ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

عزيز الحاج

Aziz.Alhaj@yahoo.com

 كتاب راحلون وذكريات1,2,3  

 

 

 

 

ولد عزيز الحاج على حيدر في الكاظمية من أبويين عراقيين كرديين [ فيلييّن].
 أكمل دراسته العليا في كلية دار المعلمين العالية عام 1947 [ صارت كلية الآداب].
 انضم للحزب الشيوعي العراقي عام 1946 وصار من كوادره وكتابه. وسجن في نوفمبر 1948 بحكم السجن المؤبد. ومر بسجون مختلفة حتى ثورة 14 تموز 58 .
 بعد الثورة أوكلت له مهمات تنظيمية وصار من الكتاب البارزين في الحزب الشيوعي. ورقي لمركز مرشح اللجنة المركزية في ربيع 59

 أرسله الحزب لموسكو للدراسة ثم لبراغ  لتمثيل الحزب في المجلة الشيوعية الدولية.
 عاد للعراق سرا عام 1966 وانتخب عضوا في المكتب السياسي.
 في أيلول 67 انفصل عن اللجنة المركزية ومعه كوادر وقواعد شيوعية وراحوا يعملون باسم الحزب الشيوعي ـ القيادة المركزية حتى اعتقاله في شباط 69
 ترك العمل الحزبي بعد إطلاق سراحه في صيف 69 .
 في 1971 عين مندوبا  للعراق في منظمة اليونسكو الدولية التربوية.
 بعد خروجه من الوظيفة انفصل كليا عن النظام وانصرف للكتابة والتأليف، وأصبح من الكتاب العراقيين الذين يدينون سلطة البعث، وكتب في ذلك عشرات المقالات الصحفية.
 ألف ونشر أكثر من ثلاثين كتابا، وآخر كتبه هو [ شهادة للتاريخ..] الصادر عام 2001 والذي يلخص فيه ويقيّم سيرته السياسية بروح النقد الذاتي الصارم ويعيد النظر في الكثير من مسلماته العقائدية السابقة من موقع ديمقراطي لبرالي.
 يواصل الكتابة في الصحف العراقية والمواقع الألكترونية.

 


الفصل الأول: صورة الحاج (الوالد)
 


مدخل موجز: لماذا هذا الكتاب؟
لم أغفل الكتابة عن أبي والوالدة والعديدين من الشخصيات العراقية، من أقاربنا أو أصدقائه، وخصوصا شخصيات كردية فيلية جديرة بالذكر والتعرف عليهم جيد والوفاء لهم.
أجل ، لقد كتبت صفحات كثيرة ولكنها متناثرة، وهؤلاء يستحقون مني وممن عرفهم أكثر من ذلك.
كتبت عنهم في "بغداد ذلك الزمان" و"ذاكرة النخيل" و"شهادة للتاريخ"، وفي روايتي |دفاتر الشخص الآخر،[ لكن بأسماء مستعارة]، وفي كتب لي أخرى، ولكنهم يستحقون مني كتابا منفردا خاصا بهم. وهو هذا الذي هو قيد الإعداد.. ]
*******************
من الطبيعي أن أبدا بالوالد لما له من كبير فضل علي، ولما أشعر نحوه بكل عرفان، مقرونا بالشعور بالخطيئة لأنه لاقى الأمرين بسبب انخراطي في السياسة ربع قرن، ولأنه مرت علي لحظات سياسية لم أقدر نصائحه أو ملاحظاته، أو طلباته، كما كان علي أن أفعل.
الحاج هو اسمه الحقيقي، إذ هو لم يزر مكة للحج، ولكنه اسم كردي، أصله "أجي" أو "حاجي"، فراح أصدقاء الوالد من العرب يدعونه "حجي" أو "الحجي"، وأحيانا "حاجو". وأما في الوثائق الرسمية، فهو الحاج علي حيدر.
كتب عنه مؤخرا شقيقي الشاعر جليل حيدر في قطعة بعنوان " صورة الحاج في الخمسينات"، بدأها هكذا:
" استهلال: لابد من سترة صيفية بيضاء، وبنطال رمادي، ماركة سيرج. لابد من علبة دخان بلاييرز، وجريدة ونشرة أخبار. ولابد أيضا من أغنية على البال، أو بيت شعر.
"هذا هو الحاج في أماكنه المألوفة: العمل في كمرك الرصيف، [ المدرسة المستنصرية]، والغداء في مطعم شريف وحداد، ثم استراحة البيت. هو الآن يتهدج مستعيدا بيتين أثيرين لديه من قصيدة للجواهري:
" سلام على مثقل بالحديد ويشمخ كالأسد الظافرِ
كأن القيود على معصميه مفاتيح مستقبل زاهرِ"
ويتذكر ابنه السجين..."
تعقيبا، كانت بدلة الوالد المفضلة في الشتاء سترة رمانية وبنطالا رصاصيا غامقا، وكان أول ما أتذكر عن سجايره ماركة الكلدفلاك، وكنت أذهب للسوق أحيانا لشرائها له مع البيرة، وفيما بعد، انتقل للبيلايرز، كما يذكر جليل. وفي حوار متخيل مع الوالد في "دفاتر الشخص الآخر"، [ الطبعة الأولى عام 1986 والطبعة الثانية في 1991 – بيروت]، نقرأ التالي:
-" ولدي نجيب [ عزيز ].. ما بالك حزينا يا ولدي؟"
- "حلمت بك يا أبتاه. كما لو أنك قد فارقت الحياة. رأيت كأن مبنى ضخما انهار عليك، ففقدناك".
- " ولكنني، يا ولدي، قد فارقت الحياة حقا. ما بالك! أفقدت الذاكرة والتاريخ!؟".
- "حلمت وكأنك ترحل عنا إلى الأبد، وبكيت.. كنتَ لابسا بدلة السبورت الأنيقة كالمعتاد: السترة ذات اللون الرماني – القرميدي، والبنطلون الرصاصي الغامق، والرباط المشجر.. رايتك أنيقا كما في صورتك هذه أمامي لأيام زمان".
ويمضي الحوار ليشكو الحاج لولده ما كان يتعرض له من حسد على ثرائه وبذخه وسهراته وأولاده، فيجيب [نجيب]:
- " أعرف، أعرف، جيدا. ذكرناك منذ أيام في لندن مع عمي [ محمد علي ] ومع [ سلمان شكر].. وقد أعادا ذكريات تفاصيل حية طوتها صفحات النسيان ، وحدثاني عن أمور كنت أجهلها حتى الآن. وأنت اليوم في نظري أروع وأكبر".
- " يا للوفاء.. وكم في الدنيا من عقوق ونكران للجميل!.. وبينهم من كافأني بجزاء سنمار.. لا تذكّرني بما فات، فإنك لتزيد لوعتي وأنا عنكم بعيد".
****
لم يعاتبني والدي يوما، ولا أمي، على الطريق السياسي الذي كنت قد اخترت رغم السجون والمعتقلات، والذي كلفهما، وكل العائلة، مشقات كبرى، بما فيها ملاحقة أعمال أبي، واعتقاله، وزيارات أمي لسجن نقرة السلمان الصحراوي البعيد على الحدود السعودية، وهي تحمل معها في كل مرة كمية كبيرة من الطعام وعددا كبيرا من البجامات، عارفة أنها سوف توزع جميعا على الرفاق ولن يكون لي منها نصيب غير ما هو مقدر لكل من الآخرين. وبلغ من اندماج الحاج بقضيتي أن سمى أحد ولديه، [ من أم جليل، إذ كانت له زوجتان]، باسم سلام لأنه لأنني اعتقلت مع سلام الناصري وكنا صديقين. وسمى ولده الأخر باسم سامي لأنه عرف أن لي صديقا عزيزا في السجن اسمه سامي أحمد. وحين ولدت لنا أخت دعاها "عاملة". واما والدتي الحاجة جيران فتاح - وهي حاجة بحق - فقد كنت أحملها أكثر من مرة رسائل سرية للحزب، وما كان أكثر فرحها وحزنها في آن حين زارتنا معا في سجن بعقوبة قبيل ثورة 14 نموز: الفرح كان كان صارخا وهي ترانا جنبا لجنب، وأما مسحة الحزن، فلم تخف علي برغم محاولتها كتمانه. وبالمناسبة، فقد كانت من صديقات أمي في زيارتها لسجن النقرة شقيقة الشهيد مهدي حميد وأم الزعيم الشيوعي الراحل زكي خيري وكانت امرأة مسنة، يشع وجهها بالصفاء والطمأنينة والحنان. وقد علمت في العقود الأخيرة أن الوالدة كانت تسلم رسائلي السرية للمناضلة الغالية ثمينة أم إيمان، زوجة حسين الرضي، وكانت ثمينة صديقة حميمة لشقيقاتي منذ بداية الأربعينات. ولعلم القارئ المهتم، فإن ثمينة تعيش اليوم في موسكو مع البنات والأحفاد، وهي متعبة للغاية، وتتلفن من وقت لوقت لشقيقتي فريدة في فرنسا. راجيا لها من القلب الصحة والعمر المديد، ولا أعرف إن كان هناك من يسألون عنها ويتابعون أخبارها من الساسة اليساريين العراقيين.
*****
اعتقل الوالد أسابيع في معسكر أبو غريب في أعقاب انتفاضة 1952، وبتهمة تدبير هروبنا السجني الفاشل لأواخر 1952. وقد هددوه بالتسفير باعتباره فيليا من خانة "التبعية"، فسخر منهم أمام كل المعتقلين معه، كما نقل لي في حينه أحد السجناء الشيوعيين الذين نقلوا لنقرة السلمان. وكان أبي قد توسط للشهيد حسين الرضي، [سلام عادل] عام 1949 حين فصل من التدريس فوظفه في المدرسة الفيلية ببغداد، وكان الوالد من مؤسسيها ومؤسسي الجمعية الفيلية. وتعرف والدي على الرضي كان بواسطة ناجي يوسف، والد ثمينة أم إيمان، زوجة الرضي، وكان ناجي يوسف مديرا عاما للتربية لسنوات طويلة، وكان بين العائلتين تزاور ما بين بغداد وكربلاءحين كان ناجي يوسف يعمل هناك. وعندما انتصرت ثورة 14 تموز استضافت دارنا في كرادة مريم فريقا من كوادر وقادة الحزب الشيوعي الخارجين توا من السجن ومساكنهم خارج بغداد لحين التحاقهم بالحزب. ثم أقام وليمة كبرى في حدائق الدار حضرها قادة وكوادر الحزب وشخصيات ديمقراطية ولفيف من السجناء المحررين للتو. وحين أعاد الزعيم عبد الكريم قاسم الملا مصطفى البرزاني للعراق، مكرما كل التكريم، أقام الحاج له وليمة كبرى في حدائق الدار وألقى خلالها كلمة ترحيب حماسية.
كان للحاج شعور عميق بالانتماء للوطن العراقي، بجانب شعوره العميق بانتمائه الفيلي، وكان يحب جعفر أبو التمن، ثم أحب بقوة، بعد الثورة، الزعيم عبد الكريم. ولقد ذكرت في مناسبات أخرى خلافي مع الحاج أحيانا بعد الثورة. فمثلا، ذات ليلة، قال لي بكل جد وحرص:" ما لكم تطاردون الرجل، [ أي قاسم]، بالمطالب والمظاهرات والمذكرات والمقالات، مطالبين بمطالب ليس هذا وقتها، ومترفعين عليه وكأنكم أساتذته وتعلّمونه ألف باء السياسة..." لم أطق نقده، ولم أجب، ولكنني غادرت المنزل زعلان إلى بيت قريب وبقيت هناك أياما.
كان الحاج علي حيدر متعهد عمال شحن ونقل في الكمارك، ومقره الرئيسي كمرك الرصيف في مبنى مدرسة المستنصرية التاريخي قبل ترميمه وتحويله لمتحف. وكان العمال من فئة الحمالين من الأقلية الفيلية وبينهم العديد من الأقارب البعيدين والقريبين. وقد اقترف حنا بطاطو خطأ كبيرا حين سجل أن مهنة والدي كانت الحمالة، إذ فهم خطأ كلمة "حمال باشي"، التي كان المتعهد، أو الملتزم، يوصف بها أحيانا، أي متعهد الحمالين. والحمالة على أية حال مهنة شريفة من عرق الجبين. وقد صححت الخطأ مع ظهور الطبعة العربية من كتابه الكلاسيكي عن العراق. وكان من بين الكتاب الذين عينهم والدي في الكمرك قاسم حمودي،الذي كان لا يزال طالبا في كلية الحقوق. وكذلك زميله ابن عمي محمود شكر، الذي تخرج محاميا، وصار حاكما في العمارة، وكان ذا ثقافة واسعة، ومن المساهمين في تشجيعي على القراءة وأنا في المتوسطة. وقاسم حمودي صار بعدئذ من مؤسسي حزب الاستقلال القومي، ومن أولاده سعد قاسم حمودي.
كان الحاج يعتبر من أغنياء الكرد الفيلية في بغداد، وكان مقر عمله محورا للكثير من اجتماعات الشخصيات الفيلية والعراقية. وكان من بين ممتلكات أبي دار كبيرة في الكاظمية تشرف على خط ترامواي بغداد – الكاظمية، وله شناشيل جميلة. وفي ذلك البيت ولدت عام 1926، ونشأت علاقة حميمة بين وبين جديتي، التي كانت تأخذني للمسجد الكاظمي يوميا، وتزجرني بلطف حين كنت أطارد أسراب الحمام الآمنة هناك.
كان الحاج منفتحا اجتماعيا/ وله أصدقاء من مختلف الأديان والمذاهب والاتجاهات السياسية والمناصب الحكومية، ومنهم وزراء. وكانت شقيقاتي سافرات، وفي 1949 أرسل شقيقتي الصغرى، فريدة الحاج، لمصر لتدرس طب العيون في جامعة الإسكندرية. أرسلها وحيدة سنوات وعادت طبية ناجحة بامتياز، واشتغلت في مستشفيات بغداد، ثم في بعض الدول العربية حتى حل بها المطاف في مستشفيات فرنسا. أما شقيقتي الوسطى، لطيفة، فتخرجت اختصاصية في كيمياء التربة، والشقيقة الكبرى، المرحومة صفية، تخرجت من كلية التجارة. وأذكر أن أحد الأقارب طلب يدها خاطبا، ولكنها لم تكن تريد الزواج، فكتبتتُ رسالة لوالدي سلمتها له بيدي، راجيا منه صرف النظر واحترام رأي شقيقتي. فكان لها ما أرادت. وكان من عادتي أن أكتب للوالد في قضايا كهذه لأن تأثيرها عليه كان أكثر. كذلك عرف كيف يربي أخواتي وإخواني من أم جليل، وكيف يدخلهم المدارس ولا يبخل عليهم، المرحومة وفية صارت موظفة في مصرف الرافدين، والمرحومة نجاة مدرسة، وهكذا مع البقية. أما جليل، الذي انحاز لليسار هو الآخر، فهو من شعراء التجديد العراقيين المعروفين، وذو ثقافة واسعة وله أسلوب جميل، شعرا ونثرا.
لقد ساهم والدي بنشاط في تأسيس الجمعية والمدرسة الفيليتين بعيد الحرب العالمية الثانية، وكان المؤسسون، على ما أتذكر، هم الآتية أسماؤهم ما بين مثقفين وتجار:
محمد مهدي نيازي؛ إبراهيم بشقة من المثقفين وهو من أقارنا وشقيق محمد بشقة، [الذي سوف أعود إليه]، وجاسم نريمان ومهدي ساخان، مدير المدرسة، والمحامي عبد الهادي باقر ملا نظر، ومحمد شيرة، و الحاج أحمد محمد، والحاج نوخاس مراد، وشكر رضا [ أمّو أو عمّو]، والحاج علي. وشكر رضا الذي كنا نسميه "عمّو"، كان من بين أكثر الظرفاء الذين عرفت في حياتي، وكنت أستأنس كثيرا بحضوره، وقد عمل مرة بائع تذاكر سينما ثم جامع اشتراكات المدرسة الفيلية.
ها هي صورتهم معلقة أمامي، وقد تفضل بتزويدي بها قبل سنوات الشخصية الشخصية الفيلية المعروفة والسفير حاليا، عادل مراد، وهو أحد رموز حزب الاتحاد الوطني الكردستاني. فله الشكر والامتنان.
في تلك المدرسة، تطوعت لتدريس اللغة الإنجليزية في الصفوف المتوسطة أواخر 1947 للتدريس مع صديقيّ الشيوعيين في كلية دار المعلمين العالية، الشهيدين ممدوح الآلوسي وعبد الأحد المالح- الأول، وكان من تكريت، اغتاله البعثيون في سنوات الثورة، وعبد الأحد كان من بين ضحايا انقلاب 8 شباط الدموي.
كان والدي يحب المطالعة وله مكتبة لا بأس بها في البيت، وكان قد بلغ الخامس الإعدادي وترك، وكان يتقن اللغة الإنجليزية بدرجة مناسبة ويعرف شيئا من الفرنسية والفارسية. كما كان يحب الشعر، ويردد أحيانا أبياتا للجواهري وأخرى لابن زيدون الاندلسي. وفي مجالس أنسه مع أصدقائه كان يحب الترنم ببيت الجواهري:
هزي لهم ردفا إذا رغبوا ودعي لنا ما جاور الردفا!
وكان الحاج صديق الجواهري منذ الثلاثينات ومن زملاء سهراته خارج البيت. وأذكر أنني كنت أرى في الغرفة الجانبية لمقر عمل الحاج نسخا كثيرة من أول ديوان للجواهري، وأذكر أن غلافه كان أحمر اللون. وقد عرفت أن الوالد اشترى تلك الكمية من الكتاب تشجيعا وكان يوزع منها على أصدقائه. وفي 1944 ذهبت إلى لبنان، حيث كان الحاج يزور شقيقي الكبير المسلول، المرحوم عبد الأمير، وزرت أخي معه في المصح، ثم انتقلنا جميعا لبحمدون. وقد تركنا أخي هناك وسافرنا لدمشق بالسيارة. وأذكر أنه عندما بلغت السيارة مشارف دمشق رأينا الجواهري يسير وحده، فقال أبي: هذا هو الجواهري. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى مطعم فوجدنا الجواهري هناك مختليا وبيده قلم وأمام علبة سجاير يكتب عليها. عرفت أنه كان ينظم قصيدته الكبرى في مهرجان المعري: " قف بالمعرة وامسح خدها التربا". وهي القصيدة التي لقاها في المهرجان بعد عودتي، ولما وصل الشاعر لبيته :
"لثورة الفكر تاريخ يذكرنا بأن ألف مسيح دونها صلبا" ،
وقف طه حسن وهو يصيح متحمسا :" ألف، ألف، مسيح".
صداقة الوالد مع الجواهري دامت عقودا، وقد أشار الجواهري لذلك في مذكراته.
كان الحاج سخيا، غير مقصر على عائلتيه اللتين على عاتقه ولا على أقارب أو معارف في ضيق، ولكنه كان أيضا متلافا، ولم يكن يفكر في المستقبل. صرف الكثير على شقيقي عبد الأمير، وعندما عاد من مصحات لبنان استأجر له دارا فسيحة في الكرادة الشرقية مطلة على النهر ليبتعد عن تلوث مركز بغداد وضوضائه. ومن قبل عبد الأمير، كان قد أرسل قريبنا عيدان في الثلاثينات لنفس المصح، ولما توفي، ذهب بالطائرة لجلب جثمانه.
مع تقدم السن، ومشاكل العمل والمضايقات، هبطت أحواله المالية، وباع قطع أراض وعقارات كان يمتلكها. وتردت صحته من الإرهاق والسهر، دون أن يساعده من كان سخيا عليهم ويعينهم في الأفراح والملمات، باستثناء عمي الحاج محمد علي حيدر، الذي وفى للوالد حتى النهاية. ولما خرجت من المعتقل في صيف 1969 ذهبت إليه وهو في دار عائلة أخي جليل، وبقيت معه أياما وهو شبه مشلول. ولكنه كان قوي الذاكرة، وسألته عن تهديده في المعتقل بالتهجير، فضحك وردد جوابه لآمر المعتقل بمنتهى التهكم. وكان يقول لي:" هل حقا سوف تبقى بجانبنا؟"، قاصدا نهاية رحلاتي السجنية.
في أواسط 1970 وأنا في باريس، وقد خرجت من المستشفى توا بعد عملية للعين، جاءني السفير العراق الدكتور محمد المشاط إلى فندقي الصغير يحمل لي نعي الوالد. وقد توفي دون ان يصل الثمانين، وتوفيت الوالدة بعده بسنوات، في منتصف 1984 وهي بعمر ما قبل الثمانين أيضا. وها أنا- ويا لأعاجيب الحياة!- قد تجاوزت الثمانين منذ عامين. فقولوا لي: كيف يمكن للولد أن يكون أكبر سنا من أمه وأبيه؟!!!
- له صلة-

 

الفصل الثاني: محمد بشقة..

 

ليست هذه الفصول سيرا للشخصيات التي تتناولها، ولكنها لمحات وصور من حياة كل منهم كما عرفتهم، وما تخطر على البال من ذكريات معهم، أو أحاديث سمعتها عنهم. ومثالي في كتابة هذه الفصول كتاب "هكذا عرفتهم" لفقيد الأدب والصحافة جعفر الخليلي، وكنت قد كتبت عن كتابه أكثر من مرة، وله في كتابي هذا مكانه بالطبع.

للراحلين الطيبين ديون في أعناق محبيهم من الأحياء، شخصيات سياسية كانت، أو أدباء و فنانين ومفكرين وكتابا، أو رجال دين مصلحين منفتحين، أو أثرياء يعينون المحتاجين، أو أفرادا في العائلة، ألخ.. وحين أذكر الأثرياء هنا، تحضرني أخبار كارثة هايتي ومأساة سكانها المروعة، وأنظر إلى تسارع المساعدات الغربية، وبالمقابل، عدم اكتراث دول العرب والمسلمين النفطية وأثريائهم. وقال لي صديق: "هل تأمل أن يساعدوا أهالي هايتي وهم مسيحيون، وفوق ذلك سود، وهم، عندهم، مجرد "عبيد"...""؟!!!

كما توصلت وأنا في أواخر العمر إلى أن البطولات درجات وأنماط، فمن استشهد من أجل قضية عادلة هو بطل يستحق التمجيد، ورجل الإطفاء، الذي يلقي بنفسه في النار المشتعلة لإنقاذ طفل أو امرأة او عجوز، هو بطل على طريقته، والعائلة التي تأوي مناضلا في سبيل الشعب، تطارده قوى الأمن، هي أيضا بطلة على طريقتها، وبدون وعي منها.

لم يكن محمد بشقة، [ توقفت عنده في كتابي "بغداد ذلك الزمان"]، رجلا سياسيا، ولا من الشخصيات العراقية العامة، ولكنه، مع ذاك، كان من أكراد الفيلية البغداديين المعروف بينهم، هو وشقيقه إبراهيم بشقة الذي كان من مؤسسي الجمعية والمدرسة الفيليتين ببغداد.

رجل سامق القامة، بعينين زرقاوين، وشعر ذهبي، ووجه صارم جاد بلا تجهم، يلقي النكتة دون أن يبتسم وكأنه يحادث نفسه،ويكبت عواطفه، فهو يطرب للموسيقى دون أن تبدو عليه علامات النشوة سوى دندنة خفيفة مع النفس كما كان يفعل كلما سمع تلك الأغنية التركية الجميلة، الناعمة، التي لا يزال صداها العذب يطرب كياني. وعائلة بشقة كلهم منفتحون على الغير، مهذبون للغاية، ويحبون المرح، والسينما، كما أنهم جميعا، نساء ورجالا، من ذوي العيون الزرق والشعر الذهبي وكأنهم وفدوا من بلد إسكندينافي.

عرفت الراحل في طفولتي وصباي الباكر وبداية شبابي وبعد الأربعين، حين خروجي في منتصف 1969 من معتقل قصر النهاية. وسواء هو، أو زوجته المرحومة خيزران، فهم من أقاربنا المقربين، وكان التزاور بيننا مستمرا.

شغل محمد بشقة في العشرينات وظيفة ملاحظ إداري في السليمانية، وقد ساهم في وضع قواعد اللغة الكردية باللهجة السورانية مع خبراء أكراد وإنجليز. وأذكر يوم سافرنا لزيارتهم في السليمانية في منتصف الثلاثينات، وكان في استقبالنا في كركوك، وركبنا السيارة معا. ولن أنسى قراءته لوالدي بيت شعر عربي جاهلي دون أن أعرف المناسبة. البيت هو :

هوى ناقتي خلفي وقداميَ الهوى فإني وإياها لمختلفانِ

ولما كان حريصا جدا على نقاوة اللغة الكردية بمختلف لهجاتها، وكان يتكلمها بلا كلمات غريبة، فقد أنشد لنا أيضا بيتا للشاعر الكوردي "فائق بي كس" يستهزأ فيه بمن يتكلمون كردية نصفها عربي. والبيت يقول على لسان هؤلاء:

وزارة أشغال خوش جَهِد كِردي طريقْ سياراتْ لبنجوين بِردي

أي إن وزارة الأشغال بذلت جهدا طيبا بإيصال طريق السيارات إلى بنجوين. ربما ثمة نكهة قومية ضيقة في هذا الحرص على نقاوة اللغة. والحق، أن الكثيرين من الشبان الفيلية في بغداد كانوا يتكلمون كردية فيها كلمات عربية غير قليلة وذلك بحكم المعايشة اليومية والثقافة العربية. وكنت من هؤلاء.

ومرة أخرى ونحن في الطريق من السليمانية إلى مصيف سرجنار، رأيته يقول للوالد فجأة بالكردية الفيلية: " اشتر لنا "وابورا"، وكان يقصد أسطوانة محمد عبد الوهاب :" يا وابور قل لي رايح فين." هكذا كان يصوغ جمله. وقد علمت منذ عامين أنه أرسل ذات مرة في بداية الخمسينات زوجة ابن عمي المحامي محمود شكر إلى قريبنا الشخصية السياسية المعروفة حبيب محمد كريم لتردد له باللهجة الفيلية المثل الكردي: "يا ديك، يا ديك ، اختبئ، اختبئ، حذرا من بطش الأسد."، وكان بذلك يحذره من مراقبة رجال الأمن له بسبب نشاطه في الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان جعفر محمد كريم، شقيق حبيب، من مؤسسيه عام 1946- علما بأن العائلتين تقربان لبعض. وبعد السليمانية، وقبل بغداد، كان الفقيد قد اشتغل سنوات في كربلاء أيضا.

ومع أن بشقة لم يشتغل بالسياسة أبدا، فإنه هو الذي ساعد المناضل الدكتور جعفر محمد كريم على الهروب في أواخر 1948 على ما أتذكر، وكان قد صدر على الفقيد جعفر أمر بإلقاء القبض عليه، وربما تسفيره أيضا. وقد اختفى أياما في دار محمد بشقة حتى دبر له الأخير الهروب لإيران من خانقين بواسطة أقاربنا هناك، ومنهم أحد أعمامي. وكنت أنا أيضا قد اختفيت في دار بشقة في الكرخ لمدة أسبوعين من أواسط 1948 قبل انتقالي لدار حزبية. وفي الخمسينات، لجأ إليها أيضا لبضعة أسابيع شقيقي الشهيد لطيف الحاج. كل ذلك، ومحمد بشقة يستقبلنا الواحد بعد الآخر بكل سماحة وكرم وكأننا ساكنون معه أصلا وجزء من عائلته، ودون أن يخطر بباله أن ثمة خطرا عليه من وراء حمايتنا. كان يفعل كل ذلك كأمر طبيعي، وبلا تأفف ولا امتعاض ولا تردد.

كان محمد بشقة من المثقفين البارزين بين الكورد الفيلية البغدادية، وكان يتقن الإنجليزية والتركية والفارسية والفرنسية، فضلا عن الكردية والعربية. وخلال الحرب العالمية الثانية وبعيدها، كان يشغل وظيفة "مدير تحريرات" في المديرية العامة للدعاية، وكان لها اسم آخر،[ربما مديرية المطبوعات]، ويرأسها- حسب ذاكرتي- ناجي القشطيني. وخلال وجودي لديهم عام 1948، كان يجلب لي كل يوم من الدائرة صحفا عربية وإنجليزية، ويطلب مني أن أؤشر له على ما يخص العراق منها.

بعد خروجنا من السجن في عهد ثورة 14 تموز كانت دار محمد بشقة في مقدمة من زرتهم، وعلمت منهم أن ابنته الطبيبة، المرحومة الدكتورة فضيلة بشقة، لها مع المرحوم زوجها، [ وكان طبيبا أيضا ومن الأسرة النجفية المعروفة آل عجينة]، عيادة طب في النجف. ولما أخذني للنجف، في الأسابيع الأولى للثورة، الشهيد سلام عادل بمعية الشهيد محمد حسين أبو العيس، ورفاق آخرين، فقد كنت أتمنى لقاء فضيلة بعد غياب عشرة أعوام. وبالفعل، التقيت في مقهى بالصديق الشهيد حسن عوينة، فأخذني ذات ليلة لعيادة الدكتورين، وبقيت معهما بضع دقائق لكيلا أشغلهما عن عملهما. وحسن عوينة كان ممن تعرفت عليهم في السجون وأحببتهم كثيرا. وقد كان مثالا للمناضل الصلب الذي يهب نفسه للقضية وهو دائم الابتسامة، وكان معروفا بالمرح، ونظم الشعر، وإلقاء النكات. وقد استشهد هو الآخر عام 1963 على أيدي زبانية الحرس القومي الأوغاد. فسلام على ذكراه، وعلى ذكرى رفاقه الميامين.

كان محمد بشقة نموذجا لأناس طيبين بالفطرة، يخدمون الغير دون انتظار البدل، وهو بمخاطرته بإيواء سياسيين مطلوبين لرجال الأمن، كان، ومن حيث لا يدري، أحد أبطال شعبنا المجهولين، وما أكثرهم، من نساء ورجال.

وفي كتابي عن بغداد لم أنس ذكر طرف من هوس الراحل بالنظافة، فكان يتجنب مصافحة أحد، فإذا صافحوه، كان يبقي يده ممدودة حتى تسنح له فرصة غسلها. وقد استغل أبي وناجي يوسف هذه الناحية للمزاح مع الفقيد، فكان ناجي يوسف يظل يشد على يده مطولا المصافحة هن عمد، ومحمد بشقة محرج لا ينبس بحرف. ومن الصدف، أن السينما الأميركية ابتكرت مؤخرا شخصية محقق بوليسي خاص، اسمه "مونك"، هو شديد الذكاء، وخارق الملاحظة، وله قدرات هائلة على تشخيص المجرم رغم تعقيدات الجريمة، ولكنه، في الوقت نفسه، مهووس بالنظافة، فلا يصافح أحدا، فإذا صافحوه، سارعت مساعدته لإعطائه ورقة تنظيف طبية.

من المؤلم، أن صورة محمد بشقة لم تكن عندي عندما طبعت آخر كتبي، "شهادة للتاريخ"، وإلا، لكان لها في الكتاب مكان بارز. أما ما يؤلم أكثر، فهو أنني شخصيا لم أطلع في الملفات المنشورة عن الفيلية ذكرا للراحل، وهو الذي يستحق فيها ذكرا بامتياز.

20 كانون الثاني 2010

 

[الفصل الثالث]  هكذا عرفت جعفر الخليلي      

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن المرحوم جعفر الخليلي، فقد نشرت عنه في السنوات المنصرمة أكثر من مقال، وكان عنوان أحدها "شخصية فريدة أحببتها".

عندما كنا في الصالحية، في أواسط الأربعينات، كان من جيراننا الشهيد جعفر الأوقاتي وعائلته وأشقائه. وعندما خرجت من السجن في أواخر تموز 1958 كانوا لا يزالون في نفس الدار المواجهة لنا وبين العائلتين تزاور وعلاقة وثيقة. وعندما خرجت من معتقل قصر النهاية في صيف 1969، كانت زوجة الشهيد وأبنائه لا يزالون في دارهم، ولكن تبين أن جيراننا في الدار التي كانت تقابلهم كان يسكنها الأديب والصحفي الفقيد جعفر الخليلي وزوجته وبناته.

 لم يكن لي من قبل سابق معرفة شخصية بالمرحوم، وإن كنت قد قرأت له منذ الأربعينات مقالاته وتعرفت على الصحف التي كان يصدرها.

عرفت منذ الأيام الأولى أن العلاقة بين العائلتين قوية للغاية والتزاور كان يوميا. وبعد ظهر يوم من الأيام قالت لي المرحومة والدتي: " هيا بنا لدار الخليلي فهو مريض ويجب أن تزوره معي."

دخلنا الدار، وبعد السلام على حرمه وبناته، صعدنا إلى غرفته العلوية التي كان طريح الفراش فيها. سلمت عليه ففرح، وما كدنا نتبادل كلمات أولى حتى غمرني شعور وكأنني أعرف هذه الشخصية منذ زمن بعيد، وشعرت إزاءه بإلفة ومودة، خصوصا وكان حديثه ظريفا طليا، وهو نفس أسلوبه في الكتابة.

 

ولما سافرت للخارج وبقيت، ظللت أراسله ويراسلني، وأزوره عند وجودي في بغداد كلما سنحت الفرصة. ولدي بعض رسائله الظريفة، وملؤها روح المودة وبأسلوب ظريف، حيث لا تكاد رسالة منها تخلو من الحديث عن قطط  دارنا وكانت بالعشرات، فيكتب عنها بمبالغة متعمدة متفكها، [ الملحق].

 كان الفقيد  شخصية ثقافية وصحفية واجتماعية معروفة، تتميز بالسماحة وسعة الأفق والاطلاع الواسع وحب النكتة، حيث كان من بين ألمع الظرفاء العراقيين. وقد ولد من عائلة دينية معروفة في النجف، وكان  شقيقه عباس الخليلي أحد  قادة حركة النجف عام 1919 وبعد سحقها هرب للخارج.

 

ترك جعفر الخليلي العراق بإرادته احتجاجا على حملات النظام البعثي الصدامي الفاشي ضد حوالي ثلاثة أرباع مليون من العرب الشيعة والأقلية الكردية الفيلية الشيعية، وكان تهجيرهم بأشد الأساليب قسوة وهمجية، وسحبت من العائلات كل أوراقها العراقية الرسمية ليوضعوا على الحدود الإيرانية وهي مليئة بالألغام. وقد تناولت تلك الحملات التي تمت بحجة "التبعية " لإيران، عددا من أفراد عائلة الخليلي مع أن الأسرة عراقية أبا عن جد، ومن البيوتات الدينية الشهيرة. وقد توفي الخليلي في دولة الإمارات العربية، بعد اللجوء أولا للأردن.

 

 إن الذي يقرأ مؤلفات الخليلي ومجلدات صحيفته " الهاتف" يستطيع أن يشكل صورة دقيقة عامة عن أوضاع العراق عامة والنجف خاصة في النصف الأول من القرن المنصرم. ويقدم الخليلي لنا في العديد من كتاباته صورا عن الصراع بين القديم والجديد في النجف عهد ذاك، كما يصور لنا بريشته النابضة صور عشرات من الشخصيات العراقية والعربية التي كان قد تعرف عليها، وبينها ساسة ورجال دين شيعيون، لو قارنا بهم من يدّعون اليوم تمثيل شيعة العراق، لصحنا فزعا: " أين الثرى من الثريا!" فأين هؤلاء من أمثال محمد رضا الشبيبي وجعفر أبو التمن وسعد صالح والسيد أبو الحسن ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء وهبة الدين الشهرستاني، ومحمد الصدر، وأمثالهم عهدئذ؟!

 

يحدثنا الخليلي، مثلا، عن المعركة الفقهية الكبرى في أواخر العشرينات وبداية الثلاثيات بين المصلح الديني اللبناني محسن الأمين وآية الله السيد أبي الحسن من جهة، وبين علماء دين  آخرين وبعض خطباء الحسينيات من الجهة الأخرى. وكان الأمين وأبو الحسن يدعوان لإعادة النظر في بعض المراسيم والطقوس المذهبية في محرم، كالتطبير وضرب السلاسل على الصدور والظهور، ويفتون بتحريمها، ولكن الآخرين، وهم القوى المحافظة والمتزمتة، وقفوا ضدهما بدعم هائل من العوام. وكان الخليلي من دعاة الإصلاح ويدعم موقف العلاّمتين المذكورين، وكاد المناوئون يفتكون به بسبب موقفه.

 

يقول الخليلي، وهو يتحدث عن هياج الرجعية الدينية ومن معهم من العوام ضد الشاعر أحمد الصافي النجفي، إن المحافظين الجامدين كانوا يكفرون النابهين والخارجين على التقاليد البالية "حتى وإن بلغ هؤلاء النابهون والمفكرون درجة [الاجتهاد]، فهم كفار في نظر هؤلاء الجامدين، وطالما سقط علماء فحول في الفقه والأصول من أعلى القمم  إلى الحضيض بكلمة واحدة من أولئك الجامدين المتحجري الأدمغة، ومن التابعين لهم من العوام. ولقد لقيت أنا نفسي من العبث والأذى ومحاولة الاغتيال، وحرق كتبي، وحرق بيتي، يوم كنت أصدر [الفجر الصادق] و[الراعي] و [الهاتف] في النجف، تلك الصحف التي حاربت فيها- وأنا يومئذ شاب كثير الحماس ، جريء إلى حد ما- التقاليد البالية التي كان من بعض نتائجها أن سقطتُ مضرجا بالدماء أمام بيتي ذات ليلة وأنا أحاول دخول الدار، فلم أعِ إلا وأنا غارق في بحر من الدم، وظللت ملازما للسرير أياما بسبب الجروح" [ عن كتاب "هكذا عرفتهم" في الفصل عن الصافي النجفي].

ويستشهد الخليلي بقول الصافي عمن كانوا يهاجمونه:

صفعتهمُ حتى برى صفعهمْ يدي          ودستهمُ حتى غدا النعل باليا

ركلتهمُ دهرا فأصبحت أعرجا            وألقمتهم نعلي فأصبحت حافيا

 

ترى ماذا كان سيكتب الخليلي ويقول الصافي النجفي لو كانا في عراق اليوم، وفي هذه الأيام العبثية بالذات، عراق تطيير الاتهامات والإشاعات وتهييج العوام، وإصرار بعض أطراف الشيعة من السياسيين على البقاء في السلطة ولو على أشلاء الآخرين، وبضياع العراق! وكيف يمكن مقارنة رجال دين من أمثال السيدين القبانجي وجلال الدين الصغير بالمرحومين كاشف الغطاء وأبي الحسن وهبة الدين الشهرستاني؟!   

 

كما ينقل لنا جعفر الخليلي حملة رجال الدين الرجعيين في أواسط الخمسينات على المفكر والباحث العظيم الدكتور علي الوردي واتهامه بمعاداة الدين وتحريض السلطة ضده، ودفاع الخليلي عنه بكل جرأة.

ويحدثنا أيضا عن شجاعة السيد هبة الدين الحسيني [أو الشهرستاني] في الدفاع عن فتوحات العلوم الطبيعية الحديثة وتفنيد التفسيرات الخرافية للظواهر الطبيعية، التفسيرات التي كانت تستند لقصص ولآيات يساء تفسيرها، كظاهرة  مثل كروية الأرض.

يقول الخليلي:

"وكان لأولئك المعارضين لانتشار العلوم الطبيعية والمحرمين لقراءتها أداة من الأخبار والروايات يزعمون أنها تمثل روح الإسلام وأهدافه"، فتصدى لهم هبة الدين وأصدر مجلة [العلوم]، مضحيا بمكانته في سلم الاجتهاد الديني.

يظهر أن الخليلي باع بيته بجوارنا عام 1974، حسب رسالة منه لي في العام نفسه، ولكن العلاقات العائلية ظلت قوية ومستمرة حتى بعد هجرته من العراق. وقد كنت أتتبع أخباره، وعلمت رفضه العودة رغم مساعي النظام السابق لاسترضائه. وكان نظام البعث، في مناورات لتحسين صورته، يسعى لاسترضاء بعض الأدباء ممن كانوا خارج العراق، فاحتفوا بالجواهري في بغداد، في السبعينات، وخصصوا راتبا تقاعديا للشاعر الصافي النجفي وهو مريض في لبنان، ثم نقلوه لبغداد للعلاج بعد إصابته بالجروح خلال الحرب الأهلية اللبنانية. أما الخليلي، فقد كان ممزق القلب لتشريد أفراد عائلته وأسرته، فلم يقبل وساطات الوسطاء. وحدثتني السيدة فريدة الخليلي في رسالة بعثتها لي عن تشتت آل الخليلي في أرجاء العالم فتقول:

" وهكذا، يا سيدي، تشتتنا، ولا تتصور عدد الجنسيات المختلفة التي حصلت عليها مجموعة كبيرة من أسرتنا، وهي الكندية [حيث في كندا أكثر من 45 نفرا من آل الخليلي] والإيرلندية والأميركية والإنجليزية والألمانية والنمساوية والفرنسية والسويدية، [في السويد أكثر من 22 نفرا] والسورية والأردنية." وتتحدث السيدة العزيزة عن تأثر المرحوم بجيرتنا القططية وتذكر أنه كان يكتب لصحيفة خليجية بانتظام، وفي مرة أرسل مقالا ورد فيه، فيما ورد، ذكر لقط كان يسرق من الجيران ولكنه يبدع في الإنكار. ويظهر أن صاحب الصحيفة أساء تفسير ما كتبه الخليلي فامتنعوا عن نشر أية مقالات له. ويذكّرني هذا بقصيدة هزلية لي كتبتها في منتصف التسعينات لصحيفة باريسية كان صديقي المرحوم الكاتب السوري مصباح الغفري يحرر صفحتها الهزلية. كتبت القصيدة على نياتي، أي بلا استهداف أحد، وكان مطلعها:

عطس الهر ففر الأسدُ            واتاني باكيا يستنجدُ

قال: "يا مولاي [ريمي] قاتلي     وأنا مستضعف مستوحدُ"

قلت "لا تبك، فقطي عاقل        فيلسوف وبه نسترشدُ   ألخ.

صاح الغفري بجد، وقال: "ماذا!! هل تريد منع الصحيفة في سوريا؟!" لم أفهم قصده، فشرح أن الرقابة السورية سوف تفسر كلمة [الأسد] وكأنها تعني [حافظ الأسد] وأن القصيدة سخرية بالقيادة السورية. ضحكت كثيرا، فضحك معي، وبالطبع سحبت القصيدة.

 

ومن مواقف الخليلي رفضه لاشتغال رجال الدين بالسياسة وشؤون الدولة، ويذكر لنا في كتابه "هكذا عرفتهم" مثال الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، وكان من كبار المجتهدين. فقد انخرط في خضم الخلافات السياسية في منتصف الثلاثينات، فانضم لجبهة ياسين الهاشمي ضد جبهة الأيوبي، وكانت عشائر الفرات الأوسط قد انقسمت بين الجبهتين، ولجأ المتخاصمون إليه، وصار هدفا للجميع. فترك العمل السياسي بعد فشل محاولاته لإصلاح ذات البين. يقول الخليلي إنه قال الشيخ:

" ليس لدي اعتراض أن تمضي في تأييد من تريد من الساسة لو كنت سياسيا، أما وإنك زعيم روحاني، فلا يسوغ لك، بأي وجه من الوجوه، أن تميل إلى جهة دون أخرى وأنت في هذا المركز من الزعامة الروحية"  ["هكذا عرفتهم" جزء -1 - ص 236].  فأين نحن اليوم من تجربة الشيخ؟!

 

لقد فقد العراق برحيل الخليلي في منتصف الثمانينات - وهو بدولة الإمارات - شخصية فريدة حقا، فكرا وثقافة، وخسره كاتبا متميزا ومؤلفا وشخصية اجتماعية جذابة، كما فقدتُ شخصيا، مع غيري، وهم كثيرون، صديقا عزيزا، آسف لأنني  لم أتعرف عليه في عز الشباب، ولا نزال، شقيقاتي وأنا، نتذكره ونستعيد أيام زمان، ومن حسن الحظ أن علاقاتنا ببناته الوفيات لم تنقطع يوما. فألف تحية لذكراه، وما أجدره بأن يكتب اسمه على شارعين، أحدهما في النجف الشريف والثاني في بغداد. ولكنها أمنية غير عملية في عراق اليوم حيث كاد يندرس ذكر الساسة والمثقفين العلمانيين من تلك الأجيال، وحيث جرى، ويجري، تهميش الأفكار العلمانية والعلمية، وإذ برز مئات من الإمّعات من سراق الشهادات، وأبطال الفساد.  

                    14 شباط 2010

 

ملحق: هذا نموذج من رسائله الودية الظريفة لي وهي بتاريخ 6 نوفمبر 1973 :

"بغداد -  كرادة مريم.

 

 

 

"اعتدت في كل عيد أن أمر – أول ما أمر عند خروجي من البيت – بوالدتك، متفقدا إياها ومباركا عيدها. وفي هذا البيت كنت أستعيد ذكريات والدك وأخويك المرحومين، [عبد الأمير ولطيف]، وعلى قدر الإمكان كنت أدخل السرور على نفسها. وفي هذا العيد لم أخرج من البيت لذلك نسيت هذا الواجب. وقد سألتني ابنتي ابتسام أمس عما إذا كنت قد مررت بأم عزيز جريا على العادة، فأسفت كل الأسف وبادرت حالا فلبست ألبستي وقصدتها. وكالعادة، استقبلني ألف بزون وبزون على الباب الخارجي، ومثلها على الباب الداخلي، والله العالم كم بزون وبزونة كان في الداخل، ولا أدري من هذا الذي خدع الآنسة شقيقتك فقال لها إن هذه القطة سيامية أصيلة تنفرد بين جميع القطط بمزايا لم يحظ بها بزون من أول ما عمرت الدنيا حتى اليوم فراحت تعنى بها عناية تفوق والله عنايتها بنفسها. وعلى ذكر البزازين أخبرك وأنا خارج من البيت قبل أيام وإذا بقط عجيب يدفع باب بيتنا ويهم بالدخول، فقلت له: " أعتقد أن رأسك قد دار- على حد تعبيرنا- فالبيت الذي تريد هو البيت المجاور لنا". وكما لو كان هذا القط يفهم اللغة فأدار رأسه وأنا أراقبه وسار إلى بيتك. لست أدري كيف جرني القلم إلى هذه التوافه وأنا أريد أن أقول لك بأني زرت بيتكم وهناك ناولتني الآنسة شقيقتك بطاقة معايدتك وأكثر ما سرني فيها أنها كانت تعرب عن صحتك.."

هذا نموذج من رسائله، التي تمزج الجد بالفكاهة المطلية بالمبالغة المرحة، والتي كانت تدل على ما كان عند الرجل من وفاء لجيرانه وأصدقائه ولمن تعرف عليهم، وهو الوفاء النادر الذي تعكسه كل صفحة من صفحات كتابه الرائد "هكذا عرفتهم".]

 

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف واختيار وسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته