مخصصة لموقع
لكاتب العراقي.
-3-
قبل دخول بلدة (المحاويل،) على طريق بغداد-الحلة، ثُبتت لوحة صغيرة
في الأرض على الجانب الأيمن من الطريق تُشير بسهم تحته كتابة تقول: من
هنا مقبرة جماعية. كانت المقبرة الجديدة، سبقتها عدة مقابر، قد أكتشفت
بعد دخول الأمريكان بوقت قصير إلى بغداد، وجاء الناس إليها على مدى
أيام من كل مكان؛ من بغداد والمحافظات. وفي ذلك اليوم كان الناس، آباء
وأمهات، زوجات وفتيات على الأكثر، يتوافدون منذ الصباح على مكان
المقبرة غير مبالين بلسعات البرد في أول الصباح ولا بغبار الطريق
المترب تثيره بعض السيارات المسرعة إلى حيث المكان. كانوا يسرعون في
مشيهم، ولكن الرجال كانوا الأسرع مشيا الأمر الذي جعلهم يلتفتون بين
حين وآخر إلى النساء، ينتظروهن مرة ويحثوهن على الإسراع في المشي مرة
أخرى. وكان هو يماشي إمرأته، صابرا عليها.
" ها تعبتِ " سألها.
" لا لا ما تعبت " قالت. " روح إنتَ حتى تشوفهم من يحفرون "
" لا امشي وياج " قال " وصلنا ما بقى شي " أضاف يحثها.
كانا بالأمس قد عزما على الذهاب إلى المقبرة الجماعية الجديدة حال
سماعهما باكتشافها. قبل هذا ذهبا إلى أول مقبرة جماعية اكتشفت ولكنهما
لم يعثرا على شيء. يومها عادت إلى البيت وسقطت طريحة الفراش وقد هاج
عليها مرضها. وحين عرض عليها الذهاب إلى طبيب رفضت.
" ما يفيدني الطبيب " قالت. " علتي مو بجسمي علتي هنا هنا " وضربت
على صدرها بجمع يدها، وراحت تبكي من جديد. وبقيا طوال أيام يتتبعان
أخبار العثور على مقابر جماعية جديدة حتى سمعا بالمقبرة التي اكتشفت
بالأمس. وليلتها لم ينم الإثنان حتى ساعة متأخرة من الليل، ولكن الرجل،
لا يدري كيف، إستسلم للنوم بينما بقيت المرأة ساهرة حتى الفجر. وحين
إستيقظ على صوتها تناديه فتح عينيه ووجدها تجلس على سجادتها، تسبح.
" ليش تركتيني انام " قال متضايقا.
" شفتك تعبان كلت خطيه خلي يرتاح شويه " قالت. " كوم غسل وجهك وأكل
لكمه حتى نروح قبل ما تطلع الشمس "
كان الرجل يجاهد دائما أن لا يُظهر مشاعره وما يجيش في داخله أمام
إمرأته. فحين يفيض به الحزن والأسى يذهب ويختلي بنفسه في زاوية من
البيت، يبكي بصوت منخفض، وهو يمسك رأسه بكلتا يديه، يهزه يمينا وشمالا
لدقيقة أو دقيقتين ثم يسكت ويهدأ. وقبل ان يخرج من مخبئه ويظهر أمامها
مرة أخرى يمسح دموعه ويغير من تعابير وجهه ويرتب نفسه. كانت تعرف ما
يفعله حين يغيب عنها في مكان ما من البيت فلا تسأله حين يظهر أمامها
وهو يتكلف مظهرا عاديا، ولكنها تنظر إليه كما لو أنها تنظر إلى ولد
يتيم فقد أبويه وبقي بلا سند ولا معين.
وفي أول الصباح خرجا من دارهما القديم في محلة (الشواكه.) أغلقا باب
الدار التي يعيشان فيها وحيدين منذ سنوات وسارا في الدرب الذي خلا من
المارة سواهما وبدأ يُضاء شيئا فشيئا بنور الصباح. مرا بدكان (فرج)
العطار الذي يفتح دكانه مبكرا في كل صباح ليكون في إنتظار بائعة (كيمر
العرب) تأتي بالصينية المخصصة له. صبحا على الرجل الذي يعرف بقصتهما
ويتعاطف معهما ويزورهما في البيت بين حين وحين، يبكي أمامهما قليلا
ويُبكي المرأة معه ثم يبدأ يواسيهما ويستفسر منهما.
" الله يساعده عايش وحده بالبيت ولد واحد جان عنده وراح شلون ولد
" قالت المرأة وهما يجتازان دكان العطار.
" عدمو وجابو للبيت وأخذو من أهله فلوس الرصاصة شلون ظلم " قال
الرجل وكأنه يكلم نفسه.
" الله ينتقم منهم "
" حتى فاتحة ما قبلو يسووله شلون ظلم شلون إذلال "
" الله ينتقم منهم دنيا وآخره "
" بعد لا يروح يبحث عن ابنه بمقبرة جماعية ولا هم يحزنون "
" اتعزه على عمره وكعد من زمان شيسوي بعد يروح "
" اعتقد من يذكر ابنه مرات يجي يزورنه بالبيت "
" الله يساعده شلون عايش وحده بعد ما ماتت مرته "
" ما طولت شهر بعد اعدام ابنها تمرضت وماتت المسكينة "
خرجا إلى شارع (علاوي الحله) العام وسارا في الطريق الذي لم يكن قد
أزدحم بالسيارات والناس والأشياء بعد، متجهين إلى كراج (العلاوي.) كان
اليوم الجمعة والكراج يزدحم بالمسافرين إلى محافظات الجنوب والوسط. ولم
ينتظرا طويلا؛ ركبا مع الراكبين إحدى سيارات الـ (كيا) المتجهة إلى
محافظة (النجف.) سارت بهما السيارة قرابة الساعة كانت المرأة خلالها
تتذمر من طول المسافة وبطأ السائق في السياقة.
" بعد شويه نوصل " قال الرجل، يهون عليها.
كانت الشمس تشرق عندما اقتربت السيارة من بلدة المحاويل. توقفت على
جانب الطريق، على مبعدة من اللوحة الصغيرة التي تشير بسهم إلى ان (من
هنا مقبرة جماعية.) نزل من السيارة وساعدها على النزول ثم مشيا إلى حيث
اللوحة الصغيرة، وانضما إلى الجمع من الناس الذين كانوا يدخلون في
الطريق وينحدرون إلى المكان الذي يبعد عن الشارع العام مسافة كيلومتر
أو أكثر بقليل.
واقتربا من مكان المقبرة الجماعية.
" اخذتِ الدوا الصبح " سألها بلطف وهو يماشيها.
" اخذت " قالت. " هاك هذه صورته عمت عيني عليه اخذها وياك حتى
تتعرف عليه زين " أضافت ثم توقفت لتخرج من جيبها صورة فوتوغرافية. أخذ
الصورة وأنعم النظر فيها فتغيرت ملامح وجهه فجأة.
" هذه وين عثرتِ عليها " سأل متعجبا.
" لكيتها بين كتبه مال الكلية "
" هذه الصورة من كان بالكلية لابس قميص أبيض وينطلون رصاصي " قال
الرجل. " لكن من اخذوه من البيت كان بملابسه العسكرية ما تذكرين "
" اتذكر عمت عيني عليه " قالت وبدأت تنشج.
" اخذوه بملابسه العسكرية "
" عمت عيني اتذكر " قالت وزاد نشيجها.
" شلون شاب "
" إي والله عمت " قالت وبدأت تبكي بصوت عال قبل ان تصل إلى المكان.
" يكفي يابه انتِ مريضه " قال " ابقي هنا وآني اروح اشوف " طلب
منها وهو يساعدها في الجلوس على حجر كبير.
كانت هناك مجاميع من الناس. جاء ووقف مع مجموعة تتحلق حول حفارة
كبيرة تحفر في مساحة من الأرض واسعة. وانتظر مع المنتظرين وقلبه يخفق.
ولما لم يظهر شيء مما كان ينتظر ذهب ليقف مع مجموعة أخرى من الناس على
حافة حفرة كان ثلاثة او أربعة من الشباب يحفرون فيها هنا وهناك. واصطدم
رفش أحدهم بشيء صلب، توقف وانحنى فوقه، تحسسه بيده وراح يزيح التراب
عنه برفق. وعندما بدأت تظهر من تحت التراب بعض العظام ثم ملامح هيكل
جثة او جمجمة أو ما يشبه الأيدي والأرجل نهض وراح يحفر من جديد بحذر
زائد حتى ظهر هيكل ضحية شبه كامل. إندفع هو قبل ان يندفع الناس
الآخرون، ونزل إلى الحفرة، وراح ينعم النظر ويدقق في الهيكل العظمي
وركز فحصه على الجمجمة. ولما لم يتعرف على ولده فيها إندفع، فجأة،
هائجا مهتاجا، دافعا هذا وذاك عن طريقه وبدأ ينبش بيديه هنا وهناك في
الحفرة الكبيرة كما لو أن مسا أصابه. كان على يقين أنه سيتعرف على ولده
من هيكل جثته إذا عثر عليه كاملا أو من جمجمته وحدها، لا يدري كيف ولكن
إحساسه بذلك كان قويا. كان يشبهه وكان ولده الوحيد، لم يُعط ولم يُنشا
ولم يرع غيره، ولم يمض أكثر أوقاته إلا معه ولم ينظر إلى أحد كما نظر
إليه ولم يحفظ ملامح وجه إنسان كما حفظ ملامح وجهه. كان له رأس كبير
وأنف بارز، وجه أبيض وجبهة عريضة، أسنان بيضاء ولحية جميلة. كان في
السادسة والعشرين عندما أخذوه في الليل من البيت. حدث ذلك قبل ان تبدأ
حرب تحرير الكويت. جاؤا إلى البيت قبل أيام من مجيئه في اجازته
الدورية. فتشوا البيت الصغير، القديم وبعثروا كل شيء فيه. وسألوا عنه.
جلسوا أمام والده وراح أحدهم يستجوبه. قال لهم الأب إن ولده جندي
إحتياط في الجيش بعد ان تخرج من كلية الطب في تلك السنة وهو في وحدته
العسكرية الآن ولا يعلم متى يأتي في إجازته. طلبوا منه ان يعطيهم إسم
وعنوان وحدته فعرف العنوان ولم يعرف الإسم. كانوا يتحدثون مع الرجل
وإمرأته بعد استجوابهما حديثا عاديا ووديا وكأنهم يعرفون أهل البيت
معرفة سابقة، بل وشربوا معهما الشاي أيضا. كان الرجل والمرأة مستسلمين،
خائفين ومتوجسين مع وجود هؤلاء الأشخاص الغرباء في البيت معهما، لا
يعرفان ولا يدريان ما العمل وماذا يقولان قبل ان يغادروا البيت أخيرا.
وفي مغرب ذلك اليوم الذي جاء فيه إلى البيت من وحدته العسكرية ليتمتع
بأجازته الدورية داهموا البيت. داهموه بعد أقل من عشر دقائق من دخوله،
قبل ان ينزع ملابسه العسكرية وقبل ان يجلس مع والديه وقبل ان يأكل
شيئا. نهض مذهولا للمفاجأة فأحاطوا به. سأله أحدهم إنت (صادق؟) قال
نعم. تعال معنا للفرقة. لماذا؟ لدينا بعض الأسئلة. لن يطول الوقت، ساعة
وترجع للبيت. أخذوه من بين والديه وسط ذهول والده وحيرة والدته. وبقيا
الوالدان أياما وشهورا وسنوات ينتظران على أمل ان يعود إليهما بعد
ساعة. ولم يعد إليهما منذ ذلك اليوم.
وعاد الرجل بعد ساعة تقريبا، يمشي والريح تضرب وجهه وقد تسربل
بالتراب.
" ما عثرت عليه بحثت في كل مكان عاينت كل الهياكل والجماجم وتفحصت
كل العظام ما لكيته " قال الرجل محبطا، منكسرا.
نظرت المرأة إليه، متأملة في وجهه، وأرادت ان تتكلم، لكنها أمسكت
لما رأت دموعه تنساب من عينيه على خده وتختلط بالتراب الذي غطاه.
وساعدها في القيام من على الأرض برفق ثم أخذ بيدها، ولكنها أفلتت منه.
" اروح آني اشوف " قالت ومشت مبتعدة عنه.
" وين رايحه لا تروحين مو إنتِ مريضه يا يابه " قال وهو يلحق بها.
جاءت إلى حيث يحفرون؛ يحفرون بالحفارة وبأيديهم. راقبتهم، صامتة
ومستوفزة. ولما لم تحصل على شيء حولت نظرها إلى مكان وضِعت فيه على
الأرض، بصفين متقابلين بينهما ممر، أكياس نايلون عُبئت فيها، وقد لُفت
بقطع من القماش الأبيض، جماجم وعظام أيدي وأرجل وعظام أخرى متفرقة
لضحايا مجهولين لم يتم التعرف عليهم كما يبدو. جاءت إلى المكان ومشت
داخل الممر، ثم توقفت تنظر، واجمة متأملة إلى صفي أكياس النايلون
المتقابلين. رفعت رأسها، واحتوت ببصرها مكان المقبرة الجماعية الممتد
أمامها. شاهدت احد الشباب يجلس على تلة صغيرة، يضع يده على خده وينظر
في حفرة جُمعت فيها أكوام من العظام وعدد من الجماجم. وشاهدت مجموعة من
النساء يجلسن، متسربلات بالسواد، حول تابوت جديد لُف بالعلم العراقي
ووضعت على رأس التابوت صورة شاب بالملابس العسكرية، يلطمن ويبكين.
وشاهدت إمرأة تنتقل من حفرة إلى أخرى وهي تحمل صورة تجمعها مع زوجها في
يوم عرسها. وشاهدت إمرأة تجلس على طريق الناس وترفع بوجه باك خمسة
أصابع أمام كل من يمر بها. وشاهدت شابا يحمل على صدره لفافة بيضاء
صغيرة، ينظر إليها ويقبلها وهو يبكي. وشاهدت ناسا يتفحصون مجموعة من
الجماجم والعظام وضِعت داخل توابيت ويحاولون ان يتعرفوا فيها على من
فقدوا من ذويهم. وشاهدت احدهم يجلس في حفرة وإلى جانبه جمجمة ومجموعة
عظام تضم ساقين ويدين، وقد راح يرتبها على شكل هيكل جثة. وشاهدت حشدا
من الناس يطوفون في المكان وهم يحملون مجموعة من أكياس النايلون فيها
عظام مختلفة، يكبرون ويسترجعون. وشاهدت إمرأة تحمل فك إسنان كامل وتنظر
إليه باكية. وشاهدت احد أعضاء فرقة طبية، يضع كمامة على أنفه ويلبس
صدرية زرقاء وهو ينبش في حفرة. وشاهدت رجلا يحمل بيد كيسا فيه مجموعة
من العظام لُفت بقطعة قماش بيضاء ويقود بيده الأخرى إمرأته وهي تبكي،
خارجين من مكان المقبرة الجماعية. وشاهدت وشاهدت. ثم رفعت رأسها إلى
السماء وبقيت تنظر في أرجائها. فجأة، هوت إلى الأرض بقوة وتكومت بين
صفي الجماجم والأيدي والأرجل الناقصة والمتكسرة والعظام المتفرقة التي
لا يمكن تمييزها وقد صُفت على الأرض أمامها، مكشوفة وملفوفة. ومدت
ذراعيها على وسعهما وبدا كما لو أنها تريد ان تحتضن كل هذه الأشياء
التي كانت يوما بشرا يمشون على الأرض وتضمها إلى صدرها. ووقف الرجل
خلفها ينتظر منها ان تقوم من مكانها. ومر وقت قبل ان يفلح في إقناعها
بالكف عن النواح والبكاء ويقيمها من على الأرض بعناء ولطف. وأخذ بيدها
ثانية ومشيا إلى الشارع العام، خارجين من المقبرة الجماعية فارغي
الأيدي. مشت المرأة مهدودة، ساكتة وهادئة كما لو أنها قد استسلمت
أخيرا. ومشى الرجل إلى جانبها وهو ينظر إليها، مشفقا عليها. وفكر،
مسكينة، قاست الكثير. لن تذهب معي إلى أية مقبرة جماعية جديدة بعد
الآن. سأذهب وحدي.
ahmedjassimalali@yahoo.com