ليخفف عنا , كنت اول مرة في حياتي اشاهد امريكيا , كان فوزي يقوم بالترجمة , لاحظت ان هناك فرق واضح في اللهجة , قال فوزي لاحقا , لقد تعلمت في ويلز حيث اللغة ملتوية في نطقها.

 

دخلت القطعات الأمريكية ترافقها بعض قوات البيشمركة الكردية ومجموعة من المترجمين لتحتل مركز المحافظة ولتعلن عن تعيين محافظ من الذين دخلوا العراق معهم وتنصب سيدة كردية ممثلة للأدارة المحتلة , قال الشيخ هادي هذه اولى الخطوات في الأتجاه الخاطئ , تقودنا امرأة ؟؟!!

 

قالت تماضر : شيخ هادي نحن في التجمع لانفرق بين المرأة والرجل في تولي المسؤولية ولكني معك ان الأمر محرج في الموصل حيث القناعات لازالت تعاني من سيطرة التراث وذيول الحملة الأيمانية !

 

في اليوم التالي شوهدت الدبابات ألأمريكية على مفترقات الطرق وفي وسط المدينة , قال ابي , تبارك الله اننا نخطوا الى مقدمات القيامة , كيف سيستطيع غرباء حماية المدينة .

 

في بناية شعبة لحزب البعث استقرت حركة التجمع , ازيلت كل التسميات والشعارات السابقة ورفعت بديلا عنها لافتة كبيرة باسم الحركة ووزعت الغرف على فعاليات التنظيم , كان فوزي يدور طوال النهار يبشر بافكار الحركة ويدعو اصدقائه ومعارفه لزيارة المقر ويشرف على طبع البيانات ويترأس الندوات مساء , كلفني بأن استطلع آراء الناس واجمع وجهات النظر واراقب الأحداث , في الغرفة المخصصة للحركة النسوية كانت تماضر تجيب عن ألأسئلة فيما تقوم وداد باعداد الغرفة وتنظيفها , قال جرجيس , ولكن متى يأتي دوري , هل ستعدون لحفلة ؟ , أشرف كان يقوم بمراجعة لغوية للبيانات , كنا نؤمن اننا سنستطيع توجية الأمور في المدينة بمدة قياسية , ولكن ما حدث كان ابعد من تصوراتنا واكبر من قناعاتنا , بدت المدينة صباح السادس عشر من نيسان وكأنها على موعد مع مس من الشيطان , منذ الصباح الباكر كانت جماعات تعمل على خلق الفوضى ونشر الخراب في كل مكان , كانت ألأحداث تتسارع وكأن شيطانا مجنونا يدفع المدينة باصرار ماكر نحو مستنقع بربري متعطش لمزيد من الدماء و الخراب , كنت في المقهى , على الناصية عند تقاطع شارع الداوسة بشارع نينوى كانت دبابة امريكية يدور فوقها رشاش ثقيل وعلى مقربة منها بضعة جنود وعدد من رجال البشمركة , لم يبدو عليهم الأهتمام بما يدور , بدأت الجماعات التي تحكمها هسترية وكأنها في مشهد معزول تحطم واجهات المحال التجارية وتدمر المحتويات على نحو عبثي , صعدت فرق منهم الى مكاتب الأطباء وانتشرت في الشارع قطع ألأثاث والمعدات الطبية , كان الجنود يتطلعون ببلاهة , قال رجل كان الى جانبي , زخة رصاص في الهواء وسيتوقف الجميع , قال شاب يرتشف شايه بهدوء , لن يتدخلوا انهم يراقبون تفريغ شحنة الثأر وتجاوز عقدة الخوف ! قال رياض كنا نتمنى ان لا يسقط النظام بفعل ثورة شعبية لأن الثمن سيكون باهضا , وانا اتطلع الى مايحدث في المدينة التي تعيش زمن بدء العاصفة فكرت بالثمن الذي يتوجب دفعه , هتف بضعة شباب مسلحين بالعصي , لقد فتحوا البنك ! كان لابد ان اتابع المشهد , باب مصرف الرافدين مشرعة وفي الداخل مجموعة تعمل على كسر ألأقفال الداخلية وتعالج الخزانة الحديدية المرصوفة الى الحائط , صرخ رجل اصلع هبطت كوفيته على كتفيه ورفع اكمام قميصه الى اعلى , ليتراجع الجميع , لن نضيع الوقت بهذه السفاسف , سننسف (القاصة ) , دوى انفجار صاخب وتناثرت قطع ألأسمنت والآجر فيما اندفع العشرات الى الطابق الأسفل كأعصار فقد مركزه يضرب بكل اتجاه , اي زمن هذا ! وكيف سنسمي الأشياء والأماكن والبشر , قال فوزي , قد نغير معاني الكلمات , هكذا هي التحولات الكبرى في التاريخ ! لم اعلق , كنت اتابع المشهد , ظهرت اولا رزم من الدنانير من فئات مختلفة , كانت الرزم مرصوفة بعناية ومضغوطة الى بعضها لتأخذ اقل حجم ممكن , بدأوا بفك الرزم ونشر العملة الورقية في الشارع  لترسم صورا سريالية على الشارع الأسفلتي ولتتطاير مختبئة في جوانب الرصيف ألأسمنتي أو جدران المحال المغلقة لاعنة ألأقدار القادمة من عمق الظلمة والرحم السري للتاريخ , لقد قبلت السقوط المدوي لها لكونها بقيت تلاقي قليلا من دفئ الأيدي وحرارة الرغبة في احتوائها أما ان يدفعها زمن ألأنحطاط ان تكنس الشارع فهذا ما يشعرها بالهوان وتبحث عن مكان تلوذ به , تطلع الجندي ألأمريكي بشئ من الفضول ولكنه لم يتحرك , قال رجل في الستين خمنت انه لايرغب بحلاقة شعر رأسه الرصاصي وانه معجب بحواجبه الكثة وشعرها المتنافر , انهم يبحثون عن الذهب , لقد سقطت العملة !

 

تقدمت بضع سيارات تتقدمها احدى سيارات الشرطة , المحافظ الجديد يستشرف ألأمر , توقف الجميع عن الحركة وتجمد المشهد , قال المحافظ , اغلقوا ابواب المصرف , وعلى ألأخوة مغادرة المكان , سنرسل فرقة لجمع الحطام والمخلفات , ذاب الجمع كقطرات المطر في يوم دافئ ومشمس تركوا فقط آثار ألأعمال التي مارسوها بهوس مجنون ولكنه بالغ التفاهة تماما كمطر الصيف الذي لايترك الا رائحة التراب

 

كان المحافظ الذي دخل المدينة مع القوات الأمريكية يحتفظ بوجاهة البرجوازية في بلدان العالم الثالث , كرش كبير وصوت جهوري زاعق ونظرة استهانة تحمل ملامح قوية لتربية قاسية ولكنها غير سوية , لم يكن وجهه مغضنا , كان املسا يعطي انطباعا بوقاحة سوقية , لم افهم ماقاله بألأنكليزية للجندي الأمريكي الذي لم يرد عليه

 بدا على المحافظ شيئا من الأرتباك والحيرة ولكنه تمالك نفسه ملتفتا الى المجموعة المسلحة التي كانت ترافقه.

 

: ليعمل الجميع على رفع الحطام

 

دخل في بناية المصرف واغلق الباب خلفه بهدوء في حين وقف ثلاثة مسلحين ببنادق رشاشة عند الباب , شعرت ان امرا ما يحاول ان يرتبه فهل سيتفهم عمليات النهب ليضفي عليها حماية رسمية , كان فوزي يردد وهو يسمع بنبأ تعيين المحافظ , لا , هذا تجاوز لن يستمر , الرجل ليس فوق الشبهات كما انه ليس من المدينة , في الموصل تعودنا ان يكون الحاكم من المدينة ولم يحصل ان جاءها حاكم مستورد , هل ستستمر سلسلة ألأخطاء ألأمريكية

 

قال فوزي : انت واشرف عليكما ان تحضرا غدا الساعة الثامنة الى مقر الحركة وارجو ان تؤمن اخبار اشرف ,لدينا امور مهمة يجب التداول بها على اضيق نطاق قبل ان نطرحها على الحركة

 

لم استفسر عن تلك ألأمور فقد تعلمت الا اطالب بايضاحات  بعد ان اصبح فوزي وباسنمرار على درجة عالية من المشغولية

عدنا ثانية الى مبنى الحركة

عند المدخل استوقفنا ثلاثة حراس مسلحين ببنادق كلاشنكوف

 

 

: الى اين ؟

 

: نحن من اعضاء الحركة !

 

: اهلا بكما ولكن هل تحملان تخويلا بالدخول ؟

 

كان الموضوع ملفتا على نحو اصابنا بالذهول

 

قال أشرف : حسنا هل ألأستاذ فوزي بالداخل ؟

قال الحارس :نعم

 

: اخبره اذا ان اشرف وسمير عند الباب

 

: حسنا يمكنكما ألأنتظار

 

جاء فوزي يعتذر وقال الحارس : انا آسف !

 

قال فوزي : لابأس لقد تطورت ألأمور بسرعة أرجو ان تتفهما الوضع وبالطبع لن يتكرر ألأمر

 

تبعناه دون تعليق , في الغرفة المخصصة لأمين الحركة جلسنا نترقب شرحا عن التطورات

قال فوزي : تعلمان ان الحركة قد حققت حضورا في الساحة السياسية في المدينة ولهذا فقد استدعيت الى المحافظة عصر امس وقد تحدثت معي السيدة ممثلة الأدارة ألأمريكية بصراحة وقدمت لنا مساعدة مالية لدعم نشاطات الحركة وطلبت ان نقوم بتعيين عناصر لحراسة المقر وبعض الموظفين للعمل الأداري وان نحاول تكثيف نشاطنا الجماهيري واعتقد اننا بحاجة الى سيارة للتنقلات والى دراجة بخارية للأخ سمير لأنه سيكون مضطرا للكثير من الحركة

 

شعرت بشيء من ألأرباك حينما تطلع اشرف نحوي متسائلا وكأني اسبح في عوالم ملونة دونما تناغم وأن أرضية المكان عارية الا من صقيع يبعث القشعريرة , وحين مضى فوزي يشرح المبررات كنت اواصل السباحة غاطسا رأسي في مياه هلامية تنبعث منها رائحة الخراب وأني اختنق لتعذر التنفس

 

عند البوابة الرئيسة كانت وداد يستوقفها الحرس , عيناها ودودتان وعلى خديها تركت نسائم الصباح الباردة حمرة مشرقة كزهو الشقّيق على الروابي المحيطة بالمدينة في شهر نيسان من كل عام

 

قال الحارس : ألأخت تقول انها معكم !

 

: نعم , دعها تدخل

 

حدقت في وجهي فيما لاح في عينيها وميض اخاذ

 

: شكرا لدي اولا ما ادو قوله لك !

 

: ولكن ليس في نيتي العودة الى المبى

: ولا انا

: هل سنسير في الشارع ؟!

: لا , سندخل مطعما على الشارع وهو يقدم افطارا من الكباب والسلطات , كنت احيانا ارتاده مع بعض فتيات القسم الداخلي

: لكن ....

: انت مدعو , دعك من الرسميات ألآن

في المطعم الصغير كان بضعة طلاب يتناولون افطارهم بصمت على طاولات خشبية مغطاة بشراشف رصاصية نظيفة وكان النادل يبتسم على نحو ذكرني ببعض لعب الأطفال التي رسمت على افواهها بقايا ضحكة ليس هناك ما يبررها , وفي الشارع العام كان عددا من الجنود الأمريكين وألأكراد يتبادلون الحديث وايديهم على بنادقهم 

 

: مادفعني الى الأصرار على اصطحابك هو الحالة الرهيبة التي كنت عليها , كان وجهك ممتقعا وعيناك زائغتان وكأنك خارج للتو من كابوس مرعب , كنت كمن يهرب من ملاحقة مميتة

: شكرا , آسف لأني سببت لك ازعاجا

: هل تود ان تحكي لي ام نؤجل ذلك الى ما بعد وجبة الكباب واثناء تناول الشاي

 

: سأحكي ولكن على شرط ان ادفع انا الحساب !

: جميل وسأحتفظ بمبادرتك هذه كذكرى !

 

بدأ مطر خفيف اخذت قطراته المتتابعة تعكس اشعة الشمس التي لازالت تتقدم في ارتفاع الواجهة العريضة للمطعم وترك الجنود محلهم ليقفوا تحت مظلة شرطي المرور وسط الساحة المعشوشبة عند التقاطع

: ماذا تستنتج من ذلك ؟

 

قالت متسائلة وهي لازالت تحدق باهتمام بالغ في عيني

 

: هل رايت مرآة صقيلة مزهوة بلمعانها حينما يصيبها شرخ ؟

 

: ها انت شاعر , كنت اعتقد انك رجل المهمات الصعبة في الحركة ولكنك تنافس حمدي الذي يصر على نظم الشعر رغم انه طالب في الهندسة !

 

شعرت بموجة سرور تداخلني من المسارب التي احدثها رد الفعل على ماسمعت

 

: اننا في حركة ديمقراطية وهذا يعني ان من حق اي منا ان تكون له قناعات وأن هذه القناعات تتشكل عبر رؤية موضوعية للواقع وبالتالي فانه ليس بالضرورة ان تكون رؤيتك متطابقة مع رؤية فوزي

 

: اتتبعك ببطئ وما افهمه اننا في تنظيم واحد ومصيرنا متعلق ببعضنا البعض وهذ يستدعي ان نتحاور قبل اية خطوة عملية

 

: هذا صحيح , وكان عليك ان تناقشه لآ ان تغضب وتترك اللقاء , لم يطلب مني ان احضر معكم على الرغم من أن هذا من حقي ولكني لن اغضب لأني اتفهم الدوافع

 

كان الشاي امامنا يبرد ومعظم الطلبة غادروا المطعم والجنود تركوا موقعهم وصوتها ينساب واثقا ينشر في روحي طعم اللوز ورائحةالنعناع , تطفو الكلمات ملونة كزهور البابنك بقلبها الأصفر الرقيق قبل ان تلامس مسمعي , ومع المطر الربيعي الذي بدأ يتسابق في الوصول الى الأرض شعرت اني احبها !!

 

: سأطلب شايا جديدا ولكن على حسابي !

 

ابتسمت برضى يلف كياني كله , التواصل الان موشى  بظل شجرة جوز متشابكة فلا المطر يهبط ولا الشمس ترشح اشعتها وليس غير تغريد هامس يتطاول على امتداد الفضاء بيننا

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

المدينة تغرق في الظلمة وابي يشتكي من عدم توفر البنزين لمضخة الماء وبائع النفط الأبيض لم يعد يدور بعربته التي يجرها حصان يعاني من العرج ويعلن عن وصوله بالضرب بقضيب حديدي على برميل النفط , علي ان اوفر البنزين من الباعة الذين انتشروا كوباء غير معروف المصدر على الطرقات الخارجية والذين اكتسبوا خبرة بوقت قياسي في مزج الماء بالبنزين , اما عند محطات التعبئة فالسيارات تشكل طابورا يمتد ويدور ملتفا وكأنه يرفض ان يعلن عن نهايته وعامل التعبئة يرفض البيع لحاملي الحاويات البلاستيكية الذين يحتاجوه لبعض الأعمال المنزلية أو كحاجتنا الى تشغيل مضخة الماء لأن هذا مخالف للقانون !

 

بعد السادسة مساء تتوقف حركة السير على الشوارع  لأن في هذا خطورة  على الرغم من الدوريات ألأمريكية , وفي ساعات الصلاة يوم الجمعة سادت ظاهرة جديدة اذ يمكن مشاهدة العشرات من ذوي اللحى والثياب البيضاء القصير يغطون رؤوسهم بكوفيات بيضاء ويبسملون بمسابح مختلفة ألألوان كأنهم طيور (السند والهند) ألتي تغزوا مدينتنا كلما حل الربيع , لم تكن تطير بخط ثابت بل تستمر بتغيير اتجاهها كل لحظة ولكن مراقبتها تثير في النفس الملل .

 

قال ابي : ان زمنا غريبا يطل علينا لم نألف مثله من قبل فحتى قنينة النفط الأبيض للأضاءة  اصبحت صعبة المنا ل ولهذا لايمكن ان اوقد (فانوسين ) حينما يهبط الليل واحد في الداخل وانا استمع الى المذياع الصغير والثاني عند الباب كما افعل عادة ,  ومن حسن الحظ ان الصيف على الأبواب وان زمن البرد قد انتهى ونأمل ان تحل هذه المشاكل خلال اشهر والا فلا يعرف الا الله مايمكن ان يحصل

 

قال الشيخ عبد الله وهو يحتسي الشاي مع ابي : لماذا لاتحضران الى صلاة الجمعة ؟ الشباب عموما هداهم الله ومن المفرح ان يكون الأيمان ظاهرة عامة.

 

كان ابي متسامحا في امور الدين ولكنه يحرص على صلاة الفجر لايعيقه برد الشتاء القارص ولاحلاوة النوم الدافئ فجرا غير انه نادرا ما يذهب الى صلاة الجمعة

 

تابع الشيخ  عبد الله وهو يتطلع نحوي بتفحص : لقد سمعت ان سمير ينشط مع جماعة سياسية ؟

 

: ليس بالضبط !

 

: ولم لا , ان هذا يعني انك تملك فكرا ورأيا والمهم هو ماذا تريد وكيف لهذا الذي تريدة ان يتحقق!

 

: حسب القناعات

 

: لاافهم!

 

تذكرت حديث وداد وهي تلخص كيف يتولد الفكر الذي كانت تسميه الوعي الذي يعطينا قناعة معينة نؤمن بها ونعمل على تحقيق اهدافها

 

: اعني ان لكل انسان قناعة معينة

 

: ولكن ماذا بشأنك , اية قناعة تولدت لديك , العمل مع ألأمريكين مثلا ؟

 

: ليس بالضرورة وانا لم اقرر بعد

 

: ياولدي لماذا تتعب نفسك وتبحث لتتوصل الى قناعة هي اصلا محددة بما خطه لنا الباري عز وجل , هل هناك افضل من احكام الدين وهل هناك قناعة افضل من الأسلام ؟

 

كنت أاجرّ الى منطقة مشوشة في ذهني  لم يكتمل بناؤها بعد

 

حينما اخبرت فوزي بزيارة الشيخ عبد الله قال بانه سيعطيني مجموعة من الكتب والكراريس التي علي ان اقرأها بجدية , وحينما تصفحت المجموعة كانت متباينة في مضامينها بعضها يتحدث عن الديمقراطية وبعضها عن ألأسلام السياسي واهمية الدين في حياة الشعوب وبعض البحوث التاريخية ومشاكل الحكم , كانت علاقتي بالحركة قد تم اصلاحها ولكن ليس على نحو متين فقد كنت قد اصبحت اكثر شكا واكثر حذرا

في المطعم الصغير قالت وداد : ها انت ترى ان المدينة ليس فيها مكانا للّقاء بين رجل وامرأة فالمقاهي للرجال والأماكن العامة اصبحت تشكل خطرا على مرتاديها والناس بدأ يظهر عليهم بوادر اضطراب عصابي ربما بسبب الخوف والذعر الذي يسيطر الآن على المدينة التي كانت تحكمها علاقات عشائرية ثابتة

 

اصبحت اكثر ادراكا أاني قد تعلقت بها واني يمكن ان اخمن أنها ترتاح الى لقائي واني استطيع ان احصل على حياة افضل لأرتبط بها , مثل هذا الحلم كان يجعلني وانا انصت اليها احلم باني في ارض تعبق برائحة زهر الرمان والقداح وان ماأ سمعه هو خرير يأتي من بعيد تسبقة زقزقة العصافير وان السماء خليط من الوان عدة يمتزج فيها الأزرق الزاهي بالأرجواني الذي تتركه الشمس وهي تجنح للغروب وان ابتسامه مشرقة تلف المكان برغم الصوت الثقيل لجنازير الدبابات ألأمريكية وهي تجتاح الشارع ألأسفلتي العريض وتوقف محطة توليد الكهرباء عن امداد المدينة بالطا قة الكهربائية واجتياح الظلام لفضاء الموصل مبكرا وشكوى ابي المستمرة من نفاذ النفط للفانوس وتوقف عمليات الري لأ لواح الخضروات لعدم وجود البنزين  , كنت سعيدا وانا المح في حديثها تشجيعا غير مباشر.

 

قالت ان اباها عامل مناجم في كبريت المشراق وان امها تساعد في تكاليف المعيشة بالخياطة للجيران وان بيتهم قطعة ارض منحت لأختها الكبرى, المعلمة في بغداد ألآن بعد زواجها , فهمت الرسالة جيدا , نقطتان هما المتبقيتان , ان امتحن خارجي نهاية العام وان التحق بالدراسة الجامعية وكلاهما في الممكن 

 

كان ابي مهموما , قال انه لايعرف المدينة اليوم ولا يعرف كيف يتعامل مع الحياة الجديدة واننا بدون اضاءة والمذياع قد انتهى عمر بطارياته والخضروات بدأت تذبل وانا غارق في السياسة !!

لم اناقشه اخذت الحاوية البلاستيكية وغالون الصفيح وعدت ثانية الى شوارع المدينة التي تصمت تماما بعد السابعة مساء

 

حين عدت كان ابي نائما , اوقدت الفانوس وشغلت مضخة الماء وادرت مؤشر المذياع على ألأذاعة المحلية لمدينة الموصل التي كانت تقدم اغنية ( فوك النخل )

 

ألأجتماع العاجل الثاني كان لمناقشة بيان الحركة الأسلامية بتشكيل فرق للمقاومة ولدراسة اسباب زيادة وتيرة العداء الشعبي لأداء المحافظ , كانت هيئة قيادة الحركة قد ارتفعت الى خمسة عشر شخصا روعي في اختيارهم التنوع لتمثيل كل الشرائح الأجتماعية في المدينة

 

لخص أشرف ببراعة الموضوعين وقدم في النهاية تصوراته الخاصة لمسار كل موضوع وبعد مناقشة طويلة اتفقنا على ان نؤمن جسور اتصال بالحركة الأسلامية التي تملك قواعد ثابتة في المدينة بسبب الدعم الذي تلقته من النظام السابق ولوجود ما سماه رياض ,  قاعدة لوجستية وآليات للدعوة والتحريض   المتمثلة بالجوامع كمكان لقاء وبالخطباء كركائز اتصال مؤثرة بالحماهير ,  و أما بالنسبة للموقف من المحافظ فقد اتفقنا على ان نقف دون تحفظ مع الموجة المطالبة بأقالته بل ذهب فوزي الى ابعد من ذلك فاقترح ان نكون عنصرا فاعلا في هذه المواجهة

 

كانت وداد تجلس في الجهة المقابلة وكنت احاول ألا احدق في عينيها لأن ذلك يصيبني بشيء ما اشبه بالدوار الخفيف الذي يقلل من قدرتي على الأستيعاب فقد كانت حواسي( حينها ) تتوجه الى عوالم حالمة ويصبح الهواء الذي يتسرب من فضاءات تلك العوالم منعشا يبعث نشوة في روحي ولكني سرعان ما اعود محاولا السيطرة على مشاعري فأركّز قدمي في الأرض بقوة أو أغرز أظافري في كفي ضاغطا بعنف على أحاسيسي كي لا تظهر على وجهي

 

: لدي ماأود اخبارك به !

 

دخلت غرفتي في مقر الحركة بعد انتهاء الأجتماع

 

: ماذا ؟

 

قالتها بعجلة , ادرك انها لاترغب ان يلحظ ألآخرون كثرة لقاءاتنا ولهذا لم ادعها تجلس .

 

: لقد وافقت المديرية العامة للتربية على ادائي امتحان (البكالوريا ) وأنا بحاجة الى منهج الدراسة الثانوية !

: مبارك !

كان صوتها  يصدح كزغرودة صادقة , صافية وعميقة

 

: والآن لابد أن اسمع التفاصيل , ولكن اولا هل اخترت العلمي ام ألأدبي؟

 

: بالطبع ألأدبي , لم اصل بعد الى اختيار العلمي !

 

: لاأعتقد ان هذا يفرق كثيرا , المهم انك قد بدأت على الطريق الصحيح , وهذا بالضبط ما قصدته عن تكوين القناعات , تتذكر , كان ذلك في المطعم وكنت اعرف ان لديك اسئلة طويلة , حسنا القناعة تتكون من الكيفية التي نربط بها ألأحداث من حولنا , لكل منا طريقته , ويمكن تغيّر القناعة بتغير التشكيل ولهذا يختلف الناس بقناعاتهم لأنه ليس بالضرورة ان تكون التشكيلات متماثلة .

 

:على الرغم من أن الموضوع لازال معقدا , الا اني ارغب ان اسمعك تتحدثين , هل سيكون هذا (مع رجائي الحار ) طلبا  ساذجا ؟!

 

توردت وجنتاها بحمرة ساحرة  في حين رفرفت عيناها بحركة متلاحقة , شعرت اني اخلق من جديد في عصف ألأحداث المدوي وفي صخب صرير (جنازير)الدبابات ألأمريكية وهي تقتلع ألأسفلت وتحت أزيز الرصاص الذي لاينقطع وهدير المظاهرات المطالبة بطرد المحافظ وظلمة الليالي  وطوابير السيارات أمام محطات تعبئة الوقود وازدياد صعوبة الحياة أمام اناس المدينة , اجد انا سمير قاسم حسن, أن آفاق مستقبل اكثر اشراقا يتجسد أمامي ليس كحلم وانما كحقيقة واني أحب ايضا!!

 

: غدا ستكون كتب المنهج عندك

 

: لقد وعدني اشرف بالمساعدة

 

: وانا ايضا مستعدة ان احتجتني

 

: لأني بحاجة الى مساعدتك فلن اطلب من اشرف ذلك !

 

ابتسمت بمودة

 

: أنت تتقدم بسرعة أرجو ان تكون اكثر حذرا !

 

: والحذر يحتاج الى التعلم ايضا فهل سيكون جزء من المنهج ؟!

 

: الى اللقاء غدا

 

0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000

 

كانت الساعة العاشرة صباحا من يوم الثلاثاء حين تركت مبنى الحركة , مطر خفيف يهبط متراخيا فالصيف على الأبواب وزهور (الشقيق ) بدأت تذبل ومن اسيجة البيوت كانت دوالي العنب المبللة اوراقها بقطرات المطر تبدو زاهية الخضرة والمدينة كأنها تعيش حالة ترقب فقد كان هدوء تترشح منه رائحة خطر غامض يلفها

أبي يحب ان يتناول (القيمر ) وربما كان هذا هو الطعام الوحيد الذي يعلن عن رغبته فيه وعلى وجه الخصوص عند الضحى بعدان يكون قد انهى جولته الصباحية في المزرعة وتأكد من ان الماء قد وصل الى كل الواح الخضروات , كنا نقسم المساحة المخصصة للخضروات الى الواح مستطيلة يرسمها ابي بخبرته بخطوط مستقيمة تبدو غاية في الجمال بعد ان ترتفع من على وجه الأرض بالوان متفاوتة بين ألأخضر الداكن اللا مع وألأخضر الفاتح الزاهي تحت اشعة شمس الربيع المتكاسلة .

كان يفرش حصيرة من ا لقصب اشتراها من سائق شاحنة يتردد على الموصل لشحن ( الرقي ) من مزارعها الى البصرة , كان يجلس مسترخيا تحت اشعة الشمس في ألأيام الباردة  متداريا من تيار الهواء الذي كان يندفع عبر دجلة من الجزيرة  بجانب الجدار الغربي , اما في ايام الصيف فقد كان يجلس الى الجدار الشرقي مستمتعا بالنسيم الخفيف الذي يمسح المزرعة ويحمل معه رائحة المزروعات , يستند الى جدار الغرفة ويحتسي شايه بتؤدة متجاوبا مع السكون العميق الذي يسود المكان , ولكنه الآن وبعد العمران الذي شهده (الكتف ) فانه يحاول ان يتشاغل بالمذياع الصغير يصغي الى أغان كثيرا ما يشتكي انه لايفهم كلامها

 

كنت في طريقي الى السوق الذي يقع امام مبنى المحافظة , بضعة صبيان كانوا يجرون وهم يصرخون يسقط المحافظ( لاالله الا الله  الله اكبر) ومن بعيد اسمع ضربا متناغما على الأرض فيما راح الذين كانوا يجلسون في المقاهي على الطريق يتركون مجالسهم ويقفون على الشارع اما اصحاب المحال التجارية فقد بدأوا بجمع حوائجهم التي كانوا يضعونها امام محلاتهم , قال رجل كان لايزال يلوك لقمة كبيرة في فمه ( هذه المرة ستكون جدية )!يبدوا ان انبياء الموصل ألأربعون قد تخلوا عنها !!

كان امام الواجهة العريضة للمحافظة  عددا من الجنود الأمريكان وبعض رجال الحماية من عشيرة المحافظ , سيتوجه السيد المحافظ بكلمة الى اهالي الموصل , قال ذلك رجل كان يقف الى جانبي , ولكن ماهي المناسبة ؟ سألت الرجل فقال انه لايدري بالضبط ولكن ربما ليرد على المطالبة بتنحيته, كان صوت مجموعة تردد وراء شخص ينادي بمكبر للصوت لا اله الا الله .... الله اكبر , ليخرج الكفار من وطننا , لا للصليبيين .... وقفت امام المحافظة سيارة اسعاف فكرت انها للطوارئ , حسنا يفعلون قلت للرجل الذي الى جانبي , انتظر , قال الرجل , صرخ صوت داخل السيارة بمكبر للصوت ايضا ( يسقط المحافظ ... لانريد حاكما مستوردا )

 

تدفقت جموع مختلفة ولكن من الواضح ان العناصر التي كانت تقود التجمع وتؤمن الحماية له وتحرض بشعارات معادية للمحافظ وللأمريكين كانت عناصر الحركة الأسلامية , قال الرجل الى جانبي , الشيخ الصميدعي ذكي وسياسي , لم اعلق ولكني تذكرت ان الشيخ عبد الله اشار اليه عرضا عند زيارته لنا في البيت , عاودتني ذكريات متقطعة كغمامة صيف منفرة استفردت بها ريح جافة فهي تتوزع وتذوب , كانت الهتافات تتعالى وكانت ألأصوات تزداد عنفوانا وغضبا وبدأت بوادر حركات عدوانية تسود الحشد حينما ظهر المحافظ , كان ممتلأ تتقدمه بطن منفوخة وعريضة كأنها تتوسع الى الخارج , يداه قصيرتان ورأسه ألأصلع ككرة لعبة السلة فيما كانت عيناه نافرتين تعكسان رغبة محمومة في سحق كل هذا الحشد , في الحشد لم يكن هناك اي امرأة , كان حشدا ذكوريا فالحرب ليست من اختصاص النساء , قال الرجل الذي سألني , هل تعرفني ؟ لا ! قلت له فرد ولكني اعرفك فقد كنت اشاهدك تلصق بيانات حركة التجمع في الشوارع وعند ألأسواق, لم أرد , كان المحافظ قد بدأ بالحديث

 

: ايها ألأخوة لقد جئنا مع اصدقائنا ألأمريكين لتخليص الشعب العراقي من الديكتاتورية

والفساد وانني قد وافقت على تولي هذا المنصب بناء على مطالبة ألأخوة وألأصدقاء من أهالي هذه المدينة العظيمة للمساهمة معكم في بناء دولة  الديمقراطية و الرخاء والسلم الأجتماعي

 

: كاذب

صرخ الصوت المختفي في سيارة الأسعاف

: الى جهنم , ان الله عليم بالمفسدين

 

صرخ رجل وسط الزحام الذي بدأ بالتدافع نحو المحافظ

 

الصبية في الساحة لم يكونوا ملائكة طيبين ,كانوا ذئابا لئيمة , وهم يخرجون السنتهم ويصدرون اصواتا  نشازا ويحركون ايديهم بطريقة بذيئة ويلوحون بقبضاتهم الممسكة بحجر

 

صرخ المحافظ بصوت مجلجل مليئ بالغضب والأستنكار

: ان حفنة من الرعاع لن تجعلني انهزم , انتم تعرفوني فأنا مقاتل عنيد وعنيد جدا!

 

تقدم شاب بلحية كثة يرتدي ثوب قصير وفي يده حجر رشق به المحافظ بسرعة لم تتركك مجالا لرجال الحماية لمنعه من الوصول الى الجبهة العريضة للمحافظ , انبثق شلال صغير من الدم

فتراجع المحافظ مرتبكا واطلق رجال حمايته عيارات نارية من اسلحة رشاشة فوق رؤوس المحتجين وبالمقابل اطلق بعض المحتجين الرصاص باتجاه الحرس الأمريكي الذين ركبتهم شياطين خرساء مهتاجة فحصدوا بضعة افراد وجرح العشرات فيما لاذ البقية بالفرار وخلت الساحة الا من جثث القتلى وانين الجرحى الذين لم يسحبهم احد من الساحة

 

كان ابي بجلس على حصيرة القصب ويبدو انه ايقن اني لن احضر له (القيمر ) فقد كان يتناول شايه ألأسود وهو يتطلع نحو الواح الخضروات

 

: ماذا حصل , لقد سمعت اطلاق النار؟

: مصادمات مع المعترضين على المحافظ

: الكهرباء توقفت والبنزين اختفى من محطات الوقود فعلام يحافظ ؟

: ربما على مصادر رزقه!

 

كان الليل فوق دجلة اشد ظلاما وصفحة السماء داكنة حتى كأن لم يعبرها قمر او تزهو بها نجوم والمدينة يجتاحها سكون عميق مترقب ورائحة الموت تنتشر في الشوارع والساحات والأزقة مختلطة بفحيح ألأشاعات وتحرك أشباح تخفق ثيابهم وهم يدورون في المدينة من بيت الى بيت ومن جامع الى مسجد وفجرا ينطلق الأذان ويعقبه دعاء تحريضي بموت الصليبيين والغرباء , ماذا يحدث ؟ قال فوزي ان الفساد ألأداري المستشري يساعد على خلق اجواء معادية وان الحركات والأحزاب المؤمنة بالديمقراطية في ورطة حقيقية , قال ابي , كنت صغيرا يوم قتل الملك ولكن امي قالت ان الله سينتقم من العراقيين له فهو شهيد !

قال رياض الذي اصبح الناطق باسم الحركة : نحن مدعوون الى اجتماع هام مع قوى سياسية متعددة من بينها ضباط في الجيش السابق لترتيب وفد لمقابلة ألأدارة المدنية

جرت الأمور بسرعة ووافقت ألأدارة ألأمريكية على طلب تنحية المحافظ وقال الجنرال ألأمريكي

 

: لقد توجه الى مكتب المحافظ قبل يوم من وصولنا، وشكل مجلس مدينة يضم حشدا من محسوبيه. كما قدم نفسه على انه صاحب القرار، وحينئذ اندلعت الأزمة ولهذا نحن نعتذر لأننا لم نعالج ألأمر على نحو مستعجل

 

قال اشرف : مبروك , انت ألان خريج الدراسة الثانوية!

ابتسمت وداد بعفوية

قلت : اشكركم وعلى وجه الخصوص ألآنسة وداد

قال اشرف : يعني نحن خارج اللعبة ! وغمز بعينه

تورد وجه وداد

قلت : سأذهب الى مديرية التربية للتأكد ولأشتري لكم علبة حلويات

قال اشرف : كيك وبالكريم لأنك لن تنجح ثانية بالثانوية !

قالت وداد : غدا , الكيك مهمتي !

دخل فوزي مستفسر ا , بارك لسمير قالت وداد , مبروك , ولكن لماذا , لقد نجح في امتحان البكالوريا ومهمتك ألآن ان تؤمن له مكانا في كلية القانون, ولماذا القانون؟قال اشرف , لأنه يتمتع بقدرة على ألأقناع ,  غمز بعينة متخابثا , شعرت بخليط من الغرور والخجل , قال فوزي عميد الكلية زميلي , امّنا قيادة  التنظيم الطلابي في الجامعة , هيئ اوراقك واترك الباقي على اخيك !

 

وضعنا المالي في الحركة قد تحسن , اشترى فوزي سيارة صغيرة لتنقلاته وسيارة باص صغير لنقل الضيوف او وفود الحركة الى اللقاءا ت مع الأحزاب والقوى السياسية في المدينة وتم شراء دراجة بخارية لأستخدامي في المهام الخاصة بالحركة ولأستعمالها في مشاويري من والى المقر ولكن بالمقابل كان جريان الزمن في المدينة خارج الضفاف وكأنه مقدمات الفيضان الذي لن يكون قطعا جزء من تأملاتنا ونحن نحلم بالمدينة الخضراء وبالناس الذين وجوههم طيبة حد السذاجة  تتسرب الى ارواحهم رياح الحب الدافئة , تيارات شتى تعمل على توتر العلاقة بين الناس مختلقة اسباب اختلاف ومفعّلة بشكل عدائي ألأختلافات العرقية والدينية وهي بالطبع كثيرة في مدينتنا , لم تعد المدينة تحلم بالحب في ليالي الصيف وانما تنشغل في السهر على البحث عن اساليب جديدة لخلق المزيد من التوتر , في الصباح تنتشر عناصر ملثمة تقطع الجسور الخمسة وتنعزل الضفة عن الضفة ويسمع عادة صوت الرصاص وكأنه تعبير غير ملتبس عن الرغبة في التدمير , في ألأزقة الضيقة وفي البيوت المتلاصقة في الأحياء الشعبية وفي المزارع تتراكض انواع جديدة من الفئران وعلى امتداد البرك التي تركتها الأقسام البلدية في المنخفضات وفي جوانب الشوارع كان جيل جديد من البعوض لم نعرفه من قبل , طنينه لايترك مجالا للأطمئنان بانه يمكن ان نجنب أطفال المدينة امراضا لايتوفر لها العلاج وعيادات الأطباء والصيدليات خالية من ألأدوية , ورغم ذلك فان الشباب الملتحين أو الملثمين كانوا يطاردون الفتيات السافرات على قلتهن في المدينة بحجة انهن يمثلن سقوطا يشجعه الصليبيين , قالت وداد , من هؤلاء؟ قال فوزي فتشوهم ستجدون انهم شهود الزور في هذا الزمن !

 

 كنت اعيش عمق التناقضات وتبدو الصورة امامي  مشوشة وفي الجامعة حين بدأت انشط من اجل توسيع قاعدة الحركة اصدمت بعدد من التنظيمات الطلابية ذات القاعدة التاريخية في الجامعة أو العناصر المسلحة بافكار اكثر بساطة واشد لمعانا ولا تحتاج الى كبير عناء في طرحها , نحن ندعو الى كتاب الله , قال عبد السلام وهو يمسح ببطئ على لحيته التي نبتت حديثا, ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى  حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير , المصلى في نادي الكلية كان مكان الدعاية والتحريض وكسب الأنصار ايضا وفي الحدائق المحيطة بالكلية منع الشبوعيون من التجوال بمجاميع تزيد عن اثنين ولهذا تعاونوا مع الأكراد ليؤمنوا الحماية .

 

سماء الموصل تتطلع بحزن عميق ودجلة مستسلم يجري بهدوء , لون الماء رصاصيا باهتا ورائحة غريبة تعبر السهول التي بدأت تجف حشائشها , قالت وداد اشعر اني منقبضة ! الكلية وفرت لنا مكانا اضافيا للقاء لنتحدث بكل شيء ولكن ليس عن مشاعرنا , قالت لم تحدثني عن نفسك, قلت ليس في حياتي الكثير ولكن تغيير النظام وانطلاق الحركات السياسية جائني بالكثير فقد تغير مجرى حياتي , لم اقل لها اني احببتك ! قلت ابي يملك مزرعة على كتف دجلة , ولهذا فاننا اثرياء مع وقف التنفيذ , ضحكت واشعر كلما انطلقت اساريرها بأني أفوز بنقطة اضافية , حسنا حين انهي الكلية سنبيع المزرعة وسنبدأ حياة جديدة , من يدري قد ارشح لوظيفة كبيرة , الحركة تتوسع ونفوذنا يزداد والوظائف توزع على اساس المشاركة , بالطبع ليس ألأشتراكية فالزمن القادم هو زمن العولمة والديمقراطية وشهود الزور لن يحولوا المجرى , قد يؤخروا ألأحداث .

 

قال فوزي : يجب الأنتباه فقد بدأت حركة تصفيات جسدية والجماعة انتقلوا الى مرحلة جديدة بالغة الخطورة!

 

أبي بدا قلقا وانا اعود مساء قال : هل سمعت ؟

: ماذا ؟

: سيارة ملغومة انفجرت في السوق عند مدخل الجسر, في الموصل قد تقع نزاعات عشائرية ولكن القتل المجاني لم نعرفه , كيف يجرؤ موصلي على قتل اناس لايعرفهم وليس بينه وبينهم عداء مباشر ؟!!

: حين تغيب الرؤية , حين يهرب القمر من السماء بسبب اصوات القرع على الصفيح , ياحوتة يامنحوته هدّي قمرنا العالي , وحين تهرول الأشباح ليلا الى المسجد وليس وقت أذان فأن هذا يعني ان القتل تطهير للمجتمع ومن قتل مظلوما فجزاؤه الجنة اما المجرمون فخزي في الدنيا وألآخرة !

 

قال ابي : لم افهمك , منذ التحقت بالكلية اصبح من الصعب علي متابعتك , ارجو ان تكون اكثر وضوحا !

: نعم هذا صحيح ولكن في المرة القادمة

 

: نسيت ان اقول لك اني حاولت عصرا ان اذهب الى المهندس الزراعي (شهاب ) انت تعرفه لشراء بعض المبيدات التي يخزنها في بيته لتعذر قيامه بفتح محله التجاري , هل تدري ماذا قال سائق الأجرة؟

 

: طبعا لا !

 

: قال انه لايرغب في دخول حي الموت !!

 

 

قالت وداد : سأقرأ لك بضعة ابيات من ملحمة كلكامش هذا الجد الذي عاش مثلنا هنا في نينوى,


" أخبرني يا صديقي عن أحوال العالم الأسفل الذي رأيت"
أجابه صديقه أنكيدو :-
" لن أقص عليك أخبار العالم الأسفل يا صديقي
وإذا كان لا بد من إخبارك فعليك أن تجلس وتبكي"
فأجابه كلكامش: " سأجلس وأبكي

 

لاحت في عينيها غيوم متقطعة وتابعت : هل سنجلس ونبكي على وطننا؟!!

 

كان اشرف يصر ان اذهب معه الى اجتماع بعض شيوخ العشائر في قرية قصر ريان للتبرك بمقام الشيخ الصالح ابي احمد عبد الله بن المثتى ولبحث مستجدات الواقع السياسي ولحث الشيوخ على مساندة الحكم الجديد , كان اشرف قد تولى رئاسة تحرير جريدة الحركة (نينوى اليوم ) والتي  كنت اشرف فيها على صفحة صوت الطلبة في حين تولت تماضر شؤون المرأة ووداد شؤون الشباب , كان الأجتماع صاخبا وتشعبت المناقشات وفي النهاية لم يكن هناك من شيء محدد يمكن الركون اليه  ولم يشفع لنا الشيخ الصالح  , ظل الحوار يصطدم بجدران زجاجية ملتوية  ,ثم ينزلق ليضيع في  فضاءات بالغة العتمة!.

 

عدنا ليلا وقد حاولت ان أقتع اشرف بمبيتنا حتى فجر الغد ولكنه رفض , كان معه تصريحا من ألأدارة ألأمريكية بالتجول وملاحظة الى من يعنيه ألأمر بتقديم المعونة في نقطة التفتيش على الطريق السريع استغرب الضابط الأمريكي سيرنا ليلا ولكنه سمح لنا بالمرور

 

كانت ليلة هواؤها منعش يهب من الجبال الشرقية ويعبر الوديان التي لازالت رائحة النباتات البرية تبعث في النفس شعورا بالأسترخاء فيما يمتد الصمت متجاوزا مفاصل الليل لايقطعه الا اصوات الجنادب تنادي ربما للتجمع لتبحث ماذا ستفعل بهذه الحرية الزائدة في كثافة الصمت وامام حركات النجوم وهي تتبارز في فضاء السماء اللامتناهي

 

فكرت بفوزي الذي كان يقول , لقد قضيت ست سنوات قي انكلترا لم اشاهد ليلا قتال النجوم ولم تحاول الشياطين ان تعرج الى السماء اذ يبدو انها تصالحت مع البشر اما في بلاد النور والحضارة والشمس التي لاتغيب عنها فان تراب الطريق يخاصم الحجر واذا لم يجد احدنا من يخاصمه سيخاصم نفسه , نحن نعيش ثقافة الخطيئة!!

 

 

رن الهاتف النقال مع اشرف , كان رياض , في الظلمة لم اتبين ملامح اشرف ولكني سمعت الصوت المتهدج والرنين ألآسف والصمت الذي امتد الى روحه , ارتجت السيارة وتوقف اشرف عن القيادة

 

: لقد اغتالوا المحافظ الجديد !

 

: في الموصل!

 

: يقول رياض ان عملية الأغتيال تمت في (تلول بيجي ) وبالطبع فقد وصف الحادث بانه من فعل مسلحين مجهولين !

 
اية رياح تهب على العراق ومن اية جزر منسية هبطت علينا نذر الشؤم وكيف تسرب كل هذا الجنون الى مدننا وكيف تتخلى انبياء نينوى عن رعاياهم مديرة ظهورها الى هذه الأرض التي احتفظت لهم دائما بالتبجيل وألأحترام وجعلت من قبورهم مزارات للتطهر والعودة الى روح المحبة والتسامح .... كنا ونحن صغار نهزج في خصوماتنا التي لاتنتهي ((نحن اهل النبي ....والذي يقشعنا يختبي )) كان ذلك النبي( شيت) ولكنه اليوم يتركنا للأشباح التي تتأبط الموت والخراب

 

نزلنا من السيارة ,لم نتبادل حديثا كان الصمت مؤلما وكأننا في مكانين منعزلين , من بعيد كانت الجبال الشرقية كتلا سوداء مثقلة بهم السنين وشجن البعد وغرب الطريق كان واديا حجريا ينحدر حادا يكشف عن قسوة الأرض حين تكره البشر.

 

ثانية كان صوت محرك السيارة يمزق سكون هذه العزلة الموحشة , ونحن نقترب من المدينة كانت اصوات زخات من الرصاص تنطلق بشكل مستمر , اتصل اشرف برياض , حسنا الوضع خطير والمسلحون يقطعون الجسور وقوات ألأمن والأمريكان يحاولون اعادة السيطره على المنطقة واعادة الأتصال بين الضفتين ¸في الصباح تم فتح ثلاثة جسور , لم ننم ليلتها , بقينا في السيارة خارج نقاط المواجهة على الرغم من استشعارنا بالخطر , توجهنا الى مزرعتنا , لم يعلق ابي , كان هو ألآخر قلقا ولم يستطع النوم , قال اشرف عليك ان تشتري جهازي موبايل , لك وللعم , فكر بقلقه , فكرت ايضا وللمرة الأولى كم هي متواضعة غرفة نومي , سرير حديدي واحد لم يوافق اشرف على النوم عليه وبالطبع لم أوافق أنا , نمنا على ألأرض فقد كنا متعبين .
 

-------------

 

الفصل السادس

 

 

 

ما ان يحل المساء حتى تغرق المدينة في الظلام ويعود اصحاب السيارات الذين لم يسعفهم الحظ بالحصول على بضعة لترات من البنزين الى بيوتهم حالمين بالحصول على الوقود لسياراتهم في اليوم التالي ويلملم الباعة على ناصية الشوارع حاوياتهم البلاستيكية من البنزين المغشوش بالماء اما اصحاب المولدات الكهربائية اللذين يجهزون البيوت بالتيار الكهربائي والذين يصعدون بالأسعار ببطئ ولكن باصراروفقا لقوانين السوق الجديدة ,   فيتولون الحراسة المسلحة لأجهزتهم, في حين تشاهد خيالات لأشباح بدون ملامح تتخفى في  منحنيات الطرق وظلمة ألأزقة , تسمع رشقات من رشاشات او بنادق الكلاشنكوف تخترق السكون المشحون بالتوتر وتتناثر الأشاعات في كل زاوية عن استهداف الشرائح المتعلمة من المدينة وعلى نحو منهجي منظم , ألأطباء ,اساتذة الجامعة , الرياضيين .

 

في هذا الخضم المليئ بالفوضى والجنون وروح الخراب التي تنشر ملامح وحشية على وجه المدينة قال فوزي

: علينا ان نخرج بمواقف مناهضة ومجنونة بحب الحياة , ان نرفع مصباح الضوء ليكشف ألأشباح المتسللة الى عمق حياتنا

 

: كيف ؟ قال رياض

 

: ان نحتفل بذكرى الموسيقار الموصلي المبدع (زكي ابراهيم ) وان يكون هذا ألأحتفاء بصرح موصلي (صالون نينوى ألثقافي ), يجب ان لانسمح ان يكون عنوان زمننا هو هذا الخراب ,هذا الهذيان الجنوني الذي لاينفك يسمعنا اياه شيوخ الأشباح

 

: قال اشرف : سأبحث عن جرجيس فهو أ فضل من سمعته يغني ( ياقرة العين )

 

كان الحفل رائعا غنى فيه جرجيس من سويداء قلبه واعاد ذكريات الزمن الوردي وكان الفولكلور الموصلي قد اعاد تشكيل الأمل الذي نثرته وحشية الأشباح المسلحة واشرقت وجوه الحاضرين كشموس صغيرة تعيد الدفئ في زوايا الحياة التي غزتها الظلمة , كرر الحاضرون طلبهم باعادة ( كشك وعدس ما أحبو ) ومع( كبرت بان ) بدا وكأن ستارة قد اسدلت على احزان الحاضر لتسمح بشيء من الترويح  ولتختفي صور البشاعة اليومية للتفجيرات العشوائية , اية مفارقة يعيشها انساننا , بعد الجسور الجاثمة على دجلة كقدر تقرر بأرادة تملك قوة مطلقة تقف ألأشباح , التي تعشق دكنة الظلال, متربصة في عمق الظلمة لتطلق النار على كل ما يتحرك مسلحة بتفويض هو الآخر مطلق يضمن الجنة بنسبة تتوافق وعدد الضحايا , وهنا في هذا ألأحتفال تنطلق النفوس رضية يجمعها تآلف حميمي مشترك يتخطى المخابئ الحجرية التي تنز برياح الموت وينطلق بحنين ألأيمان بالحياة وحيث الشمس تغمر الكون بضوء يمتد حتى خفايا الروح

 

ظل فوزي يشعر بنشوة غامرة لنجاح الأحتفال ولأنه خلق بالضد حالة جديدة من التفاعل مع الحياة وألتحدي وفي العدد الجديد من جريدتنا ( نينوى اليوم ) كتب مقالا موسعا حول الموضوع وفي النهاية قال ( نحن النور والهواء وانتم الخراب والظلام , نحن الأمل للأنسان وانتم هذيان الجنون )

 

قلت لوداد : لدي ما اريد قوله وكم اشعر بالرغبة في أن تطّلعي عليه قبل ان اسلمه لأشرف ؟!

بدت جادة وهي تقرأ

 

: رائع ! يمكن القول ان صحفيا حقيقيا قد باشر عمله!

 

كنت اشرف على صفحة الطلبة من الناحية السياسية واعلق احيانا ببضع عبارات وقد اشطب على بعض المقالات التي تصلنا ولكني لم اكن افكر بالكتابة في الصفحات الأولى , كانت وداد مندهشة حقا , هذه الروح هي التي نحتاج ان تسود ,كررت ذلك امام رياض , من هذا الركام تعود الروح العراقية , البحث هو جوهر الأشياء وسنجد ان في اعماقنا , خلف شلال الدم وركام الخراب ورائحة الموت لاتزال هناك ارادة في البناء وكنس كل هذا الحطام ونشر الضوء في كل الأمكنة بحيث لن تجد الأشباح مكانا للأختباء , سننهي هذا لزمن لأنه زمن يحمل فناءه وسنبني ثانية الزمن المشرق زهوا والذي ينبض بحب الحياة

 

استغربت لأن ابي لم يبدي ردة الفعل التي توقعتها وانا اعرض عليه ان نعيد بناء البيت

قال: متى ستباشر ذلك ؟

 قلت: هذا يتوقف على توفر المال الكافي وبالطبع بعد تحديد الكلف !

 قال : لاعليك اتفق مع مقاول معروف ولاتفكر بالكلفة !

 قلت: يبدو ان ابا سمير لديه اسراره !

 ابتسم وربت على كتفي وقال: عليك ان لا تنسى عند اعداد المخططات ان تخصص غرفتين للأطفال !

 

 قفزت أمامي صورة وداد , الأمر ألآن دخل في مساحات الجد! حسنا ايها الجد الذي يحلم بالمستقبل في وسط عنفوان استباحة الدم وتسيّد الأشباح مقتربات الجسور الموصلية ليلا واصوات القنابل ألأمريكية وانفجاراتها وهي تهز المدينه وحشرجات الضحايا وهم يغادرونا , كيف يولد الأمل من رحم ألأحباط!

 

قالت وداد : نعم اعرف مهندسا مدنيا يعمل في مقاولات البناء وبالطبع لا تنسى السيد رياض فهو مهندس ايضا ! ولكن قل لي ,لماذا يفكر ابوك بألأطفال وبالطبع بالزواج ؟ هل لديك مشروع سري ؟!

 

: نعم!

 

بدا عليها شيء من الأرتباك وكان من الواضح انها تتحرج ان تذهب الى ابعد من ذلك في ,  (استعلامها) فالمسا حة الآن بالغة الخصوصية ولاتريد ان تتطفل , كانت تتفادى نظراتي وكأنها تخشى ان اكتشف سرأ لاترغب ان أراه في عينيها كزهرة ( عصفور الجنة ) حلوا متفتحا, ولأنها لاتريد ان تبدو كمراهقة يسكرها الحب , اتخذت سمت الجد وقالت انها تعتقد ان لي مستقبلا واعدا مع الصحافة , كانت انتقالة غير موفقة ! هذا ماقلته لها, فابتسمت فيما تورد خداها وأضاءت شموس صغيرة عينيها الكستنائيتين وشعرت ان لمعانا مدهشا قد تسرب من كل الأشياء , وان ِشجيرات الحديقة تبتسم بحلاوة وهي تزهو بألق ربيعي وكأنها على موعد مع تويجات القداح , شعرت اني قوي بما يكفي لأقول لها اني احبك , وان عنفوان الحلم الذي يتملكني يزرع في روحي شجاعة الف رجل واني يمكن ان اعيش طموحاتي الشخصية في زمن الموت والردة والظلام , ان اليوم هو وقت اعلان بدء رحلة المستقبل معك ايتها الأثيرة ( وداد ) , ربما قلتها بصوت عال فقد ردت

 

: نعم !

 

كانت امامي كوردة كاردينيا تفيض بالرقة وتنشر عطرها الناعم وتشيع من حولها سحابة شفافة من العذوبة , لازالت الحياة مليئة بمتع لم نكتشفها بعد ولن تصل اليها الأشباح , متع ألأنسان  المختبئة في مداخل روحه

 

: لابد لي من ان اعترف لك !

 

صمت محاولا ان استكشف طريقي فيما شمل المكان سكون مشحون بالترقب فالخطوة التالية هي قفزة في المجهول , كنت من جانبي اشعر وانا الاحق اطيافها في خيالي بمشاعر حلوة تهب روحي الكثير من الفرح والسعادة والقدرة على تخطي المصاعب لتحقيق شكل جديد لحياتي , كنت وانا استرخي عند دجلة فجرا أراقب  الماء, الذي تغلفة غلالة رقيقة من الضباب , فيما تبدو السماء التي تغطيها ظلال الفجر وكأنها تهمس بحنين طاغ ,  كنت اشعر ساعتها أن وداد هي السر الذي يحمله النهر وتهمس به السماء ليتسلل الى كياني  كله  فأنصت بنشوة ساحرة مرددا اسمها كتعويذة ترقي روحي .

 

ولكن ماذا عنها , اعني ماذا أمثل انا بالنسبة لها , لقد وقفت معي بشجاعة اثناء مراجعتي المنهج الدراسي ووقفت معي ايضا في النقاشات التي دارت حول توزيع المهام في جريدة الحركة واعطتني اشارات مشجعة حين تحدثت ببساطة وبوضوح عن عائلتها وكان في عينيها الق يرشح الضوء والعطر ونحن نتحدث في المطعم او في نادي الكلية اوفي غرفتي بادارة الجريدة , ولكن هل يمكن الركون الى ذلك ؟ يجب ان اباشر الخطو نحوها وان لا اركن الى نواياي التي قد تكون زائفة ! الحب لغة مشتركة والا اصبح الحديث خرافة ملعونة لاتأتي الا باليأس .

 

: بماذا ستعترف , أرجو ألا تكون قد ارتكبت خطأ قد يعاقبك ابوك عليه !

 

كانت تحاول ثانية التخفيف عني

 

: اني احبك !

 

شعرت اني قد انهيت شوطا طويلا من السباحة في بحر هائج واني اقف على الشاطئ فخورا اني قد نجحت وسعيدا لأني أراها امامي كأنها حورية البحر ملؤها السحر والعذوبة مطوقة بقلائد من المرجان الأحمر الملتهب بحمرة شقائق النعمان وهي تفتح تيجانها للشمس والهواء في نيسان متماوجة على سفوح التلال  عند حمام العليل

: لم ترّدي ؟

 

: ماذا اقول ! انت تحبني وهذا رائع !

 

كانت تتخابث , اعرفها حينما تخفي ابتسامة ودودة ولكنها كتباشير اول زهر الرمان حين يتدارى عن شمس الصباح الكسولة التي تعابثها  بعفوية الولادة الأولى للأنطلاق والتفتح , ولكني على الرغم من ذلك شعرت بشيء من الأرتباك فمثل هذه الأجوبة عادة ما تسبب لي تشتتا في افكاري وكأنها تتوزع على مساحة لانهائية من الأفتراضات

 

: فقط !

كنت ابحث عن تحديد اكثر وضوحا

: لا , بالطبع لا !

: ولكن ماذا يعني هذا ؟!

 

: يعني ببساطة اني احبك !

كرياح تحملني بعيدا, كطائر الأحلام يأخذني الى زمن المسرة مجتازا مفازات الخوف , شعرت اني اكتشف بلادا اخرى وتتجدد امامي صور الناس واعيش تجليات لحظة صفاء

 

دخل فوزي وفي يده نسخة الجريدة

: بالتأكيد سنحتفل !

 

: ليس ألآن !

كنت ابحث عن سر سؤاله , فهل سمعنا نتحدث ؟علي ان اظل مراوغا حتى استجلي غرضه وانا لم استكمل حديثي مع وداد بعد والوقت غير ملائم لأعلان مثل هذه العلاقة !

: ولماذا ليس ألآن ؟! هل لديك مفاجأة اخرى ؟!

: لا , ولكن هل يستحق الموضوع ألأحتفال ؟!

: مثل هكذا مقال ومن صحفي جديد , نعم يستحق , الولادة تستدعي ألأحتفال وهنا في جريدتنا ولد صحفي موهوب

: شكرا

استأذنت وداد لتخرج في حين ظل فوزي يتحدث عن الصحافة واهمية الأعلام في المرحلة الراهنة وضرورة البحث عن صيغ جديدة للعمل وأخيرا قال

: تعال الى مكتبي , لدي امرين يخصانك.

 

قدم لي اولا مجموعة كتب تتحدث عن الصحافة والأعلام وكتاب موجه الى نقابة الصحفيين للموافقة على اشراكي بالدورة التدريبية لصحفي المحافظة , طلب شايا وصمت يتطلع الى الحديقة الصغيرة عبر زجاج الشباك المغبر , لم أشأ ان اقطع عليه تفكيره وكنت ايضا ما أزال احس بطعم كلمات وداد تحت لساني فيما شعور ناعم من الرضا يملأ كياني

: تبدو سعيدا ؟

: آه , لماذا ؟

: قسمات وجهك تفضحك دائما , قل لي بصراحة هل انت على علاقة ما مع وداد ؟

جفلت وانا اسمع اسمها ودق قلبي بعنف وكأني فوجئت بأن احدا ما يعرف هذ ألأسم لأنه يخصني أنا !

: أريد فقط ان انبهك الى انها تستحق كل احترام وهي من عائلة محافظة , الحب مقبول ولكنه يسلك طريقا واحدة ! أرجو الا اكون متطفلا فأنت صديق عزيز وشاب ناجح ويهمني ان نظل اصدقاء

: شكرا , كما اني اتفهم حرصك , وقريبا ستسمع اخبارا طيبة

: لدي مفاجأة لك ! لقد تقرر زيادة مرتبك ! ارجو ان تسهم الزيادة الجديدة في تغطية مصاريف الحفلة القادمة !

 

حققت الجريدة نجاحا في التوزيع فقد بلغت النسخ المباعة حوالي الفين وخمس مئة نسخة من كل عدد كما ان الجريدة توزع ثلاثة آلاف نسخة مجانية لدوائر الدولة وادارات المدارس والمحال التجارية وهذه الأخيرة يقول فوزي انه تعلمها من انكلترا أيام الدراسة , التمويل الرئيسي للجريدة من ألأدارة ألأمريكية في المحافظة كما علمت من أشرف الذي برر ذلك ان معركة الديمقراطية متعددة الجوانب وشرسة وأمام التمويل المتعدد المصادر الذي تحصل عليه القوى المعادية تصبح قضية توفير مصدر لدعم آليات ووسائل نشر الديمقراطية مسألة حيوية , والمصدر الثاني هو الأعلانات التي نجحت الجريدة  في اقناع بعض اصحاب المصانع الصغيرة والمحال التجارية الترويج لنشاطاتهم فيها .

 

كانت الحلقة الدراسية التي اقامتها نقابة الصحفيين فرع نينوى مرحلة هامة بالنسبة لي فقد تعلمت ان ادرس فنون الأعلام بشكل منهجي ومنظم وقد استفدت جراء المتابعة خارج حلقات الدورة من بعض المحاضرين في جوانب عديدة من العمل الصحفي لاسيما فيما يتعلق بصياغة الخبر الصحفي وفي تصميم البحوث الأعلامية ,على الرغم  من قلة عدد الندوات الثقافية الا اني اصبحت احرص على ان استمع الى مايدور فيها وبدأت اتعرف على عوالم جديدة ولم تعد المصطلحات ألأدبية أو السياسية تشكل مغاليق يصعب تجاوزها .

 

في الندوة الفكرية التي كان اهم المتكلمين فيها أشرف استمعت الى خصائص لم تكن تثير اهتمامي , قال اشرف ان نينوى ومدينة الموصل على وجه التحديد لم تعرف في تاريخها التشدد الفكري ولم تظهر فيها حركات متطرفة أو افكار مغالية , في احيان نادرة كان التطرف ضيفا في مدينتا ولكنه ضيف غير مرغوب به وسرعان مايغادرنا , في تاريخنا القديم لم تظهر حركات مشابهة لحركة الزنج في البصرة او لحركة القرامطة , كانت الدولة الحمدانية تمثل نمطا مغايرا من التسامح الديني والمذهبي , اما حركات الخوارج فلم تعمر في هذه ألأرض لأنها نبتة صحراوية تحتاج الى تربة جافة تماما كنبات الصبار , واخيرا قال بان مانراه اليوم من وجود قواعد للأرهاب لن يكون الا مسألة عابرة , وألأشباح التي تروع المواطنين لن تجد لها اماكن تتخفى بها لسبب بسيط هو ان الموصل ارض الشمس والضوء والحب فابراهيم الموصلي واسحاق الموصلي والملا عثمان الموصلي كلهم رسل حب وصفاء , ان المخيلة الجمعية للموصل غنية بتمادياتها ولهذا فهي تتكيف مع المعطيات الجديدة دون ان تفقد خصوصيتها .

 

حين طلبت الكلام شعرت بشيء من الرهبة امام الأعين التي استدارت بتعابير متباينة تشملني بتفحص متأن , كنت اريد التعليق حول نقطة وجدت انها مهمة طرحها رئيس اتحاد ادباء نينوي على شكل تساؤل عن مدى شرعية التحالف بين عناصر الأرهاب وبعض التيارات السياسية , قلت ان هذا التحالف لن يكون الا مؤقتا لأنه تحالف هش , قد يصطاد بيت العنكبوت الذباب ولكنه يظل اوهى البيوت, ان هذا التحالف قضية ملتبسة والدفاع أو الترويج لها ليس اكثر من تدليس .

 

كانت وداد تتطلع نحوي باستغراب لم افهمه , في البداية خمنت انها لم تكن تتوقع ان اتحدث امام مثل هذا التجمع الذي ضم الكثير من المثقفين واساتذة الجامعة والصحفيين ولكن معان اخرى لاحت في نظراتها فهمت اخيرا انها تستغرب ان اتحدث بهذا الوضوح والتحدي والمدينة تغرق في تيارات  السموم وتحكم ليلها سطوة التوحش وتمسك بمنافذ الحياة اشباح الموت .

 

جرت مناقشات متنوعة وفي فترة الأستراحة توجهت نحو وداد

 

: سأجلب لك شايا

 

: شكرا

 

كانت حروف الكلمة تعبر عن قلق , الصوت يفضح احيانا خلجات النفس , كانت نظراتها تعبر عن أسف عن شيء ما , شعرت اني ربما ارتكبت خطأ

 

قبل ان استدير قالت : سمير , رجاء قهوة !

 

صممت ان احسم الموقف ونحن نشرب القهوة صامتين فيما كان لغط عال يدور حولنا , كان الجميع يتحدث ولم يكن اي من المتكلمين يعطي نظيره الفرصة , كان الحديث متقاطعا وصاخبا يدور حول السياسة والأقتصاد والفلسفة وامور اخرى لااجد من المناسب ألأشارة اليها ولكن على افريز الشباك اتكأت  فتاتان كانتا تتحدثان بصوت هامس كأنه الفحيح عني وداد.

 

قالت وداد : تصور ان موضوعا مثل موضوعنا يشغل البعض على الرغم من كل مايدور هنا وما يجري في الخارج , ان روحنا لم تتغير وانت تتحدث عن صلابة علاقاتنا ألأجتماعية !

 

لم اعلق فالتعارض التي استنتجته سيدخلني بمناقشة لا اعتقد اننا في المكان الملائم للمضي فيه

 

: ولكن لدي موضوع آخر اكثر أهمية !

 

: ماهو

 

: أزوركم في البيت برفقة ابي !

 

: ولكن لماذا ؟

 

ثانية نبرة الصوت كانت تشي بانها تخمن السبب ولكنها تتجاهله

 

: حسنا , في البدء كانت الكلمة , هل نحن ضيوف مرحب بهم ؟

: نعم , ولكن متى ؟

 

: اليوم هو ألأحد , نقول الخميس الساعة الرابعة

 

: ملائم فأبي في عطلة ايام الخميس

 

رن الهاتف المحمول خاصتي , كنت اشكو لوداد قلق ابي حين أتأخر فاقترحت علي ان اشتري جهازين اترك احدهما لديه والثاني معي , حين قلت انه قد لايعرف استخدامه , قالت حسنا خزن رقمك لديه ويمكنه بسهولة ان يطلبك , وبالطبع تستطيع ان تطمئنه انت بكل ألأحوال , كان ابي على الخط , قال بان البنزين قد نفد وان مضخة الماء معطلة والمزروعات عطشى كما ان نفط ألأضاءة على وشك النفاد.

 

المدينة تغرق في الظلام بعد السابعة فالطاقة الكهربائية تتوقف بعد كل ساعتين ولمدة اربع ساعات ووعود وزارة الكهرباء لاتنقطع مبشرة بألأمل بتحسن امدادات الطاقة ولكنها وعود لم تستطع ان تقاوم الواقع المر الذي نعيشه ,كما ان طوابير السيارات المنتظرة دورها للتزود بالوقود تضاعفت ويحظى وزير النفط باكبر كمية من الشتائم اليومية , اما النسوة اللواتي تعبن من البحث عن قنينة غاز للمطبخ فقد عمد بعضهن الى استخدام الخشب او بقايا جذوع الأشجار .

 

في الليل تندفع ألأشباح في كل الزوايا على تقاطع الطرق وعند مداخل الجسور تنشر رائحة الموت و الدم والخراب وتخضع المدينة لقسوة وحشية على ايقاع كل انواع الأنتهاكات للكرامة الأنسانية وفي ملاذات الأشباح وألأمكنة الخفية لها ترتكب المحرمات بحق كوكبة من شباب المدينة , عقوبة شيطانية لأن المدينة ترفض ألأستسلام , كان ابي الخائف دائما حين أتأخر ليلا يكظم غيضه بصعوبة ولكنه لايلومني , اصبح صمته قناعا على ملامحه الحنطية وظلالا عميقة في نظراته الثابتة , وغدا يتنقل في البيت أو المزرعة كطيف رقيق , يعبر السواقي الصغيرة ويرفع السواتر الترابية ويقطف المحصول بهدوء حد السكون المطلق , وبعد ان اكتمل البناء الجديد رفض ان يستبدل سريره الخشبي الذي بات يصدر اصوات انين مكتوم وهو يتحرك فوقه , قال لا , هذا المكان الوحيد الذي بقي لي من امك , شعرت بشيء من ألأحراج

 ولكن وداد قالت : الآن استطيع ان اطمئن الى مستقبلي معك ! فالجينات بالتأكيد ستكون متشابهة وستظل خيالاتي في ذاكرتك !


 قلت لها:  سيظل حبك النهر الذي يطهر روحي

 

 ابتسمت بعذوبة

 

قالت : لابد ان تذهب فالظلام مع الوحدة لابد ان يرفعا من درجة الكآبة , الوالد بأنتظارك !

 

كانت الساعة التاسعة حينما غادرت المكان , دراجتي البخارية قوية وسريعة بما يكفي لأن اجد منفذا للهرب , الشوارع مظلمة وفي الليل لا يتواجد عادة الا نوعين من البشر , ألامريكان الذين يقيمون نقاطا للتفتيش وبالطبع يساعدهم رجال ألأمن الوطني والشرطة وهناك ايضا ألأشباح الملثمة عادة  حتي لو كانت درجة الرؤيا معدومة,  والذين يقيمون ايضا نقاطا للتفتيش ,عند نقاط التفتيش ألمشتركة ربما يتعرض المواطن الى بعض المضايقات التي قد تصل الى الأهانة المتعمدة خصوصا اذا ماوجدوا في اجابة المواطن رائحة التذمر او عدم ألأستجابة الفورية لأسئلة مستفزة في الغالب , بالطبع قد يتعرض المواطن الى نتائج اسوء من هذا بكثير ولكن ذلك ما يحدث احيانا , اما عند نقاط تفتيش ألأشباح ( ذلك لأني طوال أربع سنوات لم اتعرف على أي منهم وحتى من عرضتهم القناة الفضائية العراقية كانوا مجهولين تماما رغم انه تم نزع لثمامهم ) فان المواطن عادة يكرر الشهادة مرتين لأنه قد لا يتسنى له ذلك اذا ما شكوا بامره وهم كثيروا الشكوك !

 

استوقفتني دورية امريكية , كان المترجم مرحا ,أعاد لي هوية نقابة الصحفيين وقال بأن أتوخى الحذر فقد تم اختطاف حوالي خمسين شخصا كما ان قتالا مايزال يجري في منطقة الغابات وعند ألأقسام الداخلية للطلبة , حين تواصلت رشقات من الرصاص , غادرتني سيارة الهمر المصفحة على عجل وتمنى لي المترجم ليلة سعيدة

 

بدأت حدة القتال تتصاعد وأخذت ثلاث مروحيات تجوب سماء المنطقة للحظات ثم أخذت باطلاق بضعة صواريخ ودفعات من الرصاص وأخيرا صمت كل شيء , حين وصلت الدار كان ابي يجلس القرفصاء على صخرة عند الرصيف القريب , نهض دون ان يوجه لي كلمة , في الداخل اشعل سيكارة كان احتراقها يبعث رائحة قوية

 

: الشيخ عبد الله كان هنا منذ ساعتين ولكنك تأخرت , لقد طلب ان تقابله في الجامع عند صلاة الفجر

: ولكنك تعلم اني لا أذهب للجامع لأداء الصلاة

 

: قال اذا لم تستطع فانه ينتظرك في بيته الساعة العاشرة

 

كان الشيخ عبد الله امام وخطيب احد الجوامع الصغيرة المنتشرة في الموصل والتي شجع النظام السابق على بنائها كجزء من الحملة الأيمانية التي تم تبنيها في مواجهة المخاطر السياسية التي شملت المنطقة بعد غزو الكويت , بناء الجوامع كان قد تم التوسع به نظرا للأمتيازات التفضيلية التي تقررمنحها لمن يتبرع بالبناء وعلى  وجه الخصوص الأعفاءات الضريبية  وألأولوية في الحصول على مواد البناء من المصانع الحكومية وتسهيلات الأستيراد بالنسبة لمواد الحديد والخشب.

 

لم يكن الشيخ عبدالله شخصية معروفة في المنطقة فقد كان شخصا قليل ألأختلاط حذرا في تعامله لا يتجاوز في خطبته ألأمور المتعلقة بالتوجيه الأخلاقي والدعاء للرئيس القائد , وكنت اعرفه من تردده على السوق لشراء احتياجات عائلته وكان يكلفني احيانا ان اشتري له بعض المواد التي تأتي بها القرويات في الصباح الباكر , كان طويل القامة نحيل , وجهه صغير دائري الشكل وعيناه صغيرتان بنظرات قلقة وكأنه يتوقع سماع خبر غير سار فهو يتلفت باستطلاع , سمعت احد الذين يؤمون الجامع للصلاة يقول ان لغته العربية سليمة وحينها لم اكن اهتم لذلك وكنت اعتقد ان صوته لايصلح لأداء ألأذان لأنه لم يكن جميلا أو مؤثرا , لديه ثلاث بنات تزوجت الكبرى بعد سقوط النظام بعدة اشهر  من شخص لايعرف عنه احد في المنطقة شيئا وترددت اشاعات انه من نجد وانه يسكن معه في البيت ولكنه يقيم بدون موافقة رسمية , على العموم حصلت الكثير من التغيرات بعد هذا الزواج فقد اصبح الشيخ عبد الله موسرا وبدأ يرتدي العباءة من النوع الفاخر وجدد اثاث منزله بالكامل وفي المدرسة المتوسطة للبنات لاحظت الفتيات ان ابنتية بدأتا اكثر اهتماما بمظهرهن فيما بدا سلوكهن متعاليا مع ميل للعزلة ,تؤكد الصغرى ان ام حكمت (الدلالة) لاتفتح بضاعتها ألأجنبية  الا في بيتهم ! أم حكمت تقول (البخل طبع ! بنات الموصل قبل ألأثرياء الجدد اسهل في التعامل, كل شيء قد فقد مذاقه! )

 

حين سمح لي بدخول المنزل كان الشيخ عبد الله يجلس على سجادة حمراء اللون ويضع خلف ظهره وسادة من الصوف كبيرة الحجم , حين سلمت لم يقف كما هي العادة في بيوتنا وكان يعبث بلحيته التي لم تكن واضحة المعالم قبل سقوط النظام فقد كان يحرص على حلاقتها بماكنة ناعمة .

كانت ألأضاءة في الغرفة المستطيلة كافية  عاى الرغم من ان ستائر ثقيلة كانت مسدلة على الشبابيك و كان هناك مصباحين كهربائئين يشعان ضوء ابيضا , على الجانب الأيسر كان زوج ابنته الذي بدا صارم النظرات على شيئ من اللؤم والبلادة , رمقني بنظرة طويلة متفحصة .

 

قال الشيخ عبدالله: تفضل بالجلوس

 

خمنت ان هناك امرا بالغ ألأهمية , جلست الى الحائط ولكن بدون وسادة لتسند ظهري , لماذا جئت ؟كان الفضول يحرضني على الحضور , خشيت ان يذهب بنا الحديث الى مديات يصعب التحكم بها وخصوصا وان الرجل ذو اللحية المثلثة والوجه ألأسمر بملامحه اللئيمة كان مايزال يتطلع نحوي بصمت موح , حاولت ان اسيطر على اعصابي وان لااذهب مع شكوكي فتداريت بالتطلع الى الغرفة المؤثثة باسراف ولكن دنما ذوق , كانت مفروشة بسجادة حمراء كبيرة فكرت انه ربما اوصى المصنع بطلب خاص لحياكتها اذ لم يكن الحجم من الشائع تجاريا وعلى الشبابيك ستائر من القديفة بلون داكن مزينة بحاشيات عريضة من ألأبريسم الأخضر وبدا من الواضح انه تم دهان الحيطان حديثا فقد كانت رائحة اصباغ خفيفة تنتشر في جو الغرفة .

 

: كيف حال ابيك ؟

 

: بخير !

 

: كنا ننتظر حضورك الى الجامع يوم الجمعة ؟!

 

: تعلم اني اعمل وأدرس واساعد والدي فيما اذا توفر فراغ

 

: ولكن الله امرنا ان نذر البيع يوم الجمعة وان نؤم الصلاة !

 

: صحيح واعترف اني مقصر والله غفور رحيم,  بسم الله الرحمن الرحيم

قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

 

 

: على اية حال نحن نتابع نشاطاتك وبالطبع نحن غير مقتنعين بموقفك مع الكفرة والمرتدين

 

: ولكن ياسيدي الشيخ ...

 

قاطعني ذو اللحية المثلثة : لنحدد ارضية النقاش يقول انك مع الحكومة وهي من شريحتين ألأولى كافرة والثانية مرتدة , الأولى تستحق القتل والثانية تستحق العقاب

 

كنت اود ان اقول له ولكن من اعطاك الحق في تصنيف الناس والحكم عليهم ولكني كنت ادرك جيدا ان النقاش سيكون مسدودا وان حكما ما قد صدر وان البراءة غير ممكنة مع الوقوف في الجانب ألاخر , كان لابد من الأعتراف اني بدأت اشعر بالخوف فالدعوة لم تكن لأستمالتي اليهم ولكنها كانت لأبلاغي الحكم  

 

: صحيح , ولكن الا تعتقد انه من الواجب ان نعمل من الداخل لتصحيح المسار

 

: لا , لقد انتهى الوقت وجاء دورالعمل

 

: والمطلوب ؟

 

: ان تكون معنا ! والا حق فيك قول الله جل وتبارك ( بسم الله الرحمن الرحيم :قل للمخلفين من الأعراب ستدعون الى قوم أولي بأس شديدتقاتلوهم أو يسلمون فأن تطيعوايؤتكم الله أجرا حسنا وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما )

 

: سأفكر بالموضوع

 

: امامك يومين .

 

كانت لهجة الشيخ عبد الله قاطعة تتضمن تهديدا واضحا , لم تكن الحروف ذاتها هي التي نقرأها ونكتب بها , كانت حروف وحشية تنز منها رائحة الدم , تقف اولا بين اسنانه وكأنه يختبر صلابتها ثم يطلقها فيما يأخذ وجهه شكلا شيطانيا خطيرا .

  

الفصل السابع

 

كنت كقطار ينزلق بسرعة على خطه الحديدي , يخترق السهول الخضراء أوالجافة وعشرات المحطات الصغيرة ولكنه لايتوقف عندها , في الليل تختفي ألأضواء على الطريق بسرعة وأشم روائح المشويات تخترق النوافذ ولكن يتعذر رؤية الباعة الا كأشباح  داكنة تتحرك على نحو ميكانيكي , في النهارات المشمسة تظل صور اسراب الطيور البعيدة ثابتة في السماء وهي تغذ السير نحو الجنوب, لكني لم اكن استطيع التفكير بتركيز يسمح لي بالعودة الى التفاصيل الدقيقة لمسار حياتي وربما يعود ذلك الى أن ( رتم) حركة القطار الثابت, التي تبعث فيّ خدرا يشمل جسدي كله ونعاسا يؤرجحني بين اليقظة والمنام , اشعر احيانا اني طائر يسبح فوق الغيوم القليلة الموزعة في رقعة واسعة من سماء شفافة الزرقة , كان حلما يأخذني برفق الى عوالم مغلفة بالسحر .

 

توقفت فجأة وانا اصحو على رنين الكلمات المجلجل , وحيدا كنت في محطة نائية انمحى فيها الزمن واصبحت الأحداث ايقاعا يصم الآذان , عجلات القطار العملاقة لم تعد تطرق السكة بضرباتها الرتيبة , توقفت ولكني لم اهبط الى ألأرض بعد , كنت اتطلع بشيء من المعرفة على اني ربما لايمكنني ان اكون في المحطة التي يطلب الشيخ عبد الله ان اتوجه اليها , منذ سنوات  التزمت بالصلاة وحتى حين كان والدي ينشغل بالمزرعة كنت اصلي وحدي , وحينما بدأت اقرأ على نحو اكثر عمقا كان الدين بالنسبة لي حاجة روحية تدفعني احاسيسي اليها دون ان استمع الى خطبة الشيخ عبد الله , ماذا يعني ان اكون معهم ؟ الله الذي اعرفه مع الجميع والقبلة واحدة كانت وستبقى بعد الشيخ عبد الله ! وماذا يعني ب (معنا ) كنت دائما اراه وحيدا مهموما, كان يكرر , لن انسى معروفك , وارد علية دائما بذات العبارة , يسرني ان اقدم لك خدمة عمي الشيخ !

 

رن جهاز الهاتف ثلاث مرات ولكني لم ارد كما اني لم اقفله فقد كنت اشعر باحباط شديد , توقفت بدراجتي النارية عند مطعم ابو اشرف ولكن العمال كانوا يقومون بالتنظيف فالمطعم عادة لايظل فاتحا حتى الظهر , جلست على (تخت ) جانبي في مقهى الوردة البيضاء وحين قال النادل , ماذا تشرب , كان صوته يأتيني من بعيد , من فضاء مسكون بالصمت لا يرد صدى , مرت ثلاث عربات امريكية بسرعة فقال رجل كان يقرأ جريدة ويضع على عينيه نظارة طبية بأطار اسود سميك , اللعنة , ثم تدارى وراء الجريدة التي تحمل الصفحة المقابلة لي , الجثث مجهولة الهوية في نهر دجلة ... تتزايد ! الشارع الداخلي الضيق مزدحم بالمارة وبضجيج الباعة وألأغاني المنبعثة من المقاهي والمحال التجارية ومطاعم متنوعة يشكل الذباب على ابوابها تجمعات تدور على نحو مستمر فوق النفايات المكد سة , عدت الى دراجتي , عند الكتف كانت الشمس حادة تقف في السماء بعناد وتشمل الفضاء الفسيح والنهر والحقول والمزارع في الضفة الشرقية بكمية هائلة من الضوء وكأن حريقا يمتد بكل مكان , كيف سأتصرف ؟ وماذا سأقول لوداد ولأبي ولرفاقي في الحركة ؟ بدأ الأزيز, الذي خلفه صرير الحروف في فم الشيخ عبد الله , في اذني يهدأ , ركنت دراجتي الى حائط منزلنا الجديد ولكني لم ادخل كنت اجد في نفسي حاجة الى السير بخطوات بطيئة عند حافة النهر فذلك قد يتيح لي فرصة اكبر للتفكير ويمكني من السيطرة على بواعث التشوش التي تتدافع في مخيلتي بحيث لا استطيع ترتيب افكاري , فوزي في بغداد , قال والده ان الدورة البرلمانية قد بدأت وقد يبقى في المنطقة الخضراء حتى الأسبوع القادم , لم اسأله كيف أمن السفر والطريق مغامرة في معظم الأحيان تقود الى الموت ! , وداد مشغولة بالتفكير بحفلة الخطوبة , امس كنت وابي في زيارتهم , قالت ان اباها يفضل ان نزورهم ألأربعاء بعد الساعة الثالثة لأنه سيذهب الخميس الى مدينة الشرقاط لزيارة امه , قلت لأبي ما ارجوه ان لاتدخن لان رائحة السكائر التي تدخنها تضايقني وبالتأكيد ستضايق ألآخرين , لم يحتج , قال , يصير خيرا , ابي يدخن سكائر سومر , كان ذلك قبل سقوط النظام , وهو ألآن لايستقر على نوع محدد , يقول انه اسير السوق الجديدة .

 

 قال ابو وداد , من جانبي لامانع ولكن من المهم ان توافق هي , امها كانت تتفحصني كأني خروف العيد , قال ألأب , لقد سألت عنكم وتأكد لدي ان سمعتكم نظيفة كما ان المعلومات تؤكد انك شاب عصامي وأمامك مستقبل ولكن هل فكرت بما ستفعلة ؟ توسعت حدقتا عين ألأم وكأنها تريد ان تحتوي كامل المعرفة عن مسار المستقبل ! قلت لدي وابي افكار عديدة فقد نبيع جزءا من المزرعة ونبدأ بمشاريع لتربية الدواجن والخراف , قال الأب وهو يتوجه الى وداد , ما ذا تقول العروسة؟! أطلقت ألأم زغرودة قصيرة وقالت وداد , ماتقوله أنت ! قال ألأب على بركة الله , قرأنا الفاتحة واتفقنا على أن  نتهيئ لحفلة ألخطوبة في بيتهم الخميس التالي وان تقتصر على معارفهم وصديقاتها وزملائنا في الحركة .

 

كانت الشمس لاتزال حادة وتنبعث من النهر رطوبة  تحملها ريح خفيفة تعبر مياه النهر البيضاء وعلى الضفة ألأخرى تقدمت ثلاثة غربان الى الماء , كانت تمشي بهدوء وبشيء من الخيلاء ولم تتلفت محاذرة وهي تغمس مناقيرها في الماء ,في الجو , تحت سماء باهتة الزرقة كان صقر صغير الحجم من النوع المعروف في جزيرة الموصل وسهل نينوى  يحلق دائرا في مساحة كبيرة فاردا جناحيه فيما عيناه ترقبان البساتين الظليلة في الضفة الأخرى دون ان يعير الغربان أي اهتمام , الحياة اضيق من دائرة الصقر في السماء الخالية من اي سحر , نزعت حذائي وخضت في الماء , طارت الغربان واختفى الصقر , في الماء الذي كنت اسبح فيه تذكرت حينما كنا نتراهن, من يعبر النهر مكورا ملابسه فوق رأسه متجنبا ان ينالها البلل , كنت دائما افوز في تلك الرهانات واعود بعلبة حلويات من شارع النجفي , كنت اليوم اسبح بكامل ملابسي وانا ارفع رأسي الى السماء الباهتة تحت اشعة الظهيرة و اشعر  بصفاء وبنشوة غامرة تسسلل الى قلبي وتمتد الى كياني كله و اني اكثر قدرة على معاودة التفكير .

 

 ارتميت على الشاطئ ألآخر , بضعة اطلاقات متفرقة افزعت الطيور المختبئة في المزارع ففرت دونما اتجاه محدد , كانت تطير بفوضى وهي مرعوبة , بدأ اطلاق النار يتزايد , زخات متتاية تشير الى مواجهة حادة عند الجسر الأوسط , كان ابي على حافة الكتف يلوح لي ثم بدأ ينادي بصوت فيه رنة جزع , القتال ازداد شراسة فقد بدأت اسلحة ثقيلة تدخل المعركة وبين آونةوأخري يدوي صوت مدفع دبابة وهو يرد على قذيفة هاون تنفلق في الشوارع الفارغة فيما حلقت طائرتا هليكوبتر .

 

قال ابي : ماذا حصل ؟

 

:  كالعادة ألأشباح تتقدم نحو المدينة !

 

: ليس عن هذا سؤالي , أنت تسبح بملابسك ؟

 

حكيت له مقابلتي مع الشيخ عبد الله , صمت بقلق , كنت ارى كمية القهر التي تأسر وجهه

 

: عليك ان تغادر الموصل , يمكن ان تذهب الى قرية( يارمجة ) لدي صديق عرض ان اشاركه في مزرعته ولكني لم اشجعه , يمكن ان نعرض عليه المشاركة شريطة ان تتولى دراسة المشروع وبهذا تبتعد عن انظارهم !

 

: ولكن قبل ذلك علي ان اجري بضعة اتصالات بزملائي في الحركة وبخطيبتي

 

: بالمناسبة , لقد اتصلت وداد على هاتفي وكانت قلقة

 

: حاولت الأتصال بي ولكني لم أرد فقد كنت في حالة سيئة

 

كانت الأذاعة المحلية تقدم عرضا متواصلا للقتال عند الجسر الثالث ولا تنفك التأكيد على ان المعركة على وشك ان تنتهي بتطهير المنطقة من الأرهاببين ولكن تواصل اطلاق النار الكثيف كان يأخذ ألأخبار نحو اتجاه آخر , قلت لأبي لازال الوقت يسمح بالخروج وانا اشعر برغبة في الصلاة بمسجد النبي شيت , قال ابي لا اعتقد ان هذا ملائم في ظل الوضع الذي تحدثت عنه فالمسجد يخضع (لهم ) .

 

حين اتصلت وداد كان صوتها مرتجفا قالت , اين انت , اخبرتها بايجاز عما حدث , قالت غدا يجب ان نلتقي في مقر الحركة , حين اقترحت مبنى الجريدة رفضت بشدة , مقر الحركة تتوفر له حماية افضل , قال ابي , سأكون برفقتك ,لن أدعك تذهب وحيدا وسيكون لدينا سلاح , قلت ولكن الشيخ عبد الله أمهلني يومين , قال لاامان لهم كل شيء مباح ولديهم فتاوى جاهزة , تذكرت ايام شعار كل شيء من اجل المعركة .

 

بدأت ظلال المساء تنتشر بصمت لا تقطعه الا اصوات متباعدة لرصاصات مجنونة تخترق حاجز الصمت ثم تموت في العتمة , لم اجد عندي رغبة يتناول الطعام , كنت في غرفتي ممدا على سريري الحديدي تجوب عيناي في الجدران العارية ورفوف الكتب التي بدأت تنتظم بتزايد مضطرد منذ دخول الجامعة , كانت في ألأدب والسياسة والتاريخ , كنت في السوق حين استوقفني رجل في الستين , قال لدي مكتبة تضم المؤلفات الكاملة لبعض القصاصين والشعراء فهل لديك الرغبة بشرائها ؟! لقد استنتجت من وقوفك عند باعة الكتب انك من هواة القراءة , حسنا انا محتاج الى ثمنها , ابني اصبح بلا عمل وزوجتي لاتستطيع الذهاب الى مدرستها وانا عاطل !

كانت المكتبة تضم المؤلفات الكاملة لدستوفسكي ومسرحيات شكسبير وتاريخ بغداد ومجموعة من كتب النقد ألأدبي وديوان الجواهري وأحمد شوقي وكل مؤلفات نجيب محفوظ , لم أساومه كثيرا وفهمت لماذا لم يكن يرغب بعرضها في السوق .

 

فكرت انه من الأفضل التخلص من بعضها فقد تكون ( أدلة جنائية ) عندما يقرر صبيان الشيخ اقتيادي للتحقيق , ربما احضى بمحاكمة احتاج معها الى ترتيب اموري على نحو يخفف من الشبهات على الرغم  من كل ألأخبار التي تصل الجريدة عن الرؤوس المقطوعة والجثث المجهولة وعمليات الخطف المستمرة

 

الليل يمر بطيئا تكمن في ثناياه ظنون تتمدد بكل الأتجاهات ولكنها جميعا لا تشير الى اي مجال للفرح فالنور يظل مستحيلا في انتشار عنفوان الدم الذي لايسمح للضوء بالتسرب , كانت وداد على الهاتف , قالت انها لاتستطيع النوم وهي تاخذ التهديد على محمل الجدية الخطرة وان علي ان أتأكد من غلق ألأبواب وأن أكون مستعدا للطوارئ, لم تتحدث عن الحب ولم تهمس برومانسية كما كنت اسمعها ونحن نخطط للخطوبة , ندخل مرحلة جادة عصر وجدنا فيه فجأة وهو يدخل خيمة الموت والضياع , احيانا يكون الجنون ايجابيا ولكنه اليوم سلبيا حد الدخول الى جهنم .

 

 كانت وداد مشرقة باستمرار حتى كأنها قطعة كرستال تموج بالوان قوس قزح في صباح ناد رغم انها تمتلك نظرات مموهة تبدو محايدة ولاتكشف عما يجول في نفسها ولكنها لاتخفي ومضات الذكاء في ثنايا تلك النظرات , لقد قادتني بهدوء وبشكل          غير  مباشرة الى نمط معين من القراءات , قالت انها تميل الى الدراسات العقلية الجادة وتصر على ان ما لايقبله العقل يرفضه الشرع , لم افهم مدلول الجملة فاعطتني كتابا عن المعتزلة , بدأت بعد ذلك تعطي شرح المفاهيم والمصطلحات جزءا كبيرا من لقاءاتنا وكانت كثيرا ماتصحح مقالاتي ولكن على نحو لم اكن اشعر معه بالحرج , عبر هذا النمط من العلاقة كنا نشعر بالسعادة , احيانا تبعث كلماتها القليلة الهامسة دفئا غريبا ربما اشد من الدفئ الذي تبعثه مدفئتنا النفطية في ليالي الشتاء الباردة .

 

قلت لأبي باني سأذهب لشراء البنزين للدراجة بما يكفي سفرتنا للقرية ,ومن السوق اشتريت بعض الحاجيات كهدايا , عدت في العاشرة صباحا الى البيت بعد ان عرجت على مبنى الحركة , كانت وداد بادية التأثر وربما لم تحظى بليلة هادئة فقد لاحظت ان نظراتها كانت غير مستقرة وبدا شيء من العصبية في لهجتها التي كانت هادئة ورصينة تعبر عن ثقة متناهية كما لاحظت ان اصابع كفيها الدقيقة والتي كنت اقول لها انها تليق بعازفة بيانو , طويلة ورشيقة , كانت اصابعها مرتعشة

حتى كلامها بدا لي غريبا بعض الشيء اذ كان يدور في متاهات ولايركزعلى معنى محدد , طلبت لها فنجانا من القهوة ورجوتها ان تهدأ الى أن ادرس الموقف مع اشرف ورياض , لم تستطع تماضر الحضور فقد كانت تتعرض لمضايقات وتحرشات محرجة , اما حمدي فقد كان في اربيل لأمور تتعلق باشكال التعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني , كان اشرف يعرض حماية شخصية لي ومن رأيه ان علينا ألا نتراجع , قال , من الواضح اننا امام مفترق طرق كلا اتجاهيه , اذا تراجعنا, بالغ الخطورة , اما ان ندخل اسلامهم الجديد أو نذهب بتذكرة مرور الى جهنم الآخرة عبر جحيم الدنيا ! , قال رياض شر البلية ما يضحك , قال اشرف نعم لأنك ان لم ترضخ لترقص في حفل جنونهم الدموي فستقتل ولكن بحفلة مجون وحشية !

 

خرجت وداد معي حتى السوق لم تتكلم , كان صمتها يعذبني ولكني كنت ايضا لآ اجد ان الكلمات مناسبة للتعبير , أخيرا قالت , لابد ان نفترق ارجو من الله ان يكتب لك السلامة وثق اننا سنلتقي ولن تكون رغباتنا باردة وسنحظى قطعا في ليلة عذبة , بوقت فرح , وبألق الصباح .. نحن متافألون على الرغم من كفافيس وقصيدته ( الرغبات ) , كانت تحاول التخفيف عني برغم عمق الجرح الذي تعاني منه !

 

عرض حمدي ان يرافقنا الى قرية يارمجة ولكني شكرته , وداد قالت ستكون اياما حزينة وسأظل استعيد ذكريات عزيزة على قلبي ولكن هذه اللحظة , لحظة فراقنا فانها ستكون ثقيلة ومترعة بألأم الى الحد الذي اشعر فيه منذ الآن  أني مطوقة بالهم الذي يمس شغاف قلبي وانا غير متأكدة ما اذا كنت سأتحمل هذا الفراق !

 

 

  كان ابي قلقا وامامه بقايا بضع سكائر بعضها لم يدخن الا جزءا يسيرا منها , قال بأن علينا ان نسرع لأن عليه ان يعود بعد ترتيب ألأمور مع شريكه المفترض  .

 

على الباب كان طرق شديد ومستعجل  , كان صبيا في الخامسة عشر من عمره في عينيه نظرات غاضبة وعلى جبينه تقطيبة صارمة .

 

: هذه رسالة من الشيخ عبد الله !

 

لم ينتظر , غادر مسرعا ولكن بحركات متشنجة ولم يلتفت نحوي , كانت الرسالة من سطر واحد ,

(لقد انقضى يوم من المهلة .. لاتفكر بالهرب فعيوننا ورائك وسيتحمل ابوك عقوبتك )

 

تقلص وجه ابي وانا اقرأ له الرسالة وشعرت انا بألأحباط .

 

 قلت لأبي: انه قدري الذي علي ان أواجهه .

 

 قال : أي زمن هذا , يصبح القتل فيه منهجا  والعقاب انتقاما .

 

صمت لحظة وفي عينيه نظرة أسف عميقة .

 

: لابد من وجود وسيلة , انهم يجندون الصغار كشبكة تجسس كما انهم يسيطرون على الطرق الخارجية ولديهم فوق كل هذا بعض العيون في جهاز الشرطة المحلية .

 

في مقر الحركة عدنا ثانية للتداول , لقد تضاعفت المشكلة فأبي ايضا مستهدف ولا يمكن ان اتركه لجنون ألأشباح وروح الشر التي تتملك الشيخ عبد الله والتي تصور له انه سيف الله الذي يجتث الكفر ويزرع ألأيمان .

 قال حمدي الذي عاد قبل قليل من اربيل : ان ألأيمان سلاح أما التعصب فهو أخطر ألأسلحة والجماعة يحملون ايمانا منحرفا وتعصبا مدمرا والتراجع امامهم لن يترك لنا حتى قبورا تذّكر احفادنا بنا لأنا سنكون اما جثة يأكلها السمك أو جثة بدون رأس لا يعرفها احد !

 

قال رياض : لقد كلمت فوزي ونصح بأن نوفر حماية لك ولوالدك , سيكون معك اثنين وفي المزرعة اثنين ايضا .

 

 قالت وداد : والسلاح ؟

 

 قال رياض : يمكن الحصول على ترخيصه من المحافظة .

 

 قال الشيخ هادي : انهم يقصدون الحركة وهدفهم تحطيمها من الداخل أو تحريكها بما يخدم مصالحهم , هذه واحدة من اساليبهم , اختراق الأجهزة والمنظمات لتشكيل طوق نجاة متين !

 

ابتسم أبي بمرارة وانا اخبره بما جرى ألأتفاق عليه , قال , لماذا لايبحثون اذا توفير الكهرباء فالظلام أحد اسلحة الأشباح لأنه يعطيها الحرية بالتحرك ؟!!

 

كانت الرسالة الثانية اكثر اقتضابا ( لقد أعذر من أنذر )

 

في المدينة الأوضاع تزداد سوء فقد انخفضت ساعات التيار الكهربائي واصبح التزود بالوقود الخاص بالسيارات شبه متعذرا مما ادى الى توقف معظم سيارات الأجرة والشاحنات عن العمل وانعكس ذلك سلبا على الوضع العام فقد ارتفعت نسبة البطالة وتوقف امداد السوق بمحاصيل الحقول من الأرياف البعيدة نسبيا واصبح التنقل مكلفا كما ان النفايات كانت تشكل مخاطر صحية حقيقية بعد ان اضحت الشوارع وألأزقة مكبا لها دون معالجة جدية من قبل الجهات المسؤولة , قمنا بمناقشة هذه الأوضاع في مقر الحركة وقدمت جملة مقترحات لتنشيط تعاون السكان مع ألأجهزة الحكومية, قال الشيخ هادي ان اهالي المدينة كانوا دائما يرغبون بمساعدة بعضهم البعض وأمام الطوارئ الخارجية كانوا يتناسون خلافاتهم ولا اعتقد انهم يتخلفون ألآن ولكن ذلك يستلزم جهدا ورغبة صادقة من الداعين لهذا ومن تجربتي اعتقد ايضا انهم سيواجهون الأرهاب وسيقفون معنا  انهم يحملون نخوة خاصة , لايمكن ان تخطئها العين المدربة على العمل الجماهيري فهي كخيط شفاف لايرى , المسألة بالكامل تتعلق بكيف نعمل؟

 

 بعد مناقشات طويلة وجادة كلفت باعداد دراسة حول الموضوع .

 

كانت تهديدات الشيخ عبد الله تعيش معي ولكني قررت ان اتعامل معها بتحد و لا سيما ان المحافظ فرض حضرا على التجول لمدة ثلاثة أيام , قررت ان اعيش حياتي , صباحا اتصل بوداد وفي المساء تتصل هي , اية سعادة تحملها هذه الأجهزة الصغيرة , ربما من حسنات سقوط النظام ان نحصل على بعض منتجات التكنولوجيا الحديثة وان نعبر عما في نفوسنا بحرية اكبر قد لاتسمح بها اللقاءات المباشرة !

 

قال ابي : لماذا لاتفكر بترك الحركة والجريدة ؟!

 

: ليس من السهل علي فعل ذلك فهما حياتي الجديدة وقد لااستطيع العيش بدونهما

 

: ولكنهما لم يجلبا لك الا المشاكل والخطر !

 

: من لايواجه المخاطر اليوم , السيارات المفخخة وألأحزمة الناسفة لاتستثني احدا

 

: لقد عودت نفسي ألا اتدخل في حياتك واعتقد ان لديك القدره على اتخاذ القرارات الصائبة

 

أن اعتزل ! ولكن ماذا سأفعل؟ لقد انطلقت في كياني روح جديدة منذ ان بدأت اغير مجريات حياتي فاعاود الدراسة التي كنت واياها على طرفي نقيض , وألآن فانا لااستطيع ان اكون محايدا واطفئ هذه الشمعة الصغيرة التي تضيئ دواخل روحي, بعد المعرفة شعرت بحرية تملئني ثقة وبشعور كألق الصباح نقيا يشع في نفسي سرورا .

00000000000000000000000000000000000000000000000000

 

اليوم هو الجمعة , صرفت الحراس الشخصيين الذين وفرتهم الحركة وقررت ان اذهب للصلاة في النبي يونس , كان البناء بأشكاله الهندسية المثيرة يبعث في نفسي شعورا بالراحة , بدأ غبار يملأالجو , لم تكن هناك ريح تحمله ولكنه كان ينتشر كما لو ان دعوات ساحر تدفعه بكل الأتجاهات, يملأ الأنف ويجعل من الرؤية عملية صعبة , انقبض قلبي وفكرت ان مثل هذا اليوم يصلح لكل المفاجئات , قال أبي , الله الساتر , كان يحاول ان يتطلع الى السماء, التي بدا لونها ورديا قاتما , وهو يداري عينيه من حبات التراب المخلوطة برمل ناعم حاد الملمس فيما تطبق عتمة متوعدة على امتداد الشوارع والطرقات وتغطي دجلة الذي يصر على الأنسياب وكأنه يحمل جراحاته وهمومه بصمت حزين .

 المدينة التي يطبق عليها الظلام مبكرا بسبب انقطاع الكهرباء وتسيطر على مداخلها ليلا فرق الأشباح وعصابات اللصوص والمهربين بدت وكأنها تخضع للعنة حمقاء بعد ان تخلى عنها ألأنبياء ألأربعون كلهم الذين كانوا يحرسون بواباتها , كان احمرارا فاجعا يلون مدينتنا الخضراء وكلما ازداد زحف الغبار الصامت كأنه ظلال الموت أو رائحة الخراب التي تسبق ألأعصار , خيمت وحشة شرسة تتغلغل في البيوت وألأزقة , وحشة مقبضة كنذر السماء اذا زلزلت ألأرض زلزالها .

 

: قال ابي أللهم أجرنا

 

نقعت منديلي بالماء ووضعته على انفي وخرجت , كان الطريق خاليا ولكني بدأت اسمع زخات من الرصاص , كانت في دائرة ضيقة ثم أخذت تتوسع وفجأة انفجر قتال شرس وسط المدينة وشاهدت الدبابات ألأمريكية تتقدم باتجاه الجسور الخمسة التي تربط الضفتين فيما كانت سيارات الشرطة تتجه وسط المدينة برتل يطلق اصواتا لانذار متلاحق , توقفت عند مدخل شارع الدواسة , كان محل لبيع ألأثاث مغلقا ولكني رأيت ضوء يتحرك في الداخل , مالك المحل أحد المتعاونين معنا ولهذا نقرت على الزجاج بقوة

 

قال رجل في الداخل : من انت؟

 

كان في صوته نبرة استغراب ان يؤمهم زبون بمثل هذه الساعة وربما فكر ان لصا يحاول ان يستغل الموقف

 

هل ألأخ أبو رعد موجود ؟

:

: ولكن من أنت؟

 

: سمير من جريدة نينوى

 

: سمير , ما الذي جاء بك في مثل هذه الساعة !

 

فتح الباب بتؤدة ووجه الرجل ضوء مصباحه اليدوي الى وجهي

 

: آسف , تفضل بسرعة فالغبار يغزونا !

 

قلت له ,لاادري لم خرجت , أحسست اني اختنق فأنا معزول عن العالم وجهاز الهاتف لايعمل وهذا القتال اللعين يبعث على الجنون , قال , لقد استغلوا هذه العاصفة الصامتة وسيطروا على الجسور وانتقلت مجموعة منهم الى وسط المدينة لأحتلال مبنى المحافظة والدوائر الرسمية تمهيدا لأعلان دولة ألأسلام الجديدة , انهم يتوالدون من جحور افاع سامة , ربما بالأنشطار !

: ولكن ما الذي اتى بك أنت الى المحل ؟

 

: في الخزينة بعض النقود تركتها منذ أمس وفكرت ان أسحبها فقد يحطمون المحال والمكاتب وينهبوها , اولادي اولى بها !

 

توقفت سيارة للشرطة عند الباب وبدأت بارسال اشارات ضوئها الى الداخل

 

قال أبو رعد : انهم يخاطبونا

خرج اليهم وبعد ان عاد قال بان ألأمريكين استعادوا الجسور وانه تم قتل معظم المهاجمين في وسط المدينة , تصور ان الشرطة لم تتعرف على اي منهم , فعلا انها ألأشباح التي تهاجمنا !

 

عرض علي ان يرافقني للبيت ولكني شكرته وخرجت تملأ شفتي ذرات التراب والرمل في المنعطف المؤدي الى الجسر عند الساحة الدائرية كانت نقطة سيطرة , مجموعة من الملثمين يقطعون الطريق , حسنا ألان التقي بألأشباح وجها لوجه,لن يتخفوا وراء هيئاتهم المزورة وقطعا سيعلنون عن اسماء آبائهم الحقيقين , كانت بطاقة التعريف الوحيدة في جيبي هي هوية نقابة الصحفيين , صرخ الملثم الذي غطاه الغبار والرمل

 

: صيد ربما ثمين !

 

على الرغم من اني ايقنت انهم سيأسروني الا اني لم اشعر بالخوف فقد كان الفضول يتملكني والغبار يخنقني ولامبالاة غبية تشل ارادتي

 

: اصعد !

 

كانت سيارة بيضاء (لاند كروز ) وحين جلست عصبوا عيني , لم يكن ذلك ضروريا فهم ملثمون والغبار يغطيهم , ربما من باب الحذر أو لأنهم حريصون على اخفاء صورهم الشيطانية !

 

قال الرجل الذي ينزف : اشعر ان دمي سينفذ, اريد قليلا من الماء!

 

لم يجبه أحد ولكن رجلا من المجموعة صرخ بصوت آمر : كفى , لنرسل هؤلاء

 

كانت لكنته عربية أعني لم يكن عراقيا , شعرت بخوف مبهم , لن أكابر , كان الخوف يسري ببطئ في شراييني ويصعد الى رأسي سيلا من الدفق العنيف , في أذني بدأ ازيز يملئ مسمعي ثم تحول الى طنين حاد , قرأت مرة ان اخطر مرحلة في عمليات التحقيق هي مرحلة الأنتظار ولهذا فان محققي ألأجهزة ألأمنية يلجأون الى ترك المتهم دون سؤال فترة طويلة كي يبدأ بألأنهيار , كانت السيارة تسير بسرعة والشباك المفتوح من جهتي يسمح لكميات من الغبار الرملي بضرب وجوهنا بقسوة وآسرينا ملثمون يشد الصمت على وجوههم , انه مجدهم الذي يلوحون به للعالم من خارج الزمن , ربما من العالم السفلي الذي ابكى كلكامش , هل نحن مقبلون على مرحلة انهيار التاريخ ؟!

 

توقفت السيارة وأمرنا بالنزول , عاوننا شخص ما وهو يشتمنا ببذاءة , اجتزنا ثلاث درجات لندخل باحة واسعة , كان مجرد احساس بسبب ان الصوت الذي كان يأمرنا ان نخفض رؤوسنا كان يتردد في الزوايا ويرجع صدى مكتوما , نزلنا بعد ذلك درجا  خمنت انه يقودنا الى سرداب اسفل البناء .

 

: ليجلس كل في مكانه ولاتتبادلوا اية أحاديث !

 

كان الصوت هذه المرة لرجل من الموصل , تحسست الحائط لأركن اليه واجلس , شعرت اني اسقط في فراغ مظلم , أن الرجل الذي كان ينزف , في فمي مرارة وبدأت اشم رائحة مقرفة .

 

 قال شخص ما الى يميني : اريد أن اذهب الى المرحاض , بطني يؤلمني ولن استطيع السيطرة على نفسي , منذ الفجر وانا مرمي كالكلب , أنا عامل مخبز ولم اتدخل يوما بالسياسة , لآ احد من اهلي في الشرطة او في الحرس الوطني وفي بيتنا لآاحد يعرف أللغة ( ألأمريكية ) ياناس لماذا هذا العذاب .

لم يجبه أحد

قلت له : تماسك فلا أحد يسمعك

: من أنت؟

: أسير !

 

عاد الصمت ثانية , قطعه صوت خطوات نازلة

: انت , عبد المنعم شيت.

: نعم

كان صوت الرجل الذي ينزف , تذكرت ان ألأسم ليس غريبا  , في ذهني انبثقت حزمة نور , انه المسؤول القانوني في المحافظة , لن يعود , لم يكن هذا استنتاجا وانما نتيجة منطقية لسلوكهم لأيمانهم المطلق ان القتل هو الطريق لاعادة صياغة التاريخ !

 

لم نأكل ولم يعد عبد المنعم ولم يسمح للرجل الذي تشد عليه بطنه ان يذهب الى المرحاض وبدأت افقد ألأحساس بالزمن , حين تتكاثف العتمة اعرف ان الليل قد بدأ وحين يبدأ الضوء يخترق العصابة حول العينين أعرف انه النهار , كيف هي وداد ألآن ؟ وكيف هو أبي؟ وبماذا يفكر زملائي في الحركة .

عاد الصوت ثانية يرج السرداب
: سمير قاسم !

: نعم

: تعال

حين حاولت النهوض شعرت كم انا ضعيف , اتكأت الى الحائط ولكني عجزت عن الوقوف , أسندني ألرجل وقادني صعودا الى ألأعلى

توقفنا , احسست اننا ألآن لسنا وحدنا

: لقد حذرناك بالحسنى ومنحت فرصة لم يحظى بها سواك !

كان صوت الشيخ عبد الله ولكنه كان جافا ينضح صرامة وعدائية

: لا أنكر انكم حاولتم مساعدتي!

: لماذا اذا اختفيت ؟

: لم اختف ولكني كنت لاأزال ادرس العرض

: وهل تعتقد اننا سنكون بانتظارك الى ما لانهاية , انت تعرف كم هو مهم الوقت لنا , نحن في معركة شرسة والعدو يملك كل شيء ونحن لا نملك الا ايماننا !

 

تذكرت مقالة زميلنا في الجريدة ,توظيف الأيمان أشد ألأسلحة فتكا , صمت الشيخ عبد الله , قلت هل استطيع ان اتناول قليلا من الماء؟ امر لي بذلك وطلب ان تفتح العصابة , كانوا اربعة اشخاص , الشيخ عبد الله والرجل الذي سبق لي رؤيته , ذي اللحية المثلثة واثنان بملابس عسكرية احدهما لايزال تحت العشرين والآخر ربما تجاوز الثلاثين قليلا , كانت سحناتهم صارمة في نظراتهم هستريا مجنونه ربما سببها ادمانهم القتل والدم المستباح الذي تسكبه الضحايا

 

: اننا نجاهد من اجل اعلاء كلمة الله

 

: ومن هو ضد هذا ؟!

 

: انت ورفاقك ابناء الشيطان , كيف يمكنك ان تكون مع الله وانت و رفاقك أوليائكم اليهود والنصارى؟!

 

: قال الله تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن )

 

بدأ ذو اللحية المثلثة بحديث ايضاحي يحمل ايحاء بلاغيا مشوشا ليس من السهل متابعته ثم تحول الى لهجة خشنة يطغي عليها الغضب وتوحي بكمية من الحقد والكراهية تثير الرعب , كان خشنا ومتعاليا حد التفكير بأنه على استعداد لقطع رقبتي بسكين المطبخ وهو يتحدث عن المعنى ألأعجازي بقوله تعالى ( والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه )

كنت اشعر بأعياء كامل , رجوتهم ان يسمحوا لي بالجلوس على ألأرض لأني قد أقع باية لحظة

 

قال الشيخ عبد الله : لم يبق الكثير ولكن يمكنك الجلوس لحين اتخاذ القرار النهائي بشأنك !

 

جلست وفي عيني سحابة بدأت تنتشر لتسد افق الرؤيا ولتشوش فكري , اذا لن تكون هناك مواسم للفرح وهذه هي النقطة القطيعة مع الحياة , تجمدت احاسيسي بدرجة عالية من البرودة وتحولت الرؤى امامي الى كتلة صخرية صماء, ماذا يجري لماذا نموت على هذا النحو البائس , لم اكن اسعى لأكون بطلا , كنت اجهد نفسي لأكون انسانا ولهذا درست بجد وقرأت بجد عرفت ماذا يعني ان يكون الأنسان حرا وماذا يعني ان يفهم كيف يتذوق الجمال والنقاء والحب , ولكنهم يعبرون الى مدينتنا على الجثث والدم ويعطبون فينا روح ألأنسان

 

قال الشيخ عبد الله : بالنظر لأمعانك في الغي واصرارك على الضلال فقد تقرر اعدامك قصاصا وفاقا بالسيف !

 

الطريق مسدود وعقلي يتفكك وليس فيه الا خواء , صحراء تجتاحها ريح صرصر ويقتلها الضمأ وتختفي حتى أفاعيها السامة في اعماق جحورها , جفت شفتي ويبس حلقي وانبعثت برودة صقيع قطبي في اطرافي

جاهدت لأقول : الحمد لله من قبل ومن بعد , هل استطيع الصلاة ؟

 

نظربعضهم الى بعض وقال الشيخ عبد الله : ركعتين !

 

حين وقفت تراخت ساقي فقررت ان اصلي وانا جالس , قرأت الفاتحة ودوى في ماتبقى من وعيي صوت انفجار هائل , رفعني الأنفجار والقى بجسدي المتعب في زاوية الغرفة بعنف وشعرت ان شيئا حارا قد انغرس في ظهري وان سائلا ساخنا بدأ يبلل فخذي , غبت عن الوعي

 

يصبح الزمن احيانا خارج الحسابات الرقمية فهو ليس الساعات أو ألأيام انه فترة ما داخل هذيان مرضي ليس من السهل قياسه قد يكون حالة تجديد أوحالة اكتشاف لأبتهالات غيبية تأخذك بعيدا , هل يمكن سؤال المأخوذ بحالة عشق , كم الساعة ألآن؟ ياالهي ماذا يجري تحت سمائك الأبدية , اي جنون تسمح به يستشري فوق الأرض وكيف تقبل الملائكة الكرام ان يقتل المستقبل ويدنس. الحاضر وتتمادى الشياطين في زرع ألأشباح في كل ألأمكنة , حتى في دورات المياه النسوية.

 

 رائحة نفاذة كانت تزحف الى انفي لتتسلل الى رئتي واصوات خبيثة تصر على ان تجتاحني , كان ذلك يضايقني وشعرت اني اختنق , حركت رأسي ولكن عيني رفضتا ان تنفتحا .

 قال صوت نسائي انه يصحو, رجاء استدعي الدكتور هيثم !

 

ببطئ كنت استوعب المكان , كنت ممدا على ألأرض , تحتي شرشرف ملطخ بالدم وعند رأسي وسادة رائحتها عطنة , كفي مغروز فيها ابرة المغذي ويداي عاجزتان عن الحركة وقد سمح ذلك لسرب من الذباب الصلف ان يستقر على وجهي , لم يكن يطن لأنه لايحتاج الى الطيران , كما لم يكن يتخاصم فالغنيمة كافية .

 قال الدكتور هيثم : هل تعتقد ان حالتك تسمح للشرطة بأخذ اقوالك ؟

: حالتي لاتمانع !

كان الشرطي الشاب الذي يكتب ألأفادة  لطيفا ولكن الملازم الذي كان يقوده برما فالرائحة ازدادت وبدأت اسراب الذباب تشكل عدوا حقيقيا للجميع وليس للمرضى فقط فيما كانت بضع قطط تثير ضوضاء وهي تنشب اظفارها بعضها ببعض في الممر المظلم , المصباح الوحيد كان في الردهة التي تضم اربعة اسرة عليها مرضى صامتين فيما تمدد على الأرض ستة بما فيهم انا .

 

: اسمك ؟

:سمير قاسم

 

: عمرك؟

 

: لا أدري !

 

: لنقل ثلاثا وعشرين , عملك ؟

 

: اسير عند الشيخ عبد الله

 

: أعني اين كنت تعمل ؟

 

اشرت الى جيبي , مد الشرطي يده ليخرج هوية نقابة الصحفيين

 

: سيدي , ألأخ صحفي !

 

انتبه الضابط وعدل من جلسته اللامبالية والمستفزة

 

: استاذ سمير , هل يمكن ان تخبرنا باختصار شديد عما حصل , نحن نقدر حالتك كما اني شخصيا احترم صحيفتكم

 

شعرت وانا اخبره بتتابع الأحداث بأعياء شديد

 

قال : لابأس نأتي بوقت آخر ولكن هل تريد ان نتصل بالصحيفة او بأية جهة أخرى؟

 

لم أجبه فقد عدت ثانية الى الغيبوبة

 

كانت السما صافية الزرقة ودجلة تظللها اشجار زاهية الخضرة ومئات العصافير الملونة تتقافز تملؤ الجو بوشوشة حلوة وهي تقبل بعضها البعض بمناقيرها الوردية , دجلة فرحة وماؤها يلصف ابيضا يشرب الضوء الفضي المنسكب من عدة اقمار تتبادل اماكنها بشيء من الخفة

ولكن البشر الجالسين على الضفة ألأخرى كانوا غارقين بحزن محى ملامحهم فبدوا وكأنهم نسخ مكررة من المرمر الرصاصي الباهت .

 

قال صوت انثوي : كيف هو ألآن يادكتور ؟

رد صوت رجالي هادئ : لابأس, انه يتحسن فقد تجاوز مرحلة الخطر

 

 

قال ابي : شكرا لله.

وسقطت دمعتان وحيدتان ,انحدرتا ببطئ على خديه وتاهتا في الغضون المبكرة , لم اشاهد ابي يبكي , قال ان ليالي الحسرة والوحدة جففت مآقيه

 

قالت وداد : أعتقد  أن من الضروري نقله الى المستشفى العسكري!

 

قال الدكتور : براحتكم ان امكنكم ذلك !

 

كف وداد كان يمسك بيدي التي ترفض الحركة , كنت لاأزال احس بحرارة كفها , كانت تأكيدا على اني لازلت اعيش.

 

ببطئ بدأت حالتي تتحسن , استطعت ان احرك يدي وأن أقرأ ولكني لم استطع الوقوف فألأرجل لاتستجيب للعلاج , قال الدكتور ليس باستطاعتي الجزم بالنتيجة ولكن ألأيمان قد يكون علاجا وكذلك الثقة بالنفس , قلت له كان الأيمان بريئا وبسيطا ولكن الأشباح حولته الى وحش بأظافر قاسية وانياب قاتلة اما الثقة فقد قتلها الشيخ عبد الله

 

ينظر الي والدي بحسرة , كان يريد احفادا يفخر بهم وانا ألآن ابعد ما يكون لأحقق امنياته , قالت وداد انها ستقف الى جانبي , قلت لها لاتشغلي نفسك , قد انفع ان استمر على الدراسة وان اكتب للصحيفة ولكني لاأنفع ان اكون زوجا بكت بحرقة ولكن أباها سحبها ببطئ وبرقة وهو يتمتم , قضاء الله الذي لامرد له , ما أفكر به الآن وبجدية هو ان اقنع والدي بالزواج  , سأجد له الزوجة , الحياة يجب ان تستمر ولكن باشكال مختلفة .

قلت لفوزي سيكون مقالي جاهزا كل سبت فقط ابعث احدا لأستلامه , قال بمواساة وتعاطف , سيكون دائما على الصفحة ألأولى , عليك ان تكون اكثر تفاؤلا يابطل , قلت له قد لاأكون بطلا ولكني سأظل رجلا أفي بالتزاماتي على ألأقل

 

قطاري يتوقف اليوم بمحطة رئيسة وتطلعات روحي كحلم يهّوم فوق دجلة ويرسم لي املا آخرا كعصفور الكناري ألأصفر صغير ولكنه يغرد للآخرين

تمت

ذياب فهد الطائي

مواليد 1938 في مدينة الكوت

 

ذياب فهد الطائي

مواليد 1938 في مدينة الكوت

خريج كلية التجارة والأقتصاد  جامعة بغداد عام 1964

بدأت الكتابة عام 1957 في جريدة البصرة وساهمت في اصدار مجلة الحركة الشعرية في البصرة التي كان يرأس تحريرها الشاعر عبد الرزاق حسين النجفي وصدر منها ثلاث اعداد وذلك في عام 1959

 

أصدرت الكتب التالية

البترول في الخليج العربي      عام 1968

النفط بين التأميم والمشاركة     عام    1970

تنفيق الريع                     عام 1970

التمثال مجموعة قصصية        عام 19971

الصبار الأزرق رواية عن انتفاضة آذار 1991 والتي صدرت عام 2004

ورد الدفلى رواية               عام 2005

ضوء بلا ظل رواية            عام 2006

 

كتب قيد الأعداد للطباعة

 

دائرة النسيان قصة طويلة فازت بالجائزة الثالثة بمسابقة اللأبداع الأدبي لعام 2007

والتي تبنتها قناة البغدادية

 

 شؤون عائلية قصة    طويلة

حديث في الممكن      رواية

الأشباح والأمكنة      رواية

 

ضفاف اخرى         رواية

 

كاني                 رواية    لم تكتمل بعد