|
اخترت هذا العنوان ليس اعتباطا بل للنظر في علاقة السياب بالسياسة
وتحديدا علاقته بالحزب الشيوعي العراقي، وهل فعلا كان السياب شيوعيا
؟متأثرا بالأفكار الفلسفية الماركسية وهل حقا أن السياب قرأ الكتابات
الماركسية الكلاسيكية وأستوعبها استيعابا كاملا؟ أم أنه تأثر بشكل
عاطفي بسيط لا يتعدى كونه قد سار مع الركب آنذاك وشارك في نشاطات اتحاد
الطلبة العام في دار المعلمين العالية وكذلك شارك في المظاهرات في وثبة
كانون وانتفاضة تشرين وغيرها من الحركات وألاضرابات التي كان للحزب
الشيوعي دور واضح في تنظيمها والمشاركة الفعالة فيها ، ولابد من
الإشارة إلى أن السياب أنحدر من عائلة بصرية أصيلة من ملاكي الأراضي
وعندهم فلاحين وأقتان يعملون عندهم وشاهد أنواع الظلم في ذلك الواقع
أيام الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي وعندما أنتسب إلى الحزب
الشيوعي لم يتمكن السياب آنذاك من القراءة الجادة للفكر الماركسي
بكلاسيكياته المعروفة فهل حقا أن السياب قرأ كتاب ((الرأسمال))
و((ألإيديولوجية الألمانية)) و((العائلة المقدسة ))و((نقد فلسفة الحق
عند هيغل)) و((نقد برنامج غوتة))و((ديالكتيك الطبيعة)) وغيرها من
المؤلفات الكلاسيكية الألمانية والماركسية من مؤلفات (( ماركس وأنجلز
ولينين وبليخانوف )) ؟ وألاساطين ألآخرين من منظري الماركسية في القرن
التاسع عشر والقرن العشرين ، فهل نستطيع القول أن السياب حين أرتد
وهاجم الشيوعية ومؤسسيها في جريدة شوفينية ضيقة ألأفق كان قد سيرته هذه
الجريدة واحتوت أزمته المعروفة مع الحزب الشيوعي العراقي التي ابتدأت
عام 1954السنة التي صدرت فيها مجلة(( الثقافة الجديدة)) ونشرت لعبد
الوهاب البياتي أحدى قصائده ولم تنشر قصيدة السياب ، وقد نشر ((صفاء
الحافظ )) القيادي الشيوعي في أحد أعداد هذه المجلة لاحقا موضوعا
تفصيلا عن علاقة السياب بالحزب الشيوعي العراقي وكيف وما هي العوامل
التي أدت إلى انفصاله وتركه الحزب وقد سألت الكثير من القياديين قي
الحزب الشيوعي وكذلك مجموعة من الشعراء الذين عاصروا السياب وقد أتفق
الجميع على أن السياب قد أسيء فهمه من قبل الشيوعيين وكان السبب في ذلك
يعود إلى تصرفات البياتي وحساسية بدر المفرطة اتجاه التصرفات غير
المسئولة لكثير من الشيوعيين آنذاك ، وعلى ما أعتقد أن السبب الرئيسي
يعود إلى أن الأديب كائن حساس يعيش أحيانا عزلة أبداعية تفرض عليه
أحيانا سوء فهم يبدو أحيانا مفتعل من قبل الآخرين وكذلك يعيش هذا
الأديب مبتعدا عن الآخرين محاولا أن يشق طريقه لوحده فينأى بنفسه ليجعل
من خطوته متفردة مما يدخله بمعارك يخرج منها خاسرا في كثير من ألأحيان
، وهنا لابد من الرجوع إلى موقف المثقف ودوره في معارك عصره وكونه يجد
نفسه مقذوفا في موقف يحتم عليه أن يضع بصماته فوق صفحة الحياة اليومية
، وكلنا على يقين بأن ألأديب له حساسية خاصة بالرغم من أن الكثير من
المثقفين خاضوا تجارب مريرة مع حركة اليسار العراقي ولآجل عدم الإطالة
في دور المثقف والإشكاليات الإبداعية والسياسة وخصوصا في تجربة السياب
الذي عاد من تجربته مع الشيوعيين منهكا ،فعمره القصير أولا ومرضه
المبكر وموهبته الكبيرة ألتي أسيء فهمها من قبل الكثير وكذلك فترات
البطالة التي أثقلت عليه معيشته، فالسياب هذه الموهبة الكبيرة عاش
معدما ومات معدما وفي زمن الجمهورية وبالرغم من أن السياب أمتدح الزعيم
عبد الكريم قاسم كثيرا في كتابه ((كنت شيوعيا ))ألا أنه عاش غير منسجما
مع الحكومة آنذاك ومعروف للجميع الحادثة الشهيرة يوم كان السياب يصبغ
حذاءه في أحدى ساحات بغداد ويقول لصباغ الأحذية ((أصبغ لنا ألأوحد))
استهزاءا بالزعيم الذي كان يلقب آنذاك بالأوحد وكان يكررها عدة مرات ،
حيث أوصلها رجال الاستخبارات العسكرية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم وبعد
اشتداد المرض بالسياب استدعاه الزعيم عبد الكريم قاسم وقال له ((
سنرسلك إلى أحدى المستشفيات في لبنان للعلاج ولكن حين تصبغ حذاءك في
شوارعها حاول أن توصي صباغ الأحذية بتلميع الأوحد جيدا ))فعرف السياب
وقتها أن هناك من أوصل هذه الحادثة إلى الزعيم بالرغم من إنكاره لها ،
وكذلك معروف جيدا قصائده التي أيد بها سلطات الانقلاب الدموي عام 1963
وهذا يدل على عدم وضوح رؤية السياب السياسية أمام قضايا عصره وكذلك
تأثره السريع والعاطفي وعدم أخذه المواقف السياسية بمنظار جاد وكأنه
ذلك القروي البسيط في قرى الجنوب في أبو الخصيب وجيكور وباب طويل وباب
سليمان وحمدان ، ويبقى لابد من الإشارة إلى أهمية التأكيد على أن
السياب لم يستطع أن يقرأ جيدا الموضوعات المهمة الساخنة في الخطاب
الماركسي ومنها الإلحاد وقضايا استغلال الإنسان للإنسان وكون الشيوعي
يحمل أفكار ألحادية يكون حتما إنسان لا أخلاقي في حياته اليومية وهذا
بالطبع فهم ساذج غير فكري ، وعندما نقارن بين السياب شاعرا وبين أراعون
الشاعر الفرنسي الذي جاء إلى الماركسية من السريالية بصخبها وأحلامها
ولا عقلانيتها ليصبح شاعرا ملتزما يعبر عن ضمير فرنسا الحي ويشارك
مشاركة فعالة في ثورة الطلبة حيث قاد مظاهرة اليسار مع جان بول سارتر
والكثير من فلاسفة اليسار والتي أنطلق من باريس باتجاه الشانزليزية ضد
مظاهرة اليمين التي قادها أندريه مالرو ومورياك تأييدا للجنرال ديغول ،
وللسياب مواقف كثيرة منها انعزاله المبالغ فيه عن حركة الجماهير حيث
يذكر فاضل العزاوي في كتابه(( الروح الحية))أن السياب والحزن يملئ
عينيه ينظر من بعيد إلى الجماهير التي خرجت تأييدا للزعيم عبد الكريم
قاسم والتي قادها الحزب الشيوعي بعد محاولة الاغتيال الفاشلة في شارع
الرشيد ، بالرغم من أن الزعيم عبد الكريم قاسم هاجم الشيوعيين في خطابه
في كنيسة مار يوسف وزج بهم في السجون ولم يتخذ الشيوعيين أي موقف من
حكومة الزعيم بالرغم من سيطرتهم على الشارع السياسي وبعد انقلاب شباط
حمل الشيوعيين السلاح ودفعوا الثمن غاليا من تصرفات العسكر وميليشيات
الحرس القومي ، وهنا لابد من توضيح أشكاليت مهمة وجد الشيوعيين أنفسهم
فيها مما دفع السياب ألى ردود فعل استطاعت جريدة الحرية البغدادية التي
كان يصدرها قاسم حمودي أن تسخرها إلى أهدافها الخاصة وقد أساءت هذه
المقالات للسياب لأنها مقالات سريعة وساذجة ، فبالرغم من أن السياب
أختلف مع الشيوعيين لكن كان من المفروض أن يترك خلافاته جانبا ويطرح
الكثير من آراءه بشكل جدلي وفلسفي لان السياب حين أنتسب مبكرا لخلايا
الحزب الشيوعي واتحاد الطلبة العام لابد أنه كان على قناعه ولو أولية
بالأفكار الماركسية التي شكلت في وقتها ثورة ضد استغلال الإنسان
للإنسان ، وليس دفاعا عن الشيوعية وفلاسفتها فهي لا تحتاج إلى محامي
دفاع لأنها استطاعت أن تكتسح جميع البلدان وبالرغم من الإخفاقات التي
تعرضت لها فأن حركات اليسار عادت في أمريكا اللاتينية وانتعشت الحركات
الثورية الجديدة من وحي أفكار((خوزيه مارتي)) القائد ألفلاحي وجيفارا
الثائر العالمي الاممي الذي لم تمت روحه وظلت أفكاره في سماء أمريكا
اللاتينية.
وللسياب ملاحظات خاصة تجعل من الشاعر يغير قناعاته بطريقة تبدو للمتلقي
غير مبررة حيث يطلق التهم على شخصيات عاصرها أثناء فترة انتسابه
واعتناقه للشيوعية ، وللسياب كثير من الاتهامات اللا أخلاقية تجعله غير
دقيق في تشخيص العلة فهو يخطى كثيرا لعدم تحليله لظواهر عاصرها وهنا
نتذكر الفيلسوف روجيه غارودي والكثير من الأدباء والكتاب الذين اعتنقوا
الشيوعية وتخلوا عنها ، وغارودي حين هاجم الكثير من الممارسات التي
عاصرها أثناء عمله في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي ، على
الرغم من الفارق الكبير بينه وبين السياب في تشخيص الكثير من الأخطاء
فالماركسية ليست ديانة غير قابلة للجدل ولا هي تعاليم سماوية بالرغم من
أن الكثيرين حاولوا أن يجعلوها غبر قابلة للجدل وما أرتكبه ستالين من
أخطاء وما أرتكب غيره ساهم في أنهيار الكثير من الممارسات الاشتراكية
التي حاولت أن تنصف الإنسان وتجعل منه أثمن رأسمال ، وحتى اللذين
اعتنقوا الشيوعية وجدوا في الدول الرأسمالية ذات التقاليد الليبرالية
العريقة مأوى وخلاص من أنظمة الشرق التي تستعبد الإنسان وتضطهده ،
والأفكار العظيمة لا يمكن لها أن تزول طالما أن هناك ظلم اجتماعي فلابد
من يوتوبيا وأحلام بالمخلص الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ،
ولابد من شمس الحرية العظيمة وبالرغم من الممارسات السيئة التي عاصرها
السياب من رفاق دربه الذين لم يكونوا في الحكم آنذاك إلا أن تلك
الأفكار العظيمة التي فتحت للأجيال طريقة جديدة يستطيع بها الإنسان أن
يحتج ضد الظلم الاجتماعي ويسدد الضربات لعالم الرأسمال اللا أنساني
وللشاعر مزاجه الخاص وأفكاره المتميزة ولكن لا يعفيه من أتخاذ مواقف
مشرفه أمام قضايا عصره الرئيسية ، واليوم يحتدم الجدل حول كثير من
شعراء المديح الذين ساهموا بقصائدهم وبطواعية كاملة قي حروب الدكتاتور
ضد شعبه وجيرانه ، والكثير من هؤلاء كان على قناعة وللان وغير نادم على
ما فعله بالأمس ولنأخذ يوسف الصائغ هل أجبر على الموقف الذي أتخذه
اتجاه رفاق الأمس ، فهو من مثقفي الحزب الشيوعي البارزين فكيف أرتد
بهذه الطريقة البائسة وكان الأولى به أن يصمت أسوة بالآخرين رفاقه
الذين سلكوا هذا متجنبا موضوع (قصة حب فاشلة ) التي نشرها في جريدة
الثورة البعثية كي يتقرب من حميد سعيد وسامي مهدي اللذين كانوا عرابوا
المؤسسة آنذاك وقد ذهب طواعية لينغمر في مؤسسات السلطة ، فهل شعر
بالذنب والخجل وهنا أتذكر مقولة يستعيرها سارتر من كارل ماركس أثناء
تقديمه لكتاب فرانز فانون ( معذبو الأرض ) والذي يصور فيه فضاعات
الإعمال الوحشية التي ارتكبتها فرنسا أثناء احتلالها للجزائر ويطالب
الشعب الفرنسي بالخجل من هذه الإعمال ويكرر مرارا أن(الخجل عاطفة
ثورية) وهي مقولة ماركس السالفة الذكر والكثير ألان حتى لا يحاولون
ممارسة هذه العاطفة والتكفير عن ذنوبهم السابقة ولكن تبقى إشكالية شاعر
السلطة إشكالية متداولة مع الأزمان وناقشها الفيلسوف الفرنسي جان بول
سارتر في كتابه (مواقف) وكذلك في كتابه عن بودلير حيث أتهم بودلير بأنه
(طفيلي يعيش على طبقة طفيلية) ويقصد بالطبقة الطفيلية الطبقة
البرجوازية التي كان يتقاضى الهبات والهدايا منها ، وكثيرا ما كنت أسئل
الشاعر محمود البريكان عن سر ابتعاده عن السلطة وامتيازاتها أسوة
بالذين هرولوا طواعية ومرغمين إلى أبواب الملوك ومعروفة لدى الجميع
الحملة المسعورة يوم أستدعى صدام كتاب الرواية لغرض التداول معهم حول
رواياته الهزيلة التي كان يصدرها آنذاك ، حيث لم يتجرأ أحد على التخلف
وعدم الحضور ، فكان للشاعر محمود البريكان رأي خاص بشعراء المديح من
المتنبي إلى ألجواهري إلى شعراء المديح الذين طبلوا لقادسيات صدام
المتكررة وتمجيد شخصية الدكتاتور بطريقة فجة وسخيفة ، كان البريكان
يقارن بين شعراء المديح وقرود السيرك بتصرفاتها المضحكة ويبقى الشاعر
وموهبته وأحكامه والتزاماته رهن لأحكام التأريخ وعلى ما أظن أن سلطة
الشاعر والأديب أعلى من سلطة العروش فالعروش والذين يلهثون وراءها إلى
المزابل ، وعند العودة إلى سيرة السياب تتجلى مأساة الشاعر حينما يكون
بلا قضية وحين يبتعد عن القضايا المصيرية ، ولنا عودة أخرى إلى الشاعر
سعدي يوسف في إشكالية موضوعة الشيوعي الأخير التي أثارت الجدل الكثير
بينه وبين رفاق ألامس ، وكذلك إشكاليات الخطاب الماركسي بشقيه الفلسفي
والسياسي وعلاقته بالأدب والإبداع وانعكاس ذلك على ألأدباء ووضعهم
النفسي واضطرار أكثرهم للانسحاب والانعزال ، ويبقى السياب خير ضحية
للآشكاليات والصراعات السياسية في الخمسينات والستينات يوم كان الحزب
الشيوعي سلطة بجوار السلطة القائمة آنذاك، ورحم الله أحد قيادي الحزب
الشيوعي يوم قال لي أننا قد أسئنا فهم السياب واضطهدناه وأضفنا له مرض
على أمراضه الدائمية ، ويبقى السياب الشاعر الأول في القرن العشرين في
أبداعه وشعره ، ويبقى الشاعر الحقيقي هو الذي يحمل صليبه ويترك على
صفحة الزمن بصماته الواضحة .
كريم
عباس زامل
اتحاد الأدباء
والكتاب - البصرة
|