|
ترجمة احمد جاسم العلي.
(ولد إليو فيتوريني عام 1905 في (صقلية) وعاش في (ميلانو.) تُرجمت كتبه بشكل
واسع منذ الحرب العالمية الثانية ومنها روايته "حديث في صقلية" التي ظهرت في
ايطاليا قبل الحرب ونشرت في الولايات المتحدة عام 1949 وقدم لها الروائي
الأمريكي أرنست همنغواي. يمتاز فيتوريني، في جانب من كتاباته، بأسلوبه النثري
الغنائي ويظهر ذلك في بناء حواراته ونوعية شخوصه. اخترنا هنا بعض الفصول
القصصية من كتابه "يوميات غير سرية.")
الصحراء.
" في وسط المدينة كانت الصحراء."
كنا نلعب الورق ونتحدث. أربعة رجال، كنا ندخن وفي ايدينا الآسات والملوك
والبنت .. الولد ايضا.
" قلت في المدينة، في الوسط تماما؟"
" هذا ما قلته. كانت هناك مدينة الى الشمال، مدينة الى الغرب، الى الشرق
وايضا الى الجنوب هبت الريح من الساحات ومن الشوارع."
" وكانت قاحلة؟"
" قاحلة. كانت صخرا وغبارا، مع لفيف من شجر (الافسنتين)1 هنا وهناك، هكذا
ولا ماء- وغربان."
" وعظايات؟"
" وعظايات."
" ولا أنوار في الليل؟"
"لا نجوم."
نظرنا الى بعضنا. رُميت ورقة على الطاولة. رُميت أخرى، أخرى، أخرى واخرى.
ربح النابولي.
"حسنا، كانت كبيرة جدا؟"
" لم يعرف احد. كانت هناك عظام حيوانات مبعثرة حول المكان. جماجم بقرون."
" صحراء حقيقية."
" شاهدت هناك دمار البيوت ايضا."
" البيوت التي يسكنها بشر؟"
"البيوت التي يسكنها بشر. غرف."
" وكيف وصلت الى هناك؟"
" بسيارة اجرة. أخذت امتعتي معي."
" وكانت الصحراء؟"
وضع الكرواتي ورقة ورفع يديه، وبيديه أمسك جبهته. أحتفظ بقيتنا بورقه. لم
يرم شيء. بنت البستونيات مطروحة الطاولة.
" أستطيع ان أرى،" قال الكرواتي. "الخرائب، بقايا الاشجار المقطوعة، خطوط
السكك والقضبان، هيكل القطارات المحترقة."
رمينا اوراقنا.
" تتحدث عن صحراء أخرى؟"
" لا، نفس الصحراء."
" للارض قلب واحد."
بصق النابولي واخذ دوره في خلط الورق. هز رأسه.
"عندنا واحدة ايضا، في المكان الذي جئت منه،" قال الكرواتي. " لها جدار خشن
يحيط بها، ولا تنمو ورقة عشب واحدة هناك، والناس الذين يمرون بها يبتهلون الى
الله لحمايتهم، ويدعونها الصحراء. إنها بين بساتين الزيتون."
أشعلنا سجائرنا مرة أخرى.
" أستطيع ان أراها،" قال الكرواتي. " كما الآن تماما.إنها الصحراء."
كان معنا شخص لم يكن يلعب، الاسباني، ولم يقل كلمة. كان يمضغ التبغ ويسحبه
الى الخارج على شكل جدائل.
" الصحراء عميقة."
ما الذي عناه بذلك؟ تحولنا إليه وانتظرنا.
" إنها تُهيمن عليَّ،" تابع كلامه. " أجلس هنا، امضغ التبغ، ولن اكون قادرا
على الهروب منها!"
" دعك من هذا،" قال النابولي. ضحك، هو وحده، ولم يسمعه احد. نهض الآخر. قال.
" أوه، صحراء العهد البعيد الجميلة!"
وردد الآخرون بعده.
" الرمل المتألق."
" الشمس الهائلة!"
" الأيام على الطريق، الأيام البعيدة!"
" أسماء الاماكن المقصودة!"
" أوه، الصحراء الجميلة!"
مدن العالم.
حملنا الصخور والرمال طوال اليوم ثم جلسنا لنرتاح قليلا. كان الوقت ليلا.
" هم!" غمغمنا.
أُضيئت الأنوار على سفح الجبل، وعلى المحيط ايضا. تبادلنا النظرات. في
الأعلى كانت تمر فتيات. وبقينا نغمغم "هم!"
عند نقطة في المكان قال الرجل الطويل " أليكانتي!" وتكلمنا اخيرا.
"أليكانتي؟"
" سدني! أليكانتي!"
" سدني ايضا؟"
" مدن العالم."
مرت فتاتان. توقفتا.
" ماذا؟" قالت احداهما للأخرى.
أشرنا باتجاه الاضواء.
" المدينة."
" مدن العالم."
ضحكتا، ولكنهما لم تبرحا المكان. قال الرجل الطويل " مانيلا، يا بنات!"
علِقَت الفتاتان. عينا لهما الاضواء بين اوراق الاشجار، والاضواء واراق
الاشجار على صفحة الماء. الليل. " مدن العالم."
" وسان فرانسيسكو!" هتف الرجل الطويل.
وشرعنا نهتف كلنا " و ليكهورن!"
" و اكابولكو!"
وهتف رفيق صغير " أركونا سكريفيا."
كان يرتجف. شاب صغير السن، وسألنا أين تكون هذه.
" كنت هناك،" قال الرفيق الصغير. " كانت في بلاد فارس."
مرت تحتنا قوارب متعبة.
" كنت في بابل." قال رجل، أكبرنا.
" في بابل؟"
" في بابل، في بابل."
أبدى الرجل الطويل ملاحظة. " تلك كانت مدينة قديمة."
" وأنا، الست عجوزا بما فيه الكفاية؟" كنت هناك في شبابي." قال الرجل
العجوز.
" ولكنها ضاعت الآن." قال الرجل الطويل.
" كل شيء ضاع." اجاب الرجل العجوز.
" إنها تحت الرمال،" قال الرجل الطويل. " ماتت منذ قرون."
" أوه نعم، " أجاب الرجل العجوز، " وكانت جميلة!" ثم تنهد." كانت لها أنوار
رائعة!"
أن تكون كاتبا.
ان تكون كاتبا يعني ان تكون إنسانا على قدر كبير من التواضع. رأيت ذلك في
أبي، الذي كان حذّاء خيول وكاتب مسرحيات تراجيدية. ولكنه لم يعتبر كتابة
التراجيديات افضل من تنعيل الخيول. وعندما كان يُنعّل الخيول لم يكن يسمح لأي
كان ان يقول له " ليس هكذا، بل هكذا، لقد اخطأت في عمله." كان ينظر بعينيه
الزرقاوين، يبتسم او يضحك، ويهز رأسه. ولكنه عندما كان يكتب كان يأخذ باقتراح
كل إنسان ويتمثله، مهما كان ذلك الاقتراح.
كان يصغي الى أي شخص ولا يهز رأسه. كان يوافق. وكان متواضعا جدا في كتابته.
ويقول انه يستمدها من أي انسان. وفيما عدا حبه للكتابة كان يحاول ان يكون
متواضعا في كل شيء، وان يستفيد من الآخرين في كل شيء.
كانت جدتي تضحك على ما يكتبه.
" أية حماقة!"
وكانت أمي تضحك ايضا. تضحك عليه بسبب ما كان يكتبه.
ولكننا، أنا واشقائي، لم نكن نضحك. رأيت كيف كان يحمر خجلا، وكيف يحني رأسه
بتواضع. وتعلمت منه ذلك السلوك. مرة، من أجل ان اتعلم، تسللت خارج البيت معه.
كان يفعل ذلك بين حين وآخر، ينسل من البيت ليكتب في عزلة. وتبعته مرة. مشينا
ثمانية أيام بين حقول (الكبر،)2 وسط ازهار العزلة البيضاء، وتوقفنا بسد صخرة
طلبا لشيء من الظل. كان هو، بعينيه الزرقاوين، يكتب وأنا اتعلم، وعندما عدنا
ضربتني أمي مرتين، مرة عقابا لي ومرة عقابا لأبي. وفيما بعد، سألني ان اغفر له
عن اللطمات التي تلقيتها بسببه. تذكرت كيف كانت. ولم اجب.
هل كان باستطاعتي ان اخبره بأني قد غفرت له؟
وقال لي بصوت وجل " أجب، هل تغفر لي؟ " وبدا مثل شبح والد هاملت يرغب
بالانتقام. لم يكن يريد الغفران.
ولكن، تلك كانت الطريقة التي تعلمت منها ما هي الكتابة.
_______________
1- الأفسنتين. نبات ذكي الرائحة، مر الطعم. ( المنجد.)
2 – الكَبَر. شُجيرة صغيرة، ازهارها جميلة بيضاء. (المنجد.)
ترجمت القصة عن
Great Italian Short Stories
Dell Publishing Co., INC.
USA 1959
Stories from an Autobiography in
Time of War.
By Elio Vittorini
Page 408-412
|