ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

 

 

ترجمة احمد جاسم العلي: الهروب من الحرب قصة للكاتب اليوغسلافي ميلوفان دجيلاس.

تأريخ النشر

March 11, 2010

 

 

         (لا نعرف شيئا كافيا عن كاتب هذه القصة، اليوغسلافي ميلوفان دجيلاس،

          وما نعرفه يفيدنا بأنه كان كاتبا معارضا للنظام التيتوي السابق وانه كان

          سجينا مزمنا في عهده. وقد كتب هذه القصة وهو في السجن وعنوانها

          الأصلي " الحرب.")

 

   يجري النهر الكبير من الشرق نحو الغرب، ويتصل بنهر اكبر. كان الحال، وسيبقى، هكذا دائما؛ نهر اصغر يتصل بنهر اكبر. على ضفاف هذه الانهار، كما في كل مجاري المياه، كانت الحروب تشن عبر الحدود الفاصلة لأن الحياة تجري عبر الانهار والانهار تنفصل او تتحد تبعا للظروف. وعلى طول النهر الكبير نشبت معركة استمرت ثلاثة اشهر. ولأن العدوين كانا متعادلين في القوة فإن الغلبة لم تكن لأحد على الآخر. ولأن الشتاء كان يقترب (فصل الشتاء يتطلب عددا اكثر من الرجال ومعدات اضافية) فقد تحصن الجنود في ضفة النهر، مستجمعين قوتهم لفصل الربيع حين يذوب الثلج وتصبح الارض مخضرة من جديد.

   وامتدت جبهة المعركة عبر النهر كله، ولكن الأنهار لم تكن، ومنها هذا النهر، تبالي فيما اذا فصلت الجبهة بينها ام لا. أمتدت الجبهة الى الجنوب والى الشمال ومن هناك التفت حول النهر الأكبر ثم تابعت سبيلها. ومع خنادقها ومخابئها وحفرها نشرت الحرب الخراب والدمار فوق مساحة من الأرض عرضها 50 كيلومتر محصورة بين النهرين. ولكن الأرض، كذلك، لا تبالي فيما اذا خربت ودمرت الجبهة ريفها وكرومها وقراها وبلداتها.

   ولكن الناس الذين يعيشون على ضفاف النهر كانوا يبالون بالحرب بالرغم من انهم لم يقاتلوا فيها. كانت الشمس والتربة كريمة وملائمة لحياة الإنسان في تلك المنطقة، وهناك عاش الناس. إن الحرب تعني السلب والنهب والتسيد على الناس وحرمانهم من شروط وجودهم. وعندما تباغتهم تُحدث فوضى شديدة في حياتهم. وفي الحرب هناك دائما جيشان متقابلان ( بدونهما لن تنشب حرب) وكل جانب يعمل ما في وسعه لتدمير وتحطيم كل ما هو نافع ومفيد للجانب الآخر. لا يوجد عمل إنسان يدوي او عقلي لا يمكن البرهنة على فائدته للعدو. وهكذا، فإن الطريقة الاكيدة لايذاء العدو هي تدمير كل ما يمكن ان يقع بين يديه. والحرب ليس لها ضمير، فهي لا تستطيع ان تقدر ما الذي يمكن في آخر الأمر ان يكون نافعا لأي من الجانبين. ولهذا السبب فإن طريقة التصرف الأكثر حكمة التي يمكن اتباعها في الحرب هي تدمير كل شيء منهجيا: البيوت، الطرق، الزرع، الماشية، الجسور، المتاحف، وفوق هذا كله البشر أنفسهم ووسائل وجودهم.

   وفي انسحابها نحو الغرب دمرت قوات العدو كل الجسور على الانهار وحطمت كل الزوارق الصغيرة التي لا تستطيع حمل اكثر من عاشقين. (وبما ان العشاق يحب الواحد منهم الآخر فهما يجلسان جنبا الى جنب.) وفي هذا الوقت، قريبا من الجبهة، وحتى بعيدا عنها قليلا، (لأن الجبهة تكون هنا اليوم وفي مكان آخر غدا،) لم يبق جسر واحد ولا قارب او مركب من أي نوع، حتى زوارق التجذيف الصغيرة، التي اخفاها الصيادون بعناية عن أعين الجيش المنسحب، دُمرت من قبل القوات المتقدمة لا لأنهم يحتاجونها ولكن من الجائز ان تكون ذات فائدة للعدو لنقل الجواسيس والمخربين.

وحاول الناس خلف الجبهة اصلاح المراكب التي تجري بين الضفتين ، فالناس يجب ان يواصلوا الحياة في الحرب رغما عنها، ولكنهم افتقروا الى الادوات والمواد لاصلاحها . كانوا يعرفون، كذلك، ان أي قارب جديد سوف يُصادر بالتأكيد. وهكذا، فإن الوسيلة الوحيدة للنقل عبر النهر كانت العبارة العسكرية التي تعمل بالمحرك، فالجيش، بالطبع، يجب ان تكون لديه وسيلة لربط ضفتي النهر. ومع ذلك، فالجيش يوجد من أجل ان يستولي على كل ما يحتفظ به العدو وما لا يحتفظ به وما يحصل عليه ربما.

   كان الجنود على العبارة لطفاء. كل الجنود هم رفاق طيبون عندما لا يكونوا جنودا، وحتى عندما يكونوا باللباس الرسمي، بشرط ان لا يقاتلوا. وهكذا نقلوا بالعبارة المواطنين مع مقتنياتهم عبر النهر، فعلوا ذلك رغبة منهم لأنهم كانوا من نفس المنطقة التي نشبت فيها الحرب. ولكنهم قاموا بذلك فقط في الساعات التي لم تكن العبارة فيها مستعملة من قبل الجيش. كان هذا عملا معقولا طالما ان الجنود كانوا هناك وفعلوا ما كانوا يفعلون بسبب الحرب فقط.

   كانت طائرات العدو تفضل الهجوم خلال ساعات الصباح الأولى، وبالتالي فإن العبارة تعمل في خدمة الجيش ليلا وفي خدمة الناس نهارا. ولكن الناس، رغم انهم لم يكونوا في عداد الجيش صاروا متعودين على نظامه. كانوا يتجمعون حول العبارة مع اقتراب العصر حين يتوقف العدو عن القصف والجيش لما يبدأ بعد بالعبور الى الضفة المقابلة، او عند الفجر، عندما لا يكون العدو قد بدأ هجوماته الجوية بعد توقف الجيش عن عبور النهر. وطوال ذلك العصر، الضبابي والمتجمد والرطب، كما هي اكثر اوقات العصر في الشتاء، خاصة اوقات العصر في الحرب، كانت تسمع ترنيمة جنائزية آتية من الضفة اليسرى، حيث كانت جبهة الحرب. وعلى الضفة المقابلة كان بعض الجنود وضباط ثلاثة، احدهم برتبة رائد في المخابرات المضادة ومعاونه النقيب وملازم أول كان ينظم المرور فوق العبارة، يعرفون ان فلاحا،( لأن الفلاحين هم فقط الذين يندبون ميتهم بشكل لا يرجى علاجه،) كان ينقل من الجبهة جثمان أخيه (او أبيه او أبنه) الذي قُتل في الحرب. كان الضباط يودون البدء باستخدام العبارة حتى قبل ان يحل الغروب من اجل جلب اولئك الناس الفقراء المفجوعين الى الضفة الاخرى. ولكن كان عليهم ان يخفوا الأمر لأن طائرات العدو واصلت الظهور من بين الغيوم كما لو انها تستمتع بمراقبة النهر، الذي لم يكن لونه لا ازرق ولا رمادي بل اصفر وعكرا، وقد اصطفت على جانبه الاشجار العارية، القاتمة والمحجوبة وسط القصب النتن والرمادي اللون والذي يندمج مع نفس لون السماء.

   وأخيرا، جاءت العبارة وهي تنعر،1 خارجة من أجمة القصب لتعبر النهر. وهبطت الغيوم الرمادية المحتقنة الى مسافة قريبة جدا حتى كادت تلامس سطح الماء، وحل الظلام قبل الوقت المعتاد. وقرر الضباط ان خطر طائرات العدو لم يعد قائما.

   كانت الترنيمة الجنائزية في بدايتها تصدر بصوت منخفض ومبهم، ولكنها ارتفعت الآن وتميزت كما لو ان الفلاحين كانوا ينتظرون ان يهدأ صوت المحرك وتُربط العبارة بجانب الضفة. واندفع حشد من الفلاحين وقد احاط بهم قطيع من الماشية، الى العبارة بقوة . وفي وسط هذا التدافع حاول فلاح عجوز بلحية كثيفة ان يدفع الى الامام، بصوت خفيض ولطيف، خيوله الحذرة والخائفة. كان هذا هو اسلوبه مع الحيوانات، وقد زاد عليه الآن وصار صوته اوطأ واكثر لينا لأنه يرافق تابوتا من الخشب الاحمر وضع فوق عربة تجرها هذه الخيول، ولأن امرأة، فلاحة عجوزا حجبت وجهها بمنديل، تشبثت بغطاء التابوت بيد نحيلة كما لو انها لا تستطيع ان تنتزع نفسها منه.

   " أحبتي، خذوني إلى بيتي ودعوني اتفجع." همس الفلاح برقة ساحبا أعنة الخيول بلطف بينما كانت المرأة تبكي بحدة، بائسة، وهي تطوق التابوت بيدها الأخرى.

   وصرخ الضابط النقيب، الأشقر الشعر والمتين الجسم، (لا أهمية لمظهره، المهم هو انه كان ضابطا،) بغضب على المسافرين الذين قفزوا للتو الى العبارة، ليفسحوا مكانا للعربة. وثب فجأة إلى الضفة وانتزع الأعنة وجر الخيول نحو العبارة.

   " أعطني الأعنة، أيها الرجل العجوز، لقد نشأت مع الخيول. وانتم أيها الناس، افسحوا المجال."

   فجأة أحست الخيول بيد قوية وفعالة. وتبعت الضابط وقد شدت آذانها إلى الوراء، وراحت تتحسس قوة لوح المعبر الذي يمتد بين الضفة والعبارة تحت حوافرها. شكر الفلاح الضابط مستخدما كل انواع المديح له ولرجاله. ولكن مشهد الإقرار بالفضل هذا جعل الضابط مضطربا. واجاب بتواضع شديد وهو يفرك يديه كما لو انه يزيل القذارة عنهما " لاشيء، أيها الرجل العجوز. واجبنا هو مساعدة الناس. لهذا السبب نحن هنا. ولكن اخبرني، من هذا الذي تحمله في التابوت؟"

   " من؟" ردد الرجل العجوز بحزن. " احمل حياتي المحطمة، ولدي الوحيد. قبل وقت قصير قدمت ولدين إثنين للحرب، والآن هو الآخر يذهب. هذا ما احمله في التابوت."

   كان من الممكن ملاحظة ان الضابط اراد ان يقول بضع كلمات تعزية يمكن ان تكون اعترافا في الوقت نفسه، على سبيل المثال " نعم، ان للحرب ثمن غال."

   ولكنه لم يستطع ان يجد الكلمات المناسبة، او إنها لم تكن ذات جدوى بالنسبة إليه مقارنة بالحزن الهائل الذي يلف الرجل والمرأة، التي كان واضحا انها أم الرجل الميت. ولذلك بقي الضابط صامتا واكتفى بأن اطلق تنهدة. وبدلا من الضابط النقيب تكلم الضابط الملازم، الذي كان يقف عند دفة العبارة. كان هو الآخر طويلا، أشقر وذو شارب خفيف وحائل اللون جعل ذقنه الأمرد اكثر بروزا. (هذا المظهر ليس مهما ايضا، المهم فقط انه كان ضابطا برتبة ملازم.)

   " ماذا يمكنك ان تفعل؟ الحرب هي الحرب. إنهم يموتون كل يوم. نحن نقوم عدة مرات بنقل أموات اكثر من الاحياء."

   وسأل فلاح عجوز، طويل، نحيل وذو وجه كئيب، الرجل العجوز " ذهبت الى الجبهة لاسترجاع ولدك؟"

   بدأ الرجل العجوز يروي قصته. فقد ذهب مع زوجته حيث كانت الحرب تدور ليوصل الى ولده بعض المؤن ومجموعة من الملابس. لقد قاتل هو في حرب ويعرف ما الذي يحتاجه الجندي. قبل ذلك بيومين وفي الصباح الباكر، هجم العدو. وكما شاء الحظ السيء فقد أُصيب ولده بقنبلة يدوية، ولده الشاب عديم الخبرة الذي لم يبلغ العشرين من عمره بعد. " أُنتزعت احشاؤه كلها" ولم يدركه والداه حيا ولم يستطيعا سماع آخر كلماته.

   كان الرجل العجوز يثير الشفقة حقا، فلم يبد عليه انه شخص ينتمي الى نفسه ولا إلى زوجته. ختمت الأم وهي تتفجع " ماذا نقول بعد؟ إنها نهايتنا. انطفأت نارنا إلى الأبد."

   وقال الفلاح الطويل، الذي صم أُذنيه على ما يظهر عن سماع كلمات الوالدين المفجوعين، وراحت عقدة حنجرته تعلو وتهبط فوق رقبته الطويلة. " ولدي قُتل ايضا قبل شهر، ولكني لم استرجعه. تركته يرتاح الى جانب رفاقه. ولكن، كيف تدبرت أمر التابوت وانت في الجبهة؟ لا يوجد هناك خشب ولا نجارين او أي شيء آخر."

   أستمر الأب يتفجع كما لو انه لم يسمع السؤال. " لا أدري، أنا نفسي، إلى أين ولماذا نحمله. مجرد حماقة فلاح، ان نعزي انفسنا بقبر."

   وافق الضابط النقيب، كما ان فلاحين آخرين نقلوا ميتهم، إذا قلنا الحقيقة، بدون تابوت. وأضاف "السلطة العسكرية تحترم تقاليد الناس، حتى لو كان من المناسب ان يرقد الجندي إلى جانب رفاقه الميتين."

   في تلك اللحظة بلغت العبارة الضفة المقابلة. جفلت الخيول وأمسك الضابط مرة اخرى بأعنتها. وفي هذه المرة تبعته بهدوء، تواقه لوضع حوافرها على الأرض الصلبة.

   كان الطريق يمتد بمحاذاة حاجز على طول النهر. وللوصول إليه شق الجيش وعبد ممرا من مكان النزول الى الضفة خلال الطين وبرك المياه الصغيرة. وعلى هذا الطريق القصير، الضيق والمطوق من جانبيه بالثلج الموحل الذي يتحرك مضطربا بفعل عجلات العربة، وقف المسافرون بصف واحد واستعدوا لابراز اوراقهم الثبوتية للضابط الرائد الذي لم يكن قد ظهر للعيان من كوخه الصغير على الطريق.

   وسحب الضابط النقيب الخيول الى الامام متجاهلا الناس الذين اصطفوا على الطريق. تنحوا جانبا وهم يدوسون الوحل مكرهين لكن غير محتجين. كانوا يفسحون الطريق لرجل ميت يتقدمه، إضافة الى ذلك، رجل بملابس رسمية. ولكن الفلاح العجوز الذي قُتل ولده قبل شهر، إندفع، غير مبال بأحد، نحو الكوخ وهو ينوس2 ويهز عصاه التي يمسك بها بيده اليمنى وكأنه يريد منها ان تساعده في عجلته. وعندما حذره الضابط الملازم بالعودة الى الصف استدار وأتى، وهو يركض، بإيماءة شخص نفد صبره، مشيرا الى الكوخ بعصاه " عندي عمل مهم عليَّ ان اقوم به." وساد صمت مفاجىء، ولم يُسمع سوى صوت عجلات العربة فوق الرمل وصوت الاقدام وهي تخوض في الوحل. وفهم الجميع في الحال ان لدى الفلاح العجوز شيء مهم ذهب ليخبر الضابط الرائد به في الكوخ. ولم يحاول الفلاح نفسه اخفاءه.

   وعندما وصلت العربة الى أعلى الضفة كان الضابط ينتظر هناك. واشار بأن تتوقف. كان الفلاح يتحرك مهتاجا، قافزا هنا وهناك، ويختلس النظر من خلف كتف الضابط وعلى وجهه ابتسامة فضولية ولكنها خبيثة... " نعم، سمعت ذلك بنفسي،" قال بفرحة المنتصر. " يوجد شيء حي في ذلك التابوت. والآن، أيها النقيب، لا تصد عني لأني لم أخبرك. كنت أخشى أنهم سيرمون التابوت في الماء، وانتظرت حتى نعبر النهر حيث توجد السلطات الحكومية. ينبغي ان لا تؤاخذني على هذا ايضا،" قال والتفت الى الوالدين. " إنه واجبنا للإخبار عن أي شيء يثير الشك. الحرب هي الحرب."

   وقف الأب والأم منتصبين وقد اخرسهما الموقف. وثابت الأم الى نفسها أولا وراحت تتلافى ما يحدث. بدأت بشتم الفلاح بسبب اكاذيبه وفظاعته ثم توسلت الى الضابط " كن إنسانا طيبا. دعنا نذهب مع ولدنا الميت ما دام الوقت نهارا." وتشجع الزوج باحتدام زوجته، وتقدم ليقف منتصبا مثل جندي امام الضابط، وراح يدافع بصوت عسكري جليل. " كن شفيقا، أيها الرائد. نحن والدان وهذا ولدنا، وقريتنا بعيدة جدا."  كان الضابط رجلا أسود الشعر، اقرب الى ان يكون شابا، بتعبير يشي بالصرامة والتمرس في مجال عمله. ( بالطبع، ليس مهما كيف كان يبدو مظهره، المهم انه كان رائدا.) وعندما رد على الفلاح لم يكن ينظر إليه وهو يقف امامه ولكن الى شخص غائب تقضي الأنظمة التحدث إليه بصوت مهذب ولطيف. " ليس عليك ان تقلق. سنحسم كل شيء طبقا للأوامر."

   وتقدم نحو العربة. نقر على التابوت بسبابته وامر بأن يُفتح. وبسرعة حل الجنود التابوت وانزلوه من العربة. رمت الأم بنفسها عليه باكية " بيتي، بيتي المهجور."

   ولم يستطع الجنود ان ينتزعوا المسامير من غطاء التابوت. ومنح هذا الأمر شجاعة جديدة للأب فراح يدافع ويلتمس مرة اخرى. " لا تصب اللعنة على روحك، أيها الرائد، ليكن عندك قليل من الاحترام لمشاعرنا."

   وبدا ان الضابط لم يكن يصغي، ربما كان مشغولا بتدقيق مستندات المسافرين. وعلى اية حال، قال للأب، او ربما لرجل يقف في الصف. "حسب النظام، كل شيء يجب ان يتم حسب النظام."

   ومرت شاحنة اومأ الضابط لسائقها ان يتوقف، رافعا يده وفيها بعض الاوراق الثبوتية وقد راحت ترفرف في الهواء. وفهم الضابط النقيب ما الذي يجب عليه القيام به دون ان يطلب منه. وسأل السائق ان يعطيه زوجا من الكماشات ومطرقة. وبلطف منه حاول الضابط ان يأخذ الأم بعيدا عن التابوت. ولكن الأم، وقد التبس عليها الموقف واستغلق عليها الكلام، بقيت على الارض، راكعة، وهي تطبق قبضتيها باحكام على عظمتي خديها، وتنوح، يائسة على بيتها المهجور وحظها الأسود.

   ونزع الجنود المسامير عن غطاء التابوت خلال لحظات قليلة، واصدر الضابط الرائد، وقد اكمل تدقيق مستندات المسافرين، أمره بأن يُرفع الغطاء. في الداخل، تمدد شاب أسود الشعر، لم تنبت لحيته بعد وقد لبس ملابس الفلاحين. أدار عينيه وتحرك لينهض، ثم ابتسم محرجا وبقي مستلقيا على ظهره.

   "هذا ولدك؟" سأل الضابط.

   قال الفلاح " ولدي، ولدي الوحيد. الآخران قُتلا."

   " هرب من الجبهة؟"

   " لا، لم يهرب. أردت ان احفظه من الموت حتى يحافظ هو على دمي في نسله. ما قيمة الارض وما قيمة البيت وما قيمة المنزلة الرفيعة امام هذا كله، وما الفائدة اذا تحطمت حياتي؟"

   راقب الناس المشهد بفضول ولكن الضابط أمر بابعادهم فانسحبوا قبل ان تشرع البنادق. وتحرك سائق الشاحنة بسرعة بعد ان أُعيدت إليه ادواته. ومن الواضح ان ما كان يحدث لم يثره، ربما كان لديه اشياء اكثر اهمية ومتاعب تخصه.

   وبقي الفلاح الطويل وحده واقفا في العراء. لم يطلب منه احد ان يغادر. ووقف هناك مثل شخص له الاولوية في البقاء. وحدث نفسه " كنت اظن ان في التابوت جاسوسا او ما شابه. لم أرد الاذى لاحد. أقسم بالله، اقسم بالله..."

   وتكورت الأم بجانب التابوت، وراحت تزيح الشعر المبلل عن جبهة ولدها وتشجعه. " لا تخف، يا ولدي العزيز، انه رجل طيب. انه من حكومتنا. حكومة الشعب."

   وتشجع الولد وجلس منتصبا في التابوت. ولكن الضابط اشار له ان يستلقي. ارتد الولد الى الوراء وتمدد بلا حراك وكأنه ينفذ أمرا.

   قال الضابط " أيها النقيب، قم بواجبك."

   بسرعة، وكأنه كان ينتظر الأمر فقط، سحب الضابط مسدسه من قرابه واسقط طلقة في حجرته. وبدون تردد، أمسك الضابط الملازم الأم من كتفيها، ولكن بلا خشونة، وانتزعها من ولدها، ثم اقامها على قدميها واخذها جانبا. وبنفس الطريقة دفع جندي بماسورة بندقيته الأب الى جانب زوجته.

   ومشى الضابط النقيب الى التابوت وتوقف عنده. اطلق النار على الشاب في قلبه ببراعة وسرعة الى الحد الذي بدا فيه ان صدى الانفجار قد تردد حتى قبل ان توضع ماسورة المسدس على مقربة من صدر الشاب، وقبل ان يكون للوالدين المصعوقين والمشلولين وقت لادراك ما يحدث.

   وبدا ان الشاب نفسه فقط فهم ما يحدث عندما اخترقت الرصاصة صدره. صرخ وتمدد مثل قنطرة مقوسة. وارتطم رأسه وذراعاه برفق على الخشبة ثم، فجأة، هبط كل جسمه في التابوت كما لو انه تلاشى تماما.

   " والآن خذوه بعيدا." قال الضابط الرائد بصوت غاضب. " نحن نؤدي واجبنا وسوف نستمر في تأديته." اضاف بصوت رقيق.

   لم يسمعه الوالدان. رميا بنفسيهما فوق جثة ولدهما، يبكيان ويصرخان بنوبات من الحزن والأسى.

   وسحبهما الجنود بعيدا عن التابوت بحزم، ولكن بلا خشونة، واعادوا التابوت بعناية الى العربة، ثم ربطوه مرة اخرى، بسرعة ووضعوا الغطاء بجانب التابوت دون ان يجدوا الوقت والادوات لاغلاقه كما كان. وتوجب على العربة ان تغادر باسرع ما يمكن لأن السيارات العسكرية كانت تنتظر في صف على الطريق. وحالما وضع الجنود التابوت في العربة بدأت الخيول بالتحرك من دون ان يقودها احد. وركض الوالدان خلف العربة. قال الفلاح العجوز الطويل لنفسه مذهولا " كيف كان عليَّ ان اعرف، كيف كان عليَّ ان اعرف؟"

   ومن ثقب عقدة في الخشب حدثت في قعر التابوت سال الدم، داكن اللون صامتا.

   وابقت الأم يدها فوق التابوت، منتحبة بشكل مبهم، ومشى الأب بجانب الخيول نادبا بصوت عال وناسيا في هذا الوقت ان يحثها بلطف على السير. قال الضابط الملازم " غريب أمر هؤلاء الفلاحين. انظر إليهم. إنهم يندبون ويبكون تماما كما فعلوا في بداية الأمر." لم يسمعه احد. كان الجميع مشغولين بأمر الشاحنات على ضفة النهر الكبير.

______________

1- تنعر. تصيح وتصوت. والنعير (مص): الصراخ والصياح في شر أو حرب. (المنجد)

2-  ينوس. يتحرك مضطربا ومتذبذبا. (كذا)

3- ترجمت القصة عن:

World's Best Contemporary Short Stories, USA, 1965

(War) By Milovan Djilas, Page (311-319)

   4- عنوان القصة الأصلي (الحرب) ولكننا اخترنا عنوان (الهروب من الحرب) لكونه يتماشى مع مضمون القصة ولا يتعارض مع العنوان الأصلي.

   5- سبق لنا ان ترجمنا هذه القصة ونشرناها في احدى الصحف المحلية العراقية قبل خمس

       سنوات. ونظرا لأهميتها نعيد نشرها على موقعكم المحترم بعد اجراء بعض التعديلات

       على النص المترجم. للعلم لطفا.

   6- في حال نشرها سنرسل لكم نصوص قصصية مترجمة أخرى.

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته