( ولد إسحاق بابل عام 1894 في أوديسا/روسيا. ذهب الى (بترسبرغ) وعمره
21 عاما وعاش هناك في فقر مدقع. ولكنه تلقى مساعدة من الروائي الروسي
"مكسيم غوركي" الذي نشر له اثنتين من قصصه. نجحت قصصه الأولى الأمر
الذي شجعه على نشر مجموعة "حكايات أوديسا" عام 1924 و "سلاح الفرسان
الأحمر" عام 1926. وتبع ذلك قصص وسيناريوهات ومسرحيات. ولكنه في عام
1934 بدأ يصف نفسه بشكل ساخر كـ " سيد مذهب الصمت." عام 1939 قُبض
عليه. ويعتقد انه توفي عام 1941.)
أردت ان أنام وكان مزاجي سيئا. وفي تلك اللحظة دخل (ميشكا) ليقرأ
عليَّ قصته.
" أغلق الباب،" قال ثم اخرج قنينة خمر من جيبه. " هذا يومي. أنهيت
للتو قصتي. أعتقد انها قصة رائعة. دعنا نحتفل بالمناسبة يا صديقي."
كان وجه ميشكا شاحبا ومرهقا.
" الناس الذين يقولون ان ليس هناك شيء اسمه سعادة هم ناس حمقى،"
قال. " السعادة هي وحي، إلهام. لقد كتبت طوال الليلة الماضية ولم انتبه
الى الفجر وهو يطلع. ثم قمت بجولة حول البلدة. كانت البلدة رائعة، في
الصباح الباكر حيث الندى والصمت والقليل جدا من الناس. كل شيء صاف
وشفاف وتستطيع ان ترى النهار وهو قادم، باردا وكئيبا، يتحرك بروحانية
ورقة. دعنا نشرب يا صديقي. أنا واثق كل الثقة ان هذه القصة هي نقطة
تحول في حياتي."
صب ميشكا شرابا له ثم افرغه في جوفه. أرتعشت اصابعه. كانت له يد
تلفت النظر بجمالها؛ نحيلة، بيضاء وناعمة واصابع مستدقة الطرف.
" أنت تعلم، عليَّ ان اقدم هذه القصة،" واصل كلامه. " سيتقبلها
القراء في كل مكان. انهم يطبعون هذه الأيام اشياء تافهة. الشيء الاساس
هو الحصول على بعض الامتياز. تلقيت وعدا. سيرتب (سوخوتين) كل شيء."
" ميشكا، يجب ان تنعم النظر في هذا الأمر مرة اخرى. عليك ان تجتاز
المراحل لا ان تحرقها."
" إلى الجحيم بها. يتطلب ذلك الكثير من الوقت. .. في البيت انت
تعرف، يسخرون مني فقط. أنا لا اقول شيئا. أنت تعرف. في غضون عام سنرى
ما نرى، سيأتون زحفا ..." كانت القنينة قد فرغت تقريبا.
" توقف عن الشرب، ميشكا."
" عليَّ ان ابعث الهمة في نفسي،" أجاب. " في الليلة الماضية دخنت
اربعين سيجارة." واخرج دفتر تمارين، سميكا جدا، سميكا بالفعل. وراودتني
فكرة، الطلب منه ان يتركه معي. ولكني نظرت الى جبهته الشاحبة, وقد نتأ
وريد عليها وربطة عنقه البائسة والمنحرفة. وقلت . " حسنا، ليو تولستوي،
عندما تكتب سيرتك الذاتية تذكرني."
أبتسم ميشكا.
" يا لقيط," أجاب " لا تقدر صداقتي ابدا."
هيأت نفسي واتخذت وضع من يريد ان يستمع. وانحنى ميشكا على دفتره.
كانت الغرفة هادئة ونصف مظلمة.
" في هذه القصة،" قال ميشكا. " حاولت ان اعمل شيئا جديدا. شيئا
يحجبه ضباب خفيف من الدهشة، مليئا بالرقة والحنان، حزينا الى حد ما
وفيه اشارات ضمنية ... أنا مريض حقا من انغلاق حياتنا ..."
" توقف ودعك من المقدمات،" قلت. " ابدأ القراءة."
وشرع يقرأ. أصغيت بانتباه. لم يكن الأمر سهلا عليَّ. كانت القصة
رديئة ومملة. يقع موظف مبيعات في حب راقصة باليه ويقضي كل وقته يتسكع
بالقرب من نافذتها. تنصرف عنه فيتضايق بسبب خيبة الرجاء في حلم حبه.
وتوقفت عن الاصغاء بعد قليل. كانت الكلمات في القصة مضجرة ومبتذلة،
منمقة ومصقولة مثل طاولات ملمعة. لاشيء يصل الى القارىء. ما طبيعة هذا
الشخص، موظف المبيعات وما صفات هذه الفتاة، راقصة البالية؟
نظرت الى ميشكا. كانت عيناه مشتعلتين حماسة. وكان يترك كل سيجارة، بعد
ان تنتهي، بين اصابعه. وجهه الشاحب تقلص بشكل مؤلم وانكمش بلا موجب،
انفه الاصفر، الكبير والناتىء، شفتاه الورديتان المتورمتان، كل ذلك ظهر
على نحو ساطع وبطيء، مع قوة متصاعدة بثبات، مشحونة بحمى الابداع التي
تدل على الثقة المفرحة بالنفس.
قرأ على مهل وهو يتألم ويعاني. وعندما انتهى وضع الدفتر في جيبه
بطريقة خرقاء ثم نظر إلي ..
" كما ترى، ميشكا،" قلت متمهلا. " كما ترى، فهذا الأمر يحتاج إلى
شيء من العناية والاهتمام .. الفكرة جديدة ومبتكرة فعلا وفيها رقة
وحنان ... ولكن الطريقة التي كتبت بها هذه الفكرة ... كان يجب ان تكون
اقل تنميقا وتلميعا ... كما تعرف."
" كنت اعمل على هذا الشيء لثلاث سنوات،" أجاب ميشكا. " توجد بعض
الاجزاء المضطربة، بالطبع، ولكن عليك ان تنظر الى العمل ككل ..."
يبدو ان شيئا ما وقع موقعه في نفسه. أرتجفت شفتاه ودفع بكتفيه الى
الأمام واستغرق وقتا طويلا جدا في اشعال سيجارته.
" ميشكا، شيء رائع ان تكتب. لا تزال دون مستوى التكنيك المطلوب.
ولكن، يا الهي، انت تحمل الكثير في رأسك..."
أستدار ميشكا ونظر الي. كانت عيناه كعيني طفل؛ ودودة، مشرقة وسعيدة.
" لنخرج،" قال. " الهواء فاسد هنا."
كانت الشوارع مظلمة وصامته.
عصر ميشكا يدي بقوة وقال. " أنا امتلك الموهبة. أنا متأكد من ذلك
تماما. يريد أبي ان اجد لي عملا. لم أقل شيئا. في الخريف القادم ستكون
(بتروغراد) لي. سوخوتين سيرتب كل شيء."
وتوقف. أشعل سيجارة جديدة من السيجارة القديمة ثم واصل كلامه بهدوء
اكثر. " أحيانا اشعر بالإلهام يأتي إلي فيؤلمني، عندها اعرف ان ما
اقوم به هو الصحيح. أنام على نحو مضطرب، كوابيس تجثم على صدري طوال
الوقت وشعور حقيقي بالتعاسة والشقاء يغمرني بعدها. اتقلب في الفراش
لساعات قبل ان اشرع في النوم. وفي الصباح يوجعني رأسي، نوع من الألم
غير حاد ولكنه بغيض. استطيع الكتابة في الليل فقط. لا احد حولي والمكان
هادىء وأنا في ذروة حماستي. (دستوفسكي) كان يكتب في الليل دائما ويشرب
الشاي من السماورعندما يكون بجانبه. ولكن انا عندي سجائري ... لو انك
فقط ترى الدخان يتصاعد داخل غرفتي ..."
وصلنا الى دار ميشكا. كان وجهه على ضوء فانوس الشارع مثيرا
للأهتمام. كان وجها تواقا، نحيفا، شاحبا، سعيدا.
" سنريهم، تعسا لهم!" قال وعصر يدي بقوة اكبر. " في بتروغراد ينجح
الجميع."
" مع ذلك، ميشكا،" قلت. " على الإنسان ان يعمل..."
" (ساشكا) يا صديقي،" أجاب بابتسامة عريضة ولطيفة اظهرت شعورا
بالتفوق. " لست احمقا، اعرف ما يهم وما لا يهم. لا تقلق. أنا لا اكتفي
ولا اقنع بما احرزته من نجاحات. تعال غدا، سنلقي نظرة أخرى."
" حسنا،" قلت. " سوف احضر."
تماسينا وعدت الى البيت. كان الأمر كله يبعث على الغم والكرب.
_________
ترجمت القصة عن
Penguin Modern Stories 4
First published in 1970
"Inspiration" by Isaac
Babel
Page 133-135
Ahmedjassimalali@yahoo.com