ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

نهار حسب الله

 قصص قصيرة جداً

 
 
 

الدم الأبيض

حنان طفلة صغيرة نباهة ذكية، كثيرة التساؤل.. تعشق الطبيعة وعلومها، تبحث عن إجابات لعدد من الأسئلة..

سألت معلمة مادة العلوم في المدرسة عن لون الدم..

أجابت المعلمة: كل المخلوقات تحمل الدم الأحمر اللون.

قاطع الطفلة المعلمة: لكني قطفت زهرة من حديثة بيتي باحثةً عن نزيف دمها الأحمر، ولم أجد ذلك النزيف حتى وهي تفارق أنفاسها الأخيرة.. وأنا اعتقد ان شرحكِ للموضوع غير دقيق ولا أرى ان كل المخلوقات تحمل الدم الأحمر اللون.. لأني أعرف لون آخر للدم وهو الأبيض، وقد تعرفت على هذا النوع من الدم من خلال شجرة التين التي تنزف دماً ناصع البياض عند قطف ثمارها.

هل من الممكن إعادة شرح هذا الموضوع بصورة دقيقة أكثر موضوعية ليتسنى لنا فهم الدرس والاستفادة منه.

قالت المعلمة: ان الورود تعبر عن السلام والمحبة وقد خلقها الله مسالمة حتى عند موتها فهي تكتفي بالدموع بدلا عن الدم.. أما بالنسبة للدم الأبيض فهو يعبر عن نقاء وصفاء تلك الشجرة التي عمد الله سبحانه وتعالى على اختيارها نموذجاً للطيبة والخير في كل كتبه السماوية.

قالت حنان: ولماذا لم نأخذ من الورود أو أشجار تين مثلاً نحذو حذوه.. ولماذا نعشق الدم الأحمر القاني لدرجة ان والدي كان يشرب الدم أكثر من عصير البرتقال !؟

المعلمة: لابد ان تعلمي اننا خُلقنا وسط صراعات الخير والشر والصالح والطالح ولذلك خَلق الرب الجنة والنار.

وختمت المعلمة كلامها بالقول: كفاكِ أسئلة ولا تحاولي الخروج والابتعاد عن موضوع الدرس.  

 

شذوذ

اجتمع عدد من المجرمين والقتلة في ساعة متأخرة من الليل في إحدى خانات المدينة..

غنوا ورقصوا مع طرقات الكؤوس كانوا يتباهون فيما بينهم بما ارتكبوا من جرائم.

قال أحدهم:

-   سأروي لكم يا رفاق أهم جريمة في حياتي وهي ذبح خمسة أطفال دون سن السادسة بعد اختطافهم وابتزاز ذويهم.

وقال آخر:

-   أما أنا فقتلت أكثر من خمسين طفلاً بسيارتي المفخخة التي عملت على تفجيرها أمام مستشفى للاطفال.. وقبضت ثمناً يستحق العناء ممن يحترم جهدي.

رد ثالث:

-   انا لا يعجبني ان اقتل أحداً ولكني اعشق ان احرق، وفي الصباح حرقت ثلاثة منازل كانت مكتظة بالسكان العزل الغاطسين في النوم.

وقال رابع:

-   أنا أكره أمي لانها تزوجت غير أبي.. لذلك قطعت رأسها دفنته في بطنها حتى لا يتعرف عليها أحد..

سمع كلامهم أحد الشباب السكارى الجالسين على مقربة منهم في الخانة.. وقال لهم بصوت متقطع:

-   اسمحوا لي ان أشارككم السهرة.. كل منكم عرض موجزاً من سيرته الذاتية.. ولكن جميعاً لم تصلوا الى المستوى المطلوب أو الى اية درجة من الإبداع.. أنا أكثركم إبداعاً وشراسة..!

الجميع بصوت واحد: (كيف؟)

-   أنا أعمل في الطب العدلي وأسكن فيه أيضاً أسهر طوال ساعات الليل بين أجمل الأجساد التي لا تعمل على مقاومتي عند اغتصابها والتشبع منها.. وبعد ان أريح نفسي عمل على اخذ قطعة لحم صغيرة من ذلك الجسد المغتصب واكلها وهي نية!!

أعجب الجميع بما قال ذلك الشاب، لان شكله لا يدل على الإجرام..

تساءل احد الجالسين:

-   مادمت تعمل في الطب العدلي.. هل تذكر جثث النساء الفاتنات الثمان اللواتي افتقدن رؤوسهن

-   نعم.. هذه الجثث وصلتنا في تموز 2006.. وكان يوم لا ينسى.. لقد اغتصبتهن جميعاً في ليلة واحدة..

-   كيف.. وهن بلا رؤوس؟!

-   بعد ان سئمت من تلك الأجساد التي أمارس معها الحب يومياً.. قمت بقطع رؤوسها وتركيبها على الأجساد الطرية الجديدة التي لا يزال دمها ساخناً.. ومارست هوايتي حتى الصباح.

-   ألا تخشى ان يكتشف أمرك؟؟

-   لا.. لا.. لأني ببساطة اكتب في تقريري صباح كل يوم.. ان كل الجثث الموجودة في الدائرة مجهولة الهوية.   

تضحية

 

شابة جملية تفتن كل من يراها لجمالها وحسن أخلاقها وطيبة قلبها وشجاعتها التي يصعب وصفها..

أكملت العشرين من عمرها، تزوجت لفترة وجيزة وبسبب وفاة زوجها غير المتوقع رهبت حياتها لخدمة عائلتها والمكونة من ام وثلاثة أطفال.. 

عملت على إحكام إغلاق أبواب الحب والعاطفة والغريزة حتى باتت رب أسرة لتلك العائلة البسيطة..

حاول عدد من الناس من أشباه الوحوش التقرب منها والوصول الى قلبها لإغوائها وإذلالها ولكنها أبت الاستسلام لتلك العواطف الزائفة.

لم يكن يشغل فكرها سوى الحصول على مصدر لزرق شريف لسد ظمأ عائلتها التي وضعها الزمن في مثل هذا الحال.

عملت في إحدى المؤسسات وباجور يومية متواضعة..

كان حسن خلقها قد جعلها مصدر إعجاب الجميع.. حتى أعجب بها احد الزملاء ودعاها دعوة صريحة للزواج.. وكالعادة كان جوابها الرفض على الرغم من وثوقها بانه مناسب جداً لها ولعائلتها أيضاً.

بقي ذلك الشاب يبحث عن شتى الوسائل للوصول الى رضاها من دون ملل او كسل.

كان يراقب خطاها الحذرة من الجميع؛ مثلما يلاحظ ملابسها المحتشمة التي لا تسمح لاحد ان يختلس النظر إليها.

كان رفضها الجاد للارتباط به سبب لان يعشقها أكثر من ذي قبل.. حتى قرر ان يحبها عن بعد..

بقيت الحال معلقة لدهر من الزمن وبقي الشاب يترقب وينتظر ما يطمح إليه حتى أصبح شيخاً طاعناً في السن.

وبقيت رافضة الارتباط بأي انسان.. وظلت مثلاً للتضحية والوفاء.

 

اللحم البشري

تعالت أصوات الجوع وصرخات الشكوى أمام قصر ملك البلاد وحاكمها الأوحد؛ بسبب الجوع والعوز الذي حل بالشعب.

أصوات طالبت الحاكم بسد حاجة شعبه وانتشاله من مجاعات أرهق من إحصائها وانتظار نهاياتها.

تصاعدت الصرخات أكثر وأكثر حتى خرج ملك البلاد الى باحة قصره وأمر شعبه بصوت صارم أن يأكل بعضهم بعضاً للحفاظ على ميزانية الدولة لأن أعدادهم زادت عن سعة الأرض الجغرافية!  

كلمات الحاكم أصابت الجمع بالدهشة والخوف..!

وتابع الحاكم كلامه قائلاً:

-       أرى في وجوهكم علامات التعجب والاستفهام.. ان اللحوم البشرية لها مذاق خاص ولا تسبب التخمة.

ولكن طهيها يحتاج الى عناية وتركيز وخبرة.. لذلك لا أمانع من اللجوء الى طباخي القصر الرئاسي للاستفادة من خبراتهم في طبخ اللحم البشري.

 

اعتقال الخجل

اجتمع حاكم البلاد اجتماعاً طارئاً بالقيادات الأمنية العليا؛ وذلك للقضاء على الخجل.. فأمر رجال الأمن باعتقاله لأنه مصدر إزعاج الجميع.

دخل رجال الشرطة والأمن وحرس الحدود حالات استنفار وتأهب تام وقاموا بعمليات تفتيش ومداهمة واسعة في جميع أرجاء المدينة بحثاً عن الخجل.. ألصقوا إعلانات تفيد بان أي معلومة تدل القوات الأمنية على الخجل ستكون مقابل مكافأة مجزية.

مضت الأيام سريعاً.. ولم يتمكن أحد من الوصول الى الخجل وإلقاء القبض عليه.

وذات يوم طلب شيخ طاعن في السن مقابلة الحاكم مدعياً انه يحمل في جعبته معلومات تفيد بإلقاء القبض على الخجل.. ولن يقولها إلا أمام الحاكم.

استقبله الحاكم بحفاوة وفرح وكأنه صديق عمره.. 

قال الشيخ للحاكم:

-   يا سيد البلاد.. نساؤنا بتن يخجلن الخروج من البيوت حتى لا يتهمن بأنهن متسولات متزوجات من متسولين.

ضحك الحاكم بفرح وقال: جيد.. هذا خير إثبات على ان الخجل مذنب بحق البشرية.

تابع الشيخ كلامه قائلاً:

-   يا مولاي.. نحن الآن حفاة عراة مرضى من شدة العوز ومن يوقف صرخاتنا ذلك الخجل.. ونحن لا نملك شيئاً في الحياة..

انتم أصدرتم قرارات باعتقاله.. فهل من بديل يكظم غيظنا.. قبل ان تتفجر عواصفنا تجاه قصرك؛ فنقتلعه من جذوره؟

صاح الحاكم بصوت خانق:

-   أنت متعاون ومتساهل ومتستر على ذلك المجرم..

وأمر سفاحيه بقطع رأس الشيخ وسط المدينة، وأصدر حكماً بإعدام الخجل غيابياً.

 

ابتلاء.. دفع البلاء

يجد قمة السعادة كلما تمكن من مساعدة أي انسان.

يساعد المحتاج ويدفع أكثر من نصف راتبه الشهري للصدقات والمُحتاجين..

وقد اعتاد شحاذو الحي على كرمه، حتى أصبح صديق الجميع.. بوصفه انساناً لا يرد سائلاً ولا محروماً.

كان الصيد السهل لؤلئك الشحاذين المستغلين أشباه اللصوص.. الذين تعتمدون الاستجداء وسيلة لإقناع أي مخلوق.

كانت تصرفاته قد جعلته مداناً بالضعف واللامبالاة أمام رفاقه وأصدقائه.. وكان يكتفي بجواب واحد يصد به كل من حوله وهو (دفعة بلاء).

وذات مساء ممطر بارد.. كان يسير بسيارته متوجها الى بيته.. كانت شوارع المدينة مزدحمة.. شبه فارغة بسبب هطول الامطار الغزيرة التي غطت الشوارع.

وفجأة تنبه لشيخ طاعن في السن كان مستلقياً على جانب الطريق والمطر والبرد قد أثقلا عليه ونالا منه من دون مقاومة..

اوقف سيارته بلا تفكير وحمل الرجل الى داخل السيارة وانطلق بأقصى سرعة لاقرب مستشفى.. ولكنه لم يفلح في ذلك لأن المدينة كانت قد اغلقت تماماً بسبب الامطار.. افنطلق به الى بيته.

وعند وصوله الى البيت.. فتح باب السيارة الخلفي حيث كان الرجل مستلقياً مثلما وضعه ولم يكن قد تحرك إطلاقاً، اعتقد ان الشيخ يعاني من حالة إغماء بسبب البرد القارص الذي تعرض له.

حمله راكضاً به الى الداخل ووضعه قرب مدفأته جاء بمنشفة طويلة بيضاء ليمسح مياه الامطار التي اغرقته..

بدأ يمسح وجهه وصدره.. حتى تنبه بان المنشفة البيضاء اصبحت حمراء اللون وفوجئ بان الشيخ مصاب بعيارات نارية في صدره وقلبه، ودمه قد اختلط مع قطرات المطر!

فتش في جيوبه باحثاً عن هويته أو هاتفه الشخصي أو أي شيء يعرف به.. فلم يجد أي شيء يدل على اسمه او عنوانه..

فكر ملياً في ايجاد حل للخلاص من هذه المحنة العصية، فكر بابلاغ اقرب مركز شرطة.. لكنه سرعان ما تردد لانه سيقدم لنفسه إعداماً مجانياً..

لم يكن يعتقد يوماً بان فعل الخير ومساعدة الاخرين ستؤدي به الى هذه الحال.. اتصل هاتفياً باحد أصدقائه المقربين وقال له بصوت متقطع مرتعش:

-   يا صديقي.. أرجوك ساعدني.. لقد أصبحت مجرما ولكني لم اقتل أحداً.. أنا محكوم بالإعدام من دون محاكمة.. أنا الآن ميت أتنفس..

الصديق:

-   لا تكن سخيفاً الى هذا الحد.. كف عن هذا المزاح البارد في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل.. على ما يبدو انك ثمل هذه الليلة ولا تعرف ماذا تقول.. تصبح على خير..

ومع إغلاق سماعة الهاتف.. شعر بإغلاق باب الحقائق مع باب الرحمة.

رائحة الجثة أجبرته على دفنها في حديقة البيت.. وبقي السر مكتوماً بين تراب الحديقة وأزهارها التي باتت تقطر دماً.. وتضخ رائحة الموت بدلاً من أريج العطر الخلاب..

 

جلوس أبدي

لم يكن محباً إلا للاعمال الشاقة والمرهقة لأنه كان على يقين بانها توفر له رزقاً حلال مئة بالمئة..

كان يركض طوال ساعات النهار من دون استراحة.. يتسابق مع أنفاسه من اجل لقمة العيش التي باتت صعبة خصوصاً بعد وفاة والده أثر مرض السرطان..

لم يفكر لحظة في الجلوس والاسترخاء على كرسي بل كان يتحرك بسرعة غير طبيعية.

كان دائم البحث عن كل وسائل الراحة لعائلته التي بات هو أملها الوحيد.

لكنه انطفأ عندما اجبر على الجلوس الابدي فوق كرسي المعاقين بعد ان بُترت ساقيه بانفجار قريب من مكان عمله!

 

مجرد إحساس

مضت ثلاثون سنة على أول وآخر قصة حب عمياء عاشتها بكل فخر مع من تحب بكل اخلاص ووفاء.. عاشتها مع ذلك الجار الذي سلب قلبها وعقلها، حتى صبح بالنسبة إليها ليس حبيباً حسب وإنما أباً شديداً له قراراته الحديدية الصارمة غير القابلة للنقاش والجدل.. وكان أماً حنون وأخاً عطوف.. كان العالم بأسره.

تزوجا بعد عناء طال أمده بسبب المجتمع القبلي المحيط بهم والذي يرفض مفهوم الحب والعاطفة..

ثلاثون سنة مرت بسرعة.. عبأت الحبيبة جملة أسئلة مؤجلة..

كانت دائمة المحاولة لطرحها على حبيبها.. لكنها كانت تعتقد ان الحبيب سيفهمها من دون حاجة الى الكلمات والأسئلة الحرجة.. 

وجاء اليوم الذي أيقنت فيه انه لن يكتشف تساؤلاتها.. وقررت الانفجار بأسئلتها..

وذات مساء هادئ.. يحمل نسمات الهواء الريفي.. قالت:

-   حبيبي.. ألا تلاحظ إنك لم تقبلني على مدى هذه السنوات كلها..؟

-   أعلم ذلك جيداً.. ولكن الخلل يكمن فيكِ لأنك لم تنتبهي باني لا أملك شفاهاً أصلاً!

-   وكيف تتكلم إذن؟ (قالتها بغيظ)

-   أتكلم بلساني..  والأفضل من ذلك إحساسي.

-   ويداك التي لم تلمس جسدي أبداً.. ماذا تقول فيها؟

-   ما أروع ان ألمس ذلك الجسد البرونزي الطاغي الانوثة.. ولكنكِ تعلمين ان يداي قطعت في الحرب!

-   أي حرب هذه.. انت سليم متكامل؟!

-   لا.. بل هما مقطوعتان لأنهما ساهمتا بقتل اخوتي... بتلك الحرب الطائفية اللعينة.

-   هل أحببتي يوماً.. ام أحببت ان تملكني فقط؟

-   وما الفرق.. مادمت بلا عقل ولا عاطفة.. كان كل حبي لكِ مجرد إحساس واليوم غاب هذا الاحساس.

-   هل تعتقد باني راهبة ام قديسة.. أنا بحاجة لذلك الحب الجنوني؟

-   الجنوني.. ما أجمل الجنون إذن.. لم يكن حباً أصلاً، قلتها لكِ مراراً.. كان إحساساً فقط.

-   طيب.. انا بحاجة الى ذلك الاحساس..

-   ها أنتِ تقولين غائب؟ ابحثي عنه في كل هذا العالم.. وأنا أعدكِ ان وجدته لدى أي انسان..

لقد نسينا الاحساس بكل شيء.. صار إحساسنا العدم!

 

  

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته