-2-
دنا ليل الشتاء الطويل وبدأ الظلام يهبط من جديد على
محلة (باب السيف.) لم يعد (شفيق) يسمع، جالسا خلف شباك الغرفة المطلة
على الدرب، حركة المارة في الزقاق القديم التي يسكن فيه منذ اكثر من
عشرين سنة. كان الرعد يقصف بين حين وآخر فيرجف البرق وتضيء السماء
الدرب الضيق للحظات ثم يعم الظلام المكان. كانت السماء تتلبد منذ أيام
بغيوم رمادية، والصباح يضيء بنوره متأخرا ويكاد يتصل بالليل في ظلمته.
ولكن المطر لم ينزل طوال تلك الأيام العصيبة التي مرت على الرجل الجالس
خلف الشباك وامرأته الجالسة على سجادتها.
" اللهم صلي على محمد وآل محمد " قالت المرأة.
" لا تخافين " قال الرجل دون ان يلتفت إلى المرأة.
كان يجلس على الأريكة الملاصقة للشباك المطل على الدرب وقد لف جسمه
النحيل ببطانية وتكور على نفسه، يرهف السمع، منتظرا، داعيا وراجيا.
" ما اخاف كل شي بيد رب العالمين " قالت المرأة
ونهضت إلى صلاة جديدة. " راح اصلي تحتاجني "
" لا " قال الرجل دون ان يلتفت إلى المرأة، مركزا
إنتباهه إلى الخارج.
كانا يعيشان وحدهما في البيت منذ ان خرج ولدهما
الوحيد من الدار ذاهبا إلى الكلية قبل اكثر من شهر ولم يعد حتى ذلك
الوقت. كان هو رجلا متقاعدا في الستين، شاب شعره وشحب وجهه واحمرت
عيناه خلف نظارة طبية قديمة. ولأيام بعد غيابه بحث عن ولده؛ ذهب إلى
الكلية التي يدرس فيها في اليوم التالي وسأل زملاءه عنه، وذهب، في
البدء مع أهله وأقاربه ومعارفه، يبحث ويسأل عنه في مراكز الشرطة
والمستشفيات. وبعد ان تعب الجميع من البحث والسؤال بقي هو وحده يبحث
ويسأل في كل مكان من بغداد وضواحيها حتى تعب هو الآخر. ولكنه لم ييأس
ولم يتخل عن الأمل في عودة ولده في أية لحظة، في الليل أو النهار. كان
يخرج في النهار، في الجو البارد أو الممطر، يمشي في شوارع المدينة
الرئيسية وشوارعها الخلفية ومحلاتها وأزقتها ودرابينها، ويتجول في
أسواقها الشعبية وتجمعاتها التجارية. كان ينتقل بعينيه بين الناس
والأمكنة، لا يدري من يسأل وأين يبحث بعد دون أن ينتبه أو يلتفت إليه
أحد إلا عندما يصطدم بواحد من الناس وهو يمشي ملتفتا هنا وهناك. وحين
يتعب ويشعر ان ساقيه لم تعودا تقويان على حمله يجلس على رصيف شارع أو
على دكة باب دار ليستريح بعض الوقت قبل ان يعود إلى البيت مع صلاة
الظهر. كان يجد زوجته جالسة على سجادتها تصلي أو تقرأ القرآن فيتعجب
لصبر هذه المرأة وهدوءها وإنشغالها بعبادتها التي تمتد لساعات طويلة من
اليوم. ويحاول ان ينام بعد ان يأكل قليلا وقد هده التعب والإرهاق ولكنه
سرعان ما ينهض ويذهب ليجلس بجانب الشباك المطل على الدرب ليمضي أكثر
الليل ينتظر، راجيا وداعيا، وقد أرهف سمعه لأية حركة، أن يمر احد ما في
الدرب ويطرق عليهما باب الدار. كان يحاول، اذا ما تعب من الإنتظار، ان
يجد ما يشغله عن التفكير الممض وتناسي ما يهمه ولو الى حين حتى ينصرف
الليل؛ يحاول ان يقرأ ويحاول ان يكتب ويحاول ان يستمع إلى أخبار العنف
والقتل والأغتيالات والتفجيرات والسيارات المفخخة في بغداد ويحاول
النوم دون ان يصيبه الأرق ويحاول ان يتبادل الحديث مع زوجته. وكانت هي،
إمرأة في الخمسين أو أكثر قليلا، تلتفت إليه بين وقت وآخر، جالسة على
سجادتها، أمامها تربتها وبيدها سبحتها تدعو وترجو بعد كل صلاة.
" إلى متى تبقى على هذا الحال الدنيا بارده وأنت
كاعد يم الشباج " قالت. " كوم يا عيني توضه وصلي ركعتين لوجه الله
واطلب منه يفرج عن الولد " أضافت قبل ان تبدأ بالتسبيح من جديد.
" لو اعرف مكانه حي لو ميت ياكل يشرب ينام "
قال وسكت قبل ان يضيف ملتاعا " لو اعرف منو اخذه وليش اخذوه "
" إنت مو كلت سألت اصدقاءه بالكلية كالو شفنه جماعة
راكبين سيارة سحبوه من الشارع بعد ما طلع من الكلية دخلوه بالسيارة
وتحركو بسرعة "
" صحيح لكن منو ذوله الجماعة وليش اخذوه "
" ما نعرف الله الذي يعلم كوم عيني توضه وصلي
ركعتين "
" لو اعرف منو اخذه لو اعرف ليش اخذوه " قال وهو
يشد على الكلمات. كان شعور بالفقدان يعصر قلبه وإحساس بالخسارة
يؤلمه.
" وحده آلاف مثله شباب ما حد يعرف عنهم شي اللي
انقتل واللي مات بالانفجارات واللي انخطف واللي انذبح واللي اتهجر من
يوم دخلوا الأمريكان إلى بغداد قبل سنتين الى هذا اليوم " قالت، تخفف
عنه. " يا الله عيني كوم توضه وصلي ركعتين " كررت عليه بلطف.
" ما عندي غير هذا الولد يا عالم " قال. " ادعي له
على الصلا يا مره دعاك مستجاب انت انسانه مؤمنه "
" آني ادعي له ليل نهار يرجع إنشاء الله يرجع
وتفرح بي " قالت " تعال صلي ركعتين عيني " اضافت بلطف زائد.
" وتشوفه عيني " قال متحسرا.
" ليش لا الله قادرعلى كل شيء " قالت بثقة. " كوم
عيني عن الشباج الدنيا باردة واخاف تستبرد تعال صلي "
وقصف الرعد مرة اخرى. رجف البرق وأضاءت السماء الدرب
الضيق القديم للحظات ثم ساد الظلام في المكان. وفي تلك اللحظات كان
يرهف السمع ويحد البصر في الدرب المظلم والصامت.
" اللهم صلي على محمد وآل محمد بردا وسلام يا رب
العالمين "
" لا تخافين " قال شفيق.
" ما اخاف رب العالمين بيده كل شيء " قالت. "
تعال عيني صلي ركعتين حتى الله سبحانه وتعالى يفرج عن الولد " أضافت
تستحثه.
فكر، إنها إمرأة مؤمنة؛ صابرة ونفسها مطمئنة، تعرف
كيف تواجه محنتها وتقوى عليها. لم يرها تبكي على ولدها ولا مرة بينما
كان هو يبكى على ولده بصمت في الليل وهي نائمة عندما تهيج عليه مواجعه.
ولم يرها ولا مرة تنتظر مثله، قلقة وملتاعة. إن لديها ما تنشغل به.
وماذا لديه هو، فكر، الرجل المثقف والكاتب الذي أمضى اكثر من عشرين
عاما يقرأ ويكتب وينشر دون ان يجد يوما في القراءة والكتابة ما ينشغل
به عن هموم وأحزان علقت بقلبه وأنهكت عقله منذ ان كان شابا لا يزال ،
ولا ان يخفف من حياة الوحدة والإنزواء التي يعيشها؟ وزاد الأمر سوءا
تركه لوظيفته مبكرا وتقاعده لشعوره بالقيد الذي كانت تمثله له. ولكن،
وجد في ولده الوحيد (ضياء) وهو يكبر أمامه الفرجة التي يمكن ان يطل
منها على عالم جديد، مضيء ومنفتح يحيا فيه حياة مستقرة وهادئة بلا
هموم ولا أحزان ولا رغبة في ان يكون وحيدا ومنزويا. كان الولد يكبر
أمام عينيه وتحت رعايته شابا متفتحا، مندفعا، طموحا، ذكيا، متفوقا،
مؤدبا، نقيا، طاهرا، غير ملوث بقذارات الحياة. وكان يرى فيه تعويضا
عادلا عن السنوات التي ضاعت من عمره.
وتحرك من مكانه. ذهب ليتوضأ. ولاح ان شيئا من
طمأنينة النفس والصبر يتسلل إليه عبر هذه المرأة المؤمنة، الصابرة،
القوية على محنتها. وقبل ان ينتهي من الوضوء سمعها تنشج، وعندما اقترب
منها بدأت تبكي، وحين وقف على السجادة ليبدأ الصلاة راحت تنتحب بمرارة
مثل أم فُجعت بولدها. وحاول ان يمضي في تأدية الصلاة.
ahmedjassimalali@yahoo.com